كيف تأثّرت اقتصادات بلاد الشام بالحرب؟
تؤدي الحرب الأميركية-الإسرائيلية إلى تدهور ملحوظ في اقتصادات منطقة بلاد الشام، التي تضم لبنان وسوريا وفلسطين والأردن والعراق. ويُقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الخسائر خلال 4 أسابيع فقط من هذه الحرب قد تصل إلى نحو 28.9 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لهذه البلدان. وتعود هذه الخسائر إلى عوامل عدّة، من أبرزها تضرر البنية التحتية، وإغلاق الأجواء على الطائرات المدنية، ونزوح القوى العاملة، إضافة إلى انخفاض التحويلات الخارجية والمساعدات الإنسانية. كما يسهم الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز وما يرافقه من زيادة في أسعار السلع، في تفاقم الأوضاع الاقتصادية.
قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتحليل الانعكاسات السلبية على مؤشرات الاقتصاد الكلي، أي الناتج المحلي الإجمالي ومعدل البطالة ومعدل الفقر. وتوصّل الى تقدير خسائر اقتصادات بلاد الشام بما بين 5.2% إلى 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما بين 17.3 مليار إلى 28.9 مليار دولار أميركي، ويتجاوز هذا الرقم كل ما أنتجه لبنان من سلع وخدمات في عام 2024، بحسب أرقام صندوق النقد الدولي.
أدّى الانكماش الاقتصادي، إلى جانب موجات النزوح في لبنان وسوريا والعراق، إلى فقدان عدد كبير من السكان لوظائفهم. ويقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خسارة نحو 320 ألف وظيفة خلال 28 يوماً من الحرب، مع ارتفاع معدلات البطالة بنسب تتراوح بين 2.3 و2.7 نقطة مئوية إضافية.
ومن المتوقع أن يتسع نطاق الفقر مع تراجع نصيب الفرد من الدخل وارتفاع معدلات البطالة، إذ يقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ان تجرف الحرب ما بين 2.85 و3.29 مليون شخص إضافي إلى ما دون خط الفقر الوطني في هذه البلدان، أي ممن لا يستطيعون تحمّل كلفة الحد الأدنى من سلة الاستهلاك. وبذلك يرتفع معدل الفقر بنحو 4.45 إلى 5.15 نقطة مئوية إضافية.
تظهر آثار الحرب على الاقتصاد عبر ثلاثة مسارات رئيسة: الأضرار المباشرة الناتجة عن العمليات العسكرية، وتعطل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، إضافة إلى تراجع التحويلات المالية القادمة من بلدان مجلس التعاون الخليجي.
1. الأضرار المباشرة للعمليات العسكرية
تمثل التداعيات المباشرة للضربات العسكرية القناة الأساسية لتأثير الحرب على اقتصادات بلاد الشام، حيث تشمل هذه التداعيات تضرر البنية التحتية المدنية، وازدياد موجات النزوح، إضافة إلى إغلاق المجال الجوي.
يُعدّ لبنان الأكثر تضرراً من الاستهدافات العسكرية في المنطقة، حيث تؤدي الغارات الجوية المتواصلة إلى دمار واسع يشمل المناطق السكنية وشبكات النقل والمرافق الصحية والمدارس، والجسور والطرقات التي تصل جنوب الليطاني بباقي البلاد، الأمر الذي يزيد من الضغط على أنظمة الخدمات العامة التي تعاني أساساً من ضعف وهشاشة.
وعلى الرغم من صعوبة توثيق الحجم الكامل للأضرار مع استمرار العمليات العسكرية، يشير الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تقديرات أولية تفيد بتدمير نحو 4,500 وحدة سكنية في الجنوب و1,600 وحدة في الضاحية الجنوبية لبيروت بشكل كامل، إلى جانب تسجيل أضرار متفاوتة في نحو 12 ألف وحدة أخرى.
وتبيّن أن أكثر من 22% من الأراضي الزراعية في لبنان تضررت في الحرب حتى 27 آذار/مارس، وفق ما أظهره استبيان لوزارة الزراعة، شارك فيه أكثر من 15 ألف مزارع. وأسفرت أوامر التهجير الإسرائيلية لمناطق واسعة في محافظتي النبطية والجنوب عن نزوح 76.6% من المزارعين.
في العراق، تم الإبلاغ عن غارات جوية وهجمات بطائرات مسيّرة في ما لا يقل عن 14 محافظة في العراق. وعلى الرغم من أن هذه الضربات استهدفت في الغالب أهدافاً عسكرية، إلا أنها شملت فنادق في بغداد وأربيل، ومنشآت نفطية في محافظات البصرة ودهوك وأربيل. وفي بعض الحوادث المنفردة، تسبّب سقوط حطام ناتج عن اعتراض الهجمات بأضرار للممتلكات المدنية.
أدّت الحرب إلى تدهور كبير في قطاع النقل الجوي في بلدان منطقة بلاد الشام، نتيجة العمليات العسكرية القريبة من المطارات، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بسلامة الطائرات أثناء التحليق من الصواريخ الباليستية والصواريخ الاعتراضية.
منذ اندلاع الحرب، تراجع عدد الرحلات اليومية في مطار بيروت، وهو المطار الوحيد في لبنان، من 68 رحلة قبل الحرب إلى 22 رحلة في 13 آذار/مارس 2026، ما يمثل انخفاضاً يقارب 65%، ما يعكس تأثيراً سلبياً على حركة السفر والشحن الجوي في البلاد.
في العراق، فُرضت إغلاقات واسعة للمجال الجوي في خلال فترات التصعيد، ما تسبب بتوقف 600 إلى 700 رحلة جوية يومياً، وهو ما أسفر عن خسائر يومية تُقدّر بنحو مليونين ونصف المليون دولار، فضلاً عن تأخير وصول البضائع عالية القيمة ومواد إعادة الإعمار، وزيادة تكاليف اللوجستيات.
في أواخر آذار/مارس 2026، سجل مطار الملكة علياء الدولي في الأردن 130 حركة طيران بين هبوط وإقلاع، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 40% مقارنةً بـ 220 رحلة كانت تُسجَّل قبل 27 شباط/فبراير 2026. ويُسهم هذا التراجع في عدد الرحلات الجوية في تقليص النشاط السياحي في الأردن، وهو قطاع يعتمد عليه اقتصاد البلاد بشكل كبير.
في سوريا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الممرات الجوية الدولية في تنفيذ العمليات الإنسانية، أدت القيود المفروضة على حركة الطيران إلى تفاقم الضغوط على سلاسل إمداد المساعدات، التي تعاني أصلاً من الهشاشة.
بينما أدى النزوح في المنطقة، نتيجة الاستهدافات وأوامر الإخلاء، إلى فقدان جزء من القوى العاملة وتراجع الأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى تركز الطلب على الخدمات العامة في مناطق محددة.
يعد لبنان حالة النزوح الأكبر في منطقة بلاد الشام في ظل الحرب الحالية، تشير البيانات الحكومية إلى وجود أكثر من مليون نازح داخلي في لبنان، يشكّلون 1 من كل 6 من السكان، ويأتي أغلبهم من الجنوب وبعلبك- الهرمل والضاحية الجنوبية لبيروت إلى جانب عبور نحو 29 ألف لبناني إلى سوريا، وعودة حوالي 179 ألف سوري إلى بلادهم.
في العراق، لا يزال النزوح المرتبط بالحرب الحالية محدوداً، حيث نزحت نحو 90 أسرة داخلياً داخل محافظة السليمانية. وفي كل من بغداد وأربيل، غادر عدد محدود من السكان المناطق المتضررة من الصواريخ أو الطائرات المسيّرة للإقامة مع أقاربهم. كما يواصل سكان منطقة السكاك التابعة في محافظة الأنبار إخلاء منازلهم خلال الليل.
2. أضرار اقتصادية بسبب إغلاق مضيق هرمز
تعرّضت اقتصادات منطقة بلاد الشام لضرر كبير نتيجة انقطاع إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز وارتفاع أسعارها عالمياً، ولا سيما تدفقات النفط، ما أثر على البلدان المستوردة للطاقة وكذلك على البلد الوحيد المصدّرة لها، وهو العراق.
يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على صادرات النفط، التي تشكّل نحو 88% من إيرادات الحكومة. إذ يصدّر العراق ما يقارب 3.4 مليون برميل من النفط الخام يومياً، ويحقق منها نحو 6 مليارات دولار شهرياً، إلا أنه أصبح يصدّر بعد الحرب حوالي 800 ألف برميل يومياً إضافة إلى مشتقات نفطية، مما أثر على اقتصاده سلباً بشكل كبير.
في المقابل، تضررت باقي بلدان الشام من الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز، كونها تعتمد على استيراد هذه المواد من الخارج، مما أدى إلى استنزاف أكبر من احتياطاتها من العملات الأجنبية. ووفقاً لمنظمة التجارة العالمية، بلغت واردات لبنان من الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها نحو 4.46 مليار دولار في 2024، أي ما يعادل 26% من إجمالي وارداته، بينما تصل في الأردن إلى نحو 2.9 مليار دولار، أي 11.15% من إجمالي الواردات.
أدّى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الأعباء على المستهلكين، سواء من خلال ارتفاع تكاليف توليد الطاقة المستخدمة في الإنتاج أو تكاليف النقل، إلا أن أبرز مظاهره تمثّل في ارتفاع أسعار وقود السيارات، الذي يلاحظه المستهلكون بشكل شبه يومي.
في لبنان، ارتفع سعر صفيحة البنزين أوكتان 95 بنسبة 68%، حيث صعد من 1,424,000 ليرة لبنانية في 13 شباط/فبراير 2026 إلى 2,397,000 ليرة لبنانية في 2 نيسان/أبريل 2026. ساهم في ذلك قرار الحكومة اللبنانية برفع سعر الصفيحة بمقدار 300 ألف ليرة في منتصف شباط، واستمرار هذا القرار رغم تداعيات الحرب الحالية. بينما ارتفع سعر أسطوانة الغاز بنسبة 34% في نفس الفترة من 1,371,000 ليرة لبنانية إلى 1,842,000 ليرة لبنانية.
في الأردن، قامت لجنة تسعير المشتقات النفطية برفع أسعار بيع المشتقات لشهر نيسان/أبريل 2026، نتيجة الارتفاع العالمي في أسعار النفط في ظل الحرب الحالية. وشمل ذلك زيادة سعر بنزين أوكتان 95 بنسبة 15% من 1050 فلساً للتر إلى 1200 فلساً للتر. وأوضحت اللجنة أن الحكومة لم تمرّر كامل الارتفاعات إلى الأسعار المحلية، إذ عكست نحو 55% فقط من الزيادة الفعلية على مادة البنزين 95، فيما تحمّلت الحكومة خلال الشهر الأول من الأزمة الإقليمية تكاليف مباشرة للطاقة والكهرباء قُدّرت بنحو 150 مليون دينار. وقامت اللجنة بتثبيت سعر أسطوانة الغاز المنزلي (12.5 كغم) عند 7 دنانير و هو سعرها السابق من دون أي تغيير، ودعمها بمقدار 2.4 ديناراً لكل اسطوانة لشهر أبريل/نيسان رغم الارتفاع العالمي لأسعار الغاز البترولي المسال، ما أثقل على ميزانية الحكومة الأردنية.
بينما أعلنت الهيئة العامة للبترول في وزارة المالية الفلسطينية عن رفع أسعار المحروقات، فقد ارتفع سعر ليتر البنزين 95 أوكتان من 6.85 شيكل لليتر في شهر آذار/مارس 2026 إلى 7.9 شيكل لليتر في شهر نيسان/أبريل 2026. أما أسطوانة الغاز 12 كيلوغرام فقد ارتفع سعرها بنسبة 26% من 75 شيكل إلى 95 شيكل.
3. تأثر الحوالات من الخليج
تعتمد بلدان الشام بشكل كبير على تحويلات العاملين في الخارج لدعم اقتصاداتها ومساندة الأسر. ووفق تقديرات البنك الدولي، تمثل هذه التحويلات نحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان، وحوالي 8–9% في الأردن.
وتُعد دول مجلس التعاون الخليجي المصدر الرئيسي لهذه التحويلات، إلا أن دخول بعض دول الخليج في أجواء من التوتر والصراعات قد يهدد استقرار فرص العمل للعمال المهاجرين، ما قد يؤدي إلى تراجع تدفقات التحويلات، وزيادة الضغوط على الاستهلاك، وأسعار صرف العملات، وارتفاع معدلات الفقر.
وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شكّلت التحويلات القادمة من دول الخليج نحو 48% من إجمالي التحويلات إلى لبنان في عام 2021. وفي الأردن، تُظهر البيانات الحكومية أن الإمارات العربية المتحدة تساهم بنسبة 21.8% من إجمالي التحويلات المالية، تليها السعودية بنسبة 18.6%، ثم قطر بنسبة 9.6% في 2025.