Book Zonism European Invention

تسييس الأسطورة وعلمنة اللاهوت

  • مراجعة لكتاب «الصهيونية، اختراع أوروبي» لسونيا ديان-هيرزبْرون، تضع الصهيونية داخل سياقها الأوروبي الحديث، وتقرأها بوصفها أيديولوجيا نشأت عند تقاطع القومية والاستعمار ومعاداة السامية المُعلمنة، لا امتداداً طبيعياً لليهودية ولا استجابة بريئة لاضطهاد اليهود. ومن هذا المنظور، يظهر المشروع الصهيوني كصيغة سياسية أعادت توظيف الأسطورة واللاهوت والتاريخ في خدمة الاستيطان، وفرضت على فلسطين منطق الإقصاء والمحو تحت لغة تدّعي الشرعية والتقدم.

لا يمكن مقاربة الصهيونية بوصفها ظاهرة سياسية معاصرة من دون تفكيك البنية الفكرية التي قامت عليها، ولا يمكن فهم هذه البنية خارج السياق التاريخي والثقافي الذي وُلدت فيه. فالصهيونية، كما يبيّن كتاب «الصهيونية، اختراع أوروبي: نشأة أيديولوجيا» لسونيا ديان-هيرزبْرون، ليست نتيجة حتمية لتاريخ ديني قديم، ولا تعبيراً تلقائياً عن اضطهاد اليهود عبر القرون، بل هي أيديولوجيا حديثة تشكّلت في قلب أوروبا، داخل شروطها السياسية والفكرية، واستعارت من تراث ديني عناصر رمزية أعادت توظيفها في مشروع قومي-استعماري حديث.

ينطلق هذا الكتاب من مساءلة جذرية للسردية الشائعة التي تقدّم الصهيونية باعتبارها امتداداً طبيعياً لليهودية أو تحقيقاً لوعد تاريخي مؤجّل. فبدل الانطلاق من النصوص المقدسة أو من خطاب «الحق التاريخي»، تعيد الكاتبة الصهيونية إلى سياقها الأوروبي الحديث، حيث تبلورت القوميات، واشتد التنافس الإمبريالي، وتحولت «المسألة اليهودية» إلى معضلة سياسية تبحث عن حل خارج القارة. في هذا الإطار، تظهر الصهيونية بوصفها حلاً أوروبياً لمشكلة أوروبية، فُرض على أرض لم تكن طرفاً في هذه الإشكالية، ثم صارت مسرحه الرئيس.

يقدّم الكتاب الصهيونية كأيديولوجيا متعددة الأبعاد، نجحت في الجمع بين عناصر متباعدة ظاهرياً: الدين والعلمانية، والأسطورة والتاريخ، والحداثة والاستعمار. فالصهيونية لم ترفض اللاهوت، لكنها لم تُبقِه في مجاله الروحي، بل علمنته وحوّلته إلى مورد سياسي وأداة شرعنة. كما لم تعتمد على الأسطورة بوصفها رمزاً إيمانياً، بل أعادت صياغتها كسردية قومية تُستخدم لإنتاج المعنى وتبرير السيطرة. بهذا المعنى، لا يركّز الكتاب على ما تقوله الصهيونية عن نفسها، بل على كيف تفكّر، وكيف تبني شرعيتها، وكيف تُنتج خطابها.

ويضع الكتاب نشأة الصهيونية في استمرارية واضحة مع التجربة الاستعمارية الأوروبية. فكما رافق التوسع الاستعماري خطاب «التمدين» و«التحديث» و«الرسالة الحضارية»، رافق المشروع الصهيوني خطاب «العودة» و«التحرير» و«إحياء الأرض». وفي الحالتين، قُدِّم العنف بوصفه ضرورة تاريخية، وقُدِّم الإقصاء بوصفه نتيجة طبيعية لمسار التقدم. لم يكن الفلسطيني، في هذا الخطاب، ذاتاً تاريخية قائمة، بل غائباً عن السردية، أو حاضراً بوصفه عائقاً، وهو ما يشكّل أحد الأعمدة الأساسية التي يتوقف عندها الكتاب.

كما يبرز الكتاب العلاقة العضوية بين الصهيونية والقوى الإمبريالية الأوروبية ثم الغربية، لا باعتبارها تحالفاً ظرفياً، بل بوصفها تقاطعاً بنيوياً في المصالح والرؤى. فالدعم الغربي للمشروع الصهيوني لا يُفهم فقط في ضوء توازنات القوة، بل في ضوء تقارب عميق في التصورات حول الأرض والسيادة والسكان والتاريخ. فالدولة الصهيونية لم تُبنَ خارج النظام الدولي، بل داخله، واستفادت من تناقضاته ومن استعداده لتبرير العنف حين يُمارَس باسم «قيم عليا».

يضع الكتاب نشأة الصهيونية في استمرارية واضحة مع التجربة الاستعمارية الأوروبية. فكما رافق التوسع الاستعماري خطاب «التمدين» و«التحديث» و«الرسالة الحضارية»، رافق المشروع الصهيوني خطاب «العودة» و«التحرير» و«إحياء الأرض»

أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في مضمونه النقدي، بل في منهجيته. فهو لا يعتمد السجال الأخلاقي، ولا يكتفي بإدانة السياسات الإسرائيلية، بل يعود إلى الجذور الفكرية للأيديولوجيا الصهيونية، كاشفاً كيف تحوّلت أفكار معينة إلى أدوات فعل، وكيف أصبحت الأسطورة سياسة، وأصبح اللاهوت لغة سيادة. ومن خلال هذا التفكيك، يضع الكتاب القارئ أمام مسؤولية معرفية: فهم الصهيونية شرط لفهم طبيعة العنف الذي تمارسه، ولتفسير صمت القوى الغربية أو تواطؤها المستمر.

كما يساهم الكتاب في كسر وهم الاستثناء، الذي كثيراً ما أحاط بالنقاش حول الصهيونية. فهي ليست ظاهرة خارجة عن التاريخ، ولا حالة فريدة لا تُقاس بغيرها، بل تجربة يمكن مقارنتها، في بنيتها ومنطقها، بتجارب استعمارية أخرى. غير أن خصوصيتها تكمن في قدرتها على الاحتماء بخطاب مزدوج: خطاب حداثي عقلاني في مواجهة العالم، وخطاب أسطوري-لاهوتي في مواجهة النقد، وهو ما منحها قدرة استثنائية على الصمود وإعادة إنتاج ذاتها.

يأتي هذا الكتاب، إذن، كدعوة إلى نقل النقاش من مستوى الشعارات والمواقف المسبقة إلى مستوى التحليل الفكري. فهو لا يسأل فقط عمّا حدث، بل عن الشروط التي جعلت ما حدث ممكناً ومقبولاً، بل ومبرَّراً في نظر جزء كبير من العالم. ومن هنا، فإن قراءة هذا الكتاب ليست تمريناً معرفياً محايداً، بل مدخلاً لفهم إحدى أكثر الأيديولوجيات تأثيراً في تاريخنا المعاصر.

البروتستانتية ورغبة الإمبراطورية

يفتتح الفصل الأوّل بتفكيك الأصول العميقة للمشروع الصهيوني، عبر تتبّع تاريخ طويل من التمثلات المسيحية الأوروبية لليهود، وبيان كيف تحوّلت هذه التمثلات من خطاب لاهوتي معادٍ إلى مورد أيديولوجي استُخدم لاحقاً في بناء مشروع استيطاني حديث. فالصهيونية، وفق منظور سونيا ديان-هيرزبْرون، تُفهم بوصفها حصيلة تفاعل معقّد بين اللاهوت المسيحي والخيال الأوروبي والطموح الإمبراطوري، لا بوصفها نتاجاً يهودياً خالصاً.

تبدأ الكاتبة باستحضار أحد أكثر الموضوعات رسوخاً في التراث المسيحي: صورة اليهود بوصفهم شعباً معاقَباً بالمنفى والتيه بسبب صلب المسيح. فقد رسّخ آباء الكنيسة، منذ القرون الأولى، هذا التصور، كما يظهر عند القديس أوغسطين الذي عدّ اليهود «شعباً مرفوضاً من الله»، ورأى أن أبناءهم «مقدّر لهم أن يُطرحوا في الظلمات»، ووجّه إليهم اتهاماً جماعياً بقتل المسيح عبر أسلافهم. وهذا الخطاب لم يبقَ حبيس اللاهوت، بل تغلغل في الثقافة الشعبية، وأُعيد إنتاجه في الأدب والفن من خلال شخصية «اليهودي التائه» الذي لا أرض له ولا استقرار.

تكمن أهمية هذا التمثّل في أنه أسّس لفكرة جوهرية: اليهود بوصفهم جماعة بلا مكان، محكوم عليها بالاغتراب الدائم. ومع أن هذا التصور نشأ في سياق عدائي، فإنه سيوفّر لاحقاً البنية التخيلية التي سمحت بإعادة تعريف اليهود بوصفهم «أمة حديثة مشتتة عن أرضها الأصلية»، وهي فكرة ستغدو مركزية في الخطاب الصهيوني.

الصهيونية، وفق منظور سونيا ديان-هيرزبْرون، تُفهم بوصفها حصيلة تفاعل معقّد بين اللاهوت المسيحي والخيال الأوروبي والطموح الإمبراطوري، لا بوصفها نتاجاً يهودياً خالصاً

غير أن الكاتبة تُبيّن أن هذا الخيال اللاهوتي ظلّ حاضراً في الحداثة الأوروبية، لكنه خضع لعملية علمنة. فمع تراجع اللغة الدينية الصريحة، حلّ محلّها خطاب فلسفي وأنثروبولوجي احتفظ بجوهر الأسطورة. ففي أواخر القرن الثامن عشر، يكتب إيمانويل كانط عن اليهود باعتبارهم جماعة تميل إلى التجارة والربا، ويعزو ذلك إلى أصولهم الشرقية وإلى تاريخهم في فلسطين، التي يصفها مركزاً تجارياً قديماً. ويذهب إلى القول إن تشتتهم بعد تدمير القدس سمح لهم بالانتشار في بلدان بعيدة، مع الحفاظ على وحدتهم الدينية واللغوية، بل ويُلمّح إلى تفوقهم الاقتصادي مقارنة بغيرهم.

هنا، يتحوّل اليهود من «قتلة المسيح» إلى «شعب تجاري» مرتبط بالمال والتنقل. غير أن البنية الإقصائية تبقى على حالها: جماعة مختلفة، أجنبية، لا تنتمي تماماً إلى المجتمعات التي تعيش فيها. وهكذا، تُظهر الكاتبة أن الحداثة أعادت إنتاج الأسطورة في قالب علماني، ما مهّد الطريق لتحويلها إلى أيديولوجيا سياسية.

في هذا السياق، تنتقل الكاتبة إلى تحليل الدور المحوري الذي لعبته البروتستانتية البريطانية في نشوء ما يمكن تسميته بالصهيونية المسيحية المبكرة. فخلافاً للكاثوليكية، التي نظرت إلى اليهود نظرة عقابية، أعادت البروتستانتية قراءة العهد القديم بوصفه نصاً مؤسِّساً، وبدأت تنظر إلى فلسطين باعتبارها أرضاً موعودة لليهود. غير أن هذه «العودة» لم تُتصوَّر قط خارج الهيمنة المسيحية الأوروبية.

يشكّل أوليفر كرومويل محطة أساسية في هذا المسار. فقراره بالسماح بعودة اليهود إلى إنجلترا في عام 1656 جاء نتيجة اقتناع ديني بقرب الخلاص المسياني، بتأثير من مناشي بن إسرائيل. لكن الكاتبة تُبرز أن هذا البعد اللاهوتي سرعان ما تداخل مع منطق الدولة والمصلحة الإمبراطورية. فاليهود لم يُستعادوا بوصفهم ذوات مستقلة، بل أداة ضمن مشروع أوسع.

يبلغ هذا التداخل ذروته في القرن التاسع عشر، مع تراجع الدولة العثمانية واشتداد التنافس الإمبريالي. ففي عام 1840، يحاول اللورد بالمرستون إقناع السلطان العثماني بالسماح بعودة اليهود إلى فلسطين، بحجة أن وجودهم سيساعد على إضعاف خصوم بريطانيا، ويساهم في تنمية المنطقة بفضل رؤوس الأموال اليهودية الأوروبية. ويؤكد في مراسلاته أن أي بلد يستقبل عدداً كبيراً من اليهود سيستفيد من ثرواتهم.

تجد هذه الرؤية سندها الأيديولوجي لدى شخصيات مثل اللورد شافتسبري، الذي اعتبر أن بريطانيا مختارة إلهياً لإعادة اليهود إلى «أرضهم»، ليس فقط تحقيقاً لنبوءة، بل أيضاً لخلق مستعمرة موالية تقف في وجه الخصوم، ولا سيما روسيا. وهكذا، تتحول فلسطين إلى فضاء تتقاطع فيه الرغبة اللاهوتية مع الحسابات الجيوسياسية.

تُظهر الكاتبة أن هذا «الاهتمام» بفلسطين لم يكن بريئاً ولا معرفياً، بل استعمارياً بامتياز. فبعثات الاستكشاف، ورسم الخرائط، ودراسات السكان، كما عند كلود كوندر، شكّلت أدوات سيطرة تُخضع المعرفة لخدمة الهيمنة. ويُقدَّم الفلسطينيون في هذه الدراسات كجماعة متخلفة، عاجزة عن استثمار أرضها، في تجاهل تام لحركة النهضة العربية التي شهدت إصلاحاً دينياً وثقافياً وسياسياً عميقاً في الفترة نفسها.

في المقابل، تكشف الكاتبة أن الحماس لفكرة الاستيطان في فلسطين لم يكن إجماعاً يهودياً. فمؤسسات يهودية كبرى رفضت هذه المشاريع، وفضّلت هجرة اليهود المضطهدين إلى أوروبا الغربية أو الأميركيتين. وهذا الرفض يفضح الطابع الأوروبي النخبوي للمشروع الصهيوني الناشئ، ويؤكد أنه لم يكن تعبيراً تلقائياً عن معاناة اليهود، بل خياراً أيديولوجياً محدداً.

يختتم الفصل بتبيان كيف تحوّلت هذه الأفكار إلى واقع سياسي مع الحرب العالمية الأولى، وتقاسم المشرق العربي، ووعد بلفور. وهنا تتضح الأطروحة المركزية للفصل: الصهيونية ليست قطيعة مع التاريخ الأوروبي، بل امتداد له، حيث التقت الأسطورة المُعلمنة مع القوة الإمبريالية، لتؤسس مشروعاً استيطانياً لا يزال أثره قائماً حتى اليوم.

أرض للشَّنُورَر: الصهيونية كحلّ اجتماعي عنصري

يُعمّق الفصل الثاني من كتاب «الصهيونية، اختراع أوروبي» التفكيك الذي بدأته الكاتبة في الفصل الأوّل، لكن من زاوية مختلفة لا تقلّ خطورة: الصهيونية بوصفها حلاً اجتماعياً عنصرياً صاغته النخب الأوروبية للتخلص من «الفائض البشري» اليهودي، لا بوصفها استجابة أخلاقية لمعاناة اليهود. وهنا تنتقل سونيا ديان-هيرزبْرون من تحليل اللاهوت والأسطورة إلى تحليل الطبقة والعرق والسياسة الإمبريالية، كاشفةً أن وعد بلفور لم يكن تعبيراً عن تعاطف، إنما عن رغبة في الإقصاء المنظّم.

تبدأ الكاتبة بالتمييز الواضح بين الصهيونية المسيحية الأولى، التي أرادت «إعادة» اليهود إلى فلسطين تمهيداً لتحويلهم إلى المسيحية، وبين موقف آرثر بلفور الذي تخلّى عن هذا البعد التبشيري، من دون أن يتخلّى عن الجوهر الإقصائي. فالمسألة، بالنسبة إلى بلفور، لم تكن خلاص اليهود، إنما التخلّص منهم داخل أوروبا. فاليهود الذين يُقترَح إرسالهم إلى فلسطين ليسوا العلماء أو الفنانين أو الأطباء، إنما أولئك الذين يُنظر إليهم بوصفهم عبئاً اجتماعياً: الفقراء والمهاجرين والمعدمين، أولئك الذين يُختزلون في صورة «المتسولين».

هنا تستدعي الكاتبة صورة «الشَّنُورَر»، كما صوّرها الكاتب إسرائيل زانغويل في روايته «ملك الشنُورَرات»، بوصفها تمثيلاً أدبياً لعلاقات الطبقة والعرق داخل الجماعة اليهودية نفسها. فاليهود القادمون من شرق أوروبا، بملابسهم ولهجتهم وفقرهم، بدوا منبوذين لا من المجتمع البريطاني فقط، وإنما أيضاً من اليهود المندمجين فيه. وهؤلاء «غير المرغوب فيهم» هم من يقترح بلفور إرسالهم إلى فلسطين، «كل ذلك لتجنّب استقبالهم في بريطانيا». ففلسطين، هنا، ليست وطناً، إنما مكبّاً اجتماعياً.

الصهيونية ليست فقط تسييساً للأسطورة، وإنما تسييساً للبؤس، وعلمنةً للإقصاء، حيث يتحول الاستعمار إلى حلّ، والطرد إلى سياسة، والضحايا إلى أدوات في مشروع لم يكن يوماً مشروعهم

في هذا السياق، تكتسب تصريحات بلفور طابعها الأيديولوجي الصريح. ففي تقديمه لكتاب «تاريخ الصهيونية» لناهوم سوكولوف، يؤكد أن اليهود حالة فريدة لأن «العرق والدين والأرض مترابطة لديهم، على خلاف جميع الشعوب الأخرى». وهذا الخطاب لا يُخفي عنصريته، وإنما يشرعنها، إذ يحوّل الدين إلى سمة عرقية ثابتة، ويجعل من اليهود «غرباء دائمين» داخل المجتمعات الأوروبية. إنها عملية عرقنة للدين، لكن وفق منظور طبقي: ويتمثل الخطر، في هذا المنظور، في الفقراء الذين يهددون التوازن الاجتماعي، لا في اليهود «الناجحين».

تُظهر الكاتبة أن مشاريع التوطين البديلة، في قبرص وسيناء وأوغندا، لم تكن تعبيراً عن حيرة إنسانية، إنما عن حسابات إمبريالية دقيقة. فإرسال اليهود إلى مناطق يسكنها «بيض مسيحيون» لم يكن مقبولاً، كما في قبرص، في حين بدت سيناء محفوفة بمخاطر سياسية بسبب بروز حركة وطنية مصرية. ووحدها فلسطين بدت حلاً مثالياً، لأنها تُرضي المبشّرين البروتستانت والصهاينة اليهود والإمبراطورية البريطانية في آن واحد.

في مواجهة هذا المشروع، تبرز أصوات نقدية يهودية تكشف التناقض العميق في الصهيونية. فإدوين مونتاغو، الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية، وصف وعد بلفور بأنه تعبير عن معاداة السامية، محذّراً من أن تحويل فلسطين إلى «وطن قومي لليهود» سيجعل منها «غيتو العالم»، ويعزّز نزع المواطنة عن اليهود في بلدانهم الأصلية. وهذا النقد لا يصدر عن موقع مناهض لليهود، إنما عن دفاع صارم عن اندماجهم كمواطنين متساوين، وهو ما تكشفه الكاتبة باعتباره خطاً فكرياً أُقصي عمداً من السردية الصهيونية.

يتقاطع هذا الموقف مع نقد مبكر وأكثر حدّة قدّمه الكاتب النمساوي كارل كراوس، الذي رأى في الصهيونية شكلاً من أشكال معاداة السامية المقنّعة. ففي كراسه «تاج من أجل صهيون»، رأى أن الصهيونية لا تحرّر اليهود، وإنما تعيد إنتاج الصورة النمطية عنهم، وتحوّل «الانخطاف المسياني» إلى أداة سياسية. ودعا كراوس إلى اندماج اليهود من دون التخلّي عن إيمانهم، وإلى تحالفهم مع نضال الطبقات المضطهدة بدل الارتماء في أحضان الرأسمالية الإمبريالية.

غير أن الفصل يكشف أن ثيودور هرتسل أدرك تماماً هذا التقاطع المقلق بين الصهيونية ومعاداة السامية، واستثمره ببراغماتية صريحة. ففي مراسلاته مع المسؤولين الأوروبيين، يطمئنهم بأن اليهود «النافذين» سيبقون في أوروبا، بينما تُحل «المسألة اليهودية» عبر «إجلاء العناصر الاجتماعية والاقتصادية الساخطة واليائسة». وهكذا، تتحول الصهيونية إلى أداة ضبط اجتماعي: تُفرغ أوروبا من يهودها الفقراء والمتمرّدين، وتزرعهم في مستعمرة تخدم المصالح الإمبريالية.

تضع الكاتبة هذا المشروع في سياق أوسع من الصراع الطبقي. ففي أواخر القرن التاسع عشر، حضر اليهود بقوة في الحركات العمالية والاشتراكية والثورية، من البوند في أوروبا الشرقية إلى الأناركيين في المنفى. وشكّلت هذه الحيوية السياسية مصدر قلق حقيقي للدول الإمبريالية. ومن هنا، تظهر الصهيونية، كما يبرز الفصل، بوصفها بديلاً تعبوياً يملك «الطاقة الدينامية» نفسها التي تمتلكها الحركات الثورية، لكن في اتجاه معاكس تماماً.

ينتهي الفصل إلى تكثيف أطروحته المركزية: الصهيونية لم تُبنَ لإنقاذ اليهود من الاضطهاد، إنما لإعادة تنظيم هذا الاضطهاد في صيغة جديدة، أكثر نفعاً للإمبراطورية. ففلسطين، في هذا السياق، لم تكن أرض خلاص، إنما أداة؛ ولم يكن المستوطن اليهودي بطلاً تاريخياً، إنما عنصراً في هندسة سياسية هدفت إلى ضبط الفقر، وقمع التمرّد، وتصدير الأزمة.

بهذا، يكشف الفصل الثاني بوضوح أن الصهيونية ليست فقط تسييساً للأسطورة، وإنما تسييساً للبؤس، وعلمنةً للإقصاء، حيث يتحول الاستعمار إلى حلّ، والطرد إلى سياسة، والضحايا إلى أدوات في مشروع لم يكن يوماً مشروعهم.

عصر القوميات: الصهيونية بين التاريخ المتخيَّل والدولة العقلانية

يضع الفصل الثالث الصهيونية السياسية داخل الإطار التاريخي والفكري الذي لا يمكن فهمها خارجه: عصر القوميات الأوروبية في العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى. فالصهيونية، بحسب سونيا ديان-هيرزبْرون، لا تشكّل استثناءً عن هذا السياق، وإنما تمثّل أحد تجلياته الخاصة، وإن كانت قد طوّرت أدوات رمزية مختلفة مكّنتها من تجاوز تناقضاتها البنيوية.

تبدأ الكاتبة من مسلّمة أساسية: مع نهاية القرن التاسع عشر، تحوّلت القومية إلى المبدأ السياسي المهيمن في أوروبا. فـ«كل جماعة تعتبر نفسها أمة تطالب بحقها في تقرير المصير»، أي في إقامة دولة ذات سيادة على إقليم محدد. غير أن هذا التحول لم يكن بريئاً، إذ رافقته نزعات إقصائية، تجلّت في تصاعد كراهية الأجانب ومعاداة السامية، سواء في صيغتها الشعبية أو السياسية. وفي هذا المناخ، لم يكن اليهود خارج التاريخ، وإنما في قلبه، وكان عليهم أن يحدّدوا موقعهم إزاء هذا الزحف القومي.

تاريخ يهودية فلسطين القديمة نفسها، بما فيه من تعقيد وصراعات، أُزيح جانباً لمصلحة صورة دينية-رمزية لمكان أقام الله فيه، وفق القراءة التوراتية

تُبرز الكاتبة أن ردود الفعل اليهودية على القوميات الأوروبية اتخذت ثلاثة مسارات رئيسة، وأن الصهيونية ليست إلا واحدة منها، وإن نجحت لاحقاً في تقديم نفسها بوصفها الحل الوحيد الممكن. وتمثّل المسار الأول في الاندماج في الدول القومية القائمة أو في طور التشكّل، مع الحفاظ على الخصوصيات الدينية أو الثقافية. فالمثال الفرنسي، مع أدولف كريميُو ومرسومه في عام 1870، يوضّح هذا الخيار، لكنه يكشف أيضاً تناقضه: فالمواطنة التي مُنحت ليهود الجزائر جاءت مقرونة بإقصاء المسلمين، ما يبيّن أن الاندماج نفسه شكّل جزءاً من منطق استعماري تفاضلي، لا خروجاً عليه.

المسار الثاني تمثّل في الأممية، خصوصاً في صيغتها الماركسية أو التحررية. وهنا تكتسب تجربة البوند أهمية مركزية في تحليل الكاتبة. فالاتحاد العام للعمال اليهود في ليتوانيا وبولندا وروسيا، الذي تأسس في عام 1897، رفض القومية الصهيونية، وطرح بديلاً يقوم على النضال الطبقي والاعتراف باليهود جماعة ثقافية-لغوية داخل المجتمعات التي يعيشون فيها، لا أمة تبحث عن دولة. ويبرز موقف البوند من الحرب العالمية الأولى، ورفضه التصويت على اعتمادات الحرب، تمسّكه بالأممية في لحظة انهارت فيها شعارات التضامن العمالي في أوروبا.

تكشف هذه المقارنة أن الصهيونية لم تكن ردّاً طبيعياً أو حتمياً على معاداة السامية، وإنما كانت خياراً أيديولوجياً محدداً، اختار القومية حيث اختار آخرون الاندماج أو الثورة الاجتماعية. غير أن ما ميّز الصهيونية تمثّل في قدرتها على إعادة تعريف القومية نفسها، بما يتجاوز شروطها الكلاسيكية.

تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى تحليل جوهر هذه الخصوصية. فالصهيونية، بخلاف معظم القوميات الأوروبية، لم تنطلق من إقليم قائم، وإنما من قفزة تخييلية في الزمن، كما تصفها، «قفزة بلا أساس كرونولوجي عقلاني». فالتاريخ الفعلي للجماعات اليهودية، التي نتج كثير منها من تحوّلات محلية واعتناقات دينية سابقة للمسيحية والإسلام، طُمِس لصالح نسب أسطوري يعود مباشرة إلى «صهيون». وحتى تاريخ يهودية فلسطين القديمة نفسها، بما فيه من تعقيد وصراعات، أُزيح جانباً لمصلحة صورة دينية-رمزية لمكان أقام الله فيه، وفق القراءة التوراتية.

هنا، لا تعمل الصهيونية بوصفها استعادة للتاريخ، وإنما بوصفها إلغاءً له. فالأمة لا تُبنى على الذاكرة الاجتماعية الفعلية، وإنما على سردية مختارة، تُجرّد الزمن من تراكميته، وتربط الحاضر مباشرة بلحظة مقدسة متخيَّلة. وبهذا المعنى، فإن الصهيونية تمثل ذروة تسييس الأسطورة داخل إطار قومي حديث.

تستعين الكاتبة بتحليل إرنست غلنر، الذي يصنّف الصهيونية ضمن «قوميات الشتات». وهذه القوميات تنشأ داخل جماعات لا تمتلك قاعدة إقليمية، وتعيش في وضعية تهميش سياسي وعسكري، وغالباً ما تكون محصورة في وظائف محددة داخل المدن. غير أن ما يميّز اليهود، كما تشير، يتمثل في غياب أي قاعدة ترابية تاريخية معاصرة يمكن الانطلاق منها، على عكس اليونانيين أو الأرمن. وهذا الفراغ هو ما جعل الحاجة إلى الأسطورة أكثر إلحاحاً، وإلى الإقليم المتخيَّل أكثر مركزية.

في هذا الإطار، تبرز الصهيونية السياسية، كما صاغها ثيودور هرتسل، بوصفها مشروعاً عقلانياً للدولة، لا مشروعاً ثقافياً أو دينياً. ففي كتابه «دولة اليهود»، يؤكد هرتسل أن الدولة ليست نتيجة عقد اجتماعي، وإنما تجسيد لـ«ضرورة عقلانية»، مستلهماً فلسفة هيغل، الذي يرى أن «الدولة هي العقل في ذاته ولذاته». وهذا التصور ينقل الصهيونية من حقل الذاكرة والهوية إلى حقل العقلانية السياسية، حيث تصبح الدولة غاية في ذاتها، ويغدو الشعب كياناً سياسياً قبل أن يكون ثقافياً.

تُظهر الكاتبة أن الصراع داخل الصهيونية، كما تجسّد بين بيرنباوم وهرتسل، لم يكن مجرّد خلاف تنظيمي، وإنما صداماً بين رؤيتين فلسفيتين: واحدة ترى الأمة امتداداً ثقافياً-لغوياً، وأخرى تراها كياناً سياسياً يحتاج إلى دولة بأي ثمن. ومنذ تلك اللحظة، انتصر منطق الدولة على منطق المجتمع.

يختتم الفصل بتذكير أساسي: القوميات لا تخلق الدول، وإنما الدول هي التي تخلق الأمم، عبر مؤسساتها وقوانينها وسردياتها. والصهيونية لم تشذ عن هذه القاعدة، لكنها مارست قلباً مضاعفاً: افترضت وجود أمة أزلية، ثم طالبت لها بدولة، ثم استخدمت الدولة لإنتاج الأمة فعلياً. وهنا تتكامل أطروحة الكتاب: الصهيونية ليست نتاج تاريخ طويل، وإنما مشروع حديث أعاد كتابة التاريخ ليشرعن ذاته.

بهذا، يكشف الفصل الثالث أن الصهيونية ليست فقط اختراعاً أوروبياً، وإنما اختراعاً قومياً بامتياز، جمع بين الأسطورة المُسيَّسة والعقلانية الهيغلية ومنطق الدولة الحديثة، ليؤسس مشروعاً ما يزال يعيد إنتاج نفسه على أنقاض التاريخ والواقع معاً.

الكتاب المقدّس كسلاح… والسلاح ككتاب مقدّس

يبلغ تفكيك سونيا ديان-هيرزبْرون في الفصل الرابع درجة أشد حساسية، إذ تضع الإصبع على آلية مركزية في اشتغال الصهيونية: تحويل النص الديني إلى وثيقة سيادة، وتحويل السيادة المسلحة إلى قراءة دينية. فالعنوان ذاته، «الكتاب المقدّس كسلاح… والسلاح ككتاب مقدّس»، لا يصف مجرد استعارة، وإنما بنية كاملة: حين يصبح السرد المقدّس «دستوراً غير مكتوب»، تصبح القوة العسكرية تطبيقاً حرفياً أو رمزياً له، وتغدو الحرب امتداداً للتأويل.

تنطلق الكاتبة من مفارقة تاريخية: إلى حدود العصر الحديث، لم يحظَ اهتمام اليهود بالكتابة التاريخية بمكانة كبيرة؛ فالتلمودية، التي شكّلت قلب الحياة الذهنية للجماعات اليهودية، لم تبنِ علاقتها بالزمن على «السرد الخطي» الذي صار معياراً في القرن التاسع عشر. غير أن صعود القوميات الحديثة خلق حاجة إلى «تاريخ قومي» على طريقة الدولة-الأمة، ومن هنا يأتي دور مؤرّخين، خصوصاً من ألمانيا وشرق أوروبا، عملوا منذ عقد 1920 على صياغة رواية وطنية أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ، تقوم في جوهرها على محو الواقع الفلسطيني القائم: «تطوير سرد قومي يقترب من الأسطورة أكثر من اقترابه من التاريخ، مع طمس حضور الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في البلد المرغوب».

الصراع داخل الصهيونية، كما تجسّد بين بيرنباوم وهرتسل، لم يكن مجرّد خلاف تنظيمي، وإنما صداماً بين رؤيتين فلسفيتين: واحدة ترى الأمة امتداداً ثقافياً-لغوياً، وأخرى تراها كياناً سياسياً يحتاج إلى دولة بأي ثمن

يمثل هذا التحول إحدى حلقات علمنة اللاهوت: فالمقدّس لا يُلغى، وإنما يُعاد تعريفه بوصفه «مادة تاريخية موثوقة». فـ«هؤلاء المؤرخين… يحوّلون الكتاب المقدّس إلى كتاب تاريخي موثوق»، وبمجرد أن تُمنح الأسطورة صفة «الوثيقة»، تُفتح أبواب السياسة كلها: القابلية على الادعاء، والتوسع، والمحو، وتبرير العنف، لأن ما يُسند الفعل لم يعد قانوناً دولياً قابلاً للنقاش، وإنما «نصاً» متعالياً.

هنا تتجسد الفكرة في عبارة بن غوريون الشهيرة أمام لجنة بيل في عام 1937: «الكتاب المقدّس هو انتدابنا». في هذا التصريح تُختصر استراتيجية كاملة: فالانتداب البريطاني، بصفته صيغة قانونية تاريخية، يصبح أقل أهمية من «انتداب أعلى» يُستمد من النص. ثم يتكرر المشهد في وقت متأخر حين «يرفع داني دانون الكتاب المقدّس أمام مجلس الأمن» في عام 2019. ولا تقتصر هذه الحركة على بعدها الرمزي؛ إنها إعلان أن الشرعية لا تُستمد من المؤسسة الدولية، وإنما تُستخدم المؤسسة الدولية منصة لإعلان شرعية فوق-قانونية.

وتفكّك الكاتبة في هذا الفصل بعداً شديد الدلالة: اللغة بوصفها استعماراً. ففلسطين، التي يسميها المسيحيون «الأرض المقدسة»، تُستبدل تدريجياً بمصطلح عبري: «إيريتس إسرائيل». وهي ليست مجرد تسمية، وإنما مشروع «استبدال ذاكرة بذاكرة». فالاسم «فلسطين»، المشتق تاريخياً من تسمية رومانية لطمس يهودية قديمة بعد هزيمة دامية، يُستعاد الآن ليُمحى من جديد لمصلحة «أرض إسرائيل» في محاولة «لمحو فلسطين بالكامل بالرجوع إلى الكتاب المقدّس». وحتى النقود التي سُكّت في عام 1926 تحت الانتداب البريطاني حملت هذه الإشارة، بما يعني أن الاستبدال الرمزي جاء مبكراً ومقصوداً.

ثم تنتقل الكاتبة إلى مستوى أشد عنفاً في الاشتغال: فالحدود الضبابية في السرد الكتابي تتحول إلى وقود للتمدد السياسي. فالنص الذي ينسب إلى موسى وعداً بأن «كل موضع تطؤه أقدامكم يكون لكم… من الفرات إلى البحر الغربي» يفتح أفقاً جغرافياً يتجاوز فلسطين الانتدابية بكثير. وهذا الاتساع، الذي لا يقدّم حدوداً قانونية دقيقة، يوفّر مادة مرنة للضم والتوسع. وتوضح الكاتبة أن قادة الحركة الصهيونية ثم الدولة «سيعتمدون على هذا السرد لتبرير الضم التدريجي لكل فلسطين»، مع تحويل الضفة الغربية إلى «يهودا والسامرة»، أي إعادة تسميتها بما يرسّخ الفكرة: فالمكان ليس أرضاً لها سكان وذاكرة حديثة، وإنما صفحة داخل «خريطة مقدسة».

وتورد الكاتبة مثالاً بالغ الدلالة على تزاوج النص والعسكر: فمنذ عام 1916 طالب بن غوريون ووايزمان بتوسيع الحدود الشمالية إلى مناطق الليطاني في جنوب لبنان، ثم أعادا المطالبة بجزء كبير من جنوب لبنان حتى جبل الشيخ. وهذا يبيّن أن الخطاب «التاريخي-الكتابي» حضر في مطالب توسعية مبكرة، وأن «الغموض النصي» استُثمر سياسياً بوصفه قابلاً للتحقق بالقوة.

غير أن أهم ما يضيفه هذا الفصل يتمثل في تحليل ما يمكن تسميته بالأركيولوجيا بوصفها أداة أيديولوجية. فحين تتحدث الكاتبة عن «أرمجدون» و«مجدو»، فهي لا تناقش علم الآثار في ذاته، وإنما تناقش كيفية تحويل التنقيب إلى آلة لإعادة تسمية المكان وإعادة برمجة ذاكرته. إذ يُعرض اكتشاف محتمل في عام 2025 دليلاً على «معركة ملحمية» مذكورة في نصوص «الملوك وأخبار الأيام»، بينما يتداخل ذلك مباشرة مع الخيال الإنجيلي الذي يرى في أرمجدون مسرح المعركة الأخيرة بين الخير والشر. وهنا يغدو الموقع الفلسطيني، تل المتسلّم، قابلاً لأن يُمحى لصالح «مجدو»، ضمن «ممارسة إحلال أسماء عبرية، ويفضل أن تكون كتابية، بدل الأسماء العربية». ويُستكمل محو الذاكرة بإنشاء كيبوتس في عام 1949 على أنقاض قرية اللجّون المدمّرة. وهكذا لا يعود الاسم مجرد علامة، وإنما يصبح جزءاً من تقنية الاستيطان: إزالة وإحلال وتثبيت.

ثم تصل الكاتبة إلى نقطة شديدة الحسم: فالدولة الإسرائيلية لم تُعرّف حدودها في «قوانينها الأساسية» التي تقوم مقام الدستور؛ وبغياب التعريف الحدودي، يصبح النص المقدّس قابلاً لأن يُستدعى في كل مرة «لتبرير الضم والعنف» بصورة متزايدة. وهذه ملاحظة استراتيجية: فالدولة التي لا تحدد حدوداً تُبقي مجال التوسع مفتوحاً، والنص الذي يملك حدوداً ضبابية يمنحها شرعية خطابية دائمة.

وتقارن الكاتبة بين حرب 1948، التي يسميها الفلسطينيون النكبة، وبين «غزو كنعان» في سردية يشوع، إذ رأى بن غوريون بينهما تماثلاً. وهنا يتضح معنى العنوان: فالسلاح يقرأ نفسه بوصفه تنفيذاً لتاريخ مقدّس، والتعليم المدرسي يعيد إنتاج ذلك حين تُلقّن للأطفال «فتوحات يشوع» بوصفها ذاكرة مؤسسة. وهذا ليس مجرد توظيف للدين، وإنما إعادة هندسة للخيال الجمعي ليصبح العنف طبيعياً وتعليمياً.

لكن ما يمنح هذا الفصل قوته الفكرية أن الكاتبة لا تكتفي بوصف هذا التوظيف، وإنما تُظهر أنه أيضاً قراءة منحرفة عن التراث اليهودي الحاخامي. فالتلموديون القدماء، بحسبها، كانوا يحذرون من نزعة العنف في النصوص ويعطونها معنى رمزياً. وكمثال، تُفهم «عماليق» بوصفها عبادة القوة و«سطوة السيف» الواجب اقتلاعها، لا بوصفها دعوة إلى إبادة الآخر. بل إن النص نفسه يقول لموسى: «كل الأرض لي»، أي إن الأرض ليست ملكاً حصرياً، وإنما أمانة مشروطة. ومع ذلك، تقوم «لاهوتية قومية جديدة» تتظاهر بالقدم على تحويل النص إلى سند لملكية حصرية، وإلى تبرير «الاستحواذ الحصري على الأرض، وسلبها، وطرد ساكنيها».

ومن هنا تصل الكاتبة إلى خلاصة حاسمة: إن الفصل بين «صهيونية علمانية» و«صهيونية دينية» فصل مضلّل. فـ«التمييز الذي يحاول كثيرون إقامته بين صهيونية علمانية أو دنيوية وصهيونية دينية لا يصمد». فالمشروع الاستعماري، في نظرها، يستمد طاقته من هذه البنية اللاهوتية-السياسية نفسها. والعلماني هنا لا يلغي المقدّس، وإنما يعيد تشغيله في الدولة، ويحوّل الأسطورة إلى قانون عملي، ويحوّل القوة إلى طقس.

بهذا المعنى، يكشف الفصل الرابع أن الصهيونية لا تكتفي بتسييس الأسطورة، وإنما تؤسس نظاماً لتبادل الأدوار بين النص والسلاح: فالكتاب المقدّس يشرعن السلاح، والسلاح يفرض قراءة الكتاب المقدّس. وفي هذه الدائرة المغلقة تُمحى فلسطين اسماً وذاكرة وحدوداً، ويُعاد بناء المكان بوصفه «نصاً» قبل أن يكون واقعاً.

اليوتوبيا الاستعمارية: من حلم الخلاص إلى هندسة الإقصاء

يُكمل الفصل الخامس تفكيك البنية الأيديولوجية للصهيونية من زاوية تبدو، للوهلة الأولى، إيجابية أو تحررية: اليوتوبيا. غير أن سونيا ديان-هيرزبْرون تُظهر أن هذه اليوتوبيا لم تكن بريئة ولا إنسانية، وإنما كانت، في جوهرها، يوتوبيا استعمارية، لا يمكن تصوّر تحققها إلا على أرض مأهولة، شرط أن يُمحى سكانها أو يُختزلوا إلى كائنات غير مرئية. فالصهيونية، منذ بداياتها الفكرية، لم تُخفِ طابعها الاستعماري، وإنما عبّرت عنه صراحة، لغةً ومخيالاً ومشروعاً.

إلى حدود العصر الحديث، لم يحظَ اهتمام اليهود بالكتابة التاريخية بمكانة كبيرة؛ فالتلمودية، التي شكّلت قلب الحياة الذهنية للجماعات اليهودية، لم تبنِ علاقتها بالزمن على «السرد الخطي» الذي صار معياراً في القرن التاسع عشر

تبدأ الكاتبة باستحضار موسى هِس، أحد أوائل منظّري الصهيونية، الذي جمع بين الاشتراكية والنزعة القومية اليهودية. ففي كتابه «روما والقدس»، في عام 1862، يتحدث هِس من دون مواربة عن ضرورة إقامة مستعمرات يهودية في «أرض الأجداد»، ويستحضر نموذج الحروب الصليبية، متخيّلاً دعم فرنسا لإقامة دولة يهودية تمتد من السويس إلى القدس، ومن نهر الأردن إلى المتوسط. واللافت، كما تشير الكاتبة، لا يقتصر على هذا الطموح الجغرافي المتجاوز للواقع، وإنما يشمل أيضاً العمى التاريخي الذي ينطوي عليه استدعاء الصليبيين، متجاهلاً أن هؤلاء كانوا من أكثر مضطهدي اليهود ووحشيتهم. وهذا التجاهل يكشف أن مرجعية هِس لم تكن الذاكرة اليهودية، وإنما السردية الأوروبية المسيحية التي أعادت كتابة التاريخ على مقاسها.

لكن، على الرغم من المكانة الرمزية لفلسطين، تؤكد الكاتبة أن الهدف الأول للصهيونية لم يكن «العودة» في حد ذاتها، وإنما امتلاك أرض. وهذا ما يصرّح به ليون بنسكر في كتيّبه «التحرر الذاتي»، في عام 1882: المهم أن يكون لليهود إقليم يملكونه ولا يمكن طردهم منه، سواء أكان في فلسطين أم في أميركا الشمالية أم في إحدى ولايات الإمبراطورية العثمانية. وهنا تتجلى الصهيونية بوصفها مشروع أمان وسيادة، لا مشروعاً دينياً، ويصبح الإقليم وسيلة لا غاية، شرط أن يكون «خصباً، واسعاً، ومناسباً لاستقبال ملايين البشر».

وتُظهر الكاتبة أن مفردات «الاستعمار» و«الاستيطان» ليست إسقاطاً لاحقاً على خطاب هرتسل، وإنما هي حاضرة بكثافة في نصوصه ورسائله. فهو يخاطب كل قوة عظمى بلغتها: يعد السلطان العثماني بإنعاش الخزينة، ويعد أوروبا بأن تكون الدولة اليهودية «حصناً متقدماً للحضارة»، تماماً كما كانت مصر البريطانية. وهذا الخطاب لا يختلف في جوهره عن خطاب القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، إذ تُقدَّم المستعمرة بوصفها حلاً اقتصادياً وأمنياً وأخلاقياً في آن.

تضع الكاتبة هذا المشروع في سياق أوسع: عصر اليوتوبيا الاجتماعية الأوروبية. ففي القرن التاسع عشر، ازدهرت تجارب يوتوبية، من السان-سيمونيين في فرنسا إلى روبرت أوين في اسكتلندا وأميركا. غير أن هذه اليوتوبيا، حين حاولت التحقق داخل أوروبا، اصطدمت بالبنى الاجتماعية القائمة، فبحثت عن فضاءات «خالية» أو «قابلة للتشكيل». وهكذا، انتقلت إلى «العالم الجديد»، إذ عُدّت الأراضي إما فارغة، أو مأهولة بسكان لا يُعترف بإنسانيتهم الكاملة. وتلفت الكاتبة إلى أن هذه التجارب لم تشمل السكان الأصليين قط، وإنما أُقيمت فوقهم أو بدلاً منهم.

في هذا الإطار، يظهر المشروع الصهيوني بوصفه النسخة اليهودية من اليوتوبيا الاستعمارية الأوروبية. ففلسطين تُتخيَّل بوصفها «لا-مكاناً» (يوتوبيا بالمعنى الحرفي)، أي فضاءً يسمح بإعادة اختراع الماضي وصناعة مستقبل جديد، بينما يُختزل الفلسطيني إلى عنصر غائب أو قابل للإخضاع. وفي مقدمة «دولة اليهود»، يصف هرتسل كتابه بأنه «يوتوبيا خيرية»، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن ما يقترحه قابل للتنفيذ عملياً، بفضل «القوة الدافعة» التي يمثلها بؤس اليهود. وهكذا تتحول المعاناة إلى طاقة استعمارية، والاضطهاد إلى رأسمال سياسي.

تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى تحليل البعد التخييلي للصهيونية عبر رواية هرتسل «الأرض القديمة الجديدة»، الصادرة في عام 1902، إذ يرسم صورة مثالية لفلسطين المستقبل: مجتمع حديث، متقدم، منفتح، تقوده النخب اليهودية الأوروبية. غير أن هذا التصور مشبع بالاستشراق، إذ تُقدَّم الأرض كأنها راكدة قبل «النهضة اليهودية»، ويُصوَّر السكان المحليون، إن ذُكروا، ككائنات هامشية، لا دور لها في صنع هذا المستقبل. وهذه الرؤية الأدبية ليست هامشية، وإنما تسبق ممارسة سياسية لاحقة وتؤسس لها.

ويتجسد البعد اليوتوبي أيضاً في تجربة الكيبوتسات، التي تُقدَّم فضاءات لتشكيل «الإنسان الجديد». وتستحضر الكاتبة كتاب برونو بيتلهايم «أطفال الحلم»، الذي يصف الكيبوتس بوصفه نموذجاً تربوياً تحررياً، إذ تحل الجماعة محل الأسرة، ويُربّى الأطفال بعيداً من «عُصاب» الروابط العائلية. غير أن الكاتبة تُفكك هذه الصورة المثالية بوقائع صلبة: فالكيبوتسات لم تضمّ سوى 4.5% من السكان عشية قيام الدولة، وشكّلت في الواقع مراكز لتكوين النخب، وقد أُقيم معظمها على أراضٍ فلسطينية اشتُريت أولاً ثم صودرت، بعد تدمير القرى المحيطة.

هنا تنكشف المفارقة الكبرى: اليوتوبيا التي تُبشّر بالتحرر والمساواة تقوم عملياً على الإقصاء والمصادرة. فـ«الإنسان الجديد» لا يولد إلا بعد محو إنسان آخر. وتُظهر الكاتبة أن الخطاب اليوتوبي، الممزوج بالاستشراق، مهّد الطريق لإنكار الفلسطيني، لا بوصفه خصماً سياسياً فقط، وإنما بوصفه كائناً تاريخياً.

يبلغ التحليل ذروته حين تربط الكاتبة بين اليوتوبيا والمسيانية المُعلمنة. ففي هذه النسخة الصهيونية، لا تعود الخلاصية انتظاراً إلهياً، وإنما تتحول إلى تجديد بشري عبر الاستعمار. فالمنفى يُشفى بالاستيطان، والانحطاط الأخلاقي يُعالج بالعمل الزراعي والعسكري. والمثال الذي يورده هرتسل عن المصرفي الهارب إلى جنوب إفريقيا، الذي «تطهّر» عبر نجاحه الاستعماري، ليس حكاية فردية، وإنما استعارة لمشروع كامل: المستعمرة تُعيد صياغة الإنسان.

بهذا، يبيّن الفصل الخامس أن الصهيونية ليست فقط مشروع دولة أو أيديولوجيا قومية، وإنما يوتوبيا استعمارية مكتملة، استمدت أدواتها من خيال أوروبي طويل، ورأت في الأرض المأهولة مسرحاً لتجربة أخلاقية وسياسية لا مكان فيها لأصحاب الأرض. وهنا تتكامل أطروحة الكتاب: الصهيونية ليست انحرافاً عن الحداثة الأوروبية، وإنما أحد أكثر تجلياتها تطرفاً، إذ يلتقي الحلم بالخلاص مع عنف الاستيطان، ويتحوّل اليوتوبي إلى مشروع إقصاء دائم.

نزع «شرقية» اليهود: الاستعمار كبرنامج لإعادة تصنيع الهوية

يأتي الفصل السادس بعنوان دالّ: «نزع شرقية اليهود». وفيه تشتغل سونيا ديان-هيرزبْرون على أحد أكثر الأبعاد تركيباً في الأيديولوجيا الصهيونية: فالصهيونية لا تمثل مشروع استيطان فحسب، وإنما مشروع هندسة هوية أيضاً. إنها عملية مزدوجة: تحويل يهود أوروبا إلى «غرب» كامل داخل الشرق، وفي الوقت نفسه الإبقاء على الشرق مرآة تُسقِط عليه الصهيونية صورتها المضادة، فتُعرّف ذاتها بما تنفيه: الشرقي، والسامي، والبدائي، وغير المنضبط. وبهذا المعنى، فإن «نزع الشرقية» لا يلغي الاستشراق، وإنما يعيد توظيفه في بناء الأمة-الدولة.

الصهيونية لا تكتفي بتسييس الأسطورة، وإنما تؤسس نظاماً لتبادل الأدوار بين النص والسلاح: فالكتاب المقدّس يشرعن السلاح، والسلاح يفرض قراءة الكتاب المقدّس

تبدأ الكاتبة من تمثيل أدبي داخل رواية هرتسل «الأرض القديمة الجديدة»، لتكشف من خلاله بوضوح نظرة الزعيم الصهيوني إلى يهود «الشتتل» في شرق أوروبا. فهرتسل لا ينظر إليهم بعين شاعر مثل شاغال، وإنما يراهم تجسيداً للبؤس والانحطاط الاجتماعي: جائعين، ومتسولين، ويتنقلون داخل «صناعة البؤس». ويلخّص مثال دافيد ليتفاك الفكرة: طفل يرتجف تحت مدخل في فيينا ويمد يده، وابن بائع متجول لا يستطيع إطعام أسرته، ويُشتم في الشارع ويُداس رمزياً بوصفه «قذارة». وفي هذا القاع اليائس يطلق الأب هايم عبارته الصادمة: «حين تكون ييد، فالأفضل أن ترمي نفسك مباشرة في الدانوب». ولا تأتي الجملة بوصفها تعبيراً شعرياً، وإنما تلخّص اقتصاد الإهانة الأوروبي الذي جعل «اليهودي الشرقي» كتلة من العار.

لكن الرواية لا تتركه في القاع؛ فبعد 20 عاماً يصبح في حيفا رجلاً «حراً، صحيحاً، متعلماً، ثابت القدمين». وهنا يتضح أن الاستيطان عند هرتسل لا يمثل مجرد انتقال جغرافي، وإنما عملية تطهير وإعادة تكوين: تحويل «يهودي الشرق الأوروبي» إلى إنسان غربي جديد. وتستدعي الكاتبة تشبيه هرتسل بأستراليا: مستعمرة عقابية صارت «جوهرة التاج البريطاني». وهذا القياس شديد الدلالة، لأنه يجعل الاستعمار نموذجاً لـ«إصلاح البشر»؛ وكأن اليوتوبيا لا تتحقق إلا عبر آلية استعمارية: أرض بعيدة، وإعادة تشكيل، وولادة «شعب جديد».

ثم تُدخل الكاتبة هذا التحول في سياق أوسع: القرن التاسع عشر هو زمن عرقنة الهوية الأوروبية. ففي مرحلة «تصبح الآرْيَنة الشكل الأساسي للهوية العرقية والتمثيل الذاتي في أوروبا»، تتشكل معاداة السامية الحديثة لا على أساس ديني، أي اليهودي بوصفه كافراً، وإنما على أساس عرقي-جغرافي: اليهود بوصفهم «ساميين» شرقيين، يتقاطعون، في المخيال الأوروبي، مع الفينيقيين والعرب وغيرهم من «الساميين». وهو ما يكرّسه خطاب مثل خطاب رينان الذي يقابل «الساميين» بـ«الهندوأوروبيين» بوصفهما فرديتين متقابلتين. وهنا يغدو «الشرق» قدراً، لا جغرافيا فحسب: إسناد لأصل متخيّل يحدد الطبيعة والمصير، ويستبدل معاداة اليهودية الدينية بمعاداة «السامي» العرقية.

وعلى هذا الأساس، تفهم الكاتبة الصهيونية حلاً يطمح إلى جعل اليهود مقبولين عبر تغريبهم: فإذا كانت أوروبا تنبذ اليهود لأنهم «شرقيون»، فإن الصهيونية تعد بإزالة هذه الصفة، عبر خلق يهودي جديد، حديث، منتج، «متحضّر»، مندمج في نموذج أبيض-غربي. وتضع الكاتبة هنا اقتباساً بالغ الصراحة يعبّر عن هذا الوعد: سيُنظر إلى الأرض «لا كمكان تُمارَس فيه المندوبية المقدسة انتظاراً للموت في بطالة مقززة، بل كجمهورية يظهر فيها الروح اليهودي في نظام جديد قائم على القديم، مُطهَّر ومُغنًى». وهذا ليس خطاباً دينياً، وإنما خطاب تحديث استعماري: تحويل «المتسول» إلى «مواطن»، عبر العمل والزراعة والسلطة.

وتكشف الكاتبة أن التغريب لا يقتصر على الجسد والعمل، وإنما يمتد إلى اللغة، بوصفها حامل الهوية. فالنهضة اللغوية العبرية تُقرأ هنا بوصفها مشروعاً «أورو-يهودياً»: فنحو العبرية الحديثة يُبنى على بنى اللغات الهندوأوروبية، لا على نحو العبرية الكتابية القريب من العربية، ويُراد للنطق أن يبتعد عن نطق يهود أوروبا الشرقية كما عن نطق العربية. وبهذا تصبح اللغة نفسها جهازاً للفصل الرمزي عن «السامي»، أي عن الشرق، أي عن العربي.

لكن الفصل يضعنا أمام تناقض خطير: كيف يمكن إقامة «غرب» في شرق مستعاد؟ وتلاحظ الكاتبة أن هرتسل وأمثاله لا يسألون عن إدارة هذا التناقض، لأنهم مسحورون بنماذج الاستيطان الأوروبي في أميركا وأستراليا. أي إن النموذج الضمني لحلّ التناقض هو نفسه: فالنجاح الاستيطاني هناك يعني أن النجاح هنا ممكن، بشرط أن يُعامل السكان الأصليون بالطريقة نفسها: إقصاء، واحتواء، أو محو.

وهنا تصل الكاتبة إلى لحظة مكثفة أخلاقياً عبر شهادة أحد المنخرطين في آلية المصادرة نفسها: حاييم مرغليوت-كالفارسكي، الذي اشترى الأراضي وأشرف على طرد السكان العرب، يعترف بثقل المهمة: «هذا العمل: طرد الناس من أرضهم… ليس أمراً سهلاً، خاصة حين لا يرى المطرودين كقطيع من الغنم، بل كأشخاص لهم قلب وروح». والمفارقة أن هذا الإدراك لم يمنعه من الاستمرار ربع قرن. وتكشف هذه الشهادة أن الاستعمار لا يحتاج إلى قسوة مطلقة، وإنما إلى تسويغ يجعل الفعل ممكناً رغم الوعي بإنسانية ضحيته.

ثم يضيف الفصل بُعد «الجسد المُقاتل»: الانتقال من «يهودي ضعيف» إلى «يهودي محارب». إذ يُعاد تأسيس الرجولة القومية عبر الطبيعة والعمل والقتال. وعلى الرغم من أن هرتسل ذكر الجيش عرضاً بوصفه «جيشاً محترفاً بأسلحة حديثة»، فإن العسكرة تبدأ عملياً مع الميليشيات: جابوتنسكي ينظم وحدات دفاع، ثم يقنع بريطانيا بكتائب يهودية لمقاتلة العثمانيين، وبعدها ينشئ مجموعات لمقاتلة العرب. وفي فلسطين العثمانية تُنشأ «هاشومير» في عام 1909. وهنا تتشكل النواة التي ستجعل إسرائيل لاحقاً «أمة مسلّحة»، إذ تتعايش «أرقى الحداثة الغربية تقنيةً مع إعادة تنشيط خيال كتابي حربي منتصر».

لكن جوهر الفصل يتجلى في خاتمته: الصهيونية نجحت في «نزع شرقية» اليهود الأوروبيين، لكنها لم تتخلّ عن الاستشراق، وإنما احتفظت به لتوجيهه نحو العرب والفلسطينيين. ولذلك يغدو شعار «أرض بلا شعب» استمراراً لمنطق استعماري عام: الأرض تُعدّ فارغة أو يسكنها «غير بشر كاملين». وتكشف الكاتبة ذلك بحدة عبر خطاب وايزمان إلى بلفور، إذ يصف العرب بأنهم لا يقدّسون إلا القوة والنجاح، ويطالب بـ«تدليلهم» خوفاً من «طعنة في الظهر»، ثم ينفي عملياً وجود «شعب عربي» قادر على إنتاج فلسطين عربية، لأن الفلاح «متأخر 4 قرون» والوجهاء «مخادعون». وهذا ليس رأياً فردياً، وإنما نموذج الاستشراق السياسي الذي يجعل السكان الأصليين غير مؤهلين لامتلاك وطنهم.

وفي المقابل، تظهر محاولة «بريت شالوم» لإقامة دولة ثنائية القومية بوصفها مأزقاً أخلاقياً داخل المشروع نفسه. ورسالة هانز كوهن، بعد أحداث عام 1929، تقرّ بوضوح أن ما جرى ثورة استعمارية، وأن اليهود لم يسعوا يوماً بجدية للحصول على «موافقة السكان الأصليين عبر التفاوض». وهنا يقترب بعض «الصهاينة الثقافيين» من تسمية الأشياء بأسمائها: فعنف المستعمِر ينتج مقاومة، لكن الاعتراف لا يكفي لإيقاف المنطق الاستيطاني.

هكذا يقدّم الفصل السادس الصهيونية بوصفها برنامجاً مزدوجاً: تغريب اليهود عبر الاستعمار، واستمرار الاستشراق لتبرير الاستعمار. يُعاد تشكيل اليهودي كي يصبح «غرباً»، ويُعاد تشكيل العربي كي يبقى «شرقاً» غير جدير. وبين العمليتين تُبنى دولة حديثة بسلاح متطور وخيال كتابي، إذ يغدو «نزع الشرقية» ليس تحريراً من العنصرية الأوروبية، وإنما إعادة تدوير لها في شكل استعماري جديد.

من اختراع الأيديولوجيا إلى تفكيك البداهة

لا يقدّم كتاب «الصهيونية، اختراع أوروبي» مجرد سرد تاريخي بديل، ولا يكتفي بإزاحة ستار الأسطورة عن مشروع سياسي معيّن، وإنما ينجز عملاً أعمق وأكثر إزعاجاً: تفكيك البداهة. فالخطر الحقيقي للصهيونية، كما تكشفه سونيا ديان-هيرزبْرون، لا يكمن في عنفها المادي أو نتائجها الاستعمارية وحدهما، وإنما في قدرتها على تقديم ذاتها بوصفها أمراً طبيعياً، وبديهياً، وأخلاقياً، عبر تراكب معقّد بين اللاهوت والقومية والعقلانية الحديثة.

الصهيونية نجحت في «نزع شرقية» اليهود الأوروبيين، لكنها لم تتخلّ عن الاستشراق، وإنما احتفظت به لتوجيهه نحو العرب والفلسطينيين

من خلال تتبّع نشأة الصهيونية داخل السياق الأوروبي، يبيّن الكتاب أن هذا المشروع لم يولد من داخل التاريخ اليهودي بقدر ما تشكّل عند تقاطع ثلاثة أنساق أوروبية كبرى: معاداة السامية المُعلمنة، والإمبريالية الاستعمارية، والقومية الحديثة. فالصهيونية، بهذا المعنى، لم تكن قطيعة مع أوروبا، وإنما مثلت ذروة من ذراها، وحلاً اقترحته الحداثة الأوروبية لمعضلاتها الخاصة، ثم نُفّذ خارجها، على أرض مأهولة، وبكلفة بشرية لم تكن جزءاً من الحساب الأخلاقي.

لقد كشف الكتاب، فصلاً بعد فصل، كيف سُيِّست الأسطورة: من تحويل المنفى اللاهوتي إلى سردية قومية، إلى إعادة كتابة التاريخ على أساس نصوص مقدسة أُعيد تعريفها بوصفها وثائق، إلى جعل الكتاب المقدّس «انتداباً أعلى» يتجاوز القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، كشف كيف عُلمن اللاهوت: فلم يعد الدين انتظاراً للخلاص، وإنما أصبح برنامجاً عملياً، تُنفَّذ وعوده بالدولة والجيش والاستيطان. وهنا لا يُلغى المقدّس، وإنما يُعاد تشغيله داخل جهاز الدولة الحديثة.

كما بيّن الكتاب أن الصهيونية لم تكن ردّاً وحيداً ولا حتمياً على معاداة السامية. فقد وُجدت بدائل واقعية: الاندماج، والأممية، والاشتراكية، والنضال الطبقي. غير أن الصهيونية انتصرت لأنها امتلكت ما لم تمتلكه هذه البدائل: تحالفاً بنيوياً مع القوة. فهي قدّمت نفسها للإمبراطوريات بوصفها حلاً اجتماعياً وأمنياً وجيوسياسياً؛ وقدّمت نفسها لليهود بوصفها خلاصاً؛ وقدّمت نفسها للعالم بوصفها استمراراً لمنطق التقدم الغربي.

وفي هذا السياق، لا يظهر إنكار الفلسطيني خطأً أخلاقياً عارضاً، وإنما يغدو شرطاً بنيوياً. فاليوتوبيا الاستعمارية لا تقوم إلا على الفراغ، ونزع الشرعية عن السكان الأصليين لا يأتي نتيجة، وإنما مقدّمة. ومن هنا، تتكامل عملية نزع «شرقية» اليهود مع تكريس «شرقية» العربي: فالأول يُعاد تشكيله ليصبح غربياً حديثاً، والثاني يُثبَّت في موقع المتخلّف، وغير العقلاني، وغير القابل للسيادة. وهذه الثنائية ليست انحرافاً عن الحداثة الأوروبية، وإنما استمراراً لها.

ما يقدّمه هذا الكتاب، إذن، لا يقتصر على نقد الصهيونية، وإنما يمتد إلى نقد آليات إنتاج الشرعية في العالم الحديث. فهو يُرينا كيف يمكن لأيديولوجيا ما أن تجمع بين العلمانية والدين، وبين العقل والأسطورة، وبين القانون والعنف، من دون أن ترى في ذلك تناقضاً، وكيف يتحوّل هذا الجمع ذاته إلى مصدر قوة. ومن هنا، فإن محاولة الفصل بين «صهيونية علمانية» و«صهيونية دينية» تظهر، في ضوء هذا التحليل، محاولة تبسيطية تخفي جوهر المشروع بدل أن تكشفه.

غير أن أهمية هذا الكتاب لا تقتصر على الخلاصات التي يصل إليها، وإنما تمتد إلى الأفق الذي يفتحه. فهو يدعونا إلى تجاوز السؤال التقليدي: هل الصهيونية شرعية أم غير شرعية؟ إلى سؤال أعمق: كيف تُصنَع الشرعية؟ ومن يملك سلطة تعريف التاريخ والهوية والمعنى؟ وبهذا المعنى، لا يعود النقاش حول فلسطين نقاشاً استثنائياً، وإنما يغدو مرآة تكشف منطقاً عالمياً ما يزال فاعلاً: منطق الاستعمار حين يتخفّى في لغة الخلاص، ومنطق العنف حين يُقدَّم بوصفه ضرورة عقلانية.

كما يفتح الكتاب أفقاً نقدياً يتجاوز الثنائية السائدة بين «نقد الصهيونية» و«معاداة السامية». إذ يُظهر أن الصهيونية نفسها استفادت من معاداة السامية، وأعادت تدويرها، واستخدمتها لإقناع أوروبا بجدوى مشروعها. ومن هنا، فإن تفكيك الصهيونية لا يعني الدفاع عن خطاب كراهية، وإنما يعني، على العكس، تفكيك أحد أشكالها المعاصرة الأكثر تعقيداً.

أما ما يمكن استخلاصه بعد هذه القراءة، فهو إعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والسيادة. فالكتاب يبيّن أن الدولة الحديثة، حين تُبنى على أسطورة مُسيَّسة، لا تنتج أمة متماسكة، وإنما تفرض هوية بالقوة، وتحتاج إلى عنف دائم لإعادة إنتاج ذاتها. وهذا يطرح سؤالاً مفتوحاً: هل يمكن تخيّل مستقبل سياسي خارج منطق الدولة القومية الاستيطانية؟ وهل يمكن استعادة السياسة بوصفها مجالاً للتعايش لا للإقصاء؟

في هذا المعنى، لا ينتهي الكتاب عند تشخيص الماضي، وإنما يضع القارئ أمام مسؤولية الحاضر. فالصهيونية، كما يبيّن هذا العمل، ليست صفحة أُغلقت، وإنما بنية ما تزال تشتغل، وتتكيّف، وتُعيد إنتاج خطابها. ومواجهتها لا تكون بالرفض وحده، وإنما بالفهم، ولا بالإدانة وحدها، وإنما بتفكيك اللغة التي تجعل العنف مقبولاً، والأسطورة سياسة، والسياسة قدراً.

بهذا، يمكن القول إن «الصهيونية، اختراع أوروبي» لا يقتصر على كونه كتاباً عن الصهيونية وحدها، وإنما هو أيضاً كتاب عن الحداثة حين تنقلب على ادعاءاتها الأخلاقية، وعن أوروبا حين تصدّر أزماتها تحت اسم الخلاص، وعن الأسطورة حين تُنزَع من مجال الرمزية لتُسلّح. وهو، في النهاية، دعوة إلى استعادة التاريخ من يد الأيديولوجيا، وإعادة السياسة إلى فضاء المساءلة، بدل تركها أسيرة يقين لا يُناقَش.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس