معاينة اختناق الاقتصاد العالمي

الصورة: Getty Images/Christopher Pike

اختناق الاقتصاد العالمي

وسط الدمار الذي خلّفته الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، انصبّ جزء كبير من اهتمام العالم على مضيق هرمز، الممرّ الضيّق الذي يمرّ عبره نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم. في الظروف العادية، تسلك السفن العابرة للمضيق، الذي يمتدّ بين عُمان والإمارات من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، مسارين بعرض ميلَين لكلّ اتجاه، يفصل بينهما ممرّ أمان بعرض ميلَين. بعد اندلاع الحرب بمدّة قصيرة، بدأت إيران تستهدف السفن التجارية وتزرع ألغاماً في الممرّ المائي، ما أدّى عملياً إلى إغلاقه أمام معظم الملاحة البحرية. حتى 18 آذار/مارس، علقت نحو 3,200 سفينة في الخليج، مع السماح لعدد محدود من ناقلات النفط بالعبور يومياً.

أحدث تعطل هذا الشريان الحيوي اضطراباً حاداً في الأسواق، إذ قفز السعر المرجعي الدولي لخام برنت لمدة وجيزة إلى نحو 120 دولاراً للبرميل في 9 آذار/مارس، مسجّلاً أعلى مستوى له منذ أن أثار الغزو الروسي لأوكرانيا موجة هلع في الأسواق. ودعا دونالد ترامب الحلفاء الغربيين إلى المساعدة في مرافقة الناقلات عبر مضيق هرمز في محاولة لكبح الأسعار، لكنه لم يجد حتى الآن أي استجابة. ثم لوّح أخيراً باستهداف محطات الكهرباء في إيران إذا رفضت حكومتها إعادة فتح الممرّ المائي. هكذا صار النفط مؤشراً على الكلفة الهائلة للحرب، وهي كلفة يصعب حصرها.

يتغذّى جانب كبير من القلق التلقائي المرتبط بمضيق هرمز من ذاكرة عام 1973، عندما فرضت دول عربية نفطية حظراً على الولايات المتّحدة ودول غربية أخرى ردّاً على دعمها لإسرائيل. تضاعفت الأسعار 4 مرات في خلال أشهر قليلة، ما أسهم في دفع الاقتصادات إلى الركود والتضخّم، ورسّخ شعوراً دائماً بأن الشرق الأوسط يمتلك سلاحاً فعّالاً يمكنه شلّ الاقتصاد العالمي. ومنذ ذلك الحين، نظر القادة الغربيون وكثير من المعلّقين إلى الحروب في المنطقة، قبل أي شيء آخر، بوصفها تهديدات محتملة لإمدادات الطاقة العالمية.

نادراً ما تُختبر الصدمات الاقتصادية العالمية على نحو متساوٍ. فلم يؤدِّ ارتفاع أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي إلى ركود في العالم المتقدّم فحسب، بل فجّر أيضاً أزمة أوسع بكثير في الجنوب العالمي

لكن هذه الصورة التي تختزل الخليج في كونه مجرّد مصدر يضخّ نفط العالم لم تعد صالحة اليوم. صحيح أن النفط والغاز ما زالا يشكّلان قاعدة الثروة في المنطقة، لكن شركات الطاقة فيه لم تعد تقتصر على إنتاج النفط الخام وتصديره. في خلال العقد الماضي، تحوّلت هذه الشركات إلى عمالقة صناعيين متعددي الأنشطة، ينهضون على نظام واسع من الإنتاج والتجارة يضم مصانع كيميائية ومجمّعات الأسمدة وطرق الشحن ومحطات الحاويات.

عمّق ذلك التحوّل البنيوي اندماج الخليج في الاقتصاد العالمي على نحو يفوق كثيراً ما كان عليه الحال قبل 50 عاماً. وبما أن المواد الكيميائية المنتَجة في الخليج صارت اليوم تدعم كلّ شيء، من المصانع في الصين إلى المزارع في أميركا الجنوبية، فإن أي اضطراب في المنطقة يمتدّ أثره إلى الصناعات والنظم الغذائية عبر القارات. لذلك تبدو التداعيات المحتملة للحرب الحالية أوسع من تداعيات الحظر النفطي في عام 1973، وأكثر كارثية بكثير مما توحي به تقلّبات أسعار النفط وحدها، ولا سيما بالنسبة إلى سكّان الجنوب العالمي.

حسمت العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية موقع الخليج في السوق النفطية العالمية. فمع خطط إعادة الإعمار بعد الحرب، التي دعمتها الولايات المتّحدة، اندفع النفط الخام الرخيص وسهل الاستخراج من دول الخليج وإيران ليقود انتقال أوروبا من الفحم إلى النفط، ويثبّت النفط الخام في موقع الوقود الأحفوري المهيمن. آنذاك، أحكمت 7 شركات نفطية غربية كبرى متعددة الجنسيات، عُرفت باسم الأخوات السبع، قبضتها على صناعة النفط العالمية، فاستحوذت مجتمعة على نحو 90% من إنتاج النفط العالمي خارج الولايات المتّحدة والاتحاد السوفياتي، وسيطرت شبه كلياً على المصافي وخطوط الأنابيب وأساطيل ناقلات النفط.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بدأت الهيمنة الغربية على صناعة النفط تتفكك. فقد نقل تأسيس أوبك في عام 1960، ثم تأميم صناعات النفط في أنحاء الشرق الأوسط ومناطق أخرى، جانباً كبيراً من النفوذ المرتبط باستخراج النفط الخام وإنتاجه إلى شركات مملوكة للدولة في البلدان الغنية بالنفط. وفي الخليج، برزت شركات مثل أرامكو السعودية وشركة بترول أبوظبي الوطنية في الإمارات (أدنوك) بوصفها قوى تزداد تأثيراً.

غير أن هذا الانتقال في الملكية ظلّ جزئياً. فقد وضعت دول الخليج يدها على قطاع المنبع في صناعة النفط، أي قطاع استخراج النفط الخام. إلا أن عدداً محدوداً من الشركات النفطية الغربية الكبرى متعددة الجنسيات، مثل بي بي وشل وشيفرون وإكسون، احتفظ بإدارة جانب كبير من قطاع المصبّ، أي مجمل الأنشطة التي تلي استخراج النفط الخام من باطن الأرض، بما في ذلك التكرير، وإنتاج المواد الكيميائية، والإشراف على شبكات الشحن، وتسويق المنتجات النفطية للمستهلك النهائي. ومع انطلاق الحظر النفطي في عام 1973، استفادت هذه الشركات من سيطرتها على بُنى النقل والتوزيع التحتية العالمية من أجل إعادة توجيه إمدادات النفط الخام من مناطق أخرى وتفادي اختناقات كبيرة في الإمدادات. ومن هنا، تبدو الصورة المتداولة عن أزمة النفط في عام 1973، باعتبارها لحظة أخضع فيها عدد من «شيوخ النفط» الجشعين العالم لابتزازهم، صورة مضلّلة على نحو جوهري. في الواقع، تولّت شركات النفط الغربية تحديد أسعار الوقود عند محطات التعبئة في بلدان مثل الولايات المتّحدة، واستغلّت صدمات سبعينيات القرن الماضي لتحقيق أرباح ضخمة.

اتجهت جغرافيا تجارة النفط غرباً في خلال معظم القرن العشرين. فقد اشترت الشركات الغربية النفط الخام من المنتجين في الخليج، ثم شحنته إلى الأسواق في أوروبا والولايات المتّحدة، حيث يُكرر ويُحوّل إلى أنواع مختلفة من الوقود والمنتجات الكيميائية. لكن هذا البناء بدأ منذ مطلع الألفية الجديدة يتحوّل بصورة حاسمة نحو الشرق. فصعود الصين بوصفها ورشة العالم استلزم زيادة هائلة في استهلاك الطاقة، وهو ما دفع في خلال العقدين الماضيين إلى إعادة توجيه عميقة لصادرات الخليج بعيداً من الاقتصادات الأطلسية التقليدية ونحو شرق آسيا.

في عام 2000، لم تتجاوز حصة الصين 4% من واردات النفط العالمية. أما اليوم، فتبلغ هذه الحصة نحو 25%، أكثر من 40% منها في العام الماضي من العراق والملكيات الخليجية. وفي خلال المدة نفسها، ارتفعت حصة الصين من واردات الغاز الطبيعي المُسال العالمية إلى ما يقارب 20%، وقد صدر أكثر من ربع هذه الواردات من الخليج في عام 2025، ومعظمها من قطر. وهكذا صار الخليج أكبر مورّد للنفط إلى الصين، وثاني أكبر مصدر لها للغاز الطبيعي المُسال بعد أستراليا. وتوفّر إيران 13% إضافية من واردات الصين النفطية، وتصل هذه الإمدادات عادة عبر ماليزيا تحت تسمية «المزيج الماليزي» للتحايل على العقوبات.

بدورها، أعادت هذه التحوّلات في الاقتصاد العالمي تشكيل الخليج. فقد أسهم الطلب الصيني المتصاعد في دفع أسعار النفط العالمية إلى ارتفاع حاد في خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، ما وفّر لدول الخليج مليارات الدولارات من الثروة. وتدفّق جزء من هذه الثروة إلى المشاريع العقارية الضخمة التي تهيمن اليوم على الأفق العمراني في الخليج، كما اتجه جزء آخر إلى الاستحواذات الخارجية. لكن قسطاً مهماً منها وُجّه إلى توسيع الشركات النفطية الوطنية داخل مجموعة من قطاع المصبّ، ولا سيما في تصنيع المواد الكيميائية والبلاستيك والأسمدة ومواد صناعية أخرى.

تشير التقديرات إلى أن نحو نصف سكان العالم يعتمدون على غذاء يُنتَج باستخدام الأسمدة النيتروجينية، التي تلجأ إليها شركات الأعمال الزراعية الحديثة من أجل تعويض مغذّيات التربة وزيادة غلال المحاصيل على نحو كبير

وصلت هذه العملية الخليج بسلاسل الإمداد العالمية بدرجات أعمق وأكثر تركيباً مما تقترحه الصورة الشائعة التي تختزل المنطقة في آبار النفط ومسارات الناقلات. وأسهم الموقع التاريخي الذي شغله الخليج في تشكّل الاقتصاد الهيدروكربوني الحديث في تحويله إلى مركز للصناعات والبُنى التحتية التي تتولى تحويل الهيدروكربونات إلى المواد التي تقوم عليها الرأسمالية الحديثة.

يُعد البولي إيثيلين والبولي بروبيلين من أبرز المواد الكيميائية التي شرع الخليج في إنتاجها. وتشكل هذه الراتنجات البلاستيكية ما يقارب 60% من الإنتاج العالمي للبلاستيك، إذ تدخل في استخدامات تمتد من مواد التغليف والسلع الاستهلاكية إلى الأنابيب الصناعية والعوازل الكهربائية وأنظمة تخزين المواد الكيميائية. وفي الوقت الراهن، يسهم الشرق الأوسط، وخصوصاً السعودية والإمارات، بأكثر من 40% من الصادرات العالمية لهذين البوليمرين الأساسيين، وهي نسبة تتجاوز ما تسجله أي منطقة أخرى في العالم. وعلى غرار النفط الخام الآتي من الخليج، تتجه هذه المواد في المقام الأول إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين. ويأتي نحو ثلث واردات الصين من البولي إيثيلين من الخليج. ثم تعود هذه المواد إلى الانتشار عالمياً في هيئة سلع صناعية واستهلاكية.

يسهم الخليج أيضاً بأكثر من ربع الصادرات العالمية من الميثانول، و45% من الصادرات العالمية من الكبريت، وما بين 30% و40% من إمدادات الهيليوم العالمية. وهذه ليست سلعاً هامشية. فالميثانول يشكّل مادة أولية أساسية في صناعة البلاستيك والدهانات ومواد البناء. ويُحوَّل الكبريت إلى حمض الكبريتيك لاستخدامه في الأسمدة ومعالجة المعادن. أما الهيليوم، فلا غنى عنه في تصنيع أشباه الموصلات وأنظمة الطيران والفضاء وغيرها من التقنيات المتقدّمة. وبما أن هذه المواد الكيميائية تنتج بوصفها نواتج جانبية من الاقتصاد الهيدروكربوني، فإن معظم الشركات التي تنتجها تعمل بوصفها شركات تابعة للشركات النفطية الوطنية في الخليج، مثل أدنوك وقطر للطاقة وأرامكو.

نادراً ما يفكّر غير المتخصصين كثيراً في هذه المواد الكيميائية، على الرغم من أنها لا غنى عنها في تصنيع عدد لا يُحصى من السلع. ويشوّه هذا الغياب تصورنا عن كيفية عمل سلاسل الإمداد العالمية، إذ يحجب صلتها المستمرة بصناعة الوقود الأحفوري. وكثيراً ما يجري الحديث عن البطاريات وأشباه الموصلات مثلاً كما لو أنهما تنتميان إلى عالم يتجاوز الوقود الأحفوري. لكن إنتاجهما يظل معتمداً بالكامل على مواد كيميائية تنشأ داخل الاقتصاد الهيدروكربوني.

تكشف إندونيسيا هذه المسألة بوضوح. فهي تقف في قلب الطفرة العالمية في النيكل، وتنتج أكثر من نصف خام النيكل في العالم، كما توسّع سريعاً قدرتها الكبرى على إنتاج المعادن التي تنتهي في بطاريات السيارات الكهربائية. غير أن استخراج النيكل يعتمد على عملية الاستخلاص بالترشيح التي تستخدم حمض الكبريتيك، بينما يأتي الكبريت اللازم لإنتاج هذا الحمض بصورة كاسحة من الخليج، الذي يشكّل مصدر نحو ثلاثة أرباع واردات إندونيسيا منه. ومن ثمّ، لا يقع الخليج خارج سلاسل إمداد المعادن الحيوية التي يجري تقديمها بوصفها سلاسل جديدة، بل يتجذّر بعمق في بنيتها التأسيسية.

أسهم الموقع التاريخي الذي شغله الخليج في تشكّل الاقتصاد الهيدروكربوني الحديث في تحويله إلى مركز للصناعات والبُنى التحتية التي تتولى تحويل الهيدروكربونات إلى المواد التي تقوم عليها الرأسمالية الحديثة

لعلّ مركزية الصادرات غير الطاقوية الآتية من الخليج في الاقتصاد العالمي لا تظهر بوضوح أكبر مما تظهر في إنتاج غذاء العالم. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف سكان العالم يعتمدون على غذاء يُنتَج باستخدام الأسمدة النيتروجينية، التي تلجأ إليها شركات الأعمال الزراعية الحديثة من أجل تعويض مغذّيات التربة وزيادة غلال المحاصيل على نحو كبير. وتبدأ هذه الأسمدة بدورها من الأمونيا، وهي مادة كيميائية يُنتَج معظمها أساساً من الغاز الطبيعي.

يصدر اليوم من الشرق الأوسط ما يقارب 28% من الصادرات العالمية من الأمونيا، وتأتي السعودية في المرتبة الثانية عالمياً بين مصدّريها بعد ترينيداد وتوباغو. ويتجه قسم كبير من هذه الأمونيا إلى المغرب، الذي يحتضن واحدة من أكبر صناعات الأسمدة في العالم، ويدفع بمنتجاته إلى أميركا اللاتينية وجنوب آسيا. وتعتمد الهند هي الأخرى على إمدادات الخليج اعتماداً ثقيلاً، إذ تحصل على ما يقارب 80% من واردات الأمونيا من عُمان والسعودية وقطر والبحرين. ولا ترسل دول الخليج الأمونيا إلى الخارج فحسب، بل تحوّلها أيضاً إلى أسمدة في الداخل، وفي مقدمتها اليوريا، أكثر الأسمدة النيتروجينية استخداماً. وتفعل ذلك على نطاق هائل. فالسعودية تتصدر العالم في تصدير اليوريا، فيما تأتي عُمان في المرتبة الرابعة، ويستحوذ الخليج مجتمعاً على نحو ثلث الصادرات العالمية من اليوريا.

تتشابك هذه الأنشطة، شأنها شأن الصناعة الكيميائية في المنطقة، على نحو مباشر في معظم الأحيان بالشركات النفطية الوطنية في الخليج. وفي السعودية، على سبيل المثال، تبرز شركة سابك للمغذّيات الزراعية بوصفها أحد أبرز المنتجين، فيما تحوز شركة كيميائية تابعة لأرامكو السعودية حصة الأغلبية فيها. وقد زاد التركّز الشركاتي في السنوات الأخيرة من متانة العلاقة بين صناعة الأسمدة العالمية وقطاع الهيدروكربونات في الخليج. ففي عام 2024، استحوذت أدنوك على حصص شركة أو سي آي غلوبال الهولندية العاملة في الكيماويات الزراعية في فيرتيغلوب، وهو مشروع مشترك أقامته الشركتان في عام 2019. وأفضى ذلك إلى إحكام أدنوك سيطرتها على أكبر منتج للأسمدة النيتروجينية في الشرق الأوسط، وعلى أكبر مصدّر بحري لليوريا والأمونيا في العالم.

مع تركز بعض أهم مفاصل تجارة الأسمدة اليوم في يد عدد محدود من الشركات القائمة في الخليج، قد تدفع الحرب الحالية أسعار الغذاء سريعاً إلى الارتفاع الحاد مع اشتداد ضيق الإمدادات حول العالم. وقد بدأت أسعار الأسمدة ترتفع بالفعل على نحو لافت، إذ قفز سعر اليوريا 40% منذ 28 شباط/فبراير. وإذا استمرت اضطرابات الشحن في خلال موسم الزراعة الحالي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فسيواجه المزارعون كلفة أعلى بكثير، وربما يواجهون أيضاً نقصاً في الأسمدة نفسها. وكما يحدث غالباً في لحظات تضخّم أسعار الغذاء، ستقع الأعباء الأشد على الأجزاء المعتمدة على الاستيراد في الجنوب العالمي.

يعتمد تصدير هذه السلع على البُنى التحتية التي تنقل البضائع عبر سلاسل الإمداد العالمية. ومع توسّع القدرات الصناعية في دول الخليج، تعزّز أيضاً موقعها في لوجستيات التجارة العالمية على نحو كبير. ويقع المركز العصبي لهذه الشبكة في الإمارات، وخصوصاً في ميناء جبل علي في دبي، وهو أكبر ميناء في الشرق الأوسط وأحد أكثر محطات الحاويات ازدحاماً في العالم. أُنشئ الميناء في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وهو اليوم أكثر موانئ التوقف الخارجية ازدحاماً بالنسبة إلى البحرية الأميركية خارج الولايات المتّحدة، كما يشكّل مركزاً لوجستياً رئيساً يدعم العمليات العسكرية الأميركية. لكن الميناء تحوّل مع الوقت أيضاً إلى مجمّع تجاري ضخم، تحيط به مناطق التجارة الحرة وتجمّعات صناعية ومجمّعات لوجستية. وتتولى إدارته اليوم دي بي وورلد، وهي شركة مملوكة للدولة تعمل في الموانئ والخدمات اللوجستية على نطاق واسع، وتحتل موقعاً بين أكبر 5 مشغّلي الموانئ في العالم، مع سيطرتها على نحو 9% من سوق الحاويات العالمية.

يؤدي ميناء جبل علي، إلى جانب موانئ كبرى أخرى في أبوظبي وعُمان والسعودية، دور مركز عبور وإعادة تصدير حاسم لنتاج الخليج الصناعي. لكن هذه الموانئ تشكّل أيضاً جزءاً من سلاسل الإمداد العالمية التي تصل المصانع في الصين وشرق آسيا بأسواق عالمية أخرى. وتشير بعض التقديرات إلى أن 60% من تجارة الصين مع أوروبا وإفريقيا تمرّ عبر الإمارات. وهكذا، لم يعد الخليج مجرد مصدر للطاقة والمواد الصناعية، بل صار أيضاً بوابة تجارية أساسية تصل التصنيع الآسيوي بالاقتصاد العالمي الأوسع.

الصورة التي تختزل الخليج في كونه مجرّد مصدر يضخّ نفط العالم لم تعد صالحة اليوم. صحيح أن النفط والغاز ما زالا يشكّلان قاعدة الثروة في المنطقة، لكن شركات الطاقة فيه لم تعد تقتصر على إنتاج النفط الخام وتصديره.

نادراً ما تُختبر الصدمات الاقتصادية العالمية على نحو متساوٍ. فلم يؤدِّ ارتفاع أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي إلى ركود في العالم المتقدّم فحسب، بل فجّر أيضاً أزمة أوسع بكثير في الجنوب العالمي، بعدما دفعت كلفة الطاقة المرتفعة وانهيار عائدات الصادرات كثيراً من البلدان الأفقر إلى دوامة من الدين الخارجي. وكانت النتيجة أزمة الدين الدولية في ثمانينيات القرن الماضي، ثم موجة التقشّف النيوليبرالي والتكييف الهيكلي التي أعقبتها. وقد يتكرر اليوم مسار مشابه، وإن عبر قنوات مختلفة.

يزداد أثر هذه الأزمات اليوم لأن الخليج نسج روابط عميقة مع النظم الغذائية وقطاعات التصنيع في الجنوب العالمي، ولذلك تمتد الأزمات التي تبدأ في الشرق الأوسط عبر الاقتصاد العالمي، وتقع أعباؤها الأشد على الفئات الأكثر هشاشة. ففي بلدان مثل الهند وبنغلادش وإندونيسيا، يعتمد القطاع الزراعي على الأسمدة المستوردة، ومنها الأسمدة النيتروجينية الآتية من الخليج، وهي أسمدة تسند نظم الزراعة العالية الغلة التي توفّر الغذاء لمئات الملايين من البشر. وفي السودان، حيث تضرب المجاعة أجزاء من البلد ويواجه الإمداد الغذائي ضغطاً بالغاً، يهدّد هذا الاعتماد نفسه على الأسمدة المنتَجة في الخليج بتعميق أزمة كارثية أصلاً. ولا يمكن فصل هذه التبعيّات عن موقع الخليج في عالم متمحور حول الوقود الأحفوري. وهي تكشف المخاطر العميقة الكامنة في الوعد الذي أطلقه وزير الطاقة السعودي قبل أعوام، إذ أكد الاستمرار حتى النهاية واستخراج كل جزيء من الهيدروكربونات.

نُشِر هذا المقال في 23 آذار/مارس 2026 في The New York Review of Books، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.

    آدم هنية

    أستاذ الاقتصاد السياسي والتنمية الدولية في IAIS في جامعة إكستر، رئيس مشارك لمعهد الدراسات الدولية ودراسات المناطق (IIAS) في جامعة تسينغوا في الصين. نشر أربعة كتب استكشف من خلالها قضايا مختلفة متعلّقة بالاقتصاد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي. وكتابه الأخير «أموال وأسواق وممالك: مجلس التعاون الخليجي والاقتصاد السياسي للشرق الأوسط المعاصر». نال في العام 2019 جائزة الكتب الممنوحة من مجموعة الاقتصاد السياسي الدولي في جمعية الدراسات الدولية، ثم نال جائزة معهد الدراسات العربية لكتب الاقتصاد السياسي في العام 2019.