كيف تُعيد الحرب على إيران رسم خريطة النفوذ في الخليج؟

كيف تُعيد الحرب على إيران رسم خريطة النفوذ في الخليج؟

لم تعد الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تُقرأ ضمن منطق بدايات التصعيد، حين تمحورت الأهداف المُعلنة حول إسقاط النظام وتفكيك البرنامجين النووي والصاروخي. فمع تطور الحرب، فرضت الوقائع الميدانية والسياسية إعادة ترتيب الأولويات، ليبرز هدف أكثر حساسية وتأثيراً وهو التحكم في تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز أو تعطيلها كورقة ضغط قادرة على التأثير في توازن الاقتصاد العالمي.

لم يقتصر هذا التحول على تغيير أدوات المواجهة، بل طال موقعها أيضاً. فبدل الرهان على الحسم العسكري، باتت المواجهة أقرب إلى إدارة اختناق اقتصادي مفتوح، تتحرك فيه الأطراف بين التصعيد والاحتواء وفق حسابات تمتد إلى الأسواق وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة والغذاء.

وضمن هذا الإطار، تتشكل معادلة جديدة للاقتصاد السياسي للصراع، تعيد رسم خريطة التحالفات بقدر ما تعيد تعريف أهداف الحرب. إذ تتقاطع المصالح وتتنافر داخل فضاء خليجي غير متجانس، تتداخل فيه الجغرافيا البحرية مع شبكات النفوذ، وتبرز فيه نقاط احتكاك بين دول تتشارك المجال الحيوي من دون أن تتبنى تصوراً موحداً للأمن أو الهيمنة. بذلك، لا يعود الصراع مجرد مواجهة بين قوى كبرى، بل يتحول إلى اختبار لبنية النظام الإقليمي تحت ضغط الاقتصاد، حيث تطفو التناقضات الكامنة بين مشاريع النفوذ في منطقة تتجه تدريجياً نحو إعادة توزيع موازين القوة.

في قلب هذه الدينامية يقف مضيق هرمز، بوصفه أحد أبرز نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط، إلى جانب حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وأي اضطراب فيه لا يهدد الإمدادات فحسب، بل يعيد ترتيب أولويات الدول ويدفعها إلى تموضع سياسي سريع، حيث يغدو الاصطفاف استجابة مباشرة لمخاطر اقتصادية لا خياراً أيديولوجياً.

تناقض عُماني إماراتي من بوابة الممرّات البحرية

يكشف الصراع عمق التناقضات داخل الخليج، الذي يظهر مجدداً أنه ليس كتلة متجانسة، بل فضاء تتقاطع فيه مشاريع متنافسة وتختلف فيه طبيعة الدولة ومسارات تشكّلها ودرجة اندماجها في الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تبدو سلطنة عُمان حالة مميزة؛ فالدولة ذات الامتداد التاريخي العميق، والتي شكّلت في مرحلة ما إمبراطورية بحرية وصلت إلى شرق أفريقيا، لا تتحرك وفق منطق الارتهان المفرط للحماية الخارجية، بل وفق إدارة دقيقة للتوازنات الإقليمية. وهذا الإرث يمنحها هامشاً أوسع لاعتماد سياسة خارجية تقوم على الوساطة واحتواء الصراعات بدل الانخراط في محاور حادة.

يكشف الصراع عمق التناقضات داخل الخليج، الذي يظهر مجدداً أنه ليس كتلة متجانسة، بل فضاء تتقاطع فيه مشاريع متنافسة وتختلف فيه طبيعة الدولة ومسارات تشكّلها ودرجة اندماجها في الاقتصاد العالمي

من هنا يمكن فهم تمسّك مسقط بعلاقات مفتوحة مع طهران، خلافاً لمنحى التصعيد الذي تتبناه بعض الدول الخليجية. فإيران، في المقاربة العُمانية، ليست تهديداً وجودياً بقدر ما تمثّل عنصراً ضمن معادلة توازن إقليمي، قد يفضي انهيارها إلى هيمنة أحادية على الممرات البحرية، ويحوّلها من فضاء تنافسي متعدد الأطراف إلى مجال شبه محتكر، بما يضيّق هامش المناورة أمام عُمان التي تطل مباشرة على مضيق هرمز وتتحكم بجزء حيوي منه.

في المقابل، يبرز الدور الإماراتي بوصفه نمطاً مختلفاً من توظيف الجغرافيا. فبينما تتمتع عُمان بإشراف مباشر على الضفة الجنوبية الشرقية لمضيق هرمز، تتجه الإمارات إلى تعويض محدودية موقعها عبر توسع بحري-لوجستي خارج حدودها المباشرة. من خلال حضورها في جنوب اليمن، ولا سيما في الموانئ والجزر الاستراتيجية المطلة على بحر العرب وخليج عدن، تعمل أبوظبي على بناء نفوذ يمتد إلى ما بعد المضيق، بما يتيح لها التأثير في مسارات بديلة ومكمّلة لحركة الطاقة والتجارة.

يضعها هذا الامتداد عملياً على تماس مع المجال الحيوي العُماني، ويخلق نوعاً من التطويق غير المباشر، حيث تجد مسقط نفسها بين نفوذ إماراتي يتمدّد جنوباً وضغط جيوسياسي محتمل من الشمال عبر هرمز. وفي هذا الإطار، تتحول الموانئ من ميناء بربرة إلى ميناء بورتسودان فضلاً عن حضورها العسكري والاقتصادي في اليمن وامتداداتها في شرق أفريقيا، إلى أدوات نفوذ تُستخدم لإعادة توجيه التدفقات التجارية وربطها بمراكز مالية بعينها. وهو ما ينسجم مع سعي الإمارات إلى ترسيخ موقعها عبر تشبيك علاقاتها مع المراكز المالية العالمية، وإعادة توظيف عائدات الطاقة في الأسواق الدولية، ولا سيما الأميركية، بالتوازي مع تقديم بيئة جاذبة لرأس المال والانخراط في صفقات تسليح كبرى تعزز ارتباطها بالبنية الأمنية الغربية والمجمع العسكري الأميركي. وبالتالي، قد تصبح الحرب على إيران جزءاً من ديناميات أوسع لإعادة ترتيب السيطرة على الممرات والأسواق وشبكات المال.

يعكس هذا التباين اختلافاً أعمق في بنية الدولة. فبينما تستند عُمان إلى تاريخ سياسي يمنحها قدراً من الاستقرار الذاتي، تبدو دول أخرى في الخليج أقرب إلى كيانات حديثة التكوين، تعتمد بدرجة أكبر على اندماجها في النظام المالي العالمي وعلى التحالف مع الولايات المتحدة لضمان أمنها. ومن هذا المنطلق، تندرج علاقاتها المتنامية مع إسرائيل ضمن خيارات تتجاوز البعد السياسي لتشمل اعتبارات اقتصادية وأمنية.

تتبلور دلالات هذه الفوارق في سياق الحرب الراهنة، حيث تتباين التموضعات داخل الخليج. فبالنسبة إلى عُمان، يشكّل الحفاظ على توازن القوى شرطاً لحماية موقعها الجغرافي، ما يجعل احتواء التصعيد أولوية. أما الإمارات، فإن انخراطها العميق في شبكات الاقتصاد العالمي وتحالفاتها الأمنية المتقدمة يدفعانها إلى تبنّي مقاربة أكثر تشدداً تجاه إيران، انطلاقاً من أن إعادة تشكيل موازين القوة قد تفتح المجال أمام توسيع نفوذها في الممرات التجارية والبنية التحتية الإقليمية.

الطاقة تُعيد ضبط أوتار التموضعات

في قلب التوترات، تعود الطاقة لتفرض نفسها كعامل حاسم في تحديد مواقف الدول، بحيث لا تُقاس الحرب بميزان القوة العسكرية بقدر ما تُقاس بقدرتها على تهديد تدفقات النفط والغاز وإعادة توجيهها.

لا يمكن فهم مواقف الدول من الحرب من زاوية التحالفات السياسية أو الحسابات الأمنية فقط، بل من موقعها داخل خريطة الطاقة العالمية: من يملك الموارد، ومن يعتمد عليها، ومن يتحكم في مساراتها

في هذا السياق، تتباين التموضعات وفق درجة الاعتماد على هذه التدفقات. فالدول الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين والهند، تجد نفسها في موقع أكثر هشاشة نتيجة اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج، حيث يمر جزء أساسي منها عبر مضيق هرمز. وأي اضطراب في هذا الممر يشكّل تهديداً مباشراً لأمنها الطاقي، ما يدفعها إلى تبنّي مواقف حذرة تُوازن بين مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها السياسية، وتتفادى الانخراط في اصطفافات حادة قد تعرّض الإمدادات للخطر.

تنعكس هذه الهشاشة سريعاً على الأسواق، إذ تؤدي الصدمات الجيوسياسية في قطاع الطاقة إلى إعادة توجيه التدفقات نحو الأسواق الأكثر قدرة على الدفع، بدل توزيعها وفق الحاجة أو القرب الجغرافي. وهو ما يعمّق الاختلال بين الدول المستوردة، حيث تضمن الاقتصادات الأقوى استمرار الإمدادات على الرغم من ارتفاع الأسعار، بينما تتحمّل الدول الأضعف الكلفة الأكبر عبر التضخم وتآكل القدرة الشرائية، وصولاً إلى التأثير في الأمن الغذائي المرتبط بالطاقة.

بذلك، لا يمكن فهم مواقف الدول من الحرب من زاوية التحالفات السياسية أو الحسابات الأمنية فقط، بل من موقعها داخل خريطة الطاقة العالمية: من يملك الموارد، ومن يعتمد عليها، ومن يتحكم في مساراتها.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة في موقع مختلف؛ فبفعل التحول الذي أحدثته ثورة النفط والغاز الصخري، تراجع اعتمادها المباشر على نفط الخليج، ما يمنحها هامشاً أوسع في توظيف أدواتها السياسية والعسكرية. غير أن ذلك لا يلغي مصلحتها في ضمان استقرار تدفقات الطاقة العالمية، بوصفها ركناً أساسياً في النظام الدولي القائم على حرية الملاحة والتجارة.

أما أوروبا، فتقف في موقع أكثر تعقيداً. فبين سعيها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الخارج، خصوصاً بعد الحرب الروسية الأوكرانية، تبقى عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. وقد أظهرت الأزمات الأخيرة أن اضطراب سلاسل الإمداد، حتى دون انقطاع فعلي، كفيل برفع الأسعار وإرباك الاقتصادات، ما يدفع الدول الأوروبية إلى تبنّي مواقف تميل إلى احتواء التصعيد وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، وهو ما يفسّر حيادها النسبي.

غير أن هذا التموضع يتأثر أيضاً بتحولات العلاقة عبر الأطلسي، لا سيما خلال رئاسة دونالد ترامب، حيث برز تراجع في مستوى الثقة الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي. ولم تعد الروابط التقليدية كافية لضمان تنسيق كامل في الملفات الحساسة، خصوصاً مع تصاعد السياسات الحمائية، مثل فرض رسوم جمركية على الواردات الأوروبية، ما عمّق التباينات مع الحلفاء، ولا سيما بريطانيا، وانعكس على مستوى التنسيق الغربي في قضايا دولية من بينها الملف الإيراني.

التسلّح كآلية تثبيت للمظلّة الأمنية الأميركية في الخليج

بموازاة تصاعد أهمية ملف الطاقة، تُسرّع الحرب وتيرة التسلّح في الخليج، بما يتجاوز منطق الردع نحو ترسيخ الاعتماد الأمني. فكل جولة تصعيد تنعكس طلباً إضافياً على السلاح، يعمّق ربط أمن المنطقة بالبنية العسكرية للولايات المتحدة. بذلك، لا تبدو صفقات التسلّح استجابة ظرفية، بل جزءاً من آلية مستمرة تُكرّس دور واشنطن كضامن أمني، حيث يُدار الأمن كخدمة خارجية أكثر منه قدرة ذاتية.

تُسرّع الحرب وتيرة التسلّح في الخليج، بما يتجاوز منطق الردع نحو ترسيخ الاعتماد الأمني. فكل جولة تصعيد تنعكس طلباً إضافياً على السلاح، يعمّق ربط أمن المنطقة بالبنية العسكرية للولايات المتحدة

تُظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن دول الخليج تظل من بين أكبر مستوردي السلاح عالمياً، بما يعكس طبيعة العلاقة بين الأمن والاقتصاد في المنطقة. فالتسلّح لا يترجم إلى استقلال استراتيجي بقدر ما يُعيد إنتاج الارتباط بسلاسل التوريد العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية، إلى جانب شبكات التدريب والدعم اللوجستي المرتبطة بالولايات المتحدة.

وتؤكد أرقام تجارة السلاح هذا الاتجاه، فعلى الرغم من تراجع واردات الشرق الأوسط بنسبة 13% بين 2016–2020 و2021–2025، حافظت دول الخليج على موقع محوري في السوق. فقد برزت السعودية كأكبر مستورد إقليمي بحصة 6.8% من الإجمالي العالمي، تليها قطر بـ6.4%، ثم الكويت بـ2.8%، ما يضع ثلاث دول خليجية ضمن قائمة أكبر عشرة مستوردين عالمياً. كما أن نحو 54% من واردات السلاح في المنطقة تأتي من الولايات المتحدة، ما يكرّس بنية دفاعية قائمة على الاستيراد ويُبقي الارتباط الاستراتيجي بالخارج قائماً.

لا تُقارب دول الخليج الصراع مع إيران من زاوية أمنية فقط، بل يتداخل ذلك مع اعتبارات مرتبطة بتوازنات سوق الطاقة. فاستمرار العقوبات على طهران يحدّ من قدرتها على العودة الكاملة إلى الأسواق النفطية، ما يُبقي جزءاً مهماً من الإمدادات خارج المنافسة المباشرة. ويمنح ذلك دولاً منتجة، مثل السعودية، هامشاً أوسع للحفاظ على دورها في التأثير على مستويات العرض والأسعار عالمياً. بهذا المعنى، ينسجم بقاء إيران تحت ضغط اقتصادي، من دون تحقيق مكاسب كرفع العقوبات، مع مصالح خليجية تسعى إلى حماية حصتها وتعزيز موقعها ضمن معادلة الطاقة الدولية.

في المحصلة، تكشف الحرب على إيران عن تحوّل يتجاوز إطار المواجهة العسكرية المباشرة، لتغدو أداة لإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي. حيث تتقاطع الطاقة مع التسلّح، وتتشابك الممرات البحرية مع شبكات النفوذ الاقتصادي، وتُعاد صياغة التحالفات وفق منطق لا يقوم فقط على امتلاك الموارد، بل على القدرة على تأمين تدفقها والتحكم بقواعدها داخل سوق عالمي غير متكافئ تحكمه علاقات القوة وإدارة الأزمات.

    سناء عدوني

    صحافية تونسية وباحثة في الاتصال السياسي، عملت على الكثير من الخطط في الصحافة العربية والدولية.