الصورة: Wikimedia
الحرب مع إيران كمشروع رأسمالي جديد
- المنطقة ليست مجرد فضاء اقتصادي يمد الأسواق العالمية بالنفط والغاز، بل تشكل في الوقت نفسه عقدة استراتيجية في الجغرافيا السياسية للرأسمالية المعاصرة، حيث تتقاطع طرق الملاحة البحرية، وممرات الطاقة، والمراكز المالية، والقواعد العسكرية، والبنى التحتية اللوجستية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
- بعض القوى الإقليمية تسعى إلى بناء نظام إقليمي يقوم على تحالفات أمنية واقتصادية مرتبطة بالنظام الدولي، بينما ترى إيران نفسها جزءاً من مشروع مختلف يقوم على استقلالية أكبر في القرار السياسي وعلى بناء شبكات تحالف بديلة. هذا التباين في الرؤية يجعل إيران تظهر في كثير من الأحيان كعنصر يعرقل استقرار النظام الإقليمي كما تتصوره بعض القوى.
لم تعد فكرة «تغيير الشرق الأوسط» مجرد تعبير سياسي فضفاض يتكرر في الخطابات الاستراتيجية، بل أصبحت إطاراً تحليلياً يُستخدم لوصف سلسلة طويلة من التحولات التي شهدتها المنطقة منذ نهاية القرن العشرين. فمنذ انتهاء الحرب الباردة، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تنظيم العلاقات بين القوة العسكرية والاقتصاد العالمي. في هذا السياق، لم تعد الحروب تُفهم فقط بوصفها صراعات تقليدية بين الدول، بل أصبحت جزءاً من آليات أوسع لإعادة تشكيل الفضاءات السياسية والاقتصادية بما يتلاءم مع تحولات الرأسمالية العالمية.
لقد أظهرت العديد من الدراسات في علم الاجتماع التاريخي والاقتصاد السياسي أن الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي يقوم على السوق، بل منظومة تاريخية تتوسع عبر إعادة ترتيب البنى الاجتماعية والسياسية التي تعمل داخلها. فالتوسع الاقتصادي العالمي غالباً ما ترافق مع عمليات عميقة لإعادة تنظيم الدول والمجتمعات، سواء عبر التحولات المؤسسية أو عبر الصراعات والحروب. ومن هذا المنظور، فإن الجغرافيا السياسية لا يمكن فصلها عن منطق الاقتصاد العالمي، إذ تتشكل حدود النفوذ والتحالفات غالباً وفقاً لمتطلبات إعادة توزيع الموارد والأسواق وممرات التجارة.
يكتسب الشرق الأوسط أهمية خاصة ضمن هذا الإطار. فهذه المنطقة لم تكن يوماً مجرد فضاء جغرافي عادي، بل شكلت منذ القرن العشرين أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد العالمي، نظراً لاحتياطيات الطاقة الهائلة التي تحتويها وموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين القارات والأسواق. لذلك لم يكن اندماجها في النظام العالمي عملية مستقرة أو مكتملة، بل ظل دائماً موضوع صراعات وتدخلات ومحاولات متكررة لإعادة تنظيمها. فكل مرحلة من مراحل التحول في الاقتصاد العالمي كانت تترك بصمتها على بنية المنطقة، سواء عبر الحروب أو عبر إعادة تشكيل التحالفات السياسية والاقتصادية.
إيران لم تمثل فقط قوة إقليمية صاعدة، بل مثلت أيضاً نموذجاً سياسياً يقاوم بدرجات مختلفة الاندماج الكامل في النظام النيوليبرالي العالمي
مع صعود العولمة النيوليبرالية منذ سبعينيات القرن الماضي، دخلت الرأسمالية مرحلة جديدة اتسمت بتحرير الأسواق وتدويل رأس المال وتزايد دور المؤسسات المالية العالمية. وفي هذه المرحلة، أصبحت إعادة هيكلة الدول جزءاً أساسياً من عملية دمجها في الاقتصاد العالمي. لم يعد المطلوب فقط فتح الأسواق، بل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع بحيث تصبح أكثر توافقاً مع منطق السوق العالمية. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة رسم خريطة السلطة الاقتصادية والسياسية في العديد من المناطق، بما في ذلك الشرق الأوسط.
غير أن المنطقة لم تتكيف مع هذه التحولات بطريقة متجانسة. فقد بقيت بنيتها السياسية والاقتصادية مزيجاً معقداً من أنماط مختلفة: دول ريعية تعتمد على النفط، وأنظمة سياسية ذات طابع سلطوي، واقتصادات مرتبطة بدرجات متفاوتة بالأسواق العالمية. هذا التوتر بين منطق الدولة الريعية وضغوط الاندماج في الاقتصاد العالمي جعل الشرق الأوسط فضاءً دائماً لإعادة الهيكلة السياسية والاقتصادية. ولذلك لم تكن الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة مجرد أحداث معزولة، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة داخلها.
ضمن هذا المشهد، تبرز إيران بوصفها حالة استثنائية إلى حد كبير. فمنذ الثورة التي أطاحت بالنظام الملكي في أواخر سبعينيات القرن الماضي، اتخذت إيران مساراً سياسياً واقتصادياً خاصاً بها، اتسم بدرجة من الاستقلال عن المنظومة الاقتصادية والسياسية التي تشكلت تحت الهيمنة الغربية. هذا المسار لم يكن مجرد خيار داخلي، بل أصبح عاملاً أساسياً في تشكيل علاقات إيران مع محيطها الإقليمي ومع النظام الدولي الأوسع. فإيران لم تمثل فقط قوة إقليمية صاعدة، بل مثلت أيضاً نموذجاً سياسياً يقاوم بدرجات مختلفة الاندماج الكامل في النظام النيوليبرالي العالمي.
من هنا يمكن فهم لماذا أصبحت إيران محوراً رئيسياً في النقاشات الاستراتيجية حول مستقبل الشرق الأوسط. فالتوترات المتكررة حول برنامجها النووي، ونفوذها الإقليمي، وشبكة تحالفاتها، غالباً ما تُعرض بوصفها تهديدات أمنية تستدعي المواجهة أو الاحتواء. غير أن هذا الخطاب الأمني يخفي في كثير من الأحيان أبعاداً أعمق تتعلق بإعادة ترتيب المجال الإقليمي نفسه. فحين تتحول دولة معينة إلى عائق أمام إعادة تنظيم التوازنات الاقتصادية والسياسية في منطقة استراتيجية، فإن الصراع معها قد يصبح جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل تلك المنطقة.
فالممرات البحرية التي تمر عبر الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر أصبحت جزءاً من البنية اللوجستية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في نقل الطاقة والسلع
في هذا السياق، لا ينبغي فهم فكرة الحرب على إيران بمعناها العسكري الضيق فقط. فالحرب في العالم المعاصر لم تعد تعني بالضرورة المواجهة العسكرية المباشرة، بل قد تتخذ أشكالاً متعددة تشمل العقوبات الاقتصادية، والضغوط المالية، والحروب غير المباشرة، وإعادة تشكيل شبكات التحالف الإقليمي. هذه الأدوات المختلفة تعمل مجتمعة على إعادة توزيع القوة داخل النظام الإقليمي، وعلى دفعه نحو شكل جديد من التنظيم السياسي والاقتصادي.
إذا نظرنا إلى هذه التحولات من زاوية الاقتصاد السياسي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت هذه العمليات تعكس مجرد صراع جيوسياسي تقليدي، أم أنها تشير إلى محاولة أعمق لإعادة دمج الشرق الأوسط في مرحلة جديدة من تطور الرأسمالية العالمية. ففي لحظات التحول الكبرى في التاريخ الاقتصادي، كثيراً ما ارتبطت عمليات التوسع أو إعادة الهيكلة بصراعات سياسية وعسكرية تعيد ترتيب المجال الجغرافي الذي تعمل داخله الأسواق.
قد يكون الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة من هذا النوع. فالتغيرات في سوق الطاقة، وصعود قوى اقتصادية جديدة، وإعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية، كلها عوامل تضغط باتجاه إعادة تنظيم الفضاء الإقليمي. وفي هذا السياق، تصبح الصراعات السياسية والعسكرية جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء التوازنات التي يقوم عليها النظام الإقليمي.
انطلاقاً من هذا المنظور، يمكن النظر إلى التصعيد المستمر حول إيران بوصفه أكثر من مجرد مواجهة بين دولة وقوى إقليمية أو دولية. فقد يكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بحيث يصبح أكثر توافقاً مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. في هذه الحالة، لا تصبح الحرب مجرد أداة لتحقيق أهداف أمنية، بل تتحول إلى وسيلة لإعادة هندسة المجال السياسي والاقتصادي للمنطقة.
وهنا تظهر الإشكالية الأساسية التي يسعى هذا المقال إلى معالجتها: هل يمكن فهم الحديث المتكرر عن «تغيير الشرق الأوسط» باعتباره تعبيراً عن ضرورة أمنية وسياسية فحسب، أم أنه يعكس أيضاً محاولة لإعادة تنظيم المنطقة وفق متطلبات مرحلة جديدة من الرأسمالية العالمية؟ بمعنى آخر، هل تمثل المواجهة مع إيران لحظة مركزية في مشروع أوسع لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية والسياسية للشرق الأوسط، بحيث تصبح أكثر انسجاماً مع منطق النظام النيوليبرالي المعاصر؟
الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة في النظام الرأسمالي العالمي، بل أحد المسارح الأساسية التي يُعاد فيها باستمرار رسم العلاقة بين الاقتصاد والجغرافيا والقوة
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى الحرب والسياسة والاقتصاد بوصفها عناصر مترابطة ضمن عملية تاريخية واحدة. ففي هذا التقاطع تحديداً بين القوة العسكرية وإعادة تنظيم الأسواق قد يكمن المفتاح لفهم المعنى العميق لفكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط التي تعود اليوم بقوة إلى قلب النقاشات الاستراتيجية العالمية.
الجغرافيا كاقتصاد سياسي
يشغل الشرق الأوسط موقعاً فريداً داخل البنية التاريخية للرأسمالية العالمية، ليس فقط بسبب موارده الطبيعية أو موقعه الجغرافي، بل لأنه يمثل نقطة التقاء بين شبكات الطاقة والتجارة العالمية وبين أنماط السلطة السياسية التي تشكلت عبر قرن كامل من التحولات الإمبراطورية وما بعد الاستعمارية. فالمنطقة ليست مجرد فضاء اقتصادي يمد الأسواق العالمية بالنفط والغاز، بل تشكل في الوقت نفسه عقدة استراتيجية في الجغرافيا السياسية للرأسمالية المعاصرة، حيث تتقاطع طرق الملاحة البحرية، وممرات الطاقة، والمراكز المالية، والقواعد العسكرية، والبنى التحتية اللوجستية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم الشرق الأوسط بوصفه منطقة مستقلة بذاتها، بل بوصفه فضاءً يتشكل باستمرار داخل شبكة عالمية من علاقات القوة والتراكم الرأسمالي.
لقد أنتج هذا الموقع الجيو-اقتصادي وضعاً متناقضاً في طبيعة اندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي. فمن جهة، يعتمد النظام العالمي للطاقة بصورة عميقة على الموارد الموجودة في الخليج العربي ومحيطه، الأمر الذي جعل هذه المنطقة إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الصناعي والمالي المعاصر. لكن من جهة أخرى، فإن هذا الاعتماد نفسه جعل السيطرة على المجال الإقليمي جزءاً دائماً من المنافسة بين القوى الكبرى، بحيث تحولت الجغرافيا المحلية إلى عنصر أساسي في إدارة التوازنات العالمية. فالموانئ، وخطوط الأنابيب، والمضائق البحرية، والمدن النفطية ليست مجرد بنى اقتصادية، بل تشكل عناصر في منظومة استراتيجية أوسع تتحكم في تدفق الموارد والأسواق.
تشكلت بنية اقتصادية وسياسية في إيران تجمع بين عناصر متعددة: سوق تقليدية تتمثل في شبكات التجارة المحلية، ومؤسسات شبه حكومية ترتبط بمراكز السلطة الدينية والعسكرية، ودولة مركزية تحاول إدارة الاقتصاد في ظل ضغوط خارجية مستمرة
ويكشف النظر إلى تاريخ تشكل هذه البنية عن مفارقة أساسية. فالرأسمالية العالمية، التي قامت تاريخياً على توسيع الأسواق ودمج الأقاليم المختلفة في شبكة متكاملة من الإنتاج والتبادل، لم تُدمج الشرق الأوسط بطريقة تؤدي إلى استقرار سياسي طويل المدى. بل إن عملية إدماج المنطقة في الاقتصاد العالمي كثيراً ما ارتبطت بإعادة إنتاج أنماط من عدم التوازن السياسي والاجتماعي. فالثروة النفطية، التي وفرت موارد مالية ضخمة لدول المنطقة، أسهمت في الوقت نفسه في تكوين أنماط اقتصادية تعتمد بدرجة كبيرة على الريع، ما أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد بطريقة مختلفة عن المسارات التي شهدتها مناطق أخرى من العالم.
هذا الوضع أنتج بنية إقليمية تتسم بدرجة عالية من الترابط مع الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه عرضة لتوترات مستمرة. فالدول النفطية الكبرى أصبحت جزءاً أساسياً من النظام المالي العالمي ومن شبكات الاستثمار والتجارة الدولية، بينما تشكلت حولها مراكز حضرية ضخمة تعمل كمحطات لوجستية ومالية تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. ومع ذلك، فإن هذه البنية الاقتصادية المتشابكة لم تُترجم إلى نظام إقليمي مستقر، بل ظلت المنطقة تشهد دورات متكررة من الصراعات وإعادة ترتيب التحالفات.
ويبدو أن هذا التوتر بين الاندماج الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي يرتبط بطبيعة الدور الذي تلعبه المنطقة في النظام العالمي للطاقة. فالموارد التي تجعل الشرق الأوسط محورياً في الاقتصاد العالمي هي نفسها التي تجعل السيطرة على المجال الإقليمي قضية استراتيجية للقوى الكبرى. ومع كل تحول في سوق الطاقة أو في موازين القوة العالمية، تعود مسألة تنظيم الفضاء الإقليمي للمنطقة إلى الواجهة. وهكذا تصبح الجغرافيا، بمعناها الاقتصادي والسياسي، ساحة لإعادة التفاوض المستمر حول النفوذ والسيطرة.
وتظهر هذه الدينامية بوضوح في التحولات التي شهدها الخليج العربي خلال العقود الأخيرة. فقد تحولت مدن مثل دبي والدوحة والرياض إلى مراكز حضرية عالمية تستقطب رأس المال الدولي والعمالة المهاجرة والشركات متعددة الجنسيات، وتعمل كعقد رئيسية في شبكات التجارة والتمويل العالمية. غير أن هذا الاندماج العميق في الاقتصاد العالمي يقوم في الوقت نفسه على بنى اجتماعية وسياسية شديدة التفاوت، حيث تتقاطع أنماط جديدة من الرأسمالية المعولمة مع هياكل سلطوية تقليدية وأنظمة عمل تعتمد على الهجرة الواسعة للعمالة الأجنبية.
وهنا تتجلى مفارقة أخرى في الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة: فالمراكز الحضرية التي أصبحت رموزاً للعولمة الاقتصادية تقوم على فضاءات اجتماعية مجزأة، حيث يتعايش رأس المال العالمي مع أنماط من العمل والهجرة تعكس التفاوتات العميقة في النظام الاقتصادي العالمي. فالمدن النفطية ليست مجرد مراكز مالية أو تجارية، بل تمثل أيضاً مختبرات لاقتصاد سياسي جديد يجمع بين البنى المحلية والعمليات العالمية.
غير أن هذا التحول الحضري والاقتصادي لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة. فالممرات البحرية التي تمر عبر الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر أصبحت جزءاً من البنية اللوجستية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في نقل الطاقة والسلع. وبالتالي فإن أمن هذه الممرات لا يتعلق فقط باستقرار الدول المطلة عليها، بل يرتبط أيضاً باستقرار النظام العالمي للطاقة والتجارة. ومن هنا تتحول السيطرة على هذه العقد الجغرافية إلى عنصر مركزي في استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، يكتسب موقع إيران أهمية خاصة داخل الجغرافيا الاقتصادية والسياسية للشرق الأوسط. فالدولة التي تقع على الضفة الشمالية للخليج العربي تتحكم في أحد أهم المضائق البحرية في العالم، وتمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وتقع على تقاطع طرق برية وبحرية تربط بين آسيا الوسطى والخليج والمحيط الهندي. هذه الخصائص تجعلها عنصراً لا يمكن تجاهله في أي تصور لإدارة الفضاء الإقليمي الذي يقوم عليه النظام العالمي للطاقة.
التحولات الاجتماعية والاقتصادية جعلت إيران مجتمعاً دينامياً يتسم بتوتر دائم بين التغير الاجتماعي السريع والبنية السياسية التي تسعى إلى ضبطه
لكن هذا الموقع الجغرافي الاستثنائي يترافق مع وضع سياسي مختلف عن معظم دول المنطقة. فإيران لم تُدمج بالكامل في الشبكات الاقتصادية والسياسية التي تشكلت حول اقتصاد الطاقة العالمي خلال العقود الأخيرة. وقد أدى هذا التباين بين الموقع الجغرافي والدور السياسي إلى خلق توتر مستمر في البنية الإقليمية. فالدولة التي تقع في قلب الجغرافيا الاستراتيجية للطاقة العالمية ظلت في الوقت نفسه خارج جزء كبير من ترتيبات النظام الاقتصادي والسياسي الذي تشكل حول هذه الجغرافيا.
من هنا يمكن فهم كيف يتحول الصراع مع إيران إلى مسألة تتجاوز حدود الخلافات السياسية أو العسكرية المباشرة. فالتوترات المتكررة حولها ترتبط أيضاً بالسؤال الأوسع المتعلق بكيفية تنظيم المجال الإقليمي الذي يحيط بالخليج وممرات الطاقة العالمية. وفي هذا الإطار، تصبح احتمالات الحرب جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب النفوذ داخل منطقة تشكل أحد الأعمدة الحيوية للاقتصاد العالمي.
وهكذا تكشف الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط عن مفارقة بنيوية: فالإقليم الذي يشكل أحد المراكز الحيوية لتدفق الطاقة العالمية هو نفسه الإقليم الذي يبقى عرضة لإعادة التشكيل المستمر عبر الصراعات والتحالفات المتغيرة. وبين الاندماج العميق في الاقتصاد العالمي وبين الهشاشة السياسية التي تميز النظام الإقليمي، تتشكل دينامية تجعل الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة في النظام الرأسمالي العالمي، بل أحد المسارح الأساسية التي يُعاد فيها باستمرار رسم العلاقة بين الاقتصاد والجغرافيا والقوة.
إيران كعقدة جيوسياسية: دولة خارج هندسة النظام الإقليمي
لا يمكن فهم موقع إيران في الشرق الأوسط المعاصر بوصفه مجرد تعبير عن طموح دولة إقليمية أو عن نزاع سياسي بين أنظمة متنافسة، بل ينبغي النظر إليه داخل بنية أوسع تتقاطع فيها الدولة والاقتصاد والأمن والجغرافيا السياسية. فالدراسات التي تناولت النظام الإقليمي من منظور نظري تشير إلى أن الأقاليم لا تتشكل فقط عبر حدود جغرافية، بل عبر شبكات من التفاعلات الأمنية والاقتصادية التي تحدد طبيعة العلاقات بين الدول. وفي هذا الإطار، يصبح مفهوم الإقليم مرتبطاً بما يمكن وصفه ببنية أمنية مترابطة، حيث تؤثر سياسات كل دولة في حسابات جيرانها. هذه المقاربة تكشف أن الشرق الأوسط يمثل أحد أكثر الأقاليم تداخلاً من حيث التهديدات والتوازنات، بحيث تتقاطع فيه الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والرمزية. كما أن تحليل الدولة في هذا السياق لا يقتصر على قدرتها العسكرية، بل يمتد إلى كيفية إنتاج السلطة داخل المجتمع، وإلى العلاقة بين المعرفة والأمن والاقتصاد في تشكيل سياساتها. فالدولة الحديثة ليست مجرد جهاز سيادي، بل هي أيضاً فضاء لإدارة السكان والاقتصاد والأمن عبر منظومات معقدة من المؤسسات والخطابات. ومن هذا المنظور، يصبح الأمن نفسه جزءاً من آليات تنظيم المجال السياسي والاقتصادي، بينما تتحول السوق إلى عنصر مركزي في إعادة تعريف دور الدولة وحدودها.
ضمن هذا الإطار النظري، يظهر الشرق الأوسط كإقليم يتسم بدرجة عالية من الاختراق الخارجي، حيث تتداخل القوى الدولية مع التفاعلات المحلية في إنتاج توازنات غير مستقرة. وقد أظهرت تحليلات الاقتصاد السياسي العالمي أن هذا الوضع يرتبط جزئياً بطبيعة موقع المنطقة في الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع فيها الموارد الطاقية مع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى. لكن هذه البنية الإقليمية لا يمكن تفسيرها فقط عبر موقعها في السوق العالمية، بل أيضاً عبر طبيعة الدول التي تشكلها، وأنماط السلطة التي نشأت داخلها. وهنا تحديداً تبرز إيران كحالة معقدة يصعب إدراجها بسهولة في نماذج التوازن الإقليمي التقليدية.
فالدولة الإيرانية المعاصرة تشكلت عبر مسار تاريخي خاص جمع بين الثورة السياسية والتحول الاجتماعي وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فقد أدت الثورة التي أطاحت بالنظام الملكي في أواخر السبعينيات إلى إعادة صياغة البنية السياسية للدولة، بحيث أصبحت السلطة تقوم على مزيج من المؤسسات الجمهورية والهياكل الدينية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في النخبة الحاكمة، بل أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع. فالنظام الجديد حاول في بدايته بناء نموذج يقوم على العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي، مستنداً إلى شبكات اجتماعية واسعة من الطبقات الوسطى والفقيرة التي شاركت في الثورة. ومع مرور الوقت، بدأت الدولة تواجه تحديات تتعلق بإدارة اقتصاد معقد في ظل الحرب والعقوبات الدولية والتغيرات في سوق النفط.
في هذا السياق، تشكلت بنية اقتصادية وسياسية في إيران تجمع بين عناصر متعددة: سوق تقليدية تتمثل في شبكات التجارة المحلية، ومؤسسات شبه حكومية ترتبط بمراكز السلطة الدينية والعسكرية، ودولة مركزية تحاول إدارة الاقتصاد في ظل ضغوط خارجية مستمرة. وقد أدى هذا التداخل بين الدولة والسوق إلى ظهور طبقات اجتماعية جديدة، وإلى إعادة توزيع الموارد داخل المجتمع. وفي الوقت نفسه، لعبت المؤسسات العسكرية والأمنية دوراً متزايداً في الاقتصاد والسياسة، ما جعل الدولة الإيرانية تتطور في اتجاه يختلف عن نماذج الدولة التنموية أو الريعية التقليدية في المنطقة. هذه التحولات الاجتماعية والاقتصادية جعلت إيران مجتمعاً دينامياً يتسم بتوتر دائم بين التغير الاجتماعي السريع والبنية السياسية التي تسعى إلى ضبطه.
كلما ازداد الضغط العسكري أو الاقتصادي على إيران، تميل الدولة إلى تعزيز شبكاتها الإقليمية بوصفها وسيلة للدفاع غير المباشر
غير أن هذا التعقيد الداخلي لا يفسر وحده موقع إيران في النظام الإقليمي. فالدولة التي أعادت تشكيل بنيتها السياسية والاجتماعية بعد الثورة وجدت نفسها أيضاً أمام بيئة إقليمية شديدة التنافس، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع التوترات الطائفية والعرقية والسياسية. وقد أدى ذلك إلى تشكل نمط من السياسة الخارجية يقوم على الجمع بين الدفاع عن النظام السياسي وتوسيع النفوذ الإقليمي. فالحرب مع العراق في الثمانينيات مثلت لحظة تأسيسية في هذا المسار، إذ دفعت الدولة إلى بناء مؤسسات عسكرية وأمنية قادرة على العمل خارج الحدود الوطنية. ومع مرور الوقت، تطورت هذه الشبكات لتشمل علاقات مع قوى سياسية وعسكرية في العراق ولبنان وسوريا، ما جعل إيران لاعباً مؤثراً في عدد من الصراعات الإقليمية.
هذا الدور الإقليمي غالباً ما يُفسَّر ضمن إطار المنافسة بين القوى الإقليمية، خصوصاً في الخليج العربي، حيث تتقاطع مصالح إيران مع مصالح دول أخرى تسعى إلى الحفاظ على توازنات معينة في المنطقة. لكن الصراع لا يتعلق فقط بالتنافس على النفوذ، بل أيضاً بطريقة تنظيم المجال الإقليمي نفسه. فبعض القوى الإقليمية تسعى إلى بناء نظام إقليمي يقوم على تحالفات أمنية واقتصادية مرتبطة بالنظام الدولي، بينما ترى إيران نفسها جزءاً من مشروع مختلف يقوم على استقلالية أكبر في القرار السياسي وعلى بناء شبكات تحالف بديلة. هذا التباين في الرؤية يجعل إيران تظهر في كثير من الأحيان كعنصر يعرقل استقرار النظام الإقليمي كما تتصوره بعض القوى.
ومن هنا يظهر مفهوم «العقدة الجيوسياسية» بوصفه توصيفاً مناسباً لموقع إيران. فهي ليست مجرد دولة قوية تسعى إلى توسيع نفوذها، بل تشكل نقطة التقاء لعدد من التوترات البنيوية في المنطقة: بين الاستقلال الإقليمي والاندماج في النظام الدولي، بين الأمن العسكري والاقتصاد السياسي للطاقة، وبين مشاريع مختلفة لتنظيم الشرق الأوسط. هذا الموقع يجعلها في الوقت نفسه لاعباً لا يمكن تجاهله ومصدراً دائماً للقلق بالنسبة لعدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
تتضح هذه الصورة بشكل خاص في الطريقة التي تنظر بها إسرائيل إلى إيران. فداخل النقاشات الاستراتيجية الإسرائيلية تُقدَّم إيران غالباً بوصفها التهديد المركزي للأمن الإقليمي، ليس فقط بسبب برنامجها النووي أو قدراتها العسكرية، بل أيضاً بسبب قدرتها على بناء شبكة من الحلفاء غير الدولتيين في المنطقة. هذه الشبكة، التي تشمل تنظيمات سياسية وعسكرية في عدد من الدول العربية، تُفسَّر في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط خارج الإطار التقليدي للدول والتحالفات. ومن هذا المنظور، تصبح إيران ليس مجرد خصم إقليمي، بل عقدة استراتيجية تربك الترتيبات الأمنية التي تسعى بعض القوى إلى تثبيتها.
لكن المفارقة هنا تكمن في أن هذه القراءة الأمنية قد تعزز في الوقت نفسه الدور الذي تحاول احتواءه. فكلما ازداد الضغط العسكري أو الاقتصادي على إيران، تميل الدولة إلى تعزيز شبكاتها الإقليمية بوصفها وسيلة للدفاع غير المباشر. وهكذا يتحول الصراع إلى حلقة متكررة من الفعل ورد الفعل، حيث يؤدي السعي إلى احتواء النفوذ الإيراني إلى توسيع المجال الذي يتحرك فيه هذا النفوذ.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم موقع إيران في الشرق الأوسط فقط عبر ميزان القوى العسكري أو عبر الخلافات الأيديولوجية، بل ينبغي النظر إليه بوصفه نتاجاً لتفاعل معقد بين بنية الدولة الإيرانية وتحولات المجتمع الإيراني من جهة، وبنية النظام الإقليمي وتوازناته الأمنية من جهة أخرى. وفي هذا التقاطع بين الداخل والخارج تتشكل إيران كعقدة جيوسياسية حقيقية: دولة يصعب إدماجها بالكامل في هندسة النظام الإقليمي القائم، لكنها في الوقت نفسه جزء لا يمكن استبعاده من أي تصور لمستقبل الشرق الأوسط.
الشرق الأوسط الجديد في خطاب ترامب: أي إقليم يُراد إنتاجه؟
عندما يُستحضر تعبير «الشرق الأوسط الجديد» في خطاب ترامب، لا يُقصد به ببساطة شرق أوسط أكثر استقراراً أو أقل توتراً، بل إقليماً يعاد تعريفه من حيث بنيته ووظائفه وحدود الفاعلية السياسية داخله. الفكرة هنا لا تتعلق بتسوية نزاعات قائمة بقدر ما تتعلق بإنتاج ترتيب إقليمي مختلف، ترتيب تُعاد فيه صياغة مراكز القوة، وتُوزع فيه الأدوار الاقتصادية والأمنية بطريقة تجعل المنطقة أكثر قابلية للاندماج في منظومة أمنية واقتصادية تقودها الولايات المتحدة وتتموضع فيها إسرائيل بوصفها أحد محاورها الرئيسية. بهذا المعنى، لا يصبح «الشرق الأوسط الجديد» مجرد شعار سياسي، بل تصوراً استراتيجياً لإقليم يعاد تشكيله بحيث تتحول فيه بعض الدول إلى عقد مالية ولوجستية، وتتحول أخرى إلى فضاءات أمنية أو ساحات نفوذ، بينما تتراجع قضايا كانت تاريخياً مركزية في تعريف المنطقة نفسها.
مشروع يسعى إلى إنتاج نظام إقليمي أكثر انضباطاً، لكنه يعتمد لتحقيق ذلك على أدوات قد تعيد إنتاج الفوضى التي يسعى إلى تجاوزها
قبل السابع من أكتوبر كان هذا التصور يقوم أساساً على إعادة تنظيم الإقليم عبر أدوات تبدو في ظاهرها اقتصادية أو دبلوماسية. فالممرات التجارية، وشبكات الطاقة، ومشاريع الربط اللوجستي بين آسيا وأوروبا عبر الخليج وإسرائيل، كانت تمثل الركيزة الاقتصادية لهذا التصور. وفي الوقت نفسه، كان مسار التطبيع العربي الإسرائيلي يُطرح بوصفه الركيزة السياسية والأمنية التي تسمح بتحويل إسرائيل من طرف خارجي في المنطقة إلى جزء عضوي من بنيتها. الفكرة الضمنية كانت أن إدماج إسرائيل في شبكة من العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية سيجعلها مركزاً إقليمياً لا يمكن تجاوزه، بينما تتحول دول الخليج إلى منصات تمويل وربط تجاري، ويتحول الإقليم بأكمله إلى فضاء متصل بالبنية الاقتصادية العالمية أكثر مما هو مرتبط بتوازناته السياسية القديمة.
غير أن هذا التصور كان يقوم على مفارقة بنيوية. فقد افترض أن بالإمكان إعادة هندسة المنطقة من الأعلى عبر شبكات الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات الأمنية، مع إبقاء المسألة الفلسطينية خارج معادلة إعادة التنظيم هذه. أي أن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» كان يفترض عملياً أن الاقتصاد يمكن أن يتقدم على السياسة، وأن التطبيع يمكن أن يسبق التسوية، وأن إدماج إسرائيل في الإقليم يمكن أن يتم دون إعادة تعريف جذري للقضية الفلسطينية نفسها. وهنا تحديداً جاء السابع من أكتوبر ليكشف حدود هذا الافتراض. فالحدث لم يفتح جبهة عسكرية فحسب، بل أعاد إدخال القضية الفلسطينية إلى قلب تعريف الإقليم، وأظهر أن أي محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط دون معالجة هذا العنصر ستظل معرضة للانفجار.
لكن المفارقة أن السابع من أكتوبر لم يُلغ مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، بل دفعه إلى التحول من صيغة اقتصادية-دبلوماسية إلى صيغة أكثر عسكرية. فبعد أن كان المشروع يقوم أساساً على التطبيع والممرات الاقتصادية، أصبح يعتمد بدرجة أكبر على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر الحرب. لم يعد السؤال فقط كيف يمكن إدماج إسرائيل اقتصادياً في المنطقة، بل كيف يمكن تفكيك الشبكات السياسية والعسكرية التي تعطل هذا الإدماج. وهنا تحديداً برزت إيران بوصفها العقدة المركزية في هذا التصور.
فإيران، بحكم موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الإقليمية، تمثل عنصراً يصعب إدماجه في هذا النظام الإقليمي الجديد. فهي ليست فقط قوة إقليمية ذات قدرات عسكرية، بل هي أيضاً محور لشبكة من التحالفات والفاعلين غير الدولتيين الذين يملكون القدرة على تعطيل الترتيبات الأمنية الجديدة. لذلك فإن «الشرق الأوسط الجديد» في هذا السياق لا يعني فقط إعادة ترتيب العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، بل يعني أيضاً إعادة تعريف موقع إيران داخل الإقليم. فإما أن تتحول إيران إلى دولة منخرطة في قواعد هذا النظام الجديد، أو أن يُعاد تشكيل الإقليم من حولها بطريقة تقلص قدرتها على التأثير داخله.
إنه تصور لإقليم تصبح فيه الحرب جزءاً من عملية إعادة التنظيم، وتصبح فيه التحالفات الأمنية جزءاً من البنية الاقتصادية، وتصبح فيه إيران ليس فقط خصماً إقليمياً بل العقدة التي يدور حولها مشروع إعادة تشكيل المنطقة
من هنا يصبح تأثير السابع من أكتوبر على الحرب مع إيران واضحاً. فالحدث لم يخلق الصراع مع إيران، لكنه أعاد صياغته. قبل ذلك التاريخ كان النقاش يدور أساساً حول كيفية احتواء إيران ضمن نظام إقليمي جديد. أما بعده فقد تحول السؤال إلى ما إذا كان هذا الاحتواء ممكناً أصلاً دون إعادة رسم المجال الذي تتحرك فيه إيران. أي أن الصراع لم يعد فقط حول قدرات إيران، بل حول البيئة الإقليمية التي تمنح هذه القدرات معناها.
بهذا المعنى، أصبحت الحرب على غزة وما تلاها من تصعيد في لبنان وسوريا والعراق جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب المجال الإقليمي. فكل ساحة من هذه الساحات تمثل حلقة في شبكة النفوذ التي بنتها إيران خلال العقود الماضية، وكل محاولة لتفكيك هذه الشبكة تعني في الوقت نفسه إعادة تشكيل البنى السياسية والاقتصادية في هذه البلدان. ومن هنا تظهر مفارقة أخرى في الخطاب السياسي الذي يحيط بالحرب. فبينما يُقدم الصراع بوصفه مواجهة مع إيران، فإن نتائجه الفعلية تمتد إلى إعادة تشكيل العالم العربي نفسه.
هذا التحول يعيد تعريف معنى الاستقرار في الخطاب السياسي المعاصر. فبدل أن يعني الاستقرار توازناً بين القوى الإقليمية أو تسوية للصراعات القائمة، يصبح مرادفاً لقدرة نظام أمني معين على ضبط الإقليم. وفي هذا النظام، تتقاطع التحالفات العسكرية مع شبكات الاقتصاد والتكنولوجيا بحيث يصبح الأمن نفسه جزءاً من بنية الاقتصاد السياسي للإقليم. فالدول التي تلعب دور العقد المالية أو اللوجستية تحتاج إلى مظلة أمنية مستقرة، والدول التي تتحول إلى مراكز تكنولوجية أو عسكرية تصبح جزءاً من البنية الدفاعية لهذا النظام.
لكن هذه البنية نفسها تحمل تناقضاتها الخاصة. فالإقليم الذي يُراد إنتاجه بوصفه فضاءً متكاملاً اقتصادياً وأمنياً يعتمد في الوقت نفسه على سلسلة من الحروب والصدمات التي تعيد تشكيله. أي أن الاستقرار الذي يُراد تحقيقه يمر عبر مسار من عدم الاستقرار. وهنا تظهر المفارقة الأعمق في فكرة «الشرق الأوسط الجديد»: فهو مشروع يسعى إلى إنتاج نظام إقليمي أكثر انضباطاً، لكنه يعتمد لتحقيق ذلك على أدوات قد تعيد إنتاج الفوضى التي يسعى إلى تجاوزها.
وهذا ما يجعل تأثير السابع من أكتوبر يتجاوز حدود الحرب نفسها. فالحدث لم يعطل مسار التطبيع فقط، بل كشف أيضاً أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط لا يمكن أن تتم عبر الاقتصاد والتحالفات الأمنية وحدها. فالإقليم ليس مجرد شبكة من الدول يمكن إعادة ترتيبها عبر الاتفاقات والممرات التجارية، بل هو أيضاً فضاء سياسي واجتماعي تتقاطع فيه الهويات والصراعات التاريخية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. لذلك فإن كل محاولة لإعادة تعريفه ستظل محكومة بهذه التوترات البنيوية.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن «الشرق الأوسط الجديد» كما يطرحه خطاب ترامب ليس مجرد رؤية للمستقبل، بل محاولة لإعادة صياغة الإقليم بما يتناسب مع تحولات أوسع في النظام الدولي. إنه تصور لإقليم تصبح فيه الحرب جزءاً من عملية إعادة التنظيم، وتصبح فيه التحالفات الأمنية جزءاً من البنية الاقتصادية، وتصبح فيه إيران ليس فقط خصماً إقليمياً بل العقدة التي يدور حولها مشروع إعادة تشكيل المنطقة. وفي هذا التقاطع بين الحرب والاقتصاد والتحالفات تتحدد ملامح الإقليم الذي يُراد إنتاجه: شرق أوسط تُعاد صياغة حدوده السياسية ووظائف دوله بحيث يصبح أكثر توافقاً مع منطق القوة الذي يحكم النظام الدولي المعاصر.
ما بعد الحرب: إيران والمنطقة العربية في أفق إقليمي معاد التشكيل
إذا كانت الحرب تمثل لحظة كثيفة في إعادة ترتيب الإقليم، فإن السؤال الحقيقي يبدأ بعد انقضائها: أي شرق أوسط سيخرج من هذا المسار الطويل من الصدمات العسكرية والسياسية؟ فالحروب التي تعاد بها هندسة الأقاليم لا تنتهي عادة بانتهاء العمليات العسكرية، بل تفتح مرحلة أخرى يعاد فيها توزيع السلطة والاقتصاد والتحالفات داخل المجال الذي أنتجته الحرب. ومن هذه الزاوية، لا يمكن التفكير في ما بعد الحرب دون النظر إلى موقع إيران من جهة، وإلى التحولات التي ستطال العالم العربي من جهة أخرى، لأن كلا المسارين سيتشكلان في فضاء واحد يعاد تعريفه تدريجياً.
في حالة إيران، من المرجح أن يكون ما بعد الحرب لحظة إعادة تعريف عميقة للعلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد. فالحروب التي تستهدف قوة إقليمية لا تهدف فقط إلى تقليص قدراتها العسكرية، بل تسعى أيضاً إلى دفعها نحو تحولات داخلية تعيد صياغة أولوياتها السياسية والاقتصادية. لذلك فإن التحدي الأكبر الذي ستواجهه إيران لن يكون فقط في إعادة بناء قدراتها الاستراتيجية، بل في كيفية إدارة مجتمع خضع لسنوات طويلة من العقوبات والضغوط الاقتصادية والصراعات الإقليمية. وهنا قد يظهر مسار مزدوج: من جهة، قد تدفع الضغوط الخارجية إلى تعزيز نزعة الدولة نحو إعادة تنظيم اقتصادها ومؤسساتها الأمنية، ومن جهة أخرى قد يفتح ذلك المجال أمام تحولات اجتماعية داخلية تطالب بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
هذا المسار يتجه نحو تعميق الفوارق بين مناطق مختلفة من العالم العربي: فدول الخليج قد تواصل التحول إلى عقد مالية ولوجستية مرتبطة بشبكات الاقتصاد العالمي، بينما ستظل دول المشرق مسرحاً لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية التي خلفتها سنوات الصراع
غير أن المفارقة تكمن في أن الحرب التي تستهدف تقليص نفوذ إيران قد تؤدي أيضاً إلى إعادة تعريف هذا النفوذ بدلاً من إنهائه. فالتاريخ الإقليمي يظهر أن القوى التي تتعرض لضغوط خارجية شديدة تميل أحياناً إلى إعادة بناء شبكاتها بطرق مختلفة بدل التخلي عنها. لذلك فإن ما بعد الحرب قد لا يعني نهاية الدور الإقليمي لإيران، بل تحوله إلى أشكال أقل مباشرة وأكثر مرونة، تعتمد على أدوات سياسية واقتصادية وثقافية بدل الاعتماد الحصري على القوة العسكرية أو التحالفات الصلبة.
في المقابل، سيجد العالم العربي نفسه أمام مرحلة انتقالية لا تقل تعقيداً. فالحروب التي تعاد بها هندسة الأقاليم غالباً ما تعيد توزيع الوظائف بين الدول، بحيث تتحول بعض الدول إلى مراكز اقتصادية أو مالية، بينما تتحول أخرى إلى فضاءات أمنية أو ساحات نفوذ. وفي الشرق الأوسط يبدو أن هذا المسار يتجه نحو تعميق الفوارق بين مناطق مختلفة من العالم العربي: فدول الخليج قد تواصل التحول إلى عقد مالية ولوجستية مرتبطة بشبكات الاقتصاد العالمي، بينما ستظل دول المشرق مسرحاً لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية التي خلفتها سنوات الصراع.
هذا التباين قد يعيد إنتاج مفارقة قديمة في تاريخ المنطقة: فالإقليم الذي يمتلك بعضاً من أهم الموارد الاستراتيجية في العالم قد يجد نفسه مرة أخرى منقسماً بين فضاءات اقتصادية شديدة الاندماج في السوق العالمية وفضاءات سياسية ما زالت تبحث عن استقرارها الداخلي. وفي هذا السياق، يصبح الاستقرار نفسه مفهوماً ملتبساً. فالإقليم قد يبدو أكثر استقراراً من منظور الأمن الدولي أو تدفقات الطاقة والتجارة، لكنه قد يظل يحمل في داخله توترات اجتماعية وسياسية لم تُحل جذرياً.
ما بعد الحرب لا يعني نهاية الصراع بقدر ما يعني انتقاله إلى مرحلة جديدة، مرحلة يعاد فيها تعريف موقع إيران ودور العالم العربي داخل نظام إقليمي يتشكل عند تقاطع الحرب والاقتصاد والتحالفات
من هنا يمكن القول إن ما بعد الحرب لن يكون ببساطة لحظة عودة إلى ما كان قائماً قبلها، بل بداية مرحلة يعاد فيها تعريف الشرق الأوسط نفسه. فالإقليم الذي يتشكل اليوم يبدو أقرب إلى شبكة من الممرات الاقتصادية والتحالفات الأمنية التي تربط بين الخليج وإسرائيل وأوروبا وآسيا. وفي هذه الشبكة قد تتغير طبيعة الدولة الإقليمية: فبعض الدول ستعزز دورها بوصفها مراكز للطاقة أو المال أو التكنولوجيا، بينما ستظل دول أخرى تعيش في ظل التوازنات التي تنتجها هذه الشبكة.
لكن هذه الصورة ليست حتمية بالكامل. فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط يظهر أن مشاريع إعادة تشكيل الإقليم غالباً ما تواجه مقاومات غير متوقعة. فالمجتمعات التي تعيش داخل هذه التحولات لا تبقى مجرد موضوع لها، بل تتحول أحياناً إلى فاعل يعيد تعريفها بطرق مختلفة عما كان مخططاً لها. ولذلك فإن ما بعد الحرب قد يحمل في داخله إمكانات متناقضة: فمن جهة قد يعزز النظام الإقليمي الذي تسعى القوى الكبرى إلى تثبيته، ومن جهة أخرى قد يفتح المجال أمام أشكال جديدة من السياسة والمقاومة الاجتماعية التي تعيد طرح الأسئلة القديمة حول السيادة والتنمية والعدالة.
في هذا الأفق، تصبح إيران والعالم العربي معاً جزءاً من معادلة تاريخية لم تُحسم بعد. فالحرب التي هدفت إلى إعادة ترتيب الإقليم قد تنتج نظاماً إقليمياً أكثر انضباطاً من منظور القوة، لكنها قد تترك في الوقت نفسه أسئلة مفتوحة حول مستقبل السياسة والاقتصاد في المنطقة. ومن هنا تأتي المفارقة الأخيرة: فالإقليم الذي يُعاد تشكيله اليوم باسم الاستقرار قد يظل يحمل في داخله عناصر التوتر التي ستحدد ملامح التحولات القادمة.
وهكذا، فإن ما بعد الحرب لا يعني نهاية الصراع بقدر ما يعني انتقاله إلى مرحلة جديدة، مرحلة يعاد فيها تعريف موقع إيران ودور العالم العربي داخل نظام إقليمي يتشكل عند تقاطع الحرب والاقتصاد والتحالفات. وفي هذا التقاطع بالذات سيتحدد شكل الشرق الأوسط القادم: هل سيكون إقليماً أكثر استقراراً فعلاً، أم مجرد فضاء أعيد ترتيبه مؤقتاً بانتظار جولات أخرى من إعادة التشكيل؟
الإحالات:
· Abrahamian, Ervand. A History of Modern Iran. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.
· Achcar, Gilbert. Le peuple veut: Une exploration radicale du soulèvement arabe. Arles: Sindbad/Actes Sud, 2013.
· Achcar, Gilbert. Morbid Symptoms: Relapse in the Arab Uprising. Stanford: Stanford University Press, 2016.
· Ayubi, Nazih N. Over-Stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East. London: I.B. Tauris, 1995.
· Bayat, Asef. Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East. 2nd ed. Stanford: Stanford University Press, 2013.
· Bozarslan, Hamit. Sociologie politique du Moyen-Orient. Paris: La Découverte, 2011.
· Buzan, Barry, and Ole Wæver. Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.
· Corm, Georges. Le Proche-Orient éclaté: 1956-2022. Paris: Gallimard, 2022.
· Foucault, Michel. Sécurité, territoire, population: Cours au Collège de France (1977-1978). Paris: Seuil/Gallimard, 2004.
· Freedman, Lawrence. Strategy: A History. Oxford: Oxford University Press, 2013.
· Gause III, F. Gregory. The International Relations of the Persian Gulf. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
· Halliday, Fred. The Middle East in International Relations: Power, Politics and Ideology. Cambridge: Cambridge University Press, 2005.
· Hanieh, Adam. Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2018.
· Harvey, David. The New Imperialism. Oxford: Oxford University Press, 2003.
· Khalili, Laleh. Sinews of War and Trade: Shipping and Capitalism in the Arabian Peninsula. London: Verso, 2020.
· Laurens, Henry. Paix et guerre au Moyen-Orient: L’Orient arabe et le monde de 1945 à nos jours. Paris: Armand Colin, 2005.
· Mitchell, Timothy. Carbon Democracy: Political Power in the Age of Oil. London: Verso, 2011.
· Owen, Roger. State, Power and Politics in the Making of the Modern Middle East. 3rd ed. London: Routledge, 2004.
· Parsi, Trita. Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States. New Haven: Yale University Press, 2007.
· Vitalis, Robert. America’s Kingdom: Mythmaking on the Saudi Oil Frontier. 2nd ed. Stanford: Stanford University Press, 2020.