Unsplash/Siarhei Palishchuk
ما الذي يلزم للوصول إلى سيناريو «الاضطراب الشديد»؟
يمرّ نحو 20% من إنتاج النفط العالمي في الظروف العادية عبر مضيق هرمز. غير أنّ هذا التدفّق انقطع، باستثناء النفط الإيراني وبعض السفن المحدودة التي تسمح إيران بعبورها، ما أدّى إلى ارتفاع حادّ في أسعار العقود الآجلة للنفط.
لكن هذا الارتفاع في الأسعار اتّخذ طابعاً مضاربياً، إذ دفعته توقّعات مبرّرة بنقصٍ مستقبلي، لا نقص فعلي في النفط حالياً. لم تتراجع حتى الآن الشحنات إلى الأسواق حول العالم، لأن نقل النفط من الخليج إلى الأسواق الرئيسة يستغرق بين 4 و6 أسابيع. لذلك، كان جزء كبير من النفط موجوداً أصلاً في عرض البحر خارج المضيق عند اندلاع الحرب.
توشك فترة السماح هذه أن تنتهي. وأزمة النفط على وشك أن تدخل حيّزها المادي. تُظهر الخريطة في الأعلى تقديرات جي بي مورغان لموعد توقّف وصول ناقلات النفط من الخليج إلى وجهات مختلفة. ستتوقف الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية هذا الأسبوع، وإلى أوروبا الأسبوع المقبل.
ومع انتقال الأزمة إلى حيّزها المادي، ينتفي مجال التأثير اللفظي في الأسواق. فمنذ بداية الحرب، تمكّن دونالد ترامب في مناسبات عدة من دفع الأسعار إلى الانخفاض عبر الإيحاء بأن مفاوضات جدّية جارية مع «أصدقائه غير المرئيين» في النظام الإيراني، غير أنّ هذا الأسلوب لن يجدي عند نفاد الإمدادات. وعليه، سترتفع الأسعار إلى مستوى يخفض الطلب بالقدر الكافي ليتوافق مع العرض المتاح.
ملاحظة: تشتري الولايات المتّحدة كميات قليلة من النفط من الخليج، لكن من المتوقّع أن ترتفع أسعار النفط داخلها استجابةً لنقص الإمدادات عالمياً.
فإلى أي مستوى قد تصل الأسعار؟ سبق أن تناولت هذا السؤال، لكن من المفيد تحديث التحليل مع إبراز حجم عدم اليقين والمخاطر الحقيقية لارتفاعات حادّة جداً.
ثمّة مصدران رئيسان لعدم اليقين. أوّلهما أنّنا لا نعرف كم من النفط سيتمكّن من الخروج من الخليج. حالياً يتقلّص عرض النفط بشدّة، لكن ليس بمقدار 20 مليون برميل يومياً التي كانت تمرّ عبر مضيق هرمز. تمتلك السعودية خط أنابيب يتيح لها نقل جزء من نفطها إلى البحر الأحمر، ولدى عُمان خط يلتفّ حول المضيق. كما تسمح إيران بمرور ملايين البراميل من نفطها. ويعتمد استمرار هذه «التسرّبات» على مسار الحرب.
ثانياً، إلى أي مدى يجب أن ترتفع الأسعار لكبح مقدار معيّن من الطلب؟ نعلم من صدمات النفط السابقة أنّ مرونة الطلب السعرية على النفط الخام منخفضة، أي إنّ حتى الارتفاعات الكبيرة في الأسعار لا تؤدّي إلا إلى تراجع محدود في الطلب. لكن في الأزمة الحالية، تكمن المسألة في مدى انخفاض هذه المرونة فعلاً، وهو رقم يستحيل تقديره بدقّة.
فما هو النطاق المعقول لهذه الاحتمالات؟ اعتمدتُ ثلاثة سيناريوهات لتعطّل إمدادات النفط: سيناريو تعطّل منخفض يتراجع فيه العرض «فقط» بنسبة 8% عن مستوياته الطبيعية، وسيناريو متوسط ينخفض فيه العرض 12%، وسيناريو تعطّل مرتفع يتراجع فيه 16%. كما اعتمدتُ ثلاثة افتراضات لمرونة الطلب السعرية على النفط: مرتفعة عند 0.2، ومتوسطة عند 0.15، ومنخفضة عند 0.1.
وأفترض أنّ سعر خام برنت كان سيبلغ 65 دولاراً للبرميل في غياب هذه الحرب. وعلى هذا الأساس، أحصل على المصفوفة التالية:
ينبغي أن يعلم القرّاء أنّ روبن بروكس أجرى تحليلاً مشابهاً من حيث الفكرة. غير أنّ أرقامي أكثر إثارة للقلق، وأعتقد أنّ القلق في محلّه.
وبهذه الطريقة في عرض التحليل، قد أوحي بأنّ من المنطقي افتراض نتيجة متوسطة. وهذا افتراض غير آمن على الإطلاق.
في نهاية المطاف، ما الذي يلزم للوصول إلى سيناريو «الاضطراب الشديد»؟ قد يحدث ذلك إذا توقّفت صادرات النفط الإيرانية، مثلاً نتيجة هجوم أميركي على جزيرة خرج، وإذا تعطّلت الإمدادات عبر خطوط الأنابيب بفعل ردّ إيراني يستهدف منشآت نفطية أخرى في الخليج، إلى جانب هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر. هذا ليس احتمالاً مستبعداً، بل هو ما يُرجَّح حدوثه إذا مضت إدارة ترامب في تنفيذ ما يبدو أنّه خططها الحربية الحالية.
وإذا وصل سعر النفط فعلاً إلى 200 دولار أو أكثر، يصبح من السهل تصوّر أزمة اقتصادية عالمية شاملة، مع موجة تضخمية حادّة واحتمال كبير لدخول الاقتصاد في ركود.
ومنذ اندلاع هذه الحرب، يظهر انقسام حادّ في تقديرات الخبراء. يبدي خبراء المال والاقتصاد الكلي قدراً نسبياً من الاطمئنان إلى القدرة على تجاوز هذه الأزمة. لكن خبراء الطاقة، الذين يركّزون على الجانب المادي لأزمة النفط، يتعاملون معها بوصفها حالة طارئة للغاية.
أنا في الأساس متخصص في الاقتصاد الكلي، لكن قلقي بدأ يتصاعد فعلاً.
نُشِر هذا المقال في 31 آذار/مارس 2026 على مدوّنة بول كروغمان على منصة Substack، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر».