التداعيات الإنسانية المتصاعدة للحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران
مع استمرار العنف الناتج عن العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، والذي أسفر في خلال أيام قليلة عن مقتل أكثر من 1,000 شخص – معظمهم إيرانيون – بات من الواضح أن الأثر الإنساني للحرب المتسعة بسرعة سيكون واسعاً ومدمّراً.
تركّز الكثير من التغطيات الإعلامية على التكتيكات العسكرية والاستخباراتية، وعلى مسألة تغيير النظام في إيران، أو عدمه. لكن هذه النقاشات تطغى على أسئلة مهمة تتعلّق بكيفية تأثير الحرب على حياة مئات الملايين من المدنيين في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وما وراءهما.
لا تزال الأحداث في بدايتها، ولا تتوافر كل الإجابات بعد. لكن فيما يلي 5 جوانب إنسانية رئيسة للحرب ينبغي متابعتها.
1. لبنان: نزوح ودمار واسعان… مرة أخرى
أجبرت الغارات الإسرائيلية والتقدّم العسكري، إلى جانب إطلاق حزب الله صواريخ ردّاً على إسرائيل، عشرات الآلاف – وربما أكثر بكثير – على الفرار من منازلهم في جنوب لبنان وأجزاء من بيروت.
لا توجد أرقام دقيقة بعد عن عدد النازحين، إذ أن حركة النزوح كانت سريعة وبطيئة في آن واحد، مع اختناقات مرورية على الطرق الرئيسة جعلت رحلة الفرار المؤلمة أكثر صعوبة.
يلجأ الناس إلى بيوت أقاربهم وأصدقائهم، أو يقيمون في سياراتهم أو ملاجئ أو منازل مستأجرة، أو حتى في الشوارع. كما أفادت التقارير بأن 11 ألف شخص على الأقل عبروا إلى سوريا.
بالنسبة إلى كثيرين، ليست هذه المرّة الأولى التي يتعرّضون فيها للقصف أو النزوح بسبب حرب مع إسرائيل في خلال السنوات القليلة الماضية. فقد نزح نحو مليون شخص داخل لبنان خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل أواخر عام 2024، والذي بدأ بتفجيرات أجهزة البايجر واغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.
كثير من هؤلاء لم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم، بسبب تدميرها وبطء عمليات إعادة الإعمار واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لبلدات حدودية.
ومنذ اتفاق وقف اطلاق النار في 2024 لم يتوقّف العنف بالكامل، إذ واصلت إسرائيل قصف ما تقول إنها أهداف لحزب الله داخل لبنان، وقد تمّ توثيق مقتل 123 مدنياً في خلال العام الأول الذي تلا وقف إطلاق النار.
كان كثيرون يتوقّعون أن ينجر حزب الله – الذي أضعفته ضربات إسرائيل في 2024 – إلى هذه الحرب بسبب علاقته بإيران. وعلى الرغم من توقع ذلك، ستكون التداعيات الإنسانية قاسية في بلد يعاني اقتصاداً مدمَّراً وارتفاعاً في انعدام الأمن الغذائي وبنية تحتية لم تتعاف بعد.
وقد اشتكت منظمات الإغاثة في 2024 من بطء الاستجابة، ما اضطر السكان المحليين إلى سدّ الثغرات بأنفسهم – وهو ما قد يحدث مجدداً.
2. مضيق هرمز
أغلقت إيران عملياً مضيق هرمز، إذ هدّد قائد في الحرس الثوري بإحراق أي سفينة تحاول المرور عبر هذا الممرّ الضيّق بين الخليج العربي وخليج عُمان المؤدّي إلى بحر العرب.
يمرّ عبر المضيق نحو خُمْس تجارة النفط العالمية. وعلى الرغم من وجود طرق بديلة لنقل النفط والغاز، فإنها أطول وأكثر تكلفة. يتوقّع محلّلون أن يؤدّي إغلاق طويل للمضيق إلى ارتفاع عالمي في أسعار الطاقة والغذاء. لكن الدول الأكثر عرضة للخطر فوراً هي دول آسيوية مثل باكستان وبنغلادش، التي تعتمد بشدّة على الغاز الطبيعي المسال من دول الخليج ولديها قدرة تخزين محدودة.
في باكستان، التي تعاني بالفعل من أزمات اقتصادية وبطالة مرتفعة بين الشباب، قد يشكّل انقطاع النفط ضربة إضافية لاقتصاد متعثّر. أما بنغلادش فتعتمد بشكل كبير على قطر في واردات الغاز، وقد أوقفت الدوحة إنتاج شركتها الحكومية للغاز في بداية الأسبوع. تعتمد دول أخرى مثل الهند ونيبال والفلبين وأفغانستان أيضاً على تحويلات العمالة من الخليج والشرق الأوسط، والتي تبلغ مليارات الدولارات سنوياً. وإذا طال أمد الحرب فقد تتأثر هذه التدفقات النقدية الحيوية.
حتى اليابان قد تتأثر، إذ تقول طوكيو إن لديها احتياطياً نفطياً يكفي لنحو 200 يوم فقط.
ولا يتعلّق الأمر بالنفط وحده. فالمضيق أيضاً أساسي لنقل الغذاء. إذ يأتي 40% من إمدادات الأسمدة النيتروجينية العالمية من دول الخليج. وتعتمد إيران نفسها على المضيق لاستيراد الحبوب. فمن أصل 30 مليون طن من الحبوب المستوردة إلى منطقة الخليج، يذهب 14 مليون طن إلى إيران.
وكانت أسعار الغذاء ترتفع بالفعل قبل الحرب، وهو أحد أسباب الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران هذا العام.
كما أن الهجمات الإيرانية على موانئ الخليج ستؤثر على عمليات الإغاثة، إذ قال برنامج الأغذية العالمي إنه يسابق الزمن للتكيّف مع إغلاق طرق الشحن والمجال الجوي.
وقال منسّق الإغاثة في الأمم المتحدة توم فليتشر إن استمرار تعطيل طرق الطاقة أو الممرات البحرية مثل مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء وضغط على الأنظمة الصحية ونقص في الإمدادات الأساسية في الدول المعتمدة على الواردات.
3. القتلى المدنيون والنزوح وتدمير البنية التحتية في إيران
لا تزال الصورة الكاملة لما يحدث داخل إيران غير واضحة.
هناك تقارير عن احتمال قيام الولايات المتحدة بتسليح مقاتلين أكراد إيرانيين ضدّ الحكومة، ما يثير مخاوف من حرب أهلية محتملة قد تؤدّي إلى موجات نزوح واسعة.
ويعود جزء من غياب المعلومات إلى انقطاع الإنترنت نتيجة الضربات، بينما يقول خبراء إن الحكومة الإيرانية ربما فرضت أيضاً تعتيماً إعلامياً بعد اغتيال قائدها.
لكن المؤكد أن الضربات أوقعت عدداً كبيراً من الضحايا المدنيين. فقد أعلنت السلطات الإيرانية أن قصف مدرسة للبنات في جنوب إيران في اليوم الأول للهجمات أسفر عن مقتل 160 شخصاً. كما أفادت منظمة حقوقية بمقتل 742 مدنياً.
تأتي هذه الخسائر في بلد كان يعاني بالفعل من أزمة اقتصادية خانقة. فقد اندلعت احتجاجات في الأسواق الإيرانية أواخر عام 2025 بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور العملة. وبحلول يناير ارتفع سعر البيض 19% وارتفع سعر زيت الطهي 50% مقارنة بالعام السابق. ويرجع ذلك إلى السياسات الاقتصادية الداخلية إضافة إلى تأثير العقوبات الأميركية.
دفعت الضربات الأخيرة العائلات إلى تخزين الغذاء، خصوصاً مع استمرار استهداف المدن.
كما قصفت إسرائيل مستشفيات، بينها مستشفى غاندي في شمال طهران، ما يزيد الضغط على نظام صحي يعاني أصلاً من نقص الأدوية والمعدات بسبب العقوبات.
4. اللاجئون الأفغان
كما يحدث غالباً في الأزمات الإنسانية، فإن أكثر المتضررين هم الفئات المهمشة.
في إيران، يشكّل اللاجئون الأفغان إحدى أكثر الفئات عرضة للخطر. ويبلغ عددهم نحو 2.6 مليون شخص، على الرغم من حملة الترحيل التي أعادت 1.5 مليون أفغاني إلى بلادهم في خلال النصف الأول من 2025.
خلال القصف الإسرائيلي لطهران العام الماضي، انتشرت شائعات تتهم الأفغان بمساعدة إسرائيل، على الرغم من أن أي حكومة في كابول لم تعترف بها.
حتى لو لم تتكرّر هذه الاتهامات، فإن القصف المستمر للمدن – حيث يعيش معظم الأفغان – يجعلهم في وضع هش للغاية. كما أن العودة إلى أفغانستان ليست آمنة بسبب التوترات مع باكستان.فقد أسفرت غارات باكستانية الشهر الماضي على مواقع مزعومة لحركة طالبان الباكستانية عن مقتل 13 مدنياً في ولاية ننغرهار الأفغانية. وردت حكومة طالبان في كابول بهجمات، لتعلن إسلام آباد لاحقاً حالة حرب مفتوحة.
وقالت الأمم المتحدة إن هذه الاشتباكات أدت إلى مقتل 42 مدنياً وإصابة أكثر من 100. وقد يؤدي انشغال دول الوساطة الإقليمية بالحرب الحالية إلى تعقيد أي تسوية بين البلدين.
5. الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية
انشغال العالم بإيران لا يعني أن إسرائيل توقفت عن عملياتها في غزة والضفة الغربية.
ففي اليوم نفسه الذي بدأت فيه الضربات على إيران، أغلقت إسرائيل معبري غزة – وهما الطريقان الوحيدان لدخول المساعدات أو خروج عدد محدود من الأشخاص – بحجة «إجراءات أمنية». أعيد فتح معبر كرم أبو سالم في 2 آذار/مارس، وبدأت بعض الشاحنات بالمرور عبر معبر رفح في 3 آذار/مارس.
لكن قبل الإغلاق كانت مستويات دخول المساعدات منخفضة بشكل خطير، بسبب رفض إسرائيل إدخال كثير من الشحنات. وأثار الإغلاق مخاوف من مجاعة أوسع، لأن سكان غزّة يعتمدون إلى حدّ كبير على الغذاء القادم من الخارج. وقالت مي العوضة من منظمة العون الطبي للفلسطينيين: «الناس يخشون عودة القصف الواسع والنقص الحاد في الإمدادات. الأثر النفسي هائل».
في الوقت نفسه، شدّدت إسرائيل القيود على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الإسرائيلية منذ كانون الأول/ديسمبر 2025، اتخذت إجراءات غير قانونية تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وترسيخ ضمّ الضفّة الغربية. كما تصاعد عنف المستوطنين، حيث قُتل شقيقان فلسطينيان برصاص مستوطنين في 2 آذار/مارس. ويرى مراقبون أن استمرار الحرب مع إيران قد يمنح متشددين فرصة لتصعيد هذه الهجمات بينما ينشغل العالم بأماكن أخرى.
نُشِر هذا المقال في 5 آذار/مارس 2026 في موقع The New Humanitarian بموجب رخصة المشاع الإبداعي، وهو غير مسؤول عن دقة الترجمة.