sad el nahda

هل تعيد الحرب تشكيل ميزان القوة في ملف سد النهضة؟

بعد أكثر من عقد من المفاوضات المتعثّرة، افتتحت إثيوبيا في أيلول/سبتمبر الماضي مشروع سدّ النهضة، أكبر سد كهرومائي في أفريقيا على النيل الأزرق، بتكلفة تُقدَّر بنحو 5 مليارات دولار، وبقدرة إنتاجية تصل إلى 5 آلاف ميغاوات، بما يتيح لها تصدير فائض الكهرباء إلى دول الجوار.

وجاء الافتتاح في احتفالية واسعة دُعي إليها قادة الدول الأفريقية، في حين غابت عنها مصر والسودان، اللتان أصدرتا بياناً مشتركاً وصفتا فيه الخطوة الإثيوبية بأنها أحادية الجانب، مؤكّدتين أن السد يمثّل تهديداً مستمراً لأمنهما المائي، ويقوّض استقرارهما.

تزامن ذلك مع وعود أطلقها دونالد ترامب بضرورة استئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاق يضمن الحقوق المائية لمصر، وهي وعود لم تُترجم عملياً. وفي أواخر كانون الثاني/يناير، أعاد ترامب طرح الوساطة الأميركية عبر رسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بدوره في التوصل إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مقترحاً استئناف الوساطة لحل أزمة تقاسم مياه النيل، ومؤكداً أن الملف يحتل أولوية لدى إدارته.

غير أن هذا الزخم لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما انشغلت الولايات المتحدة، بالتوازي مع إسرائيل، في الحرب ضد إيران، ما زاد من ضبابية المشهد، وترك مسألة الحقوق المائية لمصر والسودان دون حسم. كما يفاقم هذا الانشغال، إلى جانب تنامي النفوذ الإسرائيلي في شرق أفريقيا، من المخاوف المصرية بشأن مستقبل مياه النيل، في ظل صمت إثيوبي يثير الشكوك، خصوصاً مع سعي أديس أبابا إلى تعظيم مخزونها المائي بمعزل عن تنسيق فعلي مع دول المصب.

يمثّل هذا التحوّل، من محاولة منع بناء السد إلى التكيّف مع واقع تشغيله، تحدياً استراتيجياً جديداً لكل من مصر والسودان، يستدعي إعادة تقييم شاملة للنهج المتّبع، بما يسمح بإدارة مرحلة ما بعد الأزمة عبر تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب ضمن معادلات جديدة فرضها الأمر الواقع.

وفي هذا السياق، يقترب الوضع القائم من أسوأ سيناريوهات ما يُعرف بـ«حروب المياه»، لا سيما بعد استنفاد المسارات الدبلوماسية، بالنظر إلى الأهمية الوجودية لنهر النيل بالنسبة لمصر، التي تعتمد عليه بشكل شبه كامل في تأمين احتياجاتها الزراعية والصناعية والمنزلية.

عقد من الفشل الدبلوماسي

يتركّز نحو 98% من سكان مصر، البالغ عددهم قرابة 116 مليون نسمة، على ضفاف نهر النيل، الذي يمثّل المصدر شبه الوحيد للمياه العذبة في البلاد. لذلك، فإن أي تغيّر، ولو طفيف، في تدفّق المياه أو كميّاتها، يحمل تداعيات عميقة، لا سيما على القطاع الزراعي الذي يساهم بنحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ويستوعب حوالي 32% من القوى العاملة، فضلاً عن انعكاساته على البنية التحتية ومسارات التنمية المختلفة.

في هذا السياق، رفضت مصر عام 2010 اتفاقية الإطار التعاوني (CFA)، المعروفة إعلامياً بـ«اتفاقية عنتيني»، التي تمنح دول المنبع حق تنفيذ مشروعات مائية من دون الرجوع إلى دول المصب. وتمسّكت القاهرة حينها بحصتها التاريخية من مياه النيل، وبمبدأ الإخطار المسبق لأي مشروعات قد تؤثر على أمنها المائي. في المقابل، اعترضت إثيوبيا على هذه البنود، خصوصاً ما يتعلق بتعريفات «الأمن المائي»، واعتبرت أن الاتفاقيات التاريخية الموقعة أعوام 1902 و1929 و1959 لا تُلزمها، لكونها وُقّعت في سياق استعماري لا تعترف بشرعيته.

شكّل اضطراب الوضع الداخلي في مصر عقب ثورة كانون الثاني/يناير 2011، وتنحي الرئيس حسني مبارك، فرصة لإثيوبيا لتسريع وتيرة بناء السد، وفرض سياسة الأمر الواقع

شكّل اضطراب الوضع الداخلي في مصر عقب ثورة كانون الثاني/يناير 2011، وتنحي الرئيس حسني مبارك، فرصة لإثيوبيا لتسريع وتيرة بناء السد، وفرض سياسة الأمر الواقع، مستفيدة من انشغال القاهرة بأزماتها الداخلية.

تدرك مصر التأثيرات المحتملة لملء السد وتشغيله على أمنها المائي، لا سيما فيما يتعلق بالسد العالي في أسوان. وتشير التقديرات إلى أن فترة الملء، التي أعلنتها أديس أبابا بنحو عشر سنوات، قد تؤدي إلى تراجع كميات المياه المتدفقة، وزيادة ملوحتها، بما يهدد القدرة على تلبية الاحتياجات الزراعية. كما أن التشغيل غير المنسّق للسد بعد اكتمال ملئه قد يفاقم من نقص التدفقات المائية إلى مصر.

مع تصاعد التوترات عقب إعلان بناء السد، دعت إثيوبيا مصر والسودان إلى تشكيل لجنة خبراء دوليين لتقييم المشروع. وعلى الرغم من عقد اجتماعات ثلاثية بين تشرين الثاني/نوفمبر 2013 وكانون الثاني/يناير 2014، لم تُفضِ هذه المسارات إلى اتفاق حاسم بشأن تنفيذ توصيات اللجنة، ما دفع مصر إلى تبنّي نهج أكثر مرونة في التعامل مع الملف.

بحلول آذار/مارس 2015، كانت إثيوبيا قد أنجزت نحو 40% من أعمال البناء، بالتوازي مع استمرار المفاوضات. وأمام تغيّر المعطيات على الأرض، انتقلت مصر من هدف إيقاف المشروع بالكامل إلى محاولة التكيّف معه. وبعد أسابيع من تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، استؤنفت المفاوضات، وأسفرت في آذار/مارس 2015 عن توقيع «إعلان المبادئ» بين مصر وإثيوبيا والسودان، كإطار عام للتعاون.

غير أن هذا الإطار لم يمنع تعثّر المسار التفاوضي لاحقاً. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، اختُتم الاجتماع السابع عشر للجنة الثلاثية في القاهرة من دون بيان مشترك أو توافق على الخطوات المقبلة، في ظل تقارب الموقفين الإثيوبي والسوداني، مقابل عزلة نسبية للموقف المصري. وبينما أقرت الدراسات الفنية بوجود آثار سلبية محتملة على مصر، رأت السودان في المشروع فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية.

بين عامي 2019 و2020، وخلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، انهارت جولة جديدة من المفاوضات التي جرت بوساطة أميركية وبمشاركة البنك الدولي، بعد رفض إثيوبيا توقيع اتفاق ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد. وعلى إثر ذلك، لجأت مصر والسودان إلى مجلس الأمن الدولي في أيار/مايو 2020، في محاولة لتدويل الأزمة.

مخاطر السد والأمن القومي

تُجمع معظم الدراسات التي تناولت تداعيات سدّ النهضة على مصر على وجود مخاطر جسيمة، تبدأ بانخفاض الحصّة المائية، ولا تنتهي عند تهديد بنية الاقتصاد والمجتمع. ويُعدّ سيناريو الملء السريع، خلال أقل من ست سنوات، الأكثر خطورة، إذ يؤدي إلى تراجع حاد في تدفّق المياه، بما ينعكس مباشرة على محطات الري الممتدة على طول النيل، ويؤثر في مياه الشرب، ويُخفض منسوب السد العالي، وبالتالي القدرة على توليد الطاقة الكهربائية.

تمتلك مصر شبكة معقّدة من منشآت الري، من بينها سدود إسنا ونجع حمادي وأسيوط، وجميعها تعتمد على استقرار تدفّق المياه. وتشير التقديرات إلى أن فقدان مليار متر مكعب واحد من المياه يؤدي إلى خروج نحو 200 ألف فدان من الخدمة الزراعية، ما ينعكس مباشرة على معيشة قرابة مليون شخص. كما يُتوقّع أن يخسر صعيد مصر نحو 29.47% من أراضيه الزراعية، مقابل 23.09% في دلتا النيل.

وتبرز خطورة هذه الأرقام في ضوء اعتماد شريحة واسعة من السكان على الزراعة؛ إذ تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن نحو 55% من المصريين يرتبطون بهذا القطاع، سواء بشكل مباشر (أكثر من 30%) أو غير مباشر عبر الصناعات المرتبطة به (نحو 25%). ويعني ذلك أن أي تراجع في الرقعة الزراعية سيترجم إلى ارتفاع حاد في معدلات البطالة، وانخفاض مستويات الدخل، وما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة.

وتحذّر دراسات علمية من أن آثار السد، خصوصاً خلال مرحلتي الملء والتشغيل، قد تدفع القطاع الزراعي نحو تدهور حاد. فبحسب تقديرات بحثية، فإن فقدان كل 5 مليارات متر مكعب من المياه يقابله خروج نحو مليون فدان من الإنتاج، ما قد يؤدي إلى فقدان نحو 20% من إجمالي الأراضي الزراعية في مصر، المقدّرة بنحو 10 ملايين فدان. كما يُفاقم التصحّر من الأزمة، إلى جانب هجرة العمالة الزراعية الماهرة، في وقت تسهم فيه التغيرات المناخية، من ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر، في خفض الإنتاج الزراعي بنسبة لا تقل عن 15%.

وفي سياق متصل، تشير البيانات إلى احتمالية تصحّر ما يصل إلى 4 ملايين فدان، مع صعوبة استصلاحها لاحقاً حتى في حال توفّر المياه، نظراً للكلفة الباهظة والجهد المطلوب. ويؤدي ذلك إلى زيادة الاعتماد على المياه الجوفية، بما يتجاوز معدلات تجددها الطبيعية، وهو ما يفضي إلى هبوط التربة، وتفاقم التآكل الساحلي، وارتفاع مستوى سطح البحر في المناطق الساحلية. وقد بدأت هذه الظواهر بالظهور بالفعل في مناطق من البحر المتوسط، ولا سيما في مدينة الإسكندرية.

أما على المستوى المناخي، فتشير التوقعات في حوض النيل إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتسارع معدلات التبخر، مع تذبذب أنماط هطول الأمطار، ما سينعكس على تدفّق النهر وتوافر المياه. وقد برزت مؤشرات هذا الاضطراب في أحداث مناخية متطرفة، مثل الفيضانات التي ضربت شمال مصر والسودان في فترات متقاربة، مسببة أضراراً واسعة ونزوح أعداد كبيرة من السكان، في مشهد يعكس هشاشة التوازن الهيدرولوجي في المنطقة.

من النهر إلى البحر

اكتمل الملء الخامس لسدّ النهضة في نهاية صيف 2024، بعدما نجحت إثيوبيا في تخزين نحو 60 مليار متر مكعب من المياه خلال خمس سنوات، منها 20 ملياراً في مرحلة الملء الخامسة وحدها، اقتُطعت فعلياً من حصة مصر. وقد انعكس ذلك على سياسات إدارة المياه والزراعة في القاهرة، ورفع كلفة المشروعات التعويضية إلى ما يتجاوز 10 مليارات دولار.

في هذا السياق، لم تعد الطموحات الإثيوبية محصورة في نهر النيل، بل امتدت إلى البحر الأحمر، حيث تمثل مصر طرفاً رئيسياً في كلا المجالين. ففي تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء آبي أحمد من موقع السد، أشار إلى سعي بلاده للحصول على منفذ بحري عبر إريتريا أو جيبوتي أو أرض الصومال، معتبراً ذلك «حقاً حيوياً» حُرمت منه إثيوبيا لعقود، ولوّح بإمكانية استخدام القوة إذا تعذّر تحقيقه بالوسائل السلمية. ويُعدّ الوصول إلى البحر عنصراً حاسماً في تمكين إثيوبيا من تصدير الطاقة التي يعوّل عليها مشروع سد النهضة.

تقاطعت هذه الطموحات مع الحضور المتنامي للإمارات العربية المتحدة في القرن الأفريقي، حيث كثّفت أبوظبي استثماراتها ونفوذها السياسي والأمني. فقد قدّمت نحو 3 مليارات دولار لدعم حكومة آبي أحمد عقب توليه السلطة، ما عزّز موقعها كشريك اقتصادي وأمني رئيسي. وبحلول عام 2023، أصبحت الإمارات رابع أكبر وجهة للصادرات الإثيوبية، فيما وقّع الطرفان في صيف 2024 اتفاقية لتبادل العملات بقيمة 817 مليون دولار، إلى جانب استثمارات واسعة في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الدوائية.

أي تراجع في الرقعة الزراعية سيترجم إلى ارتفاع حاد في معدلات البطالة، وانخفاض مستويات الدخل، وما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة

تعتمد الاستثمارات الإماراتية، في جانب منها، على وفرة العمالة منخفضة التكلفة في إثيوبيا، كما ترتبط بأهداف لوجستية وأمنية، أبرزها تحسين الوصول إلى موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي. غير أن هذه الاستراتيجية واجهت تحديات متزايدة، خصوصاً مع تصاعد التوترات الإقليمية في البحر الأحمر، وما رافقها من عمليات عسكرية نفذتها جماعة أنصار الله، ما أثار مخاوف أبوظبي من تهديد خطوط الملاحة وتطويق نفوذها في المنطقة.

وتجلّى البعد الأمني لهذا التعاون في الدعم الذي قدّمته الإمارات لإثيوبيا خلال حربها الدموية ضدّ شعب التيغراي، بما في ذلك المساعدات العسكرية والتدريب وتزويد الجيش بطائرات مسيّرة. واستمر هذا التعاون بعد الحرب، إذ شهد كانون الثاني/يناير 2025 برامج تدريب للشرطة الفيدرالية الإثيوبية بإشراف خبراء من شرطة دبي ووزارة الداخلية الإماراتية، شملت مجالات الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب وحماية الشخصيات. ويستدعي هذا التعاون الثنائي قلق دول القرن الإفريقي، التي ترى في الدعم الإماراتي تهديداً بنزاعات مستقبلية في شرق إفريقيا. 

في المقابل، تحرّكت قوى إقليمية أخرى لإعادة تشكيل التوازنات. فقد عززت إريتريا علاقاتها مع مصر والصومال منذ مطلع عام 2024، بعد سنوات من القطيعة، تُوّجت بزيارة الرئيس الإريتري إلى الصومال، وتوقيع اتفاقية ثلاثية للتعاون الأمني. كما وسّعت مصر حضورها في كل من إريتريا وجيبوتي والصومال، في محاولة لبناء منظومة ردع إقليمي تواجه أي تحرك إثيوبي أحادي، وتعزّز موقعها ضمن بعثات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي، إلى جانب انخراطها في مجموعة البريكس كأداة للضغط السياسي والمؤسسي.

على صعيد موازٍ، دفعت التداعيات الإقليمية للحرب الأميركية ضد إيران إلى إعادة ترتيب أولويات الإمارات العربية المتحدة، في ظل ضغوط مالية وأمنية غير متوقعة، خاصة مع التوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر. وفي هذا السياق، قد تتحوّل أديس أبابا إلى نقطة خلاف جديدة بين القاهرة وأبوظبي، تُضاف إلى ملفات التباين القائمة في السودان واليمن، خصوصاً مع تبنّي مصر موقفاً يبدو حيادياً في الظاهر، لكنه يحمل أبعاداً أكثر تعقيداً في توازناته الإقليمية.

هل تعطش القاهرة قريباً؟

لا يزال الغموض الهيدرولوجي سيّد الموقف بين القاهرة وأديس أبابا، في ظل غياب اتفاق ملزم ينظّم عملية التشغيل. ويستدعي هذا الواقع وضع بروتوكولات تشغيلية مرنة وقابلة للتكيّف، تحدّد بوضوح معدلات تقاسم المياه، وقواعد إدارة السد بعد افتتاحه، مع بلورة سيناريوهات دقيقة للتعامل مع فائض المياه في مواسم الفيضان، ونقصها في فترات الجفاف، وصولاً إلى حالات الجفاف الشديد الطارئة.

تعتمد الاستثمارات الإماراتية، في جانب منها، على وفرة العمالة منخفضة التكلفة في إثيوبيا، كما ترتبط بأهداف لوجستية وأمنية، أبرزها تحسين الوصول إلى موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي

في هذا السياق، يبدو التوصل إلى اتفاق الخيار الأفضل الممكن، مقارنة بحالة الشك والتلويح المتبادل بالتهديدات. كما لا يمكن التعويل على وساطة أميركية، لا في المدى القريب ولا المتوسط، في ظل تراجع مصداقية واشنطن الدولية خلال عهد دونالد ترامب، وانخراطها في صراعات أضعفت قدرتها على لعب دور الوسيط. يضاف إلى ذلك الرفض الإثيوبي المبدئي لأي وساطة أميركية، بصرف النظر عن مزاعم ترامب بحل الأزمة خلال عامه الأول

في المقابل، يحمل مشروع السد قيمة رمزية كبرى لدى الإثيوبيين، بوصفه تعبيراً عن السيادة والتحرر والتحكم الكامل في الموارد الوطنية، وهو ما يخلق حالة تعبئة داخلية واسعة والتفافاً شعبياً حول القيادة السياسية. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، ووجود حركات تمرد داخلية، وتفاقم العلاقات مع كل من إريتريا والصومال، يحتاج رئيس الوزراء آبي أحمد إلى تعزيز التماسك الداخلي. وقد ساهمت سياساته، لا سيما مساعيه للوصول إلى منفذ بحري، وعلاقاته الوثيقة مع الإمارات العربية المتحدة، في إثارة مخاوف دول الجوار، التي تسعى بدورها إلى احتواء الطموحات الإثيوبية.

وفي هذا الإطار، تحوّلت قضية الاعتراف بـ«أرض الصومال» إلى ساحة تنافس إقليمي، تتقاطع فيها المصالح، ويبرز من خلالها التباين بين السعودية والإمارات العربية المتحدة، مع انحياز مصري واضح إلى الرياض. وتندرج هذه التعقيدات ضمن مشهد صراع إقليمي أوسع، يحتل فيه سد النهضة موقعاً محورياً باعتباره القضية الأكثر حساسية بالنسبة للقاهرة.

يمكن لمصر، في هذا السياق، توظيف تعاونها الأمني مع الصومال للضغط على إثيوبيا، عبر تقويض مساعي أرض الصومال لنيل الاعتراف، خصوصاً بعد الاتفاق الذي أبرمته مع أديس أبابا، والذي يمنح الأخيرة منفذاً إلى الموانئ. ومن شأن ذلك إعادة تشكيل الحسابات الاستراتيجية لآبي أحمد، والحد من طموحاته في التمدد نحو البحر الأحمر. 

السد لم يعد تهديداً محتملاً، بل واقعاً قائماً تتحمل القاهرة بالفعل كلفته، في وقت يفرض فيه المشهد الإقليمي تحركات مصرية مستقلة نسبياً عن القوى الكبرى، التي لا يبدو أنها معنية بمنع الصراعات في القرن الإفريقي بقدر سعيها للاستفادة منها

وإذا ما اختارت القاهرة تبنّي مقاربة استراتيجية طويلة الأمد، فإن خلق مساحات احتكاك محسوبة في البحر الأحمر قد يشكّل أداة ضغط فعّالة، تتيح لها تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مع الحفاظ على مستوى من الردع غير المباشر تجاه دولة المنبع.

في المحصلة، تمثل هذه الأدوات مجتمعة خطة طوارئ تصعيدية، توازن بين الردع والانخراط الدبلوماسي، وتزيد كلفة التعنت الإثيوبي إزاء الحقوق المائية المصرية، بما قد يدفع أديس أبابا إلى القبول باتفاق يعالج الأزمة. فالسد لم يعد تهديداً محتملاً، بل واقعاً قائماً تتحمل القاهرة بالفعل كلفته، في وقت يفرض فيه المشهد الإقليمي تحركات مصرية مستقلة نسبياً عن القوى الكبرى، التي لا يبدو أنها معنية بمنع الصراعات في القرن الإفريقي بقدر سعيها للاستفادة منها.

    منى يسري

    صحافية مصرية وباحثة سابقاً في مركز دال للإنتاج الإعلامي والأبحاث، درست الاقتصاد السياسي، ومهتمة بالعلوم الاجتماعية وقضايا السيادة الغذائية.