معاينة من سياسات التمويل إلى أزمة شرعية الأمم المتحدة على حافة الانهيار

من سياسات التمويل إلى أزمة شرعية
الأمم المتحدة على حافة الانهيار

حذّر الأمين العام للأمم المتحدة في 28 كانون الثاني/يناير 2026 من أنّ المنظمة تقترب من انهيار مالي وشيك، نتيجة تخلّف عدد كبير من الدول الأعضاء عن سداد مستحقاتها. يطرح هذا التحذير سؤالاً جوهرياً حول أثر هيكل التمويل الأممي من حيث نوعه ومصدره وحجمه في قدرة المنظمة على أداء مهامها، ولماذا بات نموذج التمويل الحالي أقلّ قابلية للاستدامة. فالأزمة الحالية لا تهدد ميزانية المنظمة فحسب، بل قدرتها على البقاء كناظم أساسي للنظام الدولي.

تعتمد الأمم المتحدة على أربعة مسارات رئيسة للتمويل، يحدّد كلّ منها عملياً نطاق ما تستطيع المنظمة القيام به. أولاً، المساهمات المقرّرة، وهي رسوم إلزامية تُحتسب وفق سلّم متفق عليه بين الدول الأعضاء، ويُعدّ سدادها شرطاً من شروط العضوية. وتموّل هذه المساهمات الميزانية العادية وعمليات حفظ السلام، ما يجعل انتظامها أساسياً لاستمرار الوظائف المؤسسية. ثانياً، المساهمات الطوعية الأساسية، وهي اختيارية لكنها غير مقيّدة، ما يمنح وكالات الأمم المتحدة مرونة في إعادة توجيهها نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً بحسب تطوّر الاحتياجات. ثالثاً، المساهمات الطوعية المخصّصة، وهي أيضاً اختيارية، لكنها مقيّدة بمشروع أو قطاع أو بلد معيّن يحدّده المانح، ما يقيّد حرية المنظمة في إعادة توزيع الموارد ويجعل برامجها أكثر خضوعاً لأولويات الممولين. ورابعاً، الإيرادات الأخرى، وتشمل عوائد الخدمات، والأرباح أو الخسائر الناتجة عن الاستثمارات وتقلبات أسعار الصرف، وهي مصادر أقل استقراراً بحكم ارتباطها بعوامل مالية خارجية.

في عام 2023، بلغ إجمالي إنفاق الأمم المتحدة نحو 68.5 مليار دولار أميركي. استحوذت المساعدات الإنسانية على الحصة الأكبر، بقيمة 30.8 مليار دولار (45%)، لتغطية الاستجابة الطارئة للنزاعات والنزوح والكوارث. تلتها المساعدات الإنمائية بقيمة 20.6 مليار دولار (30%)، وتشمل البرامج طويلة الأمد الهادفة إلى تعزيز الخدمات العامة وبناء المؤسسات ودعم سبل العيش. أما عمليات حفظ السلام فبلغت 8.7 مليار دولار (13%). في حين وصلت نفقات الأجندة العالمية والمساعدة المتخصصة إلى 8.4 مليار دولار (12%)، وهي تشمل الوظائف العابرة للمنظومة، ودعم المعايير الدولية، والتعاون التقني.

تكمن الإشكالية في أنّ جزءاً متزايداً من تمويل الأمم المتحدة بات يعتمد على المساهمات الطوعية المقيّدة، في مقابل تراجع الوزن النسبي للمساهمات المقرّرة أو غير المقيّدة. وهذا التحوّل يجعل التمويل أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ، ويحدّ من قدرة المنظمة على التخطيط بعيد المدى أو الاستجابة المتوازنة للاحتياجات العالمية. كما أن تأخر الدول الكبرى في السداد يخلق أزمات سيولة متكرّرة، تدفع المنظمة إلى تقليص الإنفاق أو تأجيل الالتزامات، ما يضعف فعاليتها ويقوّض استدامة نموذجها المالي.

التحدي 1: انكماش التمويل الإجمالي

يشهد تمويل الأمم المتحدة تراجعاً مطّرداً منذ عام 2022، بعدما بلغ ذروته عند 74.3 مليار دولار، لينخفض إلى تقدير يُناهز 64 مليار دولار في عام 2024. ويعادل ذلك انخفاضاً بنحو 18.6% بالقيمة الحقيقية عند احتساب التضخم وتراجع القيمة، أي ما يقارب 15 مليار دولار من القدرة الشرائية الفعلية.

وكان التمويل الإجمالي للمنظمة قد نما تدريجياً منذ مطلع الألفية، مدفوعاً بتوسّع نطاق المهام الموكلة إليها، سواء في عمليات حفظ السلام أو الاستجابة الإنسانية أو برامج التنمية. فقد ارتفع الإنفاق من نحو 11.5 مليار دولار عام 2000 إلى مستويات غير مسبوقة بعد عقدين. غير أنّ هذا المسار التصاعدي انعكس فجأة اعتباراً من عام 2022، مع بدء مرحلة انكماش واضحة.

ومع اتساع حجم المنظمة، ازداد اعتمادها على مساهمات الدول الأعضاء، ما جعلها أكثر حساسية لأي تراجع — ولو طفيف — في التمويل. فإيرادات الأمم المتحدة لا تتسم بالكِبر فحسب، بل أيضاً بالتقلّب، إذ ترتبط في جانب كبير منها بتعبئة قصيرة الأجل للاستجابة للأزمات. وهذا ما يجعل المنظمة عرضة لانكماش سريع في قدراتها التشغيلية كلما تراجعت التدفقات المالية، ويضع استدامة أنشطتها أمام اختبار متكرر.

التحدي 2: تمويل أقل مرونة

بلغت إيرادات الأمم المتحدة 67.6 مليار دولار عام 2023، توزّعت على النحو الآتي: 41 مليار دولار من التمويل المخصّص (61%)، و13.8 مليار دولار من المساهمات المقرّرة (20%)، و5.7 مليارات دولار من التمويل الطوعي الأساسي (9%)، إضافة إلى 7 مليارات دولار من أنشطة أخرى (10%).

يكشف هذا التوزيع أن الغالبية الساحقة من تمويل الأمم المتحدة ذات طابع طوعي ومقيّد، ما يجعلها شديدة الاعتماد على أولويات وأجندات الدول المانحة. ولا يقتصر الخطر هنا على احتمال تراجع هذه الدول عن مساهماتها أو عجزها عن الاستمرار في تقديمها من عام إلى آخر، بل يمتدّ مباشرة إلى طبيعة عمل المنظمة وتحديد أولوياتها. فالبرامج التي تُدرجها الدول المانحة ضمن أولوياتها تحظى بتمويل سخي، فيما تجد البرامج التي تعتبرها الأمم المتحدة أولوية استراتيجية نفسها معتمدة على حصة آخذة في الانكماش من التمويل الأساسي غير المقيّد.

وقد شهد التمويل الأساسي — بشقّيه المقرّر والطوعي — تراجعاً مستمراً خلال السنوات الماضية، إذ انخفضت حصته من إجمالي التمويل من 44% عام 2010 إلى 29% فقط عام 2023. وعلى الرغم من أنّ المساهمات المخصّصة كانت تاريخياً أعلى من التمويل الأساسي، فإن برامج الأمم المتحدة الإنمائية لم تكن دائماً معتمدة بهذا القدر على التمويل المقيّد. غير أنّ عام 1997 شكّل نقطة تحوّل، إذ تجاوز التمويل الطوعي المخصّص التمويل الأساسي في تمويل برامج التنمية للمرة الأولى، ومنذ ذلك الحين تعزّز تدخل الدول المانحة في توجيه أجندات التنمية بما يتلاءم مع مصالحها القومية. وقد استمر هذا الانحياز البنيوي في هيكل التمويل حتى اليوم، ما قلّص هامش الاستقلالية التخطيطية للمنظمة وأضعف قدرتها على صياغة أولوياتها وفق تقييمها للاحتياجات العالمية.

الأمم المتحدة على حافة الانهيار

التحدي 3: الاعتماد على عدد قليل من المانحين

يتركّز تمويل الأمم المتحدة في أيدي عدد محدود من الدول الغنية، ما يجعل المنظمة شديدة الانكشاف أمام التحوّلات السياسية والاقتصادية في هذه البلدان. ففي عام 2023، قدّم أكبر ثلاثة مانحين حكوميين — الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا — نحو 48% من إجمالي تمويل البرامج الإنسانية والإنمائية التي تديرها منظومة الأمم المتحدة.

أما على مستوى المساهمات الإلزامية، فقد شكّلت اشتراكات أغنى ثلاث دول عام 2026 — الولايات المتحدة والصين واليابان — نحو نصف إجمالي الاشتراكات المقرّرة، فيما استحوذت الدول العشر الأغنى على قرابة 73% منها. في المقابل، ساهمت 175 دولة من أصل 193 دولة عضو بنسبة لا تتجاوز 1% من الميزانية الأساسية. ويعكس هذا التوزيع درجة عالية من الاعتماد على اقتصادات قليلة لتأمين التمويل، بما يفاقم هشاشة النموذج المالي للمنظمة.

هذا التركّز يعني أنّ أي تشديد في السياسات المالية، أو تبدّل في الأولويات السياسية لدى حفنة من الدول الكبرى، قد يفضي إلى صدمة تمويلية عابرة للوكالات والبرامج والبلدان. وتزداد خطورة الأمر في ما يتعلّق بالتمويل المخصّص، الذي غالباً ما يغطي تكاليف عمليات محددة لا يمكن استبدالها بسهولة أو خلال مهلة قصيرة، ما قد يؤدي إلى تعطّل برامج بأكملها أو انهيارها.

وقد تجلّى ذلك بوضوح في أيار/مايو 2025، عندما خفّضت الولايات المتحدة التزاماتها بالمساعدات الخارجية، ما أسفر عن إلغاء 211 منحة كانت موجّهة إلى وكالات أممية مختلفة. واعتبر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، توم فليتشر، حينها أنّ تجميد المساعدات الأميركية أحدث «أزمة عميقة في الشرعية والمعنويات والتمويل» داخل المنظمة. كما أنّ انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان، وإعلانها الانسحاب من اليونسكو، شكّل تهديداً مباشراً للاستدامة المالية لتلك الهيئات، نظراً لاعتمادها الكبير على مساهمات الدول الكبرى.

الأمم المتحدة على حافة الانهيار

التحدي 4: تأخر المدفوعات

تواجه أمانة الأمم المتحدة أزمة سيولة متفاقمة لا تعود فقط إلى تراجع القيمة الفعلية للمساهمات، بل أيضاً إلى التأخر المتكرر في سداد الاشتراكات. فالمنظمة تحتاج إلى تدفقات مالية منتظمة وفي مواعيدها لتغطية الرواتب والالتزامات التعاقدية والنفقات التشغيلية. ويُعدّ تأخر كبار المساهمين في الدفع عاملاً رئيسياً في تضييق الخناق على السيولة، خصوصاً أن قواعد الميزانية تنصّ على إعادة الأموال غير المنفقة إلى الدول الأعضاء. وتُفاقم هذه القاعدة أثر التأخر، إذ إن تعطّل مرحلة أولى من مشروع بسبب عدم سداد دولة ما قد يفرض إعادة مساهمات لاحقة، ما يخلق حلقة متسلسلة من الاختلالات المالية.

حتى 12 شباط/فبراير 2026، لم تكن سوى 66 دولة من أصل 193 دولة عضو قد سدّدت اشتراكاتها بالكامل لذلك العام، ما يعني أن الغالبية لم تفِ بالتزاماتها على الرغم من بدء السنة المالية. ويغدو التأخر أكثر خطورة حين يتعلق بأكبر المساهمين. تنتظر الأمم المتحدة حالياً معرفة حجم ما ستسدده الولايات المتحدة من متأخرات تقارب 4 مليارات دولار، وتوقيت هذا السداد. وتشمل هذه المتأخرات 2.196 مليار دولار لميزانية التشغيل العادية، و1.8 مليار دولار لميزانية حفظ السلام المنفصلة. ومن شأن القرار الأميركي في هذا الصدد أن يترك أثراً حاسماً في قدرة المنظمة على الاستمرار في أداء مهامها.

صحيح أن مشكلة التأخر في السداد ليست جديدة، إذ لجأت دول أعضاء في السابق إلى حجب مساهماتها للضغط السياسي على المنظمة. غير أن السياق الحالي — خلال الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب — يبدو مختلفاً، إذ لا يقتصر الأمر على ممارسة الضغط، بل يعكس تراجعاً أوسع في الالتزام السياسي بدور الأمم المتحدة. في المقابل، تُعدّ الصين المرشح الأبرز لملء الفراغ الذي قد يخلّفه تراجع الدور الأميركي في تمويل المنظمة، لكنها لم تُظهر حتى الآن استعداداً لتحمّل هذا العبء، على الرغم من تأكيدها المتكرر تمسّكها بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ التعددية الدولية.

الأمم المتحدة على حافة الانهيار

التحدي 5: كلفة التشظي

يتحمّل نظام الأمم المتحدة كلفة هيكلية مرتفعة، نتيجة تداخل ولايات عدد من وكالاته وتكرار الأدوار الإدارية بينها. وقد أطلقت المنظمة في منتصف آذار/مارس 2025 مبادرة UN80 بهدف دراسة سبل خفض هذه التكاليف عبر ثلاثة مسارات رئيسية: تعزيز الكفاءة التشغيلية، ومراجعة الصلاحيات، وإصلاح الهياكل الإدارية ومواءمة البرامج.

وتشمل الإصلاحات قيد البحث إجراءات مثل تجميد التوظيف، وتوحيد وظائف الإدارة والدعم التشغيلي عبر الوكالات، إضافة إلى نقل بعض الوظائف إلى مدن أقرب إلى مناطق العمليات وأقل كلفة وأكثر فعالية، مثل بون في ألمانيا ونيروبي في كينيا. كما تنظر المبادرة في تقليص الازدواجية بين الكيانات المختلفة واستكشاف إمكانات الدمج المؤسسي، بما يهدف إلى تقليص النفقات وتعزيز الانسجام داخل المنظومة.

الاقتصاد السياسي للأمم المتحدة

لم تكن الأمم المتحدة بمنأى عن التحوّلات النيوليبرالية التي أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي. فمن جهة، اتجهت حكومات عديدة إلى إلقاء مزيد من المسؤوليات على عاتق المنظمة، سواء في إدارة الأزمات أو تقديم أشكال من الحماية الاجتماعية. ومن جهة أخرى، تبنّت الأمم المتحدة نفسها مقاربات مستوحاة من الفكر النيوليبرالي، تمثّلت في توسيع البيروقراطية الإدارية، وتشديد شروط التوظيف الدائم، والاعتماد المتزايد على مستشارين خارجيين ومنظمات غير حكومية لتنفيذ وظائف أساسية.

أدّى هذا التحوّل إلى ارتفاع الكلف التشغيلية وتراكم أوجه قصور بنيوية داخل المنظومة، بحيث بات نموذجها المؤسسي والمالي يواجه حدود استدامته. فالمنظمة مطالبة بأداء مهام أوسع وأعقد، في وقتٍ تتآكل فيه مواردها الأساسية وتزداد هشاشة بنيتها التمويلية.

وتفاقمت هذه اللااستدامة مع التحوّلات السياسية في كبرى الدول المانحة، ولا سيما صعود حكومات شعبوية قومية دفعت باتجاه أجندات انعزالية وتقليص المساعدات الخارجية. ومع تراجع القوى التي صاغت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية عن دعم الأمم المتحدة — بوصفها إحدى ركائز ذلك النظام — لم تعد الأزمة مالية فحسب، بل أصبحت أيضاً أزمة شرعية.

تجد الأمم المتحدة نفسها اليوم أمام تحدّي التكيّف مع واقع دولي جديد، ليس فقط لضمان استقرارها المالي، بل للحفاظ على دورها ووظيفتها في نظام عالمي آخذ في التحوّل. فأزمة الأمم المتحدة اليوم ليست أزمة حسابات، بل أزمة نموذج تمويلي رُبط بإرادة المانحين، ونموذج مؤسسي توسّع بلا قاعدة مالية مستقرة، ونموذج شرعي يقوم على نظام دولي يتآكل تدريجياً.