الصورة: Phenomenal World
وهم فنزويلا: حدود «إدارة النظام» في إيران
للوهلة الأولى، يبدو المنطق الاستراتيجي للعدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران محيّر وغامض. ففي حين أطّر الرئيس ترامب هذه الحملة ضمن الخطاب المعهود عن التحرير الديمقراطي، متوعداً بإسقاط الجمهورية الإسلامية، طرحها وزير الخارجية ماركو روبيو بوصفها ضربةً استباقية. وعلى منوال روبيو، زعم وزير الحرب بيت هيغسيث تمحور الأهداف الأساسية حول تدمير البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتقويض قدرات طهران البحرية؛ في مسعىً لا يرمي إلى تغيير النظام بحد ذاته، بقدر اندراجه ضمن استراتيجية الإكراه المُرتكز على التجريد من القدرات.
بيد أنّ تقصي غايات الحرب الأميركية يستوجب تجاوز الإحاطات الرسمية الصادرة عن مسؤولي إدارة ترامب، والغوص في عُمق التحولات الممتدة الطارئة على آليات إدارة شؤون الدولة الأميركية (فن الحكم). فمنذ مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، ابتعدت واشنطن بازدياد عن الاحتلالات العسكرية واسعة النطاق، وتبنت استعمال القوة الجوية والأدوات المالية والضغوط الدبلوماسية وعمليات التصفية المُوجَّهة لكبار الخصوم. رامت بذلك فرض إرادتها على الدول الأخرى، مع تحجيم الأكلاف الداخلية والجيوسياسية المُقترنة بالوجود العسكري المُطوّل؛ في نهجٍ يرقى إلى نموذج الهندسة السياسية عن بُعد.
شكلت الواقعة الفنزويلية تتويجاً لهذا النهج، مُبرهنةً على إمكانية إحداث تغييرٍ سياسيٍ إثر توجيه ضربةٍ لقائدٍ بعينه، بالتزامن مع تسليط ضغوطٍ خارجيةٍ مكثفة، من دون تحمّل أعباء السيطرة الميدانية. ويبدو هذا السيناريو ذاته الهدفَ المنشودَ أميركياً لتطبيقه في إيران. فحين أعلن ترامب بكل حزم بعد عملية اغتيال علي خامنئي أنّ نجله مجتبى خامنئي خليفةً «غير مقبول»، استدعى السابقة الفنزويلية صراحةً بتصريحه: «يتحتم عليّ الانخراط في عملية التعيين، أسوةً بحالة ديلسي».
ولكن، أيسع واشنطن فرض قائدها المُفضّل على إيران ببساطة، على غرار صنيعها إثر اعتقال مادورو؟ تفيد الشواهد باستحالة ذلك. فالجمهورية الإسلامية تحظى ببنية حُكمٍ معقدة، وائتلاف متراصٍّ لطبقتها الحاكمة. فقد حوّل علي خامنئي، على امتداد 3 عقود، منصب المرشد الأعلى إلى جهازٍ بيروقراطيٍ وأمنيٍ مترامي الأطراف، مُتغلغلٍ في شبكةٍ كثيفةٍ من المؤسسات العسكرية والدينية والاقتصادية. ويستعصي دحر هذا «المُجمَّع العسكري-البُنيادي»، وفق تسميتي السابقة له في موضعٍ آخر، عبر استراتيجية الاكتفاء باجتثاث القيادة. والأرجح أن تسفر الحملة الأميركية-الإسرائيلية عن ترسيخ التنسيق الأمني المُحكم في مفاصل الدولة، وفي الوقت نفسه تأجيج صراعٍ أوسع نطاقاً في أرجاء المنطقة.
إدارة النظام
خلف النهج الأميركي الحالي إزاء إيران قصة طويلة. فقد دفع الاضطراب المالي الناجم عن انهيار العام 2008، ومعه المعارضة الداخلية المتصاعدة لاحتلالي العراق وأفغانستان والمنافسة المتنامية مع الصين، إلى إعادة توجيه بوصلة الاستراتيجية الإمبراطورية. فاستعاضت واشنطن عن المحاولات المُكلفة لتغيير النظام وبناء الدول في الخارج بإحكام قبضتها وتوسيع نفوذها داخل المؤسسات القائمة في البلدان المستهدفة، بدءاً من الجهاز البيروقراطي في الدولة ومروراً بالقضاء وصولاً إلى المنابر الإعلامية، مع الاحتفاظ بهامش المناورة والقدرات اللازمة لخوض غمار صراع القوى العظمى طويل الأمد في أوراسيا ومنطقة الهندوباسيفيك.
شكّل قصف حلف شمال الأطلسي لليبيا في العام 2011، الرامي إلى الإطاحة بمعمر القذافي ونتيجته مقتل 50 ألف ليبي، إيذاناً بهذا النهج الجديد. وعلى الرغم من استمرار الساسة الأميركيين في توظيف خطاب الديمقراطية ومبادئ الإنسانية، حلّ محل أحلامهم بإحداث تحولٍ سياسيٍ شاملٍ الساحةَ ذخيرةٌ أضيق نطاقاً للسياسة الخارجية؛ قوامها إرساء الاستقرار ومكافحة الإرهاب وإدارة التحالفات وحماية ممرات الطاقة. وقد واصل ترامب السير على هذا المنوال، متخلياً إلى حدٍ بعيد عن لغة الديمقراطية والنظام القائم على القواعد اللذان كانا في السابق النَسَق الأخلاقي الناظم للقوة الأميركية.
شكّلت العقوبات الاقتصادية إحدى الأسلحة الأساسية لإدارة أوباما، لِيُعززها ترامب لاحقاً بالرسوم الجمركية: أداة فظة لتعميم الاحتكاك الاقتصادي ورفع أكلاف المعاملات وضبط سلاسل التوريد، مقرونة في الغالب بضوابط التصدير والتدقيق في الاستثمارات والقيود المالية
شكّل توسيع نطاق الحرب المالية والتجارية إحدى ركائز هذا التحول بعد العام 2008، بوصفه بديلاً للتدخلات البرية. فلم تعد العقوبات مجرد أداةٍ سياسيةٍ هامشية، بل غدت وسيلةً مركزيةً لإعادة هيكلة الدولة المستهدفة. وغايتها منهجية لا تكتيكية: تقييد سبل الوصول إلى مصادر التمويل وشبكات التوريد وأسواق التأمين ومسارات الشحن ونُظُم التسوية المالية، لتجبر بذلك الأطراف الثالثة على المفاضلة بين الانخراط في النظام المتمركز حول الولايات المتحدة، أو الحفاظ على الروابط التجارية مع الدولة المُعاقَبة.
شكّلت العقوبات الاقتصادية إحدى الأسلحة الأساسية لإدارة أوباما، لِيُعززها ترامب لاحقاً بالرسوم الجمركية: أداة فظة لتعميم الاحتكاك الاقتصادي ورفع أكلاف المعاملات وضبط سلاسل التوريد، مقرونة في الغالب بضوابط التصدير والتدقيق في الاستثمارات والقيود المالية. أسهم هذا المزيج من العقوبات والرسوم في تقوية البنية التحتية للإكراه الاقتصادي؛ وزاد من الأدوات المُتاحة أمام واشنطن لمعاقبة أو ردع أو فرض أنماطٍ بعينها من السلوك السياسي.
وتتمثل ركيزةٌ أخرى في إلقاء عبء الإكراه الخارجي على كاهل الدول الحليفة: تشجيعها على تحمل الكلفة الأكبر للخطوط الأمامية، بالتزامن مع توفير الولايات المتحدة لمظلة التصعيد والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والقدرات المتطورة. وحلف الناتو التجسيد الأوضح لهذا المسار. فقد ترافق التحول الاستراتيجي الأميركي مع ضغوطٍ مستمرةٍ على الشركاء الأوروبيين لرفع نسبة الإنفاق الدفاعي من إجمالي الناتج المحلي؛ في خطوةٍ تتجاوز كونها مطلباً منفرداً، وأقرب إلى مؤشر هيكلي على ربط الالتزامات الأميركية بمدى تحمل الحلفاء لقسطٍ أكبر من الأعباء. وهنا أيضاً، تبرز سمات الاستمرارية بوضوحٍ يفوق ملامح القطيعة إبان الانتقال من أوباما إلى ترامب، رغم ميل الأخير إلى التعبير عن المنطق ذاته بعباراتٍ أشد فجاجة.
بيد أنّ إطار إعادة التوجيه هذه يتخطى الساحة الأوروبية. فعلى الصعيد العالمي، تسعى واشنطن لحفظ هيمنتها الاستراتيجية، بالتزامن مع إعادة توزيع المسؤوليات العملياتية ونقلها للأطراف الخارجية والمستويات الأدنى؛ لتتيح لنفسها ممارسة الإكراه بحريةٍ تامة بمنأى عن التورط في حملاتٍ مفتوحة الأمد لضمان الاستقرار. وبذلك، تغدو استراتيجية «القيادة من الخلف» ضرورةً عملياتية. وفي الشرق الأوسط، أمضت الولايات المتحدة العقد المنصرم في تشجيع الحلفاء الإقليميين على تولي مهام الضبط الأمني لجوارهم الجغرافي، بأسلوبٍ يخدم المصالح الأميركية. وتجلى ذلك بوضوحٍ في أعقاب الربيع العربي، حين ساعدت الكتلة الخليجية بزعامة السعودية على قمع أو تحييد الانتفاضات الشعبية، وصياغة نظامٍ إقليميٍ متماشٍ مع الأولويات الخليجية والأميركية على حدٍ سواء. كما أسهمت عملية إعادة توزيع المسؤوليات في توسيع هامش المناورة الإسرائيلي، في ظل استمرار الدعم الأميركي للعدوان الإسرائيلي، ولاسيما منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، إبان إدارتي بايدن وترامب.
وهكذا، يبرز مفهوم «إدارة النظام» ليكون حلاً جذاباً لمعضلةٍ استراتيجيةٍ متكررة؛ إزاء شعور واشنطن بعجزها المتنامي عن تأمين نتائجها المنشودة، المتمثلة في ضمان امتثال الأنظمة المعادية أو إعادة تموضعها أو تحييدها، عبر حروب تغيير النظام الشاملة. استُخدِمَ هذا النموذج في فنزويلا وغيرها لهندسة وضعٍ سياسيٍ أشد مواتاةً داخل الدولة المستهدفة، مع الإبقاء على آلتها الإدارية القائمة. والبروتوكول المعياري هنا إزاحة رأس الهرم وإبقاء الهيكل البيروقراطي سليماً، ومن ثم توظيف ورقة تخفيف العقوبات وتوسيع إمكانية الولوج إلى الأصول والأسواق والاعتراف الدبلوماسي بُغية تطويع النخبة الخَلَف وحملها على القبول بالتسوية.
الدولة داخل الدولة
تطرح السمات الفريدة للاقتصاد السياسي الإيراني معضلةً جوهريةً أمام هذه الاستراتيجية. فمنذ توليه منصبه في العام 1989، عكف علي خامنئي على مأسسة منصب المرشد الأعلى بأسلوبٍ ممنهج. لقد افتقر خامنئي على الدوام لكاريزما تضاهي كاريزما سلفه آية الله الخميني، وواجهت مكانته الفقهية منذ البداية تشكيكات فيها. فكان رده على عجز الشرعية هذا تحويل المكتب إلى مركز القيادة العليا للنظام: مجمعٍ بيروقراطيٍ كثيف، مع قدراتٍ موازيةٍ عبر قطاعات الإدارة والسياسة والمال والاتصالات والأمن والثقافة والحوزات العلمية. وهكذا، تحولت في عهد خامنئي الأمانة التنسيقية المتواضعة، المقتصرة سابقاً على نحو 20 موظفاً، إلى كيان أوسع نطاقاً بكثير: دولة داخل الدولة وجهاز ظلٍ قوامه آلاف الموظفين، مع نفوذٍ واسعٍ يتجاوز الأطر القانونية ومقدرةٍ على تجاوز الفروع المُنتخبة أو تهميشها. والغاية من هذه المأسسة ضمان استمرارية عمل النظام بمعزلٍ عن الارتكاز على السلطة الشخصية للمرشد الأعلى بوصفه زعيماً أوحد.
وتزامن هذا التوسع المؤسساتي مع إعادة هيكلةٍ أعمق للكتلة الحاكمة من التسعينيات فصاعداً، وهذه توّجت بصعود المُجمَّع العسكري-البُنيادي: الائتلاف الحالي للطبقة الحاكمة في إيران. يمارس مكتب المرشد الأعلى، وبصورةٍ متزايدة، دور التعبير المؤسساتي عن مصالح هذا الائتلاف عبر تعيين شخصياتٍ محوريةٍ في المؤسسات غير المُنتخبة، والإشراف على أجهزة الدولة القمعية والمؤسسات الرئيسة والقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية. وبعبارةٍ أخرى، لا يقتصر رأس هرم النظام على كونه مجرد شخصٍ بعينه، بل يتعداه ليكون شبكةً حاكمةً تعيد إنتاج تركيبةٍ محددةٍ من السلطة.
شرعت هذه الكتلة في التبلور إبان الصراعات النخبوية البينية بعد مسار التحول نحو النيوليبرالية مطلع التسعينيات. وفي ظل رئاستي رفسنجاني وخاتمي (1989-2005)، تصدر المشهد الإيراني تيارٌ تكنوقراطيٌ غربي التوجه، روَّج لسياسات الخصخصة ورفع القيود التنظيمية وإعادة الاندماج في الأسواق العالمية، بوصفها السبيل الضامن لإعادة الإعمار بعد الحرب. أسفرت هذه السياسات عن إفراز مشهدٍ شركاتي شبه خاص، وزادت من السلطة والثروة المتدفقة نحو كياناتٍ محددة، كالفروع المصرفية وصناديق التقاعد والمنظمات شبه الحكومية المُصنفة ككياناتٍ خاصةٍ رسمياً، لكن لديها ارتباط وثيق بوزارات الدولة والنخب السياسية. وفي هذا السياق، تعاظم نفوذ شريحةٍ مستجدةٍ من البيروقراطيين المُتبنين لتوجهاتٍ تجارية، والمديرين المُتمتعين بشبكة ارتباطاتٍ سياسية. وقد انبرى هؤلاء للترويج لسياسةٍ خارجيةٍ مُرتكزةٍ على تحقيق انفراج في العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة لاحقاً؛ أملاً في تأمين التدفقات الرأسمالية ونقل التكنولوجيا وضمان الوصول إلى الأسواق العالمية.
بيد أنّ هذا المشروع اتسم دوماً باضطرابٍ عميق. شكّل انتخاب محمود أحمدي نجاد للرئاسة في العام 2005 إيذاناً بصعود نمطٍ مغايرٍ من تكوين الدولة النيوليبرالية. فقد أجرى أحمدي نجاد عملية نقلٍ واسعة النطاق لأصول الدولة إلى شبكاتٍ مرتبطةٍ بالحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الثورية الكبرى، منها مؤسسة المستضعفين وهيئة تنفيذ أمر الإمام الخميني (سِتاد)، ومؤسسة العتبة الرضوية المقدسة. لتتحول بذلك إلى تكتلاتٍ مترامية الأطراف تجمع بين الأنشطة الهادفة للربح وخطاب التنمية الوطنية والمهام الخيرية. وفي خضم وتيرة الخصخصة المتسارعة، بات المنتفعون منها متغلغلين بصورةٍ متزايدةٍ في مفاصل الدولة الأمنية.
تستند السلطة في هذا النظام إلى تلاحم القدرة القسرية مع الهيمنة الاقتصادية، ومنها الحظوة التفضيلية في الوصول إلى موارد الدولة وآليات التحويل المُتسمة بالضبابية والاحتكارات التعاقدية وقنوات الالتفاف على العقوبات
وبحلول أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة، أفرزت عملية إعادة هيكلة النخبة هذه شريحةً مهيمنةً جديدةً من الطبقة الحاكمة. فبرز المُجمَّع العسكري-البُنيادي الجديد، المُمثَّل سياسياً بالتيار الأصولي، وارتكز على الولاء المطلق للمرشد الأعلى والتوجه الاستراتيجي نحو الصين وروسيا ومقاومة الاندماج مع رأس المال الغربي.
لم يقتصر عمل هذا الائتلاف على كونه مجرد كتلةٍ اقتصادية، بل تجاوزه ليغدو الهيكل الحاكم بأسره في إيران. فالمؤسسات التي يتكوّن منها هذا الائتلاف، أي مكتب المرشد الأعلى والحرس الثوري والهيئات الأمنية المرتبطة به والمؤسسات الثورية الكبرى والسلطة القضائية ومجلس صيانة الدستور، محصّنة بالكامل ضد المساءلة الانتخابية. وتتجدد قياداتها عبر سلاسل تعيينٍ خاضعةٍ للسلطة المطلقة للمرشد الأعلى، مع شمول الصلاحيات الرقابية لمجلس صيانة الدستور كلاً من التشريعات وأهلية المرشحين للمؤسسات المُنتخبة، من قبيل رئاسة الجمهورية والبرلمان. تستند السلطة في هذا النظام إلى تلاحم القدرة القسرية مع الهيمنة الاقتصادية، ومنها الحظوة التفضيلية في الوصول إلى موارد الدولة وآليات التحويل المُتسمة بالضبابية والاحتكارات التعاقدية وقنوات الالتفاف على العقوبات. والائتلاف بارع براعةً فائقةً في تحويل ظروف الأزمات إلى ريوعٍ سياسية. أما الضغوطات الخارجية والعقوبات الغربية عليه لطالما عززت هيمنته بدلاً من إضعافه.
جيوش موازية
لا تمتلك إيران جيشاً أوحدَ قد تنشق عنه عناصرُه. فبنيتها القسرية أعقد من ذلك: منظومة متراكمة الطبقات من القوات الموازية والأجهزة الاستخباراتية المتداخلة وهياكل القيادة المتباينة المُصممة لتأمين النظام ضد الاعتداءات الخارجية ومحاولات الاستيلاء الداخلي على السلطة على حدٍ سواء. ومن هنا، تغدو الاستراتيجية الأميركية الساعية لإزاحة رأس الهرم وإعادة توجيه البيروقراطية غير قابلة للتطبيق. فإلى جانب الجيش النظامي (أرتش)، يُناط بالحرس الثوري أداء مهامٍ تتجاوز مجرد الدفاع الإقليمي، لتشمل حماية النظام السياسي ذاته، عن طريق قدرات الردع الأساسية للنظام (الصواريخ، والطائرات المسيرة، والعناصر الحيوية للدفاع الجوي الاستراتيجي وسواها). ونظام القوات المسلحة المزدوجة هذا استُحدِثَ عن عمد لتحصين الدولة ضد الانقلابات. ولئن أفرز التوازي المؤسساتي فائضاً وازدواجية، فإنه يُولد تقييداً متبادلاً في الوقت عينه؛ يحرم أي هيكلٍ قياديٍ مفرد من الاستئثار بصلاحية تحويل الجهاز القسري من الولاء إلى الانشقاق.
بل إنّ الحرس الثوري بحد ذاته ليس فاعلاً مُوحداً، بل هو اتحاد مراكز قوى شبه مستقلة، منها القوة الجوفضائية والقوات البرية والبحرية وفيلق القدس والباسيج ووحداتٍ استخباراتيةٍ وأمنيةٍ متعددة، لكلٍ منها تفويضه العملياتي وهرميته الداخلية ومصالحه المؤسساتية. يُفضي هذا التشظي إلى رفع كلفة المعاملات على أي انشقاقٍ مُنسّق. وإذا نشب صراعٍ نخبويٍ داخلي، يميل مساره لاتخاذ طابع التفاوض رفيع المستوى والمساومة وإعادة توزيع الصلاحيات المؤسساتية وترتيب الأولويات الداخلية، وليس إلى حدوث تصدعٍ تنظيمي. يتمتع الحرس بروابط معقدةٍ من الولاء العمودي وآليات التنسيق الأفقي، تجعل من تحدي أيٍ من قواته الداخلية لهيكل السلطة، أو التصرف بصفةٍ أحادية، مغامرةً بالغة الخطورة.
ويمارس الجهاز الأمني الإيراني مهامه عبر الازدواجية وتداخل الصلاحيات. إذ تعمل منظمة استخبارات الحرس الثوري بمحاذاة وزارة الاستخبارات، في حين تتولى هيئاتٌ إضافيةٌ تابعةٌ للحرس مهام الرقابة الداخلية وأعمال مكافحة التجسس. والأهم، تخضع مسارات تعيين الشخصيات القيادية والرقابة عليها لصلاحيات مكتب المرشد الأعلى. وبالتالي، تُمثّل هذه البيروقراطية، البادية في ظاهرها فوضويةً، تقنيةَ حُكمٍ متوخاة عن قصد. إذ يساعد التداخل المؤسساتي على ضمان مراقبة المُراقبين: تقليص هوامش التنسيق التآمري ورفع احتمالات الكشف وتثبيط أي حراكٍ جماعيٍ خارج القنوات المُصرّح بها.
وعلى الصعيد العملياتي، تتسم ترتيبات القيادة والسيطرة الإيرانية بقدرةٍ مماثلةٍ على إحباط أهداف واشنطن. إذ تُسهم أساليب التنسيق بين القوات في ضمان الاستمرارية حين يتعرض الهيكل للهجوم عبر عُقد القيادة المتفرقة والإبقاء على القدرة على الرد. وحتى في حال نجاح العدو في اجتثاث رأس هذا الجهاز أو تقويض قدراته، فلن يكفل ذلك انهياره التنظيمي بأي حالٍ من الأحوال. فالنظام مُشيدٌ بآليةٍ تسلب أي عُقدةٍ مفردةٍ صلاحية تسليم النظام بأسره، ما يجعله قادراً على امتصاص الصدمات.
تشكِّل هذه السمات البنيوية بدورها حوافز النخبة إبان ظروف الصراع. فمع اشتداد الضغوط الخارجية، يميل الفاعلون السياسيون الإيرانيون بطبيعتهم نحو حماية الائتلاف الحاكم، والنظام الضامن لسلطتهم وثروتهم وأمنهم، عوضاً عن الانشقاق عنه. وتميل الخلافات الداخلية لاتخاذ مسار المساومات حول الخلافة وعقد الصفقات، بدلاً من رضوخ أي كتلةٍ مفردةٍ للمطالب الأميركية. والمفارقة، إذاً، أنّ إدارة ترامب كلما حاولت إعادة تشكيل بنية السلطة الإيرانية، عززت من تماسكها. ليغدو البقاء مبدأها الناظم. فجهازها القسري (وهو ليس مجرد هرميةٍ عسكريةٍ تقليدية، بل بنية حامية للنظام، مُشيَّدةً خصيصاً لدرء هذا النمط من التهديدات) يجعل تكرار السيناريو الفنزويلي أمراً مستبعداً بشدة.
تصدير الأكلاف
تختلف إيران عن فنزويلا في جانبٍ حاسمٍ آخر. إذ لطالما ارتكزت عقيدة الردع الإيرانية على فرضية استحالة حصر أي مواجهةٍ كبرى داخل الأراضي الإيرانية. لا يعني ذلك امتلاك طهران القوة الكافية لفرض مسار التصعيد وتوجيهه؛ بيد أنّ قدراتها الاستراتيجية تمنحها إمكانية تكبيد الخصوم أكلافاً مستمرة وتطال أطراف مختلفة عبر الخليج والمشرق العربي.
وهذه القدرة حصيلةً تراكميةً لأكثر من عقدين من استعراض النفوذ الإقليمي، تعود إلى العام 2003. إذ أحدث الغزو الأميركي للعراق صدعاً في التوازن الإقليمي، وخلق فرصاً مواتيةً أمام طهران لتوسيع دائرة نفوذها عبر الأحزاب المتحالفة والميليشيات والشبكات المسلحة. وبمرور الوقت، تبلورت هذه العلاقات في صيغة التحالف الشائع بمحور المقاومة: تحالف فضفاض، لكنّه شديد التكيف، ويجمع فاعلين من الدول ودون الدول، ويقدر على إشعال جبهاتٍ متعددة وإرباك التخطيط العملياتي للخصوم.
خضعت هذه الشبكة منذ العام 2023 لضغوطٍ حثيثة. فقد أسفرت العمليات الإسرائيلية ضد القوات المتحالفة مع إيران في أرجاء المنطقة وانهيار حكومة الأسد في سوريا عن تقويض أجزاءٍ من المحور وتقليص عمقه اللوجستي. بيد أنّها لم تُجتث بالكلية؛ إذ تظل بنيتها التحتية من الشراكات والجماعات المسلحة والروابط السياسية قائمةً جزئياً؛ بمعنى أنّ مستقبل إيران لا يقف على مواجهة حاسمةٍ وحيدة. بدلاً من ذلك، بوسعها ممارسة الضغط عبر جبهاتٍ متعددة.
تختلف إيران عن فنزويلا في جانبٍ حاسمٍ آخر. إذ لطالما ارتكزت عقيدة الردع الإيرانية على فرضية استحالة حصر أي مواجهةٍ كبرى داخل الأراضي الإيرانية
وتُشكل القوات الصاروخية وسلاح الطائرات المُسيّرة الركيزة الثانية لهذه الاستراتيجية. إذ بُنيت وضعية الردع الإيرانية حول قدرات الضربات التباعدية: القدرة على بلوغ القواعد الأميركية في أرجاء الخليج والمنطقة الأوسع، وتهديد إسرائيل، وتعريض البنية التحتية للحلفاء للخطر بمعزلٍ عن الحاجة لمجاراة القوة الجوية الغربية منصةً بمنصة. وفي العقيدة الإيرانية، لا تُعد هذه المنظومات أصولاً مساندة، بل أدواتٍ تعويضيةً مُصممةً لتعويض اختلال التوازن التقليدي، وتكبيد أي خصمٍ يعتزم شن عملياتٍ جويةٍ أكلافاً باهظة. ويحمل ذلك تداعياتٍ مباشرةٍ على النموذج الفنزويلي؛ لأنّها أطاحت بفرضية إمكانية احتواء التصعيد بسلاسة. فالحملة الجوية الرامية لقطع رأس القيادة وتقويض الجهاز القسري، قد تُفعّل عوضاً عن ذلك منطق الرد المُراد تجنبه: ضرباتٍ إقليميةٍ محسوبة وحشد شبكات الشركاء وتوسيع ساحة مواجهةٍ تتراجع فيها قدرة الطرف المُكرِه على التوجيه السياسي بوتيرةٍ أسرع من مقدرته على تدمير الأهداف.
وتتمثّل الرافعة الثالثة في البُعد الجيواقتصادي المرتكز على قدرة طهران الراسخة على التهديد بتعطيل سوق الطاقة العالمي عبر نقاط الاختناق البحرية. يحتل مضيق هرمز مكانةً محوريةً في هذا الصدد. فالمضيق بصفته الممر المائي الرابط بين الخليج الفارسي وخليج عُمان والمحيط الهندي، هو المنفذ البحري الرئيس لمُصدّري النفط في الخليج، والممر لحصةٍ وازنةٍ من تدفقات الطاقة العالمية. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، شهد المضيق في العام 2024 عبور قرابة 20 مليون برميل نفط يومياً؛ أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل البترولية. يجعل هذا من مضيق هرمز نقطة الاختناق الأهم لعبور النفط عالمياً. وبمقدور أي تعطيلٍ، ولو مؤقت، الدفع بالأسعار نحو الارتفاع وإرهاق أسواق التأمين والشحن وتصدير الضغوط التضخمية إلى آسيا وأوروبا. وتمنح هذه المؤثرات الاقتصادية الخارجية طهران نفوذاً ضمن النظام لا تمتلكه فنزويلا.
مواجهة مطولة
لئن كانت هذه الأدوات لا تكفل النجاح الاستراتيجي لطهران، فإنّها تمنحها مساراتٍ متعددةً لرفع كلفة الإكراه، وتوسيع دائرة الفاعلين المُتأثرين بتداعياته. فالجمهورية الإسلامية ليست فنزويلا. فهي نظامٌ مُمأسسٌ، مُشيَّدٌ لامتصاص الاضطرابات وإدارة استحقاقات الخلافة ومقاومة الضغوط الخارجية. واجتثاث الرأس/القيادة العليا لا يفكك هذه البنية، بل يفعّلها.
من منظور واشنطن، تبدو جاذبية تقنية «إدارة النظام» جليةً، في وعدها بتحولٍ سياسيٍ مُتجردٍ من أعباء بناء الدولة. بيد أنّ الظروف ذاتها التي أكسبتها هذه الجاذبية، هي في الوقت نفسه مصدر هشاشتها. فالائتلاف الحاكم في إيران، وهيكلها الأمني، وقدرتها على تصدير الأكلاف، يكفل جعل الولايات المتحدة تعاني لاحتواء التصعيد أو تحديد تبعاته السياسية. ومن هنا، قد تستحيل مساعي واشنطن الرامية لإحداث انتقالٍ مُوجَّه، إلى مسارٍ مغايرٍ تماماً: مواجهة مطولة تفرز اضطراباً متزايداً عوضاً عن الامتثال السريع. ويأتي اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً ليرسخ هذه الخلاصة: النظام لم يتصدع بعد، بل أعاد إنتاج ذاته.
نُشِر هذا المقال في 22 كانون الثاني/يناير 2026 في Phenomenal World، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» باتفاق مع الجهة الناشرة.