الصورة: Vantor
القوّة القاهرة
ما هي المنشآت النفطية الخليجية الموضوعة خارج الخدمة بسبب الحرب؟
في 18 آذار/مارس، وبعد الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نفطية في منطقة عسلوية، حيث تتمّ معالجة الغاز المستخرج من حقل «بارس الجنوبي»، هدّدت إيران باستهداف منشآت طاقة في كلّ من السعودية والإمارات وقطر.
وسرعان ما تُرجمت هذه التهديدات إلى وقائع ميدانية، إذ تعرّضت منشأة «رأس لفان» للغاز الطبيعي المسال في قطر لهجوم بطائرة مسيّرة أدّى إلى أضرار مادية. كذلك استُهدفت مصفاة «سامرف» في السعودية، والتي تشغّلها شركة ExxonMobil الأميركية بالشراكة مع «أرامكو»، فيما تمكّنت الدفاعات الجوية من اعتراض صواريخ في ينبع، حيث تُصدَّر كميات كبيرة من النفط السعودي حالياً. وفي سياق متصل، رُصدت مسيّرات في الوحدات التشغيلية التابعة لمصفاتَي ميناء عبدالله والأحمدي في الكويت، ما دفع إلى تعليق بعض العمليات، كما تمّ إيقاف إنتاج الغاز في منشأة حبشان في الإمارات كإجراء احترازي.
ورغم عدم توافر تقديرات دقيقة لحجم الأضرار حتى الآن، فإن القاسم المشترك بين معظم هذه المنشآت هو ارتباطها، جزئياً أو كلياً، بشركات أميركية، سواء من حيث التشغيل أو الاستثمار.
هذا التصعيد المتبادل—استهداف منشآت الطاقة في إيران والردّ الإيراني عليها—رفع منسوب المخاطر في الأسواق العالمية إلى مستويات غير مسبوقة، لا سيما مع دخول الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، خلافاً للتوقعات التي رجّحت أن تكون قصيرة الأمد. وقد تميّزت هذه المواجهة منذ بدايتها باستخدام النفط والغاز كأدوات ضغط استراتيجية.
فمنذ الأيام الأولى، أدّت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت النفط والغاز في السعودية والإمارات وقطر والعراق والكويت والبحرين إلى تعطيل الإنتاج والتصدير، سواء نتيجة الأضرار المباشرة أو بفعل إجراءات احترازية شملت وقف العمليات وإعلان القوة القاهرة. وأسهم ذلك في تعميق المخاوف بشأن استقرار الإمدادات العالمية، ما دفع أسعار النفط إلى تجاوز 110 دولارات للبرميل.
ولا يقتصر تأثير هذه التطورات على المدى القصير، إذ يُتوقع أن يخلّف تعطّل الإنتاج تداعيات اقتصادية عميقة على دول الخليج خلال السنوات المقبلة، نظراً لاعتماد اقتصاداتها بشكل كبير على عائدات الطاقة.
فما أبرز هذه المنشآت الحيوية التي توقّف العمل فيها؟ وما حجم أهميتها بالنسبة إلى اقتصادات الدول المعنية والاقتصاد العالمي؟
ميناء رأس تنّورة – السعودية
يُعدّ ميناء «رأس تنورة» الواقع على الخليج العربي بالقرب من الدّمام أكبر مصفاة نفطيّة تابعة لشركة أرامكو السعودية، وإحدى أكبر محطات تصدير النفط حول العالم. تبلغ قدرتها الاستيعابية حوالي 550,000 برميل نفط في اليوم وتحوي على محطّة تكرير رئيسية، وهي مسؤولة عن تصدير حصّة كبيرة من النفط الخام السعودي عبر ناقلات النّفط العملاقة المتجّهة الى أسواق رئيسة في أوروبا وآسيا، بما في ذلك الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
تشير التقديرات إلى أن حوالي 31% من الطلب المحلي السعودي على المشتقّات النفطية المكررة وسوائل الغاز الطبيعي يمر عبر رأس تنورة، كما تعالج النّفط المستخرج من أكبر حقول المملكة كالغوار والبقيق وخريص. في الثاني من آذار/مارس، وبعد يومين من الحرب، تمّ استهداف الميناء عبر مسيّرتين إيرانيّتين ما أدى إلى اندلاع حريق وإغلاقها مؤقّتاً من دون تحديد حجم الأضرار فيها.
نتيجة لذلك، ومع استمرار إقفال مضيق هرمز، عملت السّعودية على تحويل ملايين البراميل من النفط الخام غرباً عبر خط أنابيب شرق-غرب بطول 1,200 كيلومتر إلى «ميناء يُنبع» على البحر الأحمر، والذي تبلغ قدرته الحالية حوالي 5 ملايين برميل في اليوم، في حين تشير المعطيات إلى نيّة السعودية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل في اليوم خلال الأيام المقبلة.
في 18 أذار/مارس الحالي، أعلنت شركة أرامكو عن اعادة تشغيل الميناء ومحطّة التكرير من دون تحديد القدرة الاستيعابية الحالية.
ميناء رأس لفان للغاز المسال – قطر
هو العمود الفقري لقطاع الغاز الطبيعي المسال وسوائل الغاز الطبيعي القطري، ومركزاً أساسياً لصناعة الطاقة العالمية. يقع على بعد 80 كيلومتراً من الدّوحة، ويتمتّع بموقع استراتيجي بالقرب من حقل «غاز الشمال» القطري وهو حقل الغاز الأكبر في العالم.
تمّ تطوير ميناء «رأس لفان» في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، ويُعتبر اليوم أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ يساهم في تصدير حوالي 20% من حجم الغاز الطبيعي المسال المستهلك في العالم، والمقدر بحوالي 81 مليون طن في عام 2025 بحسب منصة كبلر، 80% منها ذهبت إلى البلدان الآسيوية، ولا سيما الصين والهند وتايوان واليابان وكوريا، فيما 12% ذهبت إلى أوروبا.
في الثاني من آذار/مارس، أعلنت شركة «قطر للطاقة» المشغّلة للميناء وقف إنتاج الغاز المسال عقب غارة بطائرة مسيرة، ما أحدث صدمة في أسواق الطاقة ورفع أسعار الغاز كما الغاز الطبيعي المسال. تبع ذلك إعلان الشركة القوة القاهرة في الرابع من آذار/مارس، لتبرير عدم قدرتها على تزويد عملائها المتعاقدين بسبب ظروف خارجة عن إرادتها.
شهدت المنشأة تطوّراً كبيراً هذا الأسبوع، فعلى أثر قصف إسرائيل حقل «بارس الجنوبي» في 18 آذار/مارس، والذي يساهم في حوالي 70% من الاستهلاك المحلي للغاز في إيران، ردّت إيران بقصف ميناء «رأس لفان» مسببّة حرائق وأضرار جسيمة لحقت بمحطات معالجة سوائل الغاز الطبيعي المسال، بحسب ما أعلنت «قطر للطاقة».
حتى تاريخه، لا يزال إنتاج وتصدير ومرور الناقلات المحمّلة بالغاز الطبيعي المسال محظوراً عبر مضيق هرمز.
ميناء الفجيرة – الإمارات
لم تكن منشآت النفط والغاز في الإمارات في منأى عن الاستهدافات الإيرانية، وهي التي تعرضّت إلى أكبر عدد من الهجمات منذ اندلاع الحرب. ففي 3 و 4 آذار/مارس، اندلع حريق في محطة وقود «مصفح» جنوب غرب أبوظبي بعد أن اصطدمت بها طائرة مسيّرة، فيما تسبّب سقوط حطام من صاروخ اعتراضي لطائرة مسيّرة إيرانيّة في اندلاع حريق في ميناء ومحطة نفط الفجيرة على الساحل الشرقي للإمارات.
ويُعدّ هذا الأخير من أهم مراكز تخزين النفط الخام والوقود في العالم بقدرة 110 مليون برميل، ومركزاً رئيسياً للشحن في المنطقة، وأكبر مركز لتزويد الناقلات بالوقود في الشرق الأوسط (أو ما يعرف بـ Bunkering). فهو يقع خارج مضيق هرمز، ما يسمح بنقل النفط شرقاً من دون المرور عبره، وتتكامل فيه عمليات الدّمج والتخزين التابعة لشركة أدنوك الإماراتيّة، كما يتميّز ببنية تحتية متطورة ورصيف للناقلات العملاقة.
ونتيجة لهذه الهجمات، اضطرت الإمارات إلى وقف العملّيات فيه مؤقّتاً، ولكن كما السعودية، تمكّنت من استخدام خط أنابيب حبشان-الفجيرة الذي يسمح بنقل ما بين 1.5 مليون إلى 2 مليون برميل في اليوم من الفجيرة إلى حقول النفط في أبوظبي، ويُعد بذلك ذات أهمية استراتيجية، إذ يسمح لأبوظبي بتصدير النفط الخام مباشرةً، من دون المرور عبر مضيق هرمز.
لا يقتصر الأمر على النفط فقط، فمع دخول مشروع الاتحاد للسكك الحديدية حيز التنفيذ، يتم نقل البضائع والمواد الغذائية إلى أبوظبي وما بعدها، ما يُضيف بُعداً من الأهمية والمرونة. تشكّل «الفجيرة» إذاً ليس فقط ميناء، بل نقطة التقاء وعبور حول العالم. في 16 آذار/مارس، أعلن عن إعادة تشغيل الميناء والمحطات المرتبطة به.
وفي منحى آخر، أدّت الهجمات الإيرانيّة هذا الأسبوع على حقل الشاه للغاز قرب أبو ظبي إلى وقف إنتاج الغاز منه، بحسب ما أعلنت السلطات الإماراتيّة . ويساهم الحقل في إنتاج حوالي 1.28 مليار قدم مكعب من الغاز في اليوم وحوالي 4.2 مليون طن من الكبريت في العام، ويُشغّل من قبل شركتي أدنوك وOccidental Petroleum الأميركية.
محطّة تكرير بابكو – البحرين
بدورها، أعلنت شركة النفط البحرينية (بابكو BAPCO) في 9 آذار/مارس الحالي عوامل القوّة القاهرة في محطّة التكرير الرئيسية التابعة لها بعد نشوب حريق في المنشأة جراء استهدافٍ صاروخي إيراني.
وتبلغ قدرة محطّة التكرير حوالي 400 ألف برميل في اليوم نهاية العام 2025، سدس هذه الكميّة يُنتج في البحرين في حين تأتي الكميّة الأكبر من السعودية. ويتمّ تصدير أكثر من 85% من المشتقّات المكررة إلى جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا.
ميناء البصرة – العراق
هو الميناء الوحيد الذي يستطيع عبره العراق تصدير أكثر من 90% من إنتاجه النفطي، ومنه عبر مضيق هرمز. وقد ساهم إقفال هذا الأخير في جعل العراق أكثر الدّول تضرّراً من الحرب الجارية. وعلى عكس السعودية والإمارات، لا يملك العراق أي بدائل أخرى سوى خط كركوك-جيهان في تركيا والذي لن يسمح بتصدير سوى 6-8% ممّا يُصدّر عبر البصرة.
قبل اندلاع الحرب، كان العراق ينتج حوالي 4.4 مليون برميل في اليوم ويُصدّر حوالي 3.3 مليون برميل في اليوم، من موانئه الجنوبية في البصرة. مع إقفال مضيق هرمز، اضطر إلى خفض الإنتاج من الحقول الجنوبية، بما في ذلك من حقل الرميلة الضخم، إلى حوالي 1.4 مليون برميل في اليوم، أي حوالي 70%، نتيجة عدم امتلاكه القدرة التخزينيّة اللازمة. أضف إلى ذلك، تعرّضت ناقلتي نفط للاستهداف قرب الميناء، ما أجبر السلطات على تعليق العمليات فيها.
يُذكر أن العراق يعتمد على واردات النّفط لتأمين حوالي 90% من إيرادات الموازنة العامّة.
الموانئ خارج مضيق هرمز: ميناء السلالة – عُمان
استهدفت الهجمات الايرانيّة أيضاً بعض الموانئ والمنشأت الواقعة خارج مضيق هرمز وتحديداً مينائي «السلالة» و«دكم» في عمان، واللذين يقعان خارج أزمة الإمدادات الناجمة عن المضيق.
ففي 11 آذار/مارس، هاجمت مسيّرات إيرانية منشآت تخزين النفط في السلالة، والذي يُعدّ مركزاً أساسيّاً لتصدير المشتقّات النفطيّة السائلة ومقصداً للناقلات التي لا تريد العبور عبر مضيق هرمز للتزوّد بالوقود، والمتنقلة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. وعلى الرغم من هذه الهجمات، الّا أن الميناء عاود العمل تدريجيّاً.