AI Datacenter

الذكاء الاصطناعي المعسكَر والائتمان الخاص والحرب على إيران

تُبدي أسواق الائتمان الخاص علامات ضغط حقيقية، تجلت في تقييد صناديق كبرى متعددة لعمليات السحب على وقع محاولة المستثمرين التخارج من حيازاتهم شحيحة السيولة. تقف خلف مخاوف المستثمرين – المُفسرةِ لتلك السحوبات – نجاحات الذكاء الاصطناعي؛ إذ وعلى الرغم من استناده إلى إنفاقٍ رأسمالي هائل يموّل الائتمان الخاص قسماً منه، يبدو وكأنّه يقوّض مشهد البرمجيات القائم الذي يُموّل جلّ مبتكريه عبر قروضٍ من تلك الصناديق ذاتها. ترتبط هاتان الديناميتان، باطراد، مع الطلب العسكري، في ظل تحفيز الحكومة الأميركية لرأس المال الخاص على إنشاء بنىً تحتيةٍ للذكاء الاصطناعي مرتبطة بالدفاع. وتُفاقم الحرب على إيران حِدّة هذه التوجهات برفع أكلاف الطاقة وتقليص السيولة وتسريع وتيرة تحول الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي عن طابعها المدفوعِ بقوى السوق، لتتركز أكثر فأكثر حول الأولويات المدعومة حكومياً.

في 22 آذار/مارس 2026، عمد اثنان من كبار أقطاب الائتمان الخاص، أپولو غلوبال مانجمنت وآريس مانجمنت، إلى فرض حواجز استرداد على أدواتهما الائتمانية الرائدة، ليقيّدوا – مؤقتاً – قدرة المستثمرين على سحب أموالهم. وعلى الرغم من تسجيل طلبات السحب المُقدمة من المستثمرين نسبة 11.2% و11.6% على التوالي، وضع كلا الصندوقين سقف الاسترداد عند 5%، تاركين قرابة نصف رأس المال المطلوب رهن الاحتجاز.

ليست حواجز الاسترداد المفروضة من أپولو وآريس سوى تجلٍ واضح واحد لضغوط أوسع نطاقاً عبر سوق الائتمان الخاص البالغة نحو 1.8 تريليون دولار. في 2 نيسان/أبريل، أفادت التقارير بتلقي بلو آول كاپيتال طلبات استردادٍ بنحو 5.4 مليار دولار إبّان الربع الأول من العام 2026، بما يضاهي 22% من حجم صندوقها للائتمان الخاص، ونسبة أعلى (41%) من صندوق آخر تابع لها ومُوجهٍ لشركات البرمجيات والتكنولوجيا. وفي معرض الاستجابة، أعلنت بلو آول فرض سقفٍ استرداد بواقع 5% من أموال المساهمين. وقُبيل ذلك، قيَّدَت بلاك روك السحوبات من صندوقها الإقراضي «إتش پي إس»؛ البالغ حجمه قُرابة 26 مليار دولار. كما واجهت بلاكستون طلبات استردادٍ ناهزت 3.8 مليار دولار من صندوقها الرائد للائتمان الخاص، ووضعت من رأسمالها الخاص لتلبي تلك السحوبات. في حين شهد مورغان ستانلي طلبات إعادة شراء بنسبة تقارب 11% في صندوقه نورث هيڨن للدخل الخاص، ولم تُلبِ كليفووتر سوى 7% تقريباً من إجمالي طلبات الاسترداد المُقدرةِ بـ 14%.

يسارع المستثمرون للتخارج من هذه الأدوات المُثقلة بقروضٍ شحيحة السيولة عبر الاسترداد المبكر، وقد تسبب هذا في خلق مستوىً جديدٍ كلياً من أزمة السيولة

ينطوي قطاع الائتمان الخاص على عمليات إقراضٍ تُديرها صناديقُ تمثّل «ابتكاراتٍ مالية» أثبتت شعبيتها وتوسّعها المتسارع كأدوات استثمارية إبّان السنوات الأخيرة. حشدت هذه الصناديق رؤوس أموال المستثمرين من القطاع الخاص لتمويل مقترضين يواجهون صعوبات في الوصول إلى صناديق الدائنين الخاضعين للرقابة التنظيمية، بسبب تصنيفهم كأطرافٍ تفتقر إلى الجدارة الائتمانية الكافية، أو هم مُثقلين بقروض مُسبقة من دائنين خاضعين للرقابة التنظيمية ويواجهون صعوبة في السداد. دخلت تلك الصناديق، بحكم سهولة وصولها إلى السيولة، لـ«سد الفجوة» وإقراض أولئك المقترضين محفوفي المخاطر بمعدلات تَعِد مستثمريها بعوائد مرتفعة.

تتألف إحدى فئات أولئك المقترضين من شركات برمجيات تأسست في بيئة أعمال قبل طفرة تطوير الذكاء الاصطناعي وانتشاره. فطفرة الذكاء الاصطناعي، وإنْ تدفعها الضجة الإعلامية، بلغت حداً يهدد نطاق البرمجيات والممارسات التجارية لتلك الشركات. وقد تجسدت النتائج في تكبد خسائر وتهاوي التقييمات وتراجع اهتمام المستثمرين؛ في مشهدٍ يصعّب على هذه الشركات سداد التزاماتها، بما فيها التسهيلات الائتمانية المُقدمة عبر أدوات الائتمان الخاص. وقد أثّر هذا بدوره في السيولة ومقومات البقاء لتلك الأدوات ذاتها.

وفي هذه البيئة، يدرك المستثمرون أنّ طفرة الذكاء الاصطناعي منبع المخاطر الائتمانية في محافظ أدوات الائتمان الخاص. وما إجراءات أپولو وآريس، المتمثّلة في فرض حواجز استرداد، سوى انعكاس لضغوط سيولةٍ ناجمةً عن مطالبة المستثمرين بالاسترداد المبكر لاستشعارهم أنّ نسبة مُقلقة من عملاء تلك الأدوات الائتمانية مثقلين بقروضٍ شحيحة السيولة، ومن المرجح تعثرهم عن السداد بما يضيّع عليهم رؤوس أموالهم.

وعلى الرغم من أنّ معدلات التعثر في هذه القروض لا تتجاوز حالياً حاجز 2%، يبدو هذا الرقم وكأنّه يقلّل الحجم الحقيقي للضغوط الكامنة. إذ يعاني نحو 40% من مقترضي الائتمان الخاص اليوم من عجزٍ في تدفقاتهم النقدية. وتشير سيناريوهات الضغط المالي، ونمط الاستردادات، إلى احتمال كبير بأن تقفز معدلات التعثر قفزة كبيرة لتصل إلى قرابة 10%، بل وربما تتخطاه في الحالات الأشد.

وفي واقع الأمر، تتفادى شريحة متزايدة من عملاء الائتمان الخاص التعثر في السداد عبر اللجوء إلى ترتيبات الدفع العيني، فتُرسمل الفوائد وتُضاف إلى حجم القرض الأصلي بدلاً من دفعها نقداً. أسفر ذلك عن ظهور ترتيبات «الدفع العيني الإنقاذية»، وهي ممارسة تُعدّل بموجبها شروط القرض في منتصف دورة حياته درءاً لخطر التعثر. تمثِّل هذه الترتيبات اليوم نحو 6.1% من إجمالي الصفقات، بعدما كانت 2.6% في العام 2021 بحسب بيانات لينكولن إنترناشيونال. وعليه، يفوق الحجم الفعلي للضغوط الكامنة ما توحي به حالات التعثر المُعلنة، وهي ضغوط باتت تُرحّل وتُؤجل باطراد بدلاً من معالجتها.

واستجابةً لذلك، يسارع المستثمرون للتخارج من هذه الأدوات المُثقلة بقروضٍ شحيحة السيولة عبر الاسترداد المبكر، وقد تسبب هذا في خلق مستوىً جديدٍ كلياً من أزمة السيولة، إذ باتت مطالبات الاسترداد تقوض استدامة الاستراتيجية المالية لأدوات الائتمان الخاص، وهي أدواتٌ شيدت هياكلها المبشرة بعوائد مرتفعة استناداً إلى قروضٍ طويلة الأجل وشحيحة السيولة نسبياً.

الحرب، بوصفها مآلاً حتمياً، تُمثل بحد ذاتها مصدراً لعدم اليقين. ومن هذا المنطلق، يخضع اليوم هذا التشابك العميق بين الدولة والتمويل والذكاء الاصطناعي والحرب لاختبارٍ حقيقي في غرب آسيا

وحالة الهشاشة التي تعكسها هذه التطورات يعالجها رأس المال المالي، بالتضافر مع الدولة الأميركية، عبر مناوراتٍ جديدة في قطاعاتٍ موازية أضحت بمثابة ميادين الصيد الراهنة لرؤوس الأموال اللاهثة وراء العوائد. ففي غضون أيامٍ معدودة من قرار أپولو وآريس، بدأ الجيش الأميركي مفاوضاتٍ حصرية مع مجموعتي كارلايل وكيه كيه آر لبناء مراكز بياناتٍ ضخمة للذكاء الاصطناعي. ويمضي المرفق الأول المقترح، وهو مشروعٌ تناهز كلفته ملياري دولار في قاعدة فورت بليس بولاية تكساس، بخطىً حثيثة لتدشين عملياته بحلول العام 2027. أما المرفق الثاني، والبالغ كلفته هو الآخر ملياري دولار، فسيتخذ من حقل تجارب دوغواي بولاية يوتا مقراً له، وسوف تطوّره منصة سايروس وان (المدعومة من كيه كيه آر وبلاك روك)، على أن يكتمل إنجازه قُرابة العام 2029.

تشير هذه التطورات إلى واقع هيكلي أعمق، ألا وهو أنّ نموذج النمو الوطني الأميركي بات ينتظم، باطراد، حول منظومة ثلاثية الأقطاب عمادها التمويل من الائتمان الخاص والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي والطلب العسكري. تتقاطع حالة الهشاشة المالية والاقتصادية الحقيقية (وأزمة سيولة الائتمان الخاص أحد عوارضها) مع مسار الذكاء الاصطناعي وتلتقي معه بطرائق هيكلية بالغة الدلالة. ففي حين يعصف الذكاء الاصطناعي بعالم الخدمات البرمجية، فإنّه يمتص في الوقت ذاته مبالغ طائلة من رؤوس الأموال لضخها في استثمارات إنتاج الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية ذات الصلة (بما فيها متطلبات حيوية كالأراضي ومصادر الطاقة وأنظمة التبريد والقدرات الحاسوبية). تتولى أدوات الائتمان الخاص تمويل حصة معتبرة من هذه الاستثمارات. ويتبدى اليوم أنّ الضجة الإعلامية المحيطة بالذكاء الاصطناعي، المدفوع بتصاعد الطلب على الرقائق فائقة التطور من إنتاج شركة إنڨيديا «نجمة السوق» أو الوافدين الجدد كشركة إيه إم دي، أضحت محط شك وتمحيص على وقع العوائد الباهتة الناجمة عن توظيف الذكاء الاصطناعي من قِبل الشركات المستهلكة للتقنية. وعلى الرغم من تسجيل بعض الشركات نمواً في إيراداتها بفضل استخدام الذكاء الاصطناعي أو توظيفه، فقد بات حجم الاستثمار المطلوب صعب التبرير لشركات أخرى كثيرة. وعليه، يبدو، وبوتيرة متزايدة، أنّ توقعات نمو الطلب والإيرادات – الكامنة في التقييمات المتصاعدة لشركات الذكاء الاصطناعي ذاتها – تقوم على حالة الزخم والضجة أكثر من الأحكام العقلانية المدعومة بالأدلة.

ولكن، في ضوء الارتباط العضوي القديم بين رأس المال المالي والدولة الأميركية، تقف طفرة الذكاء الاصطناعي اليوم على أرضية متينة من الإنفاق العسكري، تحت مبرر إمكانية تطويع هذه التقنية للأغراض الدفاعية. والاستثمارات في فورت بليس وحقل تجارب دوغواي مثال على ذلك. فإزاء الرأسمال الهائل اللازم لبناء البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، كمراكز البيانات، يبرز الائتمان الخاص (الوجهة المفضلة لاستخراج الأرباح المالية) بمثابة قناةٍ تمويلية لتلك البنى. ويبرهن مشروعا فورت بليس ودوغواي على تحولٍ عميق في استراتيجية المشتريات الحكومية الأميركية؛ إذ يُستقطب رأس المال الخاص ويوظَّف لتشييد بنىً تحتية مزدوجة الاستخدام، مع تأمين حق الانتفاع بها عبر ترتيباتٍ طويلة الأجل.

يخلق دمج الطلب العسكري في مسار تطوير الذكاء الاصطناعي عامل استقرارٍ ضمني. إذ يتسم الطلب الدفاعي بكونه أقل خضوعاً للتقلبات الدورية مقارنةً بنظيره في القطاع الخاص، بحكم اعتماده على «تقديرات» طويلة الأجل للمخاطر الجيوسياسية. وهذا يُسوّغ الدخول في ترتيبات شراء طويلة الأجل، على النقيض من الطلب القائم على اتجاهات الأسواق. تستمد تلك التقديرات والترتيبات مبرراتها، بدورها، من تحركاتٍ عسكريةٍ فعلية كما في حالة إيران، وتستند إلى مزاعم بوجود تهديداتٍ وشيكة على الولايات المتحدة؛ في تقييمٍ لا يُشاطرها إياه حتى جميع حلفائها. وعليه، فإنّ التوتر الجيوسياسي المُتصور الذي يسرّع وتيرة الاستثمارات، يُشعل في الآن ذاته شرارة صراعاتٍ مكلفة وغير عقلانية.

بيد أنّ هذا الارتباط الوثيق بين التمويل والدولة والحرب قد يغدو شائكاً حتى لقطاع الذكاء الاصطناعي الذي يمتطيه حالياً. يتجلى ذلك بوضوح في الخلاف المحتدم بين شركة أنثروبيك والبنتاغون إثر إبرامهما اتفاقاً يتيح للثاني استخدام تقنيات الأول. فبعد الشروع في هذا المسار، رفضت الشركة التي تُقدر قيمتها السوقية بنحو 380 مليار دولار تلبية مطالب وزارة الدفاع ببسط سيطرةٍ مطلقة على كيفية استخدامها تلك التكنولوجيا، ولعل ذلك يُعزى إلى حساباتٍ تجارية ذكية. جادلت أنثروبيك بأنّها، على الرغم من استعدادها لتلبية متطلبات الأمن القومي عبر توفير نسخٍ مخصصة من نماذجها، تضع «خطوطاً حمراء» تمنع تسخير منتجاتها في عمليات «المراقبة الجماعية» للمواطنين الأميركيين، أو في تطوير منظومات أسلحةٍ ذاتية التشغيل بالكامل. فقلةٌ نادرة مستعدة لتسليم الزر النووي لوكيل ذكاء اصطناعي. وحتى شركة أوپن إيه آي التي توصلت إلى تفاهماتٍ أكثر مرونة وتصالحية مع وزارة الدفاع، وجدت نفسها مُجبرةً على التراجع تحت وطأة الاحتجاجات الواسعة. وإزاء ذلك، لوّحت المؤسسة العسكرية بحرمان أنثروبيك من الوصول إلى عقود المشتريات الحكومية، لترد الشركة برفع دعوى قضائية ضد الحكومة الأميركية. فالشركة تطمح لولوج السوق العسكرية، بحكم ارتباط العوائد المالية ارتباطاً جوهرياً بالبنية التحتية ذات القيمة العسكرية والاستراتيجية، لكنّها تسعى لفرض بشروطها هي، لا بشروط البنتاغون.

ولا يُبرهن هذا المأزق سوى على انتفاء اليقينيات في كنف الرأسمالية، حتى مع توظيف عمل الدولة لضمانها. فالحرب، بوصفها مآلاً حتمياً، تُمثل بحد ذاتها مصدراً لعدم اليقين. ومن هذا المنطلق، يخضع اليوم هذا التشابك العميق بين الدولة والتمويل والذكاء الاصطناعي والحرب لاختبارٍ حقيقي في غرب آسيا. إذ أسفر الرد الدفاعي الإيراني إبّان شهر رمضان على العدوان العسكري الأميركي-الإسرائيلي عن إرباك حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ليساهم في التقلب الحاد في أسعار النفط التي تخطت 120 دولاراً للبرميل في مطلع آذار/مارس. يحمل هذا الصراع تداعياتٍ مباشرة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات شَرِهَةٌ للطاقة، وتُعَوّل بصفةٍ جوهرية على الغاز الطبيعي والإمدادات الكهربائية المستقرة. ومن شأن ارتفاع أكلاف الطاقة رفع النفقات التشغيلية، بالتزامن مع تسبّب اضطراب سلاسل التوريد التي تؤثر في مختلف المكونات، بدءاً من الوقود وصولاً إلى مدخلات أشباه الموصلات، في إرجاء خطط التوسع. وبموازاة ذلك، ترتد أصداء الحرب لتضرب الأسواق المالية، خالقةً ما يمكن وصفه بـ«حلقةٍ ارتدادية»، يقود بموجبها التصعيد العسكري إلى صدماتٍ طاقية، تدفع المستثمرين إلى التخارج، وتُضيق الخناق الائتماني وتُقلص الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي وتُقوض توقعات النمو، وتغذي موجاتٍ جديدة من السحوبات المالية.

قد يساعد الطلب العسكري على استقرار النظام، لكنّه يُحدث تغيراتٍ فيه. فمع تنامي حذر رأس المال الخاص، يُرجح تركّز استثمارات الذكاء الاصطناعي في قبضة كياناتٍ كبرى على صلة بالحكومة وأشد انتقائيةً

قد يساعد الطلب العسكري على استقرار النظام، لكنّه يُحدث تغيراتٍ فيه. فمع تنامي حذر رأس المال الخاص، يُرجح تركّز استثمارات الذكاء الاصطناعي في قبضة كياناتٍ كبرى على صلة بالحكومة وأشد انتقائيةً بفرضها معايير قبولٍ أعلى للمشروعات، وأكثر خضوعاً للتوجيه الاستراتيجي بدلاً من ديناميات السوق الصرفة. وفي المآلات القصوى، تستحيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بحد ذاتها، أصلاً استراتيجياً، لتغدو بالتبعية هدفاً عسكرياً محتملاً في الحروب.

والحال أنّ الحرب على إيران، بحد ذاتها، لن تتسبّب في بدء انهيارٍ مباغتٍ لقطاع الذكاء الاصطناعي. فخلافاً لدورات المضاربة السالفة، يتشابك الذكاء الاصطناعي، بالفعل، مع المنظومتين الاقتصادية والعسكرية. بيد أنّ الظروف التي سمحت بتوسعه المتسارع، ومنها الطاقة الزهيدة والسيولة الوفيرة والاستقرار الجيوسياسي النسبي، تشهد تدهوراً مطرداً.

تستمد الحرب على إيران طابعها المُحفّز من تفعيلها 3 آلياتٍ في آن واحد.

أولاً، كان الائتمان الخاص تحت ضغط كبير قُبيل اندلاع الصراع، وجاءت الحرب لتعجّل – عبر تضييقها الخناق المالي – من حدوث أزمة سيولة في ظرف بالغ الحاجة لرأس المال بُغية الحفاظ على المراكز المالية القائمة. ثانياً، تعتمد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على استقرار إمدادات الطاقة ورخصها، وجاء الاضطراب في مضيق هرمز ليقوّض افتراضات كلفة المدخلات التي قامت عليها خطط التوسع. ثالثاً، تبدو الحلقة الارتدادية الواردة آنفاً مستقرةً دون عتبةٍ محددة، حيث تغذي أقطاب المنظومة الثلاثية (التمويل والذكاء الاصطناعي والإنفاق العسكري) بعضها البعض. بيد أنّه، بعد تلك العتبة، تُفرز الروابط البينية ذاتها التي تتيح المرونة والصمود ضغوطاً تهدد بانهيار النظام برمته.

بيد أنّ النتيجة لن تكون على الأرجح انهياراً مباغتاً. في الواقع، ستكون النتيجة إعادة تسعيرٍ انتقائية وعمليات دمجٍ. فالمشروعات التي لن تتماشى مع أولويات الدولة ستتعثر، ليغدو رأس المال أشد تقييداً بالشروط ومُتركزاً حول البنى التحتية المدعومة استراتيجياً، مع تزايد ارتباط العوائد بمدى التماشي مع تلك الأولويات، لا مجرد الجدوى التجارية. يتبدى التحول الهيكلي الأعمق في انتفاء قابلية الفصل بين ميادين التمويل الخاص والبنية التحتية التكنولوجية والاستراتيجية العسكرية. وهو واقعٌ يتجلى في الهجمات الإيرانية على مراكز البيانات الأميركية، وفي التهديد الأحدث باستهداف قائمةٍ شاملة لكبريات شركات التكنولوجيا الأميركية والإسرائيلية. هكذا، يُعيد قطاعٌ وُلِد من رحم التمويل الخاص تنظيم نفسه، باطراد، حول مقتضيات الحرب في ظل الإمبريالية الأميركية.

نُشر هذا المقال في 11 نيسان/أبريل 2026 في Economic and Political Weekly، وترجم إلى العربية ونشر في «صفر» بموافقة مسبقة من الجهة الناشرة. 

    فروة سيال

    باحثة مشاركة في قسم الاقتصاد، كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS). تركز أبحاثها على الطبيعة المتغيّرة للتنمية الرأسمالية في سياق الإمبريالية وتتمتّع بخبرة في مجالات تمويل التنمية والتنمية المقارنة والسياسة الصناعية.

    تشالابوراث تشاندراسيخار

    الرئيس العالمي لوحدة البحوث والسياسة في شبكة شركاء التنمية الدولية والاقتصاد.

    علاء بريك هنيدي

    مترجم، حاصل على ماجستير في المحاسبة، وشارك في تأسيس صحيفة المتلمِّس. صدر له ترجمة كتاب ديفيد هارفي «مدخل إلى رأس المال» عن دار فواصل السورية، وكتاب جوزيف ضاهر «الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني» عن دار صفصافة المصرية، وكتاب بيتر درَكر «الابتكار وريادك الأعمال» عن دار رف السعودية، وكانت أولى ترجماته مجموعة مقالات لفلاديمير لينين عن ليف تولستوي صدرت ضمن كراس عن دار أروقة اليمنية. كما نشر ترجمات عدّة مع مواقع صحافية عربية منها مدى مصر، وإضاءات، وذات مصر، وأوان ميديا.