معاينة على طريق الحرب

الصورة: منصّة unspalsh/نائل جونسون. 

على طريق الحرب

ثمة مفارقة لافتة. بينما تتفاعل بورصات الأسهم حول العالم بقلق مع الهجوم على إيران، تشهد بورصة تل أبيب ازدهاراً. وثمة مفارقة أخرى: بينما يخشى ملايين الناس في المنطقة العملية العسكرية الأميركية-الإسرائيلية وتداعياتها، يعيش المجتمع الإسرائيلي حالة ابتهاج. وتشير أحدث الاستطلاعات إلى أن 93% من السكان اليهود يدعمون الحرب. يلتقط أحد الصحافيين في يديعوت أحرونوت هذا المزاج المفعم بالنشوة:

«بينما نتخلّص من الأخطبوط الإيراني الوحشي، أمشي في الشارع: المتاجر مفتوحة، وعمّال توصيل «وولت» يهرعون لإيصال السوشي والشاورما وكعكات الشوكولا الباهظة إلى المواطنين الإسرائيليين، والناس يركضون في الحديقة، وفي المنزل لديّ كهرباء ومياه ساخنة وإنترنت. استوديو البيلاتس مفتوح، وبورصة إسرائيل تحطّم الأرقام القياسية. وفي هذه اللحظة بالذات، فوق رأسي في السهول، تقلع طائرات مقاتلة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي في طلعة جوية جديدة… وتدمّر بدقّة مذهلة منزلاً آخر لضابط متوسط الرتبة في الحرس الثوري الإيراني…»

أهذه هي أخطر حرب منذ تأسيس دولة إسرائيل؟ هذا ما تبدو عليه لأن دولة إسرائيل معجزة لا يمكن تفسيرها.

 تقع إيران اليوم في مرمى النيران، لكن الرسالة موجّهة إلى جميع دول الشرق الأوسط: لا تجرؤوا على تحدّي مسعى إسرائيل إلى الهيمنة الإقليمية أو إلى التطهير العرقي لفلسطين

ويتابع ليشير إلى أن إسرائيل تدين بهذا الوضع إلى القيادة العظيمة لبنيامين نتنياهو، إلى جانب الصفات الاستثنائية لشعبها والمساندة الإلهية. وفي صحيفة إسرائيل هيوم، يقدّم صحافي بارز آخر مديحاً شوفينياً جديداً لـ رئيس الوزراء الإسرائيلي. وحتى منتقدو نتنياهو يقرّون بأنه يتمتّع بـ «الصبر والمكر والعزم والتركيز الذي لا يتزعزع» في تدميره المتدرج للعدو: حرب شاملة على حماس، ثم حزب الله، والآن إيران، إلى جانب كبح محاولات دونالد ترامب «الحمقاء» للتفاوض مع الملالي ووضع خطة سلام لغزة.

يبدو أن الاستراتيجية تقوم على حملات صدمة وترويع متتالية. تقع إيران اليوم في مرمى النيران، لكن الرسالة موجّهة إلى جميع دول الشرق الأوسط: لا تجرؤوا على تحدّي مسعى إسرائيل إلى الهيمنة الإقليمية أو إلى التطهير العرقي لفلسطين. إن تحقيق الهدف الأول يمنح إسرائيل الحصانة التي تحتاجها لتحقيق الهدف الثاني: تصحيح الخطأ الذي تحسّر عليه المؤرخ بيني موريس عندما انتقد دافيد بن غوريون لأنه لم يطرد جميع الفلسطينيين في عام 1948. وكما قال بتسلئيل سموتريتش لأعضاء الكنيست الفلسطينيين عام 2021: «أنتم هنا لأن بن غوريون لم يُنهِ المهمة». وفي نظر الحكومة، والنخبة السياسية عموماً، يبدو أن اللحظة قد حانت لإنهاء المهمة.

يمثّل ذلك قطيعة مع الاستراتيجية الصهيونية قبل قيام الدولة، ثم مع السياسة الإقليمية الإسرائيلية لاحقاً، التي اعتمدت عمليات سرّية مقرونة بدبلوماسية خفية. وغالباً ما يُطرح سؤال عمّا إذا كانت الحرب الحالية تهدف إلى تنفيذ ما يُعرف بـ «خطة ينون». عمل عوديد ينون مستشاراً لأرييل شارون، وشارك في عام 1982 في تأليف مقال عرض فيه استراتيجية تقوم على سياسة «فرّق تسد» في العالم العربي. رأى أن الطائفية تخدم إسرائيل جيداً وينبغي تشجيعها. جاء ذلك في وقت سعى فيه شارون إلى زرع الانقسام داخل صفوف المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك عبر تشجيع قوى إسلامية في غزة. وعندما فشل ذلك شنّ شارون هجوماً مباشراً على منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وهو هجوم تعرّض لانتقادات واسعة داخل إسرائيل بوصفه خطأً استراتيجياً. وقد توحي الأخبار الأخيرة بمحاولة تسهيل غزو بري كردي من العراق لدعم القصف الجوي لإيران بأن هذه التكتيكات ما تزال قائمة. لكن الأمر ليس كذلك. فقد بدت الاستراتيجية القديمة أقل دراماتية بكثير: فالتدخل السرّي في السياسات الداخلية لدول أخرى ليس سياسة يُتفاخر بها، كما أنه لا يقوم على جرّ المنطقة إلى حرب.

يبدو أن هذه لم تعد طريقة عمل دولة إسرائيل. ومن المفارقة أن أفضل إطار تفسيري هنا قد يكون ذاك الذي اعتاد المستشرقون تطبيقه على الجمهورية الإسلامية، وإن لم يكن دائماً بدقة: أي إن هذه قوة لا تتحرّك وفق مقاربة «غربية» عقلانية وإنسانية للسياسة، بل وفق أيديولوجيا متعصّبة. ويُصرّ الذين يحدّدون الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية على جذورها في تعاليم الصهيونية المسيحانية، ويرون الحرب الراهنة تحقيقاً لإرادة إلهية. وقد يبدو بنيامين نتنياهو أقلّ أيديولوجية من حلفائه وأكثر انشغالاً ببقائه السياسي، لكن لا شك في أنه يقبل تمجيده بوصفه عبقرياً استراتيجياً ورسولاً من الله. وبالنسبة إلى هذا المعسكر، ينبغي للمجتمع الإسرائيلي أن يصبح مجتمعاً أكثر ثيوقراطية بكثير. فهو لم يصبح بعد، كما يتحسّر بتسلئيل سموتريتش، «دولة الكهنة»، لكنه يسير نحو الخضوع لنسخة توراتية صارمة من الشريعة الهلاخية: «دولة إسرائيل، بلد الشعب اليهودي، ستعود، بإذن الله، إلى العمل كما كانت في أيام الملك داود والملك سليمان». وتخصّص الحكومة الإسرائيلية جزءاً كبيراً من تشريعاتها الداخلية لتحقيق هذا الهدف. وثمّة هدف ثانٍ: حسم المسألة الفلسطينية. تمثّل غزة النموذج. ويقول سموتريتش مجدّداً: «لا أنصاف حلول. رفح، دير البلح، النصيرات: تدمير كامل. امحُ ذكرى عماليق من تحت السماء. لا مكان لهم تحت السماء».

مرّة في كل جيل، ثمّة فرصة نادرة لتغيير التاريخ، وتغيير ميزان القوى في العالم وإعادة تشكيل المستقبل. وسنضطر قريباً إلى اتخاذ قرارات مصيرية ستقود إلى شرق أوسط جديد وأفضل

في تشرين الأول/أكتوبر 2024 قال سموتريتش إن «مرّة في كل جيل، ثمّة فرصة نادرة لتغيير التاريخ، وتغيير ميزان القوى في العالم وإعادة تشكيل المستقبل. وسنضطر قريباً إلى اتخاذ قرارات مصيرية ستقود إلى شرق أوسط جديد وأفضل». بالنسبة إلى معظم المعلّقين السياسيين الغربيين، تبدو التصريحات المسيحانية، إذا لم تصدر عن إسلاميين، بعيدة عن السياسة. لكن هذه ليست أقوالاً جوفاء. هذه رؤية للعالم باتت تهيمن اليوم على المؤسستين السياسية والعسكرية، وتوفّر الأساس لكثير من مظاهر الابتهاج الراهنة والتأييد غير المشروط في وسائل الإعلام. كما تحظى الحرب على إيران بدعم أصحاب المقاربة الأكثر علمانية، والمفترض أنها أكثر عقلانية، للسياسة في الموساد والأوساط الأكاديمية، وكذلك من السياسيين الوحيدين الذين قد يتمكنون من هزيمة نتنياهو في انتخابات تشرين الأول/أكتوبر، أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت. ويستند التبرير إلى أن إسرائيل اضطرت إلى التحرّك لأنها كانت تواجه تهديداً وجودياً، وهو ادعاء لا يقل معقولية عن مبرّرات كولن باول أمام الأمم المتّحدة لغزو العراق. والأكثر عبثاً هو الزعم بأن دولة تنتهك بصورة منهجية حقوق الفلسطينيين تخوض حرباً باسم حقوق الإنسان.

من منظور اقتصادي، وعلى الرغم من الانتعاش الذي تشهده بورصة إسرائيل، يظلّ مسار الدولة الإسرائيلية موضع شك كبير. تكلّف هذه الحرب مبالغ طائلة: نحو 2 مليار شيكل يومياً من الإنفاق المباشر، وما بين 5 و6 مليارات شيكل بصورة غير مباشرة، كما تتطلّب استمرار مساعدات مالية أميركية كبيرة. وتقوم حسابات الحكومة على تعويض هذه الكلفة عبر عوائد اقتصادية محتملة: أرباح متصاعدة من مبيعات الأسلحة، بعدما بدأت تعرض عملياً أسلحتها المتقدمة في ساحات القتال، فضلاً عن احتمال الاستفادة من احتياطات النفط الإيرانية وإمكانية الوصول بصورة أوسع إلى احتياطات دول الخليج مع اقتناعها المتزايد بأنها تحتاج إلى حمايتها. ومع ذلك، لا يوجد ما يضمن أن هذه العوائد ستعوّض الضغط المالي الناتج من الحرب. وينطبق الأمر نفسه على الأموال التي تُنفق على المستوطنات وعلى الترويج لليهودية المسيحانية على حساب الرعاية الصحية وسائر الأولويات الاجتماعية.

ثمة أسباب إضافية تجعل من الصعب على إسرائيل مواصلة هذه الاستراتيجية على المدى الطويل. فقد توقّفت حملات مشابهة في الماضي فور مواجهتها صعوبات. ويمكن أن يغيّر ميزان القوى عدداً من العوامل: سقوط ضحايا أميركيين، وضغوط دول أخرى في المنطقة، والرأي العام في الولايات المتّحدة، واحتمال صمود النظام الإيراني، واستمرار المقاومة الفلسطينية. كما أن غزو لبنان، استناداً إلى التجارب السابقة، لن يعود بالنفع على أحد. ويتوقف الكثير أيضاً على الائتلاف العالمي الذي يدعم هذه الحروب: صناعة السلاح، والشركات المتعدّدة الجنسيات، وقادة الدول القوية ذوو النزعات العظمى، واللوبيات الصهيونية المسيحية واليهودية، والحكومات المتردّدة في الشمال العالمي، فضلاً عن الأنظمة العربية الفاسدة في الشرق الأوسط. أما المؤكد فهو أن إسرائيل ستُلحق، قبل أن تنتهي هذه الكارثة، قدراً هائلاً من المعاناة بالإيرانيين واللبنانيين والفلسطينيين.

نُشِر هذا المقال في NewLeftReview - Sidecar في 10 آذار/مارس 2026، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموافقة الجهة الناشرة.