الصورة: Wikimedia
ماذا تفعل الحرب بالاقتصاد الأميركي؟
1. صدمة الطاقة والمستفيدون منها
تستعر الحرب على إيران. وبعدما أخفق الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تكرار خياره الفنزويلي، أي تصفية القيادة الإيرانية ثم دفع إيران إلى الاستسلام، انجَرّ إلى حرب طويلة. وحتى اللحظة، يواصل رفع منسوب التصعيد، بدفع من مستشاريه وبفعل الهجمات الإسرائيلية المنفلتة على إيران ولبنان. وقد شكّل استهداف منشآت إنتاج الغاز في المنبع من الطرفين في خلال الأيام الأخيرة تصعيداً نوعياً، قد تمتد آثاره زمناً طويلاً. فالنزاع بلغ هنا عتبة جديدة: إذ لم تعد الضربات تقتصر على مواقع في قطاع النفط والغاز عموماً، بل طالت للمرة الأولى منشآت تتصل مباشرة بإنتاج الطاقة القائمة على الوقود الأحفوري.
كما قلت في أول مقال كتبته مع اندلاع الهجوم الأميركي والإسرائيلي، «هناك أمرين ينبغي أن يحدثا قبل أن تقفز أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل أو أكثر: أولاً، أن يشهد مضيق هرمز اضطراباً شديداً وممتداً، وهو الممر الذي يعبر منه نحو خُمس نفط العالم. وثانياً، أن تبدأ الصواريخ والمسيّرات في ضرب منشآت إنتاج النفط نفسها. وعندها فقط يصبح وصول سعر البرميل إلى رقم ثلاثي أمراً مرجحاً».
وهذا ما حدث فعلاً. فقد بلغت أسعار النفط الخام 116 دولاراً للبرميل، قبل أن تعود إلى 110 دولارات، والأسوأ أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزت إلى أكثر من 68 يورو لكل ميغاواط/ساعة، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ أكثر من 3 أعوام.
وترى الوكالة الدولية للطاقة الآن أن الحرب في الشرق الأوسط «تُحدث أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية». وتضيف: «مع تراجع تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر مضيق هرمز من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى مجرد تدفق محدود حالياً، ومع محدودية القدرة المتاحة للالتفاف على هذا الممر المائي الحيوي، واقتراب مرافق التخزين من الامتلاء، خفضت دول الخليج إنتاجها النفطي الإجمالي بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً. وفي غياب استئناف سريع لحركة الشحن، من المرجّح أن تتفاقم خسائر الإمدادات».
ومن المتوقع أن يهبط المعروض النفطي العالمي 8 ملايين برميل يومياً في آذار/مارس، مع تعويض جزئي لخفض الإمدادات في الشرق الأوسط بزيادة الإنتاج لدى منتجين من خارج أوبك+، هما كازاخستان وروسيا، بعد اضطرابات وقعت في مطلع العام. ويصيب فقدان واردات الطاقة وارتفاع الأسعار بعض البلدان أكثر من غيرها. وتتضرر آسيا على نحو خاص، تليها أوروبا، بينما يبقى الاقتصاد الأميركي، في ما يخص الطاقة على الأقل، الأقل تضرراً نسبياً.
بل إن الحرب تمنح جزءاً من الاقتصاد الأميركي مكاسب مباشرة، وفي مقدمته شركات النفط. فهذه الشركات تقف على أعتاب مكاسب استثنائية تتجاوز 60 مليار دولار هذا العام إذا استقرت أسعار الخام عند المستويات التي بلغتها منذ بدء الحرب على إيران. وتشير تقديرات جيفريز إلى أن المنتجين الأميركيين قد يحققون في خلال هذا الشهر وحده تدفقات نقدية إضافية بقيمة 5 مليارات دولار، بعد صعود أسعار النفط بنحو 47% منذ بداية النزاع. كذلك، يفسح خضوع فنزويلا للهيمنة الأميركية المجال أمام شركات الطاقة الأميركية لزيادة الإنتاج وتعظيم إيراداتها من صادرات النفط الفنزويلي التي باتت تُباع بأسعار مرتفعة جداً.
2. مؤشرات على ضعف اقتصادي متصاعد في الولايات المتحدة
لكن بقية الاقتصاد الأميركي لا تستفيد من هذا المشهد، بل بدأت تدفع ثمنه مباشرة. فارتفاع أسعار الطاقة، في محطات الوقود والتدفئة المنزلية والصناعة، أخذ ينعكس على الأسعار عموماً. وحتى قبل الحرب، كانت أسعار المنتجين في الولايات المتحدة ترتفع أصلاً، أي الأسعار التي يبيع بها المصنعون سلعهم إلى تجار الجملة والتجزئة. فقد صعد مؤشر أسعار المنتجين 0.7% في شباط/فبراير، وارتفعت أسعار الوقود والمنتجات المرتبطة به 1.1%. وهذا دفع تضخم مؤشر أسعار المنتجين إلى 3.4% مقارنة بشباط/فبراير من العام الماضي. وبذلك، لم يعد التضخم الأميركي يقترب من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% سنوياً، بل عاد إلى الصعود.
أما على صعيد النمو، فقد هبط التقدير الثاني لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الأميركي في الربع الرابع من 2025 هبوطاً حاداً إلى 0.7% بمعدل سنوي على أساس فصلي، مقابل 1.4% في التقدير الأولي. وعكست هذه المراجعة خفضاً في جميع مكونات الناتج: الصادرات، وإنفاق المستهلكين، والإنفاق الحكومي، والاستثمار. وتقدّر الولايات المتحدة الآن نمو ناتجها المحلي الإجمالي الحقيقي في 2025 عند 2% فقط، بعد 2.4% في 2024 و3.4% في 2023. أما الدخل الحقيقي للفرد، فلم يزد إلا 1.1% في 2025 قبل أن يتراجع في الربع الأخير من العام نفسه.
ويترافق هذا التباطؤ في الناتج مع تباطؤ في نمو التوظيف. ففي كانون الثاني/يناير، فقد الاقتصاد الأميركي 92,000 وظيفة. كما تراجعت الوظائف الشاغرة في قطاع الخدمات المهنية وخدمات الأعمال إلى 4.0 لكل 100 موظف فحسب، وهو أدنى مستوى منذ ركود الجائحة في عام 2020، وأقل بنحو 60% من ذروة التوظيف في المهن المكتبية في عام 2022. وعادةً ما يقود هذا التباطؤ الحاد في التوظيف المكتبي إلى تباطؤ أوسع في مجمل سوق العمل.
والآن ستزيد الحرب على إيران اتساع الفجوة بين تباطؤ النمو الاقتصادي والتوظيف من جهة وارتفاع التضخم من جهة أخرى، وبعبارة أوضح، صار الركود التضخمي هو المشهد القائم. وقال إي جيه أنتوني، الذي سبق أن اختاره دونالد ترامب لرئاسة مكتب إحصاءات العمل، إن الاقتصاد الأميركي أضعف من أن يتحمل نفطاً يتجاوز 100 دولار للبرميل: «لا أظن أن هذا اقتصاد قادر على تحمّل نفط يتجاوز 100 دولار للبرميل، ببساطة ليس كذلك»، وفق ما قال لفايننشال تايمز. وأضاف: «الاقتصاد أضعف مما كنا نظن، والتضخم أسوأ مما كنا نظن». وفي إشارة إضافية إلى هذا الضعف، هبطت مبيعات المنازل الجديدة 17.6% في كانون الثاني/يناير، في أكبر تراجع منذ عام 2013.
3. ركود تضخمي ومأزق السياسة النقدية
يضع هذا الركود التضخمي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في مأزق واضح: هل يرفع سعر الفائدة لكبح التضخم، أم يخفضه من أجل دعم النمو والتوظيف؟ أمس، اختار الفيدرالي، بأغلبية داخل لجنة السياسة النقدية، الإبقاء على سياسته من دون تغيير. وفي الوقت نفسه، رفع توقعاته للتضخم هذا العام، وألمح إلى أن 2026 قد لا تحمل أكثر من خفض واحد للفائدة، إذا حصل أصلاً. وبذلك، لا يبدو التضخم متجهاً نحو هدف 2% الذي يعلنه الفيدرالي، بل نحو 3% أو أكثر. واليوم، سلك بنك إنكلترا والبنك المركزي الأوروبي المسار نفسه، فأبقيا أسعار الفائدة عند مستوياتها القائمة.
ويعتبر اقتصاديون من التيار السائد أن التضخم ينجم في المقام الأول عن ارتفاع «توقعات التضخم»، في تفسير سلوكي سبق أن دخضته هذه المدونة مراراً. فالتوقعات الآجلة لخمس سنوات بعد خمس سنوات لم تتبدل كثيراً خلال الأعوام الخمسة الماضية. والتضخم الذي ارتفع بعد الجائحة كان سببه الأساسي اختناقات جانب العرض، ويبدو أن المشهد نفسه يتكرر الآن.
4. اتساع اللامساواة
ويعمّق أثر الحرب الفجوة المتسعة بين النخبة الثرية في الولايات المتحدة وبقية الأسر الأميركية، وهي فجوة سماها اقتصاديون سائدون «اقتصاداً على شكل حرف K». فقد نما الإنفاق بوتيرة أسرع بكثير في أعلى هرم الدخل، بينما يشهد المستهلكون في أسفله، الذين عرفوا دفعة قصيرة من نمو الأجور بعد الجائحة، تباطؤاً في نمو الأجور الآن.
وقد نشرت مجلة فوربس للتو قائمتها السنوية الجديدة لأثرياء العالم من أصحاب المليارات. والوتيرة التي تتراكم بها الثروة الفاحشة مذهلة بالفعل. وبحسب خبير اللامساواة غابرييل زوكمان، بلغت ثروة مليارديرات العالم الآن ما يعادل 17% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
5. الائتمان الخاص: القنبلة الموقوتة في النظام المالي
وتسلّط الحرب على إيران الضوء أيضاً على مخاطر جديدة قد تدفع الاقتصاد الأميركي نحو انهيار مالي. فالانهيار المالي العالمي في عام 2008 لم ينجم من تضخم الدين العام، خلافاً لما يردده كثير من اقتصاديي التيار السائد، بل من تفكك ديون القطاع الخاص، وهو ما استدعى تدخلات إنقاذ حكومية أعقبها ارتفاع الدين العام. وفي عام 2026، يعود الخطر نفسه بصيغة جديدة: احتمال الانهيار في الديون الخاصة. وقد أثار تقرير حديث عن الأثر المستقبلي للذكاء الاصطناعي، أصدرته مجموعة تحليل مالي مغمورة تُعرف باسم سيتريني ريسيرش، موجة بيع في أسهم شركات البرمجيات، قبل أن يستقر رأي المستثمرين الماليين على أن هذا القطاع لن ينهار.
لكن الخطر الذي يفرض نفسه الآن هو احتمال تعثر الشركات وإفلاسها بعدما استدانت، لا من المصارف التجارية المعتادة، بل من جهات تُعرف بالائتمان الخاص. وفي خلال العقدين الماضيين، صار الإقراض المباشر عبر الصناديق الخاصة جزءاً محورياً من النظام المالي الأميركي، لأنه يوفّر التمويل للشركات الناشئة وغيرها من الشركات التي يصعب عليها نيل قروض مصرفية أو اللجوء إلى سوق السندات. أما الصندوق التقليدي في الائتمان الخاص، فيجمع أموال صناديق التقاعد والأوقاف ويحتجزها 5 أعوام أو أكثر، ما يتيح له تقديم قروض طويلة الأجل للشركات من دون الخشية من انسحاب المستثمرين سريعاً.
لكن بعض كبار العاملين في التمويل الخاص قرروا استقطاب صناديق التقاعد وغيرهم من المستثمرين عبر طرح «صناديق شبه سائلة»، وعدت المستثمرين بإمكانية الوصول إلى أموالهم كل ربع عام، مع التحفّظ بأن السحوبات قد تُقيَّد عند 5% من أصول الصندوق تفادياً للبيع القسري للأصول. وقد حققت هذه «المنتجات المالية» نجاحاً كبيراً، فاستقطبت استثمارات قاربت 200 مليار دولار، ونمت بمعدل سنوي بلغ 60% بين 2021 والعام الماضي.
غير أن صناديق الائتمان الخاص هذه لا تخضع لتنظيم مماثل لذلك الذي يحكم الإقراض المصرفي التجاري، ولذلك ينطوي الأمر على خطر كامن، تماماً كما كان الحال في قروض الرهن العقاري عالية المخاطر في خلال الانهيار المالي في 2007-2008. صحيح أن حجم سوق الائتمان الخاص صغير نسبياً مقارنة بإجمالي سوق القروض في الولايات المتحدة. كما أن صناديق الائتمان الخاص تتمتع برسملة مرتفعة، إذ تمثل حقوق الملكية فيها عادة ما بين 65% و80% من إجمالي الأصول، أي أكثر من 6 أضعاف رسملة المصارف، حيث لا تمثل حقوق الملكية سوى نحو 10%. ونتيجة لذلك، خلصت اختبارات الضغط التي أجراها الاحتياطي الفيدرالي في عام 2025 إلى أن الائتمان الخاص لن يهدد الاستقرار المالي حتى في سيناريوات ركود حاد. وعلى امتداد أسواق الائتمان الأميركية كلها، لا تزال حصة الائتمان الخاص من إجمالي الائتمان القائم محدودة.
فهل هذا يعني أن لا شيء يدعو إلى القلق؟ هذا بالضبط ما قيل عن شركات الرهن العقاري التي أغرقت السوق بالقروض في عام 2008. فالخلل في الترس الصغير قد يشلّ حركة الآلة الأكبر. ومع تباطؤ الاقتصاد الأميركي، صعد معدل التعثر في الائتمان الخاص، أي لدى الشركات التي تقترض من صناديق الائتمان الخاص، إلى 9.2%، متجاوزاً معدل التعثر في القروض المصرفية في عام 2008.
بحسب يو بي إس، قد تصل تعثرات الائتمان الخاص إلى 15%. وهذه نسبة تساوي 3 مرات أعلى معدل بلغه التعثر في القروض المصرفية في عام 2008.
وبناءً على ذلك، يحاول المستثمرون في صناديق الائتمان الخاص الخروج منها. ومع أن معظم هذه الصناديق تفرض قواعد تحدّ طلبات الاسترداد الفصلية عند 5% من الأصول، بما يتيح لها تقييد التدفقات الخارجة المفرطة أو منعها، فإن موجة الخروج هذه بدأت بالفعل تستعيد أصداء عام 2008.
6. تشابك المخاطر مع النظام المصرفي
وفوق ذلك، لا يقف الائتمان الخاص خارج المنظومة المصرفية، بل يتشابك معها على نحو وثيق.
وكما يلاحظ هيرنانديز دي كوس، فإن «المصارف تؤدي دور المُقرِض والطرف المقابل ومزوّد الخدمات وأحياناً خطّ الدفاع الأخير للكيانات غير المصرفية». ومن هنا يأتي تحذيره من «الأنظمة البيئية المعقدة من الرفع المالي، وتحويلات السيولة، ومخاطر الآجال» التي تتجاوز قدرة الجهات التنظيمية على الضبط، بما يجعل الائتمان الخاص مساراً محتملاً لانتقال المخاطر النظامية. وتبلغ انكشافات المصارف الأميركية على هذا القطاع 300 مليار دولار، يتصدرها ويلز فارغو بقروض قيمتها 60 مليار دولار لصناديق الائتمان الخاص، فيما يبلغ انكشاف جيه بي مورغان 22 مليار دولار، بعد أن خفّض أخيراً تقييم قروض مرتبطة بقطاع البرمجيات وشدّد الإقراض.
ويرى غولدمان ساكس أن صناديق الائتمان الخاص قد تشهد خلال العامين المقبلين تدفقات خارجة تصل إلى 70 مليار دولار، ما سيدفع المديرين الأكثر تضرراً إلى بيع القروض لتأمين أموال الاسترداد. وكلما طال أمد الاضطراب في الشرق الأوسط، ارتفعت المخاطر أكثر. وباختصار، قد لا يبدو مزيج الحرب على إيران والائتمان الخاص كافياً للتسبب في ركود عالمي، لكنه قد يطلق بسهولة شرارة انهيار مالي.
7. حدود التأثير الفعلي للذكاء الاصطناعي حتى الآن
لكن ربما تأتي طفرة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لنجدة الاقتصاد الأميركي. فبعضهم يقول إن إنتاجية العمل في الولايات المتحدة بدأت ترتفع بوتيرة أسرع بالفعل نتيجة تبنّي نماذج الذكاء الاصطناعي ووكلائه داخل الشركات. ففي عام 2025، ارتفعت إنتاجية العمل الأميركية 2.8% مقارنة بـ2.3% في 2024، أي فوق المتوسط التاريخي الطويل الأجل وفوق توقعات الإجماع.
ويُحتسب مقياس إنتاجية العمل بقسمة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على ساعات العمل. وقد يتغير هذا المقياس تبعاً للتغيرات في التكنولوجيا وفي مقدار رأس المال المتاح لكل عامل. لكن الاقتصاديين السائدين ينظرون أيضاً إلى إجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج، وهو مقياس لنمو الإنتاجية الذي لا يفسره ارتفاع الاستثمار الرأسمالي أو كثافة العمل. وهذا المقياس أيضاً بدأ يتحسن.
ويتوقف كل شيء على سرعة تبنّي الشركات وموظفيها نماذج الذكاء الاصطناعي في عملهم، وعلى مدى انتشار ذلك في مختلف قطاعات الاقتصاد. ويرى اقتصاديون في الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أن العمال الذين يستخدمون نماذج الذكاء الاصطناعي قد يوفرون 5.4% من ساعات عملهم، أي 2.2 ساعة أسبوعياً. لكن ورقة عمل صدرت في عام 2024، أعدّتها كاثرين بوني وآخرون، وجدت أن 5.4% فقط من الشركات كانت قد اعتمدت الذكاء الاصطناعي التوليدي رسمياً حتى شباط/فبراير 2024. ويشير ذلك إلى أن تبنّي العمال لهذه الأدوات ما زال في معظمه غير رسمي، ولن يظهر بعد في إحصاءات الإنتاجية.
وفي ورقة بحثية، راجع جيد كولكو الأبحاث الحديثة حول الذكاء الاصطناعي وأثره في سوق العمل الأميركية. وخلص إلى أن «النتائج البحثية المبكرة بشأن أثر الذكاء الاصطناعي في سوق العمل غير حاسمة، ولا تقدم سوى إشارات ضعيفة إلى المستقبل، كما أنها ليست إلا جزءاً واحداً من مشهد أبحاث الذكاء الاصطناعي». وخلص أيضاً إلى أن «الانتشار التجاري للجيل الحالي من نماذج اللغات الكبيرة حديث جداً، بحيث إن أي أثر اقتصادي دائم مرجّح أن يحتاج إلى أعوام قبل أن يظهر في بيانات التوظيف أو الناتج أو الإنتاجية».
وتُظهر البيانات الحالية من استطلاع اتجاهات الأعمال والتوقعات التابع لمكتب الإحصاء أن أقل من خُمس الشركات يستخدم الذكاء الاصطناعي بأي قدرة كانت، وأن عدداً أقل من ذلك يستخدمه مباشرة في إنتاج السلع والخدمات. بل إن «الاضطراب الانتقالي الناجم عن الذكاء الاصطناعي حتى الآن لا يتجاوز في سرعته التغيرات التكنولوجية الأخيرة. فقد تغيّر المزيج المهني في خلال الأعوام الثلاثة الماضية بوتيرة مشابهة للسنوات التي تلت بداية عصر الحاسوب التجاري (1984) وعصر الإنترنت التجاري (1996)، ولم يتسارع منذ إطلاق تشات جي بي تي».
لذلك، يبدو أن مكاسب الإنتاجية المأمولة من الاستغناء عن العمل البشري واستبداله بوكلاء الذكاء الاصطناعي ما تزال بعيدة المنال. وفي الأثناء، قد تنفجر قريباً فقاعة الاستثمار الضخمة في الذكاء الاصطناعي. خذ مثلاً الشركة الرائدة في هذا المجال، أوبن إيه آي. فهي شركة تبلغ قيمة أصولها الاستثمارية 730 مليار دولار، لكنها لم تحقق في العام الماضي سوى 13.1 مليار دولار من الإيرادات، مقابل خسائر بلغت 8 مليارات دولار. وقد تصل خسائرها هذا العام إلى 14 مليار دولار، مع خسائر تراكمية قد تبلغ 143 مليار دولار بحلول 2029. وهذه الخسائر المتوقعة تزيد 5 مرات على ما راكمته أوبر من خسائر قبل أن تحقق الربحية. وتقول أوبن إيه آي إنها ستصبح مربحة بحلول 2029، لكن حصة تشات جي بي تي من زيارات الويب تراجعت من 86.7% إلى 64.5% خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، مع اقتطاع جيمناي التابع لغوغل من حصتها السوقية. أما ديب سيك الصيني المنخفض الكلفة، فيستطيع أن يضاهي أداء تشات جي بي تي بكلفة لا تتجاوز 1/30 من كلفته.
وتحتاج أوبن إيه آي إلى 1.2 مليار مشترك مدفوع كي تحقق الربح بحلول عام 2029. ولا يبدو ذلك مرجحاً. وتأمل الشركة في إبقاء القروض واستثمارات حقوق الملكية متدفقة، لأنها تدّعي أنها قد تنجح قريباً في بلوغ نموذج ذكاء اصطناعي فائق الذكاء، قادر على الاستدلال ذاتياً بمستوى يفوق الدماغ البشري. وهذا هو «الكأس المقدسة» لدى شركات الذكاء الاصطناعي، أي لحظة الاستنارة الكاملة. لكن الكأس المقدسة ليست سوى خيال من القرن التاسع عشر.
وكما قال روتشير شارما في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فإن «أميركا تراهن اليوم بكل ثقلها على الذكاء الاصطناعي». فهناك من يتعامل معه كأنه المخرج السحري من كل تهديد يطوّق الاقتصاد الأميركي. لكن هل يقدر على ذلك فعلاً؟ الأرجح أن نشهد قبل الجواب انفجاراً مالياً في هذا القطاع، وربما ركوداً أيضاً. لذلك، يظل الذكاء الاصطناعي، في نظر ترامب والاقتصاد الأميركي، رهاناً قائماً على احتمالين.
نُشر هذا المقال في 19 آذار/مارس 2026 على مدوّنة الكاتب، وترجم إلى العربية ونشر في «صفر» بموافقة منه.