معاينة beirut buildings

الإخفاقات البنيوية الكامنة خلف صعود سندات الدين اللبنانية

في منتصف عام 2024، ومع تبادل إسرائيل وحزب الله ضربات متبادلة تركزت أساساً في جنوب لبنان ضمن ما سمّاه الحزب «جبهة الإسناد»، شهدت الحياة السياسية اللبنانية حالة مطوّلة من الشلل المؤسسي والجمود. بقي موقع الرئاسة شاغراً منذ انتهاء ولاية ميشال عون في تشرين الأول/أكتوبر 2022، فيما استمرّت حكومة نجيب ميقاتي في العمل بصفة حكومة تصريف أعمال. ولم يبرز أي مسار واضح لمعالجة الأزمة المالية، بينما واصلت المصارف اللبنانية العمل كمصارف متعثّرة غير قادرة على تمويل النشاط الاقتصادي.

في تلك المرحلة، تداولت الأسواق سندات اليوروبوند الحكومية اللبنانية عند نحو 6 سنتات للدولار، وهو مستوى يعكس شطبها شبه الكامل في نظر السوق الدولية. لكن بحلول كانون الثاني/يناير 2026 عشية الحرب الحالية، ارتفعت هذه السندات إلى ما يقارب 29 سنتاً. حوّل هذا الصعود السندات اللبنانية إلى واحدة من أكثر قصص التعافي لفتاً في أدوات الدخل الثابت في الأسواق الناشئة في الأعوام الأخيرة، وجذب اهتمام المتخصّصين في الديون المتعثّرة وصناديق التحوّط وكبار المستثمرين المؤسّسيين الذين يراهنون على أنّ بلداً ارتبط اسمه بالانهيار المالي يقترب أخيراً من منعطف جديد.

غير أنّ هذا التفاؤل يحتاج إلى موازنته مع الاختلالات البنيوية العميقة في النظام الاقتصادي الذي أفضى إلى التخلّف عن السداد في المقام الأول. فأزمة لبنان لم تكن حادثة دين سيادي تقليدية، بل أقرب إلى انفجار داخلي لما وُصف بأنّه مخطّط بونزي، أي بنية مالية استحوذت من خلالها النخبة الحاكمة بصورة منهجية على موارد البلد منذ النهاية الرسمية للحرب الأهلية في مطلع تسعينيات القرن الماضي.

يتطلّب تفسير صعود سندات اليوروبوند وتقدير مدى استدامته، تحليل المحفّزات التي دفعت الأسعار إلى الارتفاع ضمن إطار الاقتصاد السياسي اللبناني. وتكتسب هذه المقاربة أهمية أساسية في حال إعادة هيكلة الدين العام اللبناني المقوَّم بالدولار، بما يسمح بإطلاق مسار تعافٍ اجتماعي اقتصادي فعلي، متعدّد الأبعاد وقائم على ديناميات تنطلق من القاعدة.

هندسة الانهيار

بُني النموذج الاقتصادي في لبنان بعد الحرب الأهلية على أساس هشّ.

عقب انتهاء حرب 1975–1990، تراجع نفوذ الإقطاعيات السياسية التي هيمنت على بنية النظام السياسي اللبناني قبل الحرب، وصعدت مكانها نخبة جديدة ضمّت قادة ميليشيات تحوّلوا إلى فاعلين سياسيين إلى جانب رجال أعمال فائقَي الثراء تربطهم شبكات علاقات خارجية. وارتبط اسم رئيس الحكومة رفيق الحريري بهذه الفئة الأخيرة، وأطلقت الدولة في عهده برنامج إعادة إعمار واسع اعتمد أساساً على إصدار سندات مقوّمة بالدولار. وقد أقرّ الحريري بأن السلم الأهلي جرى تثبيته عبر الدين العام، الذي موّل النفقات التشغيلية للدولة ورواتب الموظفين العموميين1

أزمة لبنان لم تكن حادثة دين سيادي تقليدية، بل أقرب إلى انفجار داخلي لما وُصف بأنّه مخطّط بونزي، أي بنية مالية استحوذت من خلالها النخبة الحاكمة بصورة منهجية على موارد البلد منذ النهاية الرسمية للحرب الأهلية في مطلع تسعينيات القرن الماضي

لخدمة هذا الدين، تمحور اقتصاد ما بعد الحرب حول المصارف والعقارات والسياحة، واستندت هذه القطاعات الثلاثة إلى تدفّق مستمر للعملات الأجنبية من جاليات اغترابية واسعة ونشيطة حوّلت في المتوسّط 6.5 مليار دولار سنوياً بين عامَي 2011 و20212. في المقابل، شهدت القطاعات الصناعية والزراعية في لبنان مسار تراجع طويل، علماً أنّها بقيَت محدودة الحجم حتى في أفضل مراحل ما قبل الحرب، في ظل غياب دعم فعلي من الدولة أو سياسات عامة جادّة لتعزيزها.

منذ عام 1997، ثبّت لبنان سعر صرفه على الدولار الأميركي، وهو القرار الذي صاغه رياض سلامة، المقرّب من رفيق الحريري، عند تولّيه حاكمية مصرف لبنان، بهدف جذب الودائع والإبقاء على الواردات رخيصة. وكلما بدت مالية الدولة والآفاق الاقتصادية الكلّية تتجهان نحو مأزق، استند الحريري إلى شبكة علاقاته الدولية للحصول على دعم من دول صديقة في أوروبا والخليج، ولا سيما في خلال مؤتمرات باريس الثلاثة في أعوام 2001 و2002 و20073.

على مدى عقدين، بدا هذا الترتيب وكأنّه قابل للاستمرار على الرغم من هشاشته البنيوية. غير أنّ التراكم المفرط للدين أسهم في تثبيت وهم الاستقرار فيما تعرّضت الدولة لتفريغ مؤسّسي تدريجي. وقد ارتبطت استدامة هذا النموذج بتدفّقات متزايدة من العملات الصعبة. ومع تباطؤ هذه التدفّقات ابتداءً من ثورات الربيع العربي في عام 2011، اتجه مصرف لبنان إلى سياسات مالية ونقدية أكثر تشدّداً واستثنائية.

ابتداءً من عام 2016، نفّذ مصرف لبنان سلسلة عمليات سُمّيت بـ«الهندسات المالية»، عرض فيها على المصارف التجارية عوائد استثنائية مقابل استقطاب ودائع جديدة بالدولار. وفي المقابل، قدّمت المصارف عوائد مرتفعة للمودعين لجذب تدفّقات إضافية من المغتربين والمتقاعدين وأصحاب الأجور. أنتجت هذه الآلية حلقة تراكمية ذاتية التعزيز، إذ أصبحت الودائع الجديدة شرطاً لتمويل العوائد الموعودة للودائع القائمة.

انهارت هذه الآلية في آب/أغسطس 2019 مع بدء تآكل نظام تثبيت سعر الصرف وفقدان الليرة اللبنانية قيمتها. وبعد ذلك بفترة وجيزة، اندلعت انتفاضة اتّسمت برفض شامل للنظام السياسي الطائفي، ما دفع المصارف إلى إقفال أبوابها لمدة 10 أيام. وعند إعادة فتحها، تبيّن للمودعين نقص السيولة بالدولار لدى المصارف، في ظل فرض قيود غير رسمية على حركة رأس المال. ولم يعد تحويل الأموال إلى الخارج ممكناً، واقتصر السحب على مبالغ محدودة بالدولار. وتواصل انهيار سعر صرف الليرة بوتيرة متسارعة، أعقبه تضخّم مفرط أدّى إلى تآكل المدّخرات والأجور.

سندات اليوروبوند: من الانهيار إلى التعافي؟

في آذار/مارس 2020، أعلنت الحكومة اللبنانية للمرة الأولى في تاريخ البلد تخلّفها عن سداد نحو 31 مليار دولار من سندات اليوروبوند، بهدف الحفاظ على احتياطات العملات الأجنبية المتبقية لتمويل واردات الغذاء والوقود الأساسية. وكانت أسعار هذه السندات قد انخفضت مسبقاً من نحو 75 سنتاً للدولار في منتصف عام 2019 إلى نحو 50 سنتاً بحلول الشتاء، قبل أن تتراجع بصورة إضافية عقب إعلان التخلّف عن السداد.

بحلول منتصف عام 2022، ومع الشلل السياسي المستمر والانفجار الكارثي في مرفأ بيروت في آب/أغسطس 2020 وغياب أي برنامج إصلاحي، تلاشى ما تبقّى من الثقة في البلد. وهبطت سندات اليوروبوندز إلى أقل من 6 سنتات للدولار، وظلّت عالقة عند هذا المستوى حتى منتصف عام 2024.

عقب ذلك، بدأت أسعار السندات تستعيد جزءاً من قيمتها عبر 3 مراحل متمايزة، ارتبطت كلّ مرحلة منها بمحفّز مختلف.

graph

امتدّت المرحلة الأولى بين أيلول/سبتمبر وكانون الأول/ديسمبر 2024، وجاءت، على نحو مفارق، مدفوعة بتطوّرات الحرب. فقد أدّت الحملة العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق ضد حزب الله، التي بدأت في أيلول/سبتمبر 2024، إلى دمار كبير في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت. وفي ظل هذا المستوى من الدمار، بدا منطقياً توقّع مزيد من التدهور في أوضاع البلد.

غير أنّ المستثمرين استخلصوا استنتاجاً على خلاف ما توحي به الوقائع. فقد رأى كثيرون، بغضّ النظر عن دقّة هذا التقدير، أنّ حزب الله يشكّل العائق الرئيس أمام أي جهود إصلاحية، سواء جاءت بتفويض من صندوق النقد الدولي أم لا. وقد تعرّض الحزب إلى إضعاف كبير في خلال الحرب، مع اغتيال عدد من قياداته العليا وظهور اختراقات في بنيته الداخلية بفعل جواسيس يعملون بتوجيه إسرائيلي.

مع تلقي حزب الله ضربة قاسية، بدا كأنّ عقبة سياسية كبرى كانت تعترض إعادة هيكلة الدين قد أُزيحت أخيراً، فظهرت السندات اللبنانية المُسعَّرة بأقل بكثير من قيمتها كفرصة استثمارية واعدة. وارتفعت أسعارها من نحو 6 سنتات إلى نحو 9 سنتات بحلول تشرين الثاني/نوفمبر، ثم إلى نحو 13 سنتاً في كانون الأول/ديسمبر بعد إعلان وقف إطلاق النار. ومع ذلك، ظلّت أحجام التداول ضئيلة جداً، بحيث استطاع عدد محدود من الصفقات أن يدفع الأسعار صعوداً على نحو ملحوظ4.

جاءت المرحلة الثانية في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2025، مع انكسار المأزق السياسي الطويل الذي طبع الحياة السياسية اللبنانية.

فقد أنهى انتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً للجمهورية في كانون الثاني/يناير 2025 أكثر من عامين من الفراغ الرئاسي. وعُرف عون بإشرافه على الهجوم الذي نفّذه الجيش اللبناني لطرد تنظيم داعش في آب/أغسطس 2017 5، وبمحافظته على قدر من الانضباط في أداء الجيش خلال انتفاضة أواخر 2019 6. كما بقي إلى حدّ كبير بمنأى عن اتهامات الفساد التي لاحقت بعض أسلافه، وحظي باحترام شرائح واسعة من اللبنانيين. وأعطى تأكيده أنّ للدولة اللبنانية حق احتكار السلاح انطباعاً لدى كثيرين بأن المشهد السياسي في لبنان قد يقف أخيراً على أعتاب تغيير7.

وسرعان ما أُوكل إلى نواف سلام، رئيس محكمة العدل الدولية والحقوقي والأكاديمي المعروف بكتاباته عن الحوكمة والإصلاح في لبنان، تشكيل الحكومة، فتألف مجلس وزراء جديد في وقت قياسي بالمقاييس اللبنانية.

وبدا ثنائي عون–سلام كأنه نسمة تغيير، وأوحى بإمكان كسر الشلل الذي طبع الحكم في لبنان منذ اندلاع الأزمة المالية. ونتيجة لذلك، استعادت أسعار السندات جزءاً من عافيتها في خلال عام 2025، متجاوزة العتبة الرمزية البالغة 20 سنتاً للدولار بحلول أيلول/سبتمبر 8.

أما المرحلة الثالثة، الممتدّة من منتصف عام 2025 إلى مطلع عام 2026، فدفعها تقدّم تشريعي في إصلاحات ظلّ صندوق النقد الدولي يطالب بها منذ سنوات بوصفها شروطاً مسبقة لأي برنامج إنقاذ.

في نيسان/أبريل 2025، عدّل مجلس النواب قانون السرّية المصرفية، وهي خطوة ظلّ صندوق النقد الدولي يطالب بها منذ عام 2020، لما لها من أهمية في بناء نظام ضريبي فعّال، وتدقيق حسابات المصارف، ومكافحة الإثراء غير المشروع وسائر الجرائم المالية9. وفي تموز/يوليو، أقرّ البرلمان قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها (القانون رقم 23/2025) 10، واضعاً إطاراً لإعادة هيكلة المصارف المتعثّرة أو تصفيتها. ومع ذلك، لم يَخلُ القانون من الانتقادات، إذ يرى كثيرون أنّ صيغته النهائية صيغت على نحو يحمي اللوبي المصرفي 11. ثم، في أواخر عام 2025، قدّمت الحكومة مشروع «قانون الفجوة المالية» لتحديد كيفية توزيع عشرات مليارات الدولارات من خسائر الانهيار المالي بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية والمودعين 12.

بحلول كانون الثاني/يناير 2026، وقبل اندلاع الحرب الحالية بفترة وجيزة، بلغت أسعار السندات نحو 28 إلى 29 سنتاً للدولار. وجاء هذا الارتفاع مدعوماً بزيادة أسعار الذهب، التي رفعت القيمة التقديرية لاحتياطات لبنان الذهبية، إضافة إلى استمرار تحقيق فائض مالي محدود.

أسباب التشكيك

حتى لو تبيّن أنّ الإرادة السياسية للإصلاح حقيقية، وحتى لو عكس صعود السندات قدراً من التفاؤل في الأسواق، فإن التحليل البنيوي للنظام الاقتصادي اللبناني يكشف واقعاً مختلفاً تكتنفه عقبات كبيرة.

فالنظام السياسي الطائفي أفضى عملياً إلى نشوء ما يشبه «كارتلاً حزبياً» تتواطأ فيه النخب عبر مختلف الطوائف على تقاسم الريوع المستخرجة من الدولة بدلاً من التنافس على أساس السياسات العامة أو الأداء الحكومي 13. وقد ترتّبت على هذا الترتيب آثار اقتصادية سلبية عميقة، إذ تُركت الخدمات العامة الأساسية في حالة اختلال مؤسسي مزمن بما يكرّس اعتماد المواطنين على شبكات الزبائنية التي يديرها الزعماء الطائفيون، فيما توسّع القطاع العام عبر تعيينات قائمة على المحاصصة الزبائنية. كما بلغت اللامساواة الاجتماعية الاقتصادية مستويات مرتفعة، بينما استند النمو في الاقتصاد الريعي بعد الحرب أساساً إلى المضاربة العقارية وتحويلات الاغتراب وفروقات أسعار الفائدة. وحتى لو تمكّن ثنائي عون–سلام، الذي يُنظر إليه بوصفه إصلاحياً، من تمرير بعض الإصلاحات الضرورية، فمن المرجّح أن يجد هذا الكارتل وسائل مؤسسية أو سياسية لتعطيل تنفيذها أو الحدّ من أثرها.

لم تكن المصارف التجارية أطرافاً محايدة أو ضحايا للنخب الطائفية كما يصوّرها الخطاب الذي يروّجه اللوبي المصرفي

لم تكن المصارف التجارية أطرافاً محايدة أو ضحايا للنخب الطائفية كما يصوّرها الخطاب الذي يروّجه اللوبي المصرفي. فحتى عام 2019، جرى تقديم القطاع المصرفي بوصفه العمود الفقري للاقتصاد اللبناني. غير أنّه في الواقع لم يؤدِّ دوراً في دعم القطاعات الإنتاجية، بل عمل بوصفه الآلية المركزية التي اشتغل من خلالها هذا النموذج الاقتصادي. فقد سيطرت النخب السياسية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على معظم المصارف، الكبيرة منها والصغيرة. وكانت هذه المصارف توظّف أموال المودعين في شراء السندات الحكومية، وتحقّق عوائد مرتفعة، ثم تعيد تدوير تلك الأرباح داخل شبكات الزبائنية التي كرّست النظام الطائفي. وفي هذا المعنى، شكّلت النخب الطائفية والقطاع المصرفي عنصرين متكاملين ضمن البنية نفسها.

لم تتراجع قوة اللوبي المصرفي مع الأزمة. فـقانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها المذكور أعلاه يدمج المصالح المصرفية في صلب اللجان المكلّفة بالإشراف على عملية إعادة الهيكلة نفسها: إذ يحتفظ حاكم مصرف لبنان بصلاحيات واسعة على غرفتي الهيئة المصرفية العليا، فيما يجلس ممثّلون عن القطاع المصرفي في هيئات أساسية لصنع القرار. بل إن تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان في آذار/مارس 2025، وهو الخبير المصرفي كريم سعيد، لم يخلُ من الجدل، إذ اعترض رئيس الحكومة نواف سلام على صلاته الوثيقة بالنخبة المصرفية14، ما أثار مخاوف من تضارب المصالح.

إضافة إلى ذلك، أظهرت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أنّ حزب الله لا يزال بعيداً عن التحييد، فيما يواصل جيش الحرب الإسرائيلي الاستعداد لتطبيق النموذج الإبادي الذي اعتمده في غزة في ساحات أخرى، منها لبنان. كما تبدو دول الخليج العربية، التي طالما اعتُبرت فاعلاً محورياً في أي مسار لتعافي الاقتصاد اللبناني بعد الانهيار، منشغلة باعتباراتها الأمنية الخاصة وبالارتدادات الاقتصادية للحرب الحالية، ما يحدّ من استعدادها لتقديم دعم فعلي للبنان، خصوصاً في ظل غياب إصلاحات حوكمة موثوقة، ولا سيما في ما يتعلّق بمشروع قانون الفجوة المالية. وحتى صندوق النقد الدولي، في بعثته الأخيرة إلى لبنان، أقرّ بوجود تقدّم، لكنه أوضح أنّ قانون إصلاح المصارف ومشروع قانون الفجوة لا يزالان يحتاجان إلى «تحسينات» كي «ينسجما […] مع المبادئ الدولية»15.

ومن شأن هذه التطورات، في الحدّ الأدنى، أن تثير قلق أي مستثمر يراهن على السندات اللبنانية.

آمال في غير محلّها

في المحصّلة، يمثّل صعود السندات اللبنانية رهانا على تحوّل سياسي. فالسوق يفترض أنّ إضعاف حزب الله عسكرياً، إلى جانب صعود قيادة سياسية جديدة، قد يفتح الباب لكسر حلقة امتدّت 3 عقود من هيمنة النخب والشلل الطائفي والهندسات المالية. وبالنسبة إلى المستثمرين الذين دخلوا السوق عندما بلغت السندات نحو 6 سنتات، كانت العوائد حتى الآن استثنائية. غير أنّ السؤال يبقى ما إذا كانت الأساسيات الاقتصادية قادرة فعلاً على تبرير هذه الأسعار.

لا يمثّل الاختلال الاقتصادي في لبنان خللاً عابراً، بل انعكاساً لنظام سياسي صيغ لخدمة مصالح نخبة ضيّقة. ولا يملك الكارتل الطائفي أي دافع لإصلاح نظام يدرّ عليه الأرباح. وقد أظهر اللوبي المصرفي قدرته على غرس مصالحه داخل التشريعات التي يفترض أن تعيد هيكلة القطاع. أمّا القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، التي يُفترض أن تقوم عليها أي قدرة مستدامة على سداد الدين، فقد أنهكتها سنوات الأزمة وعقود طويلة من الإهمال.

في المحصّلة، يمثّل صعود السندات اللبنانية رهانا على تحوّل سياسي. فالسوق يفترض أنّ إضعاف حزب الله عسكرياً، إلى جانب صعود قيادة سياسية جديدة، قد يفتح الباب لكسر حلقة امتدّت 3 عقود من هيمنة النخب والشلل الطائفي والهندسات المالية

مع ذلك، ما يزال لبنان يحتفظ بمجموعة واسعة من الأصول: احتياطات الذهب لدى مصرف لبنان، وشبكات الاغتراب الممتدّة، وإمكانات واعدة في السياحة والزراعة المستدامة. غير أنّ تفعيل هذه الإمكانات يحتاج إلى أكثر بكثير من حكومة إصلاحية عابرة أو إصلاحية في الظاهر.

وقد يمنح صعود السندات اللبنانية بعض الأمل، لكن هذا الأمل مضلّل. فلبنان يحتاج إلى إعادة تخيّل جذرية لنموذجه الاقتصادي الذي قاد إلى هذه الكارثة المتعدّدة الأوجه، بحيث ينتقل من اقتصاد يقوم على استخراج الريوع ضمن نظام طائفي إلى اقتصاد يقوم على الاستثمار المنتج.