الصورة: Wikimedia
إسرائيل تجوّع غزة مجدّداً وهي تقصف إيران ولبنان
تفاقم وضع الغذاء في غزة بشكل كبير بعد بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. يوثّق تقرير «مرصد السوق الفلسطيني» الصادر عن برنامج الأغذية العالمي كيف شهد النظام الغذائي في غزة تحسناً جزئياً خلال فترة وقف إطلاق النار، لكن هذا التحسن لم يكن كافياً لاستعادة سلاسل إمداد مستقرة، أو إعادة بناء الإنتاج المحلي، أو منح الأسر هامشاً يمكّنها من امتصاص صدمة جديدة. وعندما قطعت إسرائيل تدفق السلع التجارية والمساعدات الإنسانية إلى القطاع مع بداية حربها على إيران في آذار/مارس، متذرّعةً بأسباب أمنيّة غير مبرّرة، انهار هذا النظام الغذائي الهش فوراً، وقفزت الأسعار، وواجه تجار التجزئة صعوبات في إعادة التزوّد، وأصبح من الأصعب على الأسر شراء الغذاء، وتدهور النظام الغذائي من جديد.
1. لم يُعِد وقف إطلاق النار الأمن الغذائي
لم تعد تغذية سكان غزة إلى مستويات ما قبل الإبادة. ما جرى كان تعافياً جزئياً وهشاً ظل يعتمد على تدفق ثابت للشاحنات من خارج القطاع.
خلال فترة وقف إطلاق النار، بلغ المتوسط اليومي لإجمالي الشاحنات الداخلة إلى غزة 258 شاحنة، وهو مستوى أدنى بكثير من مستوى ما قبل الإبادة البالغ 500 شاحنة يومياً، وأدنى أيضاً من 600 شاحنة يومياً التي نصّت عليها شروط وقف إطلاق النار.
بلغ متوسط دخول الشاحنات التجارية 133 شاحنة يومياً في شباط/فبراير 2026، ارتفاعاً من 118 شاحنة في كانون الثاني/يناير 2026، لكن ذلك لم يكن كافياً لإعادة الاستقرار إلى السوق.
كان الوصول إلى الغذاء الطازج هشاً، فالطلب الشهري الطبيعي في غزة على الفواكه والخضروات والبطاطا يبلغ نحو 30 ألف طن. لم تكن تغطي تدفقات هذه السلع قبل وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، سوى 10% إلى 15% من الحاجات المقدّرة.
بعد وقف إطلاق النار، تحسّنت تدفقات المنتجات الطازجة، لكنها بقيت أقل من الحاجات الفعلية بنحو 50%. حسّن إطلاق النار التنوّع الغذائي جزئياً، لكنه لم يعالج فجوة الإمداد. كانت الأسر تتناول طيفاً أوسع قليلاً من الأطعمة مقارنة بما قبل، لكن الناس ظلوا يحصلون على غذاء أقل بكثير مما يحتاجون إليه.
حتى قبل الحرب على إيران، لم يكن الاستهلاك قد عاد إلى مستويات ما قبل الإبادة. فقد تعافى استهلاك الألبان إلى 3 أيام في الأسبوع، مقارنة بأربع أيام قبل الإبادة. ولم تكن الخضروات تُستهلك سوى 2.5 يوم في الأسبوع، مقارنةً بستّة أيام قبل الإبادة. أما الأغذية البروتينية، مثل اللحوم والدواجن والبيض، فلم تكن تُستهلك إلا 1.5 يوم في الأسبوع، مقارنة بثلاثة أيام قبل الإبادة. أنتج وقف إطلاق النار تحسناً محدوداً في استهلاك الغذاء، وكان من السهل جداً أن يُعكس هذا التحسن بسرعة.
2. قطعت إسرائيل تدفق السلع والمساعدات الإنسانية خلال الحرب
جاء التراجع الفوري في الوصول إلى الغذاء نتيجة الخفض الحاد الذي فرضته إسرائيل على دخول الشاحنات إلى غزة بعد بدء حربها على إيران.
بدأ الأسبوع الأول من آذار/مارس بحالة من الذعر وارتفاعات ملحوظة في الأسعار بعد الإعلان الإسرائيلي عن إغلاق المعابر التجارية مع بداية الحرب على إيران. وكان وصول غزة إلى المعابر محدوداً جداً منذ 28 شباط/فبراير، مع إغلاق كامل استمر 3 أيام في بداية الحرب، لم يُسمح خلالها بدخول أي شاحنة على الإطلاق. استؤنف دخول الشاحنات في 3 آذار/مارس، لكن بأعداد محدودة جداً.
انخفض متوسط دخول الشاحنات التجارية من 133 شاحنة يومياً في شباط/فبراير إلى 25 شاحنة فقط يومياً في آذار/مارس، حتى 11 آذار/مارس.
كما انخفض إجمالي دخول الشاحنات الإنسانية والتجارية من 230 شاحنة يومياً في شباط/فبراير إلى 63 شاحنة فقط يومياً في آذار/مارس. يمثّل ذلك انكماشاً حاداً في القناة الرئيسية التي تُدخل الغذاء إلى السوق في منطقة تعتمد على الغذاء المستورد كي تبقى الأسواق فيها تعمل.
تحمل الشاحنات التجارية تنوعاً من السلع الغذائية لا تستطيع المساعدات الإنسانية وحدها توفيره، كما تساعد في خفض الأسعار. عندما قُطع هذا التدفق، ضاق تنوّع الأنظمة الغذائية وارتفعت الأسعار بشكل هائل، خصوصاً أسعار الأغذية القابلة للتلف.
3. لم يبق في غزة أي احتياطي إنتاج أو مخزون
كان لهذه الصدمة هذا القدر من التدمير السريع لأن النظام الغذائي في غزة لم يعد يملك تقريباً أي قدرة استيعابية للصدمات. فقد دمّرت إسرائيل خلال الإبادة الإنتاج الغذائي المحلي. تضرّر نحو 87% من الأراضي الزراعية، وأُصيب أكثر من 85% من المنشآت الزراعية والآبار، كما دُمّر قطاع تربية المواشي. أصبحت غزة تعتمد على الاستيراد بشكلٍ كامل، بحيث إن أي انقطاع قصير في الواردات يعطل سوق الغذاء فيها فوراً.
أما السوق نفسه، فلم يعد يملك قدرة تُذكر على التخزين. إذ قال 67% من المتاجر إنها تحتفظ بأقل من 40% من قدرتها التخزينية الطبيعية. وأفاد نحو 70% من تجار التجزئة بأن مستويات مخزونهم الغذائي كانت دون المعدل الطبيعي، وقال 57% إنهم يواجهون نقصاً في المورّدين، وذكر 52% أن كلفة إعادة التزوّد مرتفعة إلى درجة تمنعهم من ذلك، وأفاد 54% بوجود نقص في السيولة يحدّ من قدرتهم على تجديد المخزون. كما أشار 35% إلى ضعف البنية التحتية الخاصة بالتبريد والعزل، وهو ما يقلّص مدة صلاحية السلع القابلة للتلف ويضيّق أكثر ما يمكن أن توفّره الأسواق.
تستطيع السوق العاملة أن تمتص انقطاعات قصيرة عبر المخزونات وسعات التخزين وشبكات المورّدين. أما سوق غزة فقد فقد هذه الوسائد. ومع تدمير الزراعة المحلية، أصبح الأمن الغذائي يعتمد بالكامل تقريباً على سوق هش أُغلق عملياً.
4. انتقلت الصدمة بسرعة من العرض إلى الأسعار فالأسر
ما إن تراجع دخول الشاحنات إلى غزّة حتى ظهرت أولى علامات الضغط في الأسعار، وخصوصاً أسعار الأغذية الطازجة. شهدت الخضروات الارتفاعات الأكثر في الأسعار. ففي الأسبوع الثاني من آذار/مارس، بلغ سعر البندورة 11 دولاراً للكيلوغرام، والبطاطا والبصل 6.3 دولارات للكيلوغرام، وقفز سعر الطحين من 12.6 دولاراً إلى 41 دولاراً للكيس زنة 25 كيلوغراماً، قبل أن يتراجع إلى ما بين 15.8 و19 دولاراً. إذا ما قورنت هذه الأسعار بما قبل الإبادة في أيلول/سبتمبر 2023، فإن أسعار المنتجات الطازجة ارتفعت بشكل هائل، الخيار بنسبة 493%، والبطاطا 380%، والبصل 338%، والبندورة 289%.
أعاقت صدمة الأسعار فوراً قدرة الأسر على شراء الغذاء. فمن بين الأسر التي شملها المسح، واجه 63% صعوبات في الوصول إلى الأسواق خلال الأسبوعين الأولين من آذار/مارس. ومن بين هؤلاء، ذكر 93% نقص السيولة النقدية، وقال 50% إنهم لم يعودوا قادرين على تحمل كلفة المواد الغذائية الأساسية على الرغم من بعض التراجع في الأسعار منذ وقف إطلاق النار. وقال 28% فقط من الأسر إن وصولها إلى الغذاء قد تحسن في آذار/مارس، انخفاضاً من 49% في شباط/فبراير. حتى عندما يكون الغذاء موجوداً مادياً في بعض الأسواق، فإن ارتفاع الأسعار وهشاشة الأسر الغزّاويّة يخلقان أزمة فعلية في الوصول إلى الغذاء.
أفادت الأسر بأنها كانت تتناول ما يقرب من وجبتين يومياً في المتوسط في آذار/مارس، وهو أفضل من الوجبة الواحدة يومياً التي سُجلت في تموز/يوليو 2025. لكن الحرمان بقي شديداً، إذ إن 25% من الأسر كانت لا تزال تستهلك وجبة واحدة يومياً فقط. ومن بين من شملهم المسح، ذهب 36% إلى النوم جائعين مرة واحدة على الأقل خلال الشهر السابق، وقال 43% إن الطعام نفد من منازلهم بالكامل، وأفاد نحو 3% بأنهم مرّوا بيوم كامل من دون تناول أي وجبة مرة واحدة على الأقل.
كما أصبح وقود الطهي جزءاً من أزمة الغذاء، إذ لم تدخل أي شاحنات غاز للطهي إلى غزة لمدة 10 أيام متتالية بين أواخر شباط/فبراير وأوائل آذار/مارس. ارتفعت أسعار غاز الطهي في السوق السوداء إلى ما بين 25 و41 دولاراً للكيلوغرام، وأفاد 48% من السكان بأنهم اعتمدوا على حرق النفايات كبديل في آذار/مارس. ويُعد حرق النفايات ممارسة شديدة السمية، تهدد من يطبخ الطعام ومن يأكله على حد سواء. وإذا ما قورنت الأسعار بما قبل الإبادة، فإن أسعار الغاز ارتفعت بنسبة 1,595%. فالحصول على غذاء كافٍ ومتنوع لا يكفي حين تعجز الأسر عن طهيه بأمان.
تفاقم وضع الغذاء في غزة بشكل كبير بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لأن إسرائيل أعاقت تعافي النظام الغذائي في القطاع خلال فترة وقف إطلاق النار، وأبقته شديد الاعتماد على شاحنات الغذاء التي تستطيع تعطيلها متى شاءت. هذا النقص المفتعل، إذا ترافق مع تضخم عالمي في أسعار الغذاء والغاز، يهدد بدفع غزة إلى مجاعة جديدة قبل أن تكون قد تعافت من المجاعة السابقة.