معاينة كيف تهدّد الحرب على إيران الدورة الزراعية العالمية

الحرب خارج الموسم
كيف تهدّد الحرب على إيران الدورة الزراعية العالمية

أحد الآثار التي لا تحظى بالاهتمام الكافي في الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يتمثّل في انعكاساتها على الإمدادات العالمية للأسمدة. فقد بدأت أسعار مدخلات الأسمدة الرئيسة، ولا سيما اليوريا، تشهد ارتفاعاً حاداً.

كيف تهدّد الحرب على إيران الدورة الزراعية العالمية

في معظم مراحل التاريخ، بدا من البديهي تنظيم النزاعات العسكرية بطريقة تتجنّب الاصطدام مع الدورة الزراعية. فقد شكّل الخريف، بعد انتهاء الحصاد، اللحظة المثالية لخوض المعارك الكبرى. ولهذا السبب غالباً ما جرت المناورات العسكرية الكبرى في ذلك الوقت من العام. وحتى في عام 1914 ربما أدّى الجدول الزمني للحصاد دوراً في التخطيط الحربي لدى الأطراف المتحاربة.

أما الحرب الحالية فتبدو كارثية من منظور الدورة الزراعية الحديثة.

يمر عبر الخليج نحو ثلث التجارة العالمية للمغذّيات غير العضوية، ويفترض في هذا الوقت تحديداً من الدورة الزراعية أن تنطلق شحنات الأسمدة من الخليج نحو المناطق الزراعية الكبرى في العالم.

كيف تهدّد الحرب على إيران الدورة الزراعية العالمية

في وقت سابق من هذا الأسبوع أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال في أكبر منشأة تصدير في العالم عقب هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وكما أفادت بلومبرغ: «تعتبر قطر مصدراً لنحو 11% من صادرات اليوريا العالمية، ويأتي ما يقارب 45% من هذه الشحنات من مرافق الإنتاج في الخليج على نحو أوسع، بحسب أليكسيس ماكسويل، محلل في بلومبرغ إنتليجنس. وقد ارتفعت أسعار اليوريا الحبيبية في مصر بنحو 60 دولاراً للطن المتري منذ الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وبدأ المشترون بالفعل البحث عن موردين آخرين في شمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وفق ما أفادت به بلومبرغ غرين ماركتس». 

وما يزيد الوضع تعقيداً: «تسيطر إيران على ما بين 10% و12% من تجارة اليوريا العالمية، في حين قد يؤدي إعلان إسرائيل حالة الطوارئ إلى تعطّل إمدادات الغاز إلى مصر، وبالتالي تعطّل إنتاج الأسمدة».

وارتفع في نيو أورلينز سعر شحنات اليوريا المنقولة بالمراكب بين 50 و80 دولاراً للطن القصير، ليصل إلى ما بين 520 و550 دولاراً يوم الاثنين.

كما قال أحد المراقبين لصحيفة نيكاي: «يقول السياسيون إن هذه الحرب ستستمر أسابيع لا أياماً. وإذا نظرنا إلى وضع العالم بعد أربعة أسابيع، فإننا سنكون في قلب موسم التسميد الربيعي في نصف الكرة الشمالي، وإذا لم تعبر هذه السفن مضيق هرمز اليوم فلن تصل في الوقت المناسب. وهذا يعني أننا قد نضطر إلى تغيير زراعة المحاصيل إلى محاصيل تتطلب استخداماً أقل بكثير من الأسمدة النيتروجينية أو أن تشهد غلال المحاصيل انخفاضاً». 

وفي أستراليا، وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من الأسمدة اللازمة لموسم البذر اشتُري بالفعل، فإن المزارعين في هذا الوقت من العام يبدأون عادة البحث عن شراء اليوريا لاستخدامها في تسميد محاصيل الحبوب ابتداءً من شهر أيلول/سبتمبر، وفق ما قاله ستيفن آنلز، المدير التنفيذي لمجموعة فيرتيلايزر أستراليا التي تمثل القطاع.

قد يظلّ تنسيق توقيت الحروب مع الدورة الزراعية مسألة ذات أهمية!

ومن بين المستفيدين من هذه الصدمة في سوق الأسمدة كبار منتجي الأسمدة مثل شركة يارا إنترناشونال وشركة سي إف إندستريز هولدينغز، أكبر منتج للأمونيا في العالم.

وفي الوقت نفسه، يجري إيقاف إنتاج الأسمدة في الهند بسبب نقص الغاز الطبيعي المسال القادم من قطر. إذ أفادت التقارير أن «بعض المصنّعين، مثل إنديان فارمرز فيرتيلايزر كوبراتيف، بدأوا خفض الإنتاج في بعض مصانع اليوريا، وفقاً لأشخاص مطّلعين على الأمر طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم. وقد يضطر أي تعطّل طويل الأمد إلى دفع الشركات إلى إغلاق المنشآت الإنتاجية»، بحسب هؤلاء الأشخاص، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وفي باكستان أيضاً، «أبلغت شركة سوي نورذرن غاز بايبلاينز زبائنها بأنها لن تتمكن من تزويد مصانع الأسمدة بالغاز الطبيعي المسال المعاد تغويزه بسبب الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لإشعار للشركة اطّلعت عليه بلومبرغ. وتعتمد البلاد في معظم واردات الغاز الطبيعي المسال على قطر، على أن يبدأ تعليق الإمدادات اعتباراً من منتصف ليل الأربعاء».

تؤكد جمعية الأسمدة في الهند لعملائها توافر إمدادات الأسمدة بكميات كافية. لكنها تأمل أن تكون الحرب قصيرة.

وكما توضح بلومبرغ: «إن ارتفاع تكلفة واردات الأسمدة سيعقّد جهود نيودلهي للحد من الإنفاق على دعم المغذّيات الزراعية للمزارعين، ما قد يعرقل التخفيضات المقررة في الميزانية السنوية. وتسعى الحكومة إلى خفض هدف العجز المالي إلى 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي المقبل، مقارنة بهدف 4.4% في 2025–2026».

إنها حالة نموذجية من تعدّد الأزمات: يقنع نتنياهو ترامب بمهاجمة إيران؛ فترد إيران بمهاجمة قطر؛ فترد قطر بإغلاق إمدادات الغاز الطبيعي المسال؛ ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأسمدة في الهند ويقوّض جهود ضبط المالية العامة هناك.

لكن لمعرفة من سيدفع الثمن الحقيقي، ينبغي النظر لا إلى الدول المتقدمة أو الاقتصادات الناشئة الكبرى مثل الهند، بل إلى أضعف حلقات السلسلة: الاقتصادات الزراعية الفقيرة وصغيرة الحيازات في إفريقيا.

انظروا إلى أثر أزمة أسعار الغاز الكبرى الأخيرة في بداية الحرب في أوكرانيا على استخدام الأسمدة في ساحل العاج وكينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا.

كيف تهدّد الحرب على إيران الدورة الزراعية العالمية

نُشِر هذا المقال في 4 آذار/مارس 2026 على مدونّة أدم توز، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر» بموافقة من الكاتب.