معاينة التداعيات السامة للحرب

الصورة: @sentdefender

التداعيات السامّة للحرب على إيران

عندما استُهدفت البنية التحتية النفطية ضمن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، انصبّ الاهتمام سريعاً على أسعار النفط العالمية، فيما جرى تهميش الآثار البيئية والصحية لهذه الضربات. لكن مع احتراق المستودعات والمصافي والناقلات ومحطات التصدير، لا يبقى الضرر محصوراً في موقع الانفجار، بل يمتدّ فوراً إلى الهواء والماء والتربة، وصولاً إلى الجسد البشري نفسه.

قد تبدو النيران المشتعلة الخطر الأكثر وضوحاً، إلا أن الأخطر يكمن في ما يليها: تلوّث طويل الأمد، تراكم السخام على المنازل والمحاصيل، تسرّب الملوّثات إلى شبكات المياه، وانتشار الانسكابات النفطية عبر السواحل. وهي آثار لا تُرى دفعة واحدة، لكنها قد تستمر لعقود، وتترك أعباءً بيئية وصحية عميقة.

ليست هذه التجربة جديدة على غرب آسيا. فقد شهدت المنطقة كوارث مماثلة نتيجة حروب سابقة: من حرائق آبار النفط في الكويت عام 1991، إلى تسرّب النفط في لبنان عام 2006، وصولاً إلى أزمات التلوث في البحر الأحمر عام 2024.

اليوم، ومع اتساع الحرب على إيران لتشمل نطاقاً إقليمياً أوسع، تتكرّر هذه الأنماط، لكن على نطاق أشمل، بما يفتح الباب أمام كوارث بيئية وصحية عابرة للحدود، تتجاوز آثارها ساحات المواجهة المباشرة.

مطر أسود فوق طهران

في 7 و8 آذار/مارس، استهدفت الضربات الإسرائيلية على طهران ومحافظة البرز المجاورة ما لا يقل عن 4 مواقع نفطية: مستودع أقدسية، ومنشأة شهران، ومستودع كرج، ومصفاة طهران التي تبلغ قدرتها نحو 225 ألف برميل نفط يومياً. كما شملت الحملة الأوسع خلال عطلة نهاية الأسبوع أكثر من 30 منشأة نفطية في أنحاء إيران. 

وعلى الرغم من محدودية الوصول إلى المعلومات، تشير المعطيات المتاحة إلى نمط ضربات مركّز على بنية تخزين الوقود والتكرير في العاصمة ومحيطها، وهي مدينة يتجاوز عدد سكانها 9 ملايين نسمة.

بقيت الكويت تواجه نحو 26 مليون متر مكعب من التربة الملوّثة، إضافة إلى ما يقارب 300 «بحيرة نفطية» في الصحراء

عقب الضربات، دعمت منظمة الصحة العالمية توصيات السلطات الإيرانية للسكان بالبقاء في منازلهم لتقليل التعرّض للمركّبات السامة المنبعثة في الهواء. وقد تضم سحابة الاحتراق أول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين، والمركبات العضوية المتطايرة، والسخام، والكربون الأسود، ومعادن أثرية مثل النيكل والفاناديوم. لا تقتصر هذه الملوّثات على الإزعاج المؤقت، بل تهيّج العينين والجلد، وتلتهب معها الممرات الهوائية، وتتفاقم أمراض الربو والجهاز التنفسي، كما ترفع العبء على القلب والأوعية الدموية. ويُعدّ الكربون الأسود الأخطر بينها، إذ تتغلغل جسيماته الدقيقة عميقاً في الرئتين، وتحمل على أسطحها مركّبات سامة قد تُحدث أضراراً مزمنة.

تزيد جغرافيا طهران من خطورة التعرّض. تقع المدينة على السفوح الجنوبية لجبال البرز داخل حوض شبه مغلق، تحيط به قمم يتراوح ارتفاعها بين 2 و4 كيلومترات، ما يحدّ من حركة الهواء. خلال الشتاء وبداية الربيع، لا يتجاوز ارتفاع الطبقة الدنيا من الغلاف الجوي نهاراً 1 إلى 1.5 كيلومتر، قبل أن ينخفض ليلاً إلى بضع مئات من الأمتار، ما يؤدي إلى احتباس الملوّثات قرب سطح الأرض

وعند احتراق النفط، ترتفع أعمدة الدخان في البداية، لكنها سرعان ما تفقد طاقتها وتبقى عالقة على ارتفاعات منخفضة، ضمن الطبقة نفسها التي يتنفس منها السكان. ومع الكثافة العمرانية، تتشكل بؤر ركود هوائي على مستوى الشوارع، حيث يضعف التهوية وتتركّز الملوّثات. لذلك، يبلغ التلوّث ذروته خلال الليل وساعات الصباح الباكر، حين يهبط الهواء ويُعاد تدوير السموم قرب الأرض، حيث يعيش الناس ويتنفسون.

دورة التلوث

يوفّر الاحتماء داخل المباني حماية جزئية فقط. يتسرّب التلوّث الجسيمي الخارجي بسهولة إلى الأبنية السكنية، التي تعتمد غالباً على التهوية الطبيعية وأغلفة بنائية غير محكمة. ويمكن للجسيمات الدقيقة أن تبقى داخل المنازل لساعات أو حتى أيام، مترسّبة على الأسطح والأثاث. كما أن الملوّثات التي تترسّب على الطرق والتربة والأسطح الزراعية لا تختفي، بل يمكن أن تعاود الانتشار بفعل الرياح، مسببة تعرّضاً ثانوياً حتى بعد انقشاع السحابة المرئية.

تمثّل طهران الحالة الأوضح، لكنها ليست استثناءً، بل جزء من نمط أوسع من استهداف البنية النفطية عبر الإقليم

تفيد تقارير بأن انسكابات من موقع شهران دخلت إلى مصارف مياه الأمطار في طهران واشتعلت. وإذا جُرفت المنتجات النفطية والسخام عبر شبكة التصريف، يمكن للتلوّث أن ينتقل إلى المياه السطحية والتربة الزراعية، وصولاً إلى المياه الجوفية الضحلة. أما تقارير هطول «مطر أسود» بعد الضربات، فتشير إلى مرحلة أكثر تقدماً من التلوّث، حيث تختلط الجسيمات الدقيقة ببخار الماء وتترسّب مباشرة، ما يزيد احتمالات تلوّث مصادر المياه عبر التسرب. لا يقتصر الخطر الرئيسي هنا على ليلة واحدة من الدخان، بل على بداية دورة تلوث كاملة تمتدّ فيها شتّى أساليب التعرّض للسموم على سنوات.

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية في باكستان من احتمال انتقال التلوّث الناتج عن ضربات طهران إلى غرب البلاد. كما تُظهر نماذج انتقال الدخان أن الجسيمات التي ترتفع فوق الطبقة الحدودية يمكن أن تنتقل لمسافات بعيدة، متجهة نحو الشمال الشرقي. ويبرز خطر خاص في ترسّب الكربون الأسود على الأنهار الجليدية في جبال ألتاي، حيث يساهم في تلويث مصادر المياه الجبلية وتسريع امتصاص الحرارة، ما يسرّع ذوبان الجليد. أما التأثيرات المناخية الدقيقة فتصعب معايرتها، لكن الاتجاه العام واضح: الاحتراق غير المنضبط للنفط يُطلق الكربون الأسود، والميثان، ومركبات تُسهم في تكوّن الأوزون السام. لهذا، فإن حريق مستودع نفطي ليس مجرد حادث موضعي، بل ظاهرة متعددة المستويات: حدث استنشاقي محلي، وحدث ترسّبي إقليمي، ومحرّك إضافي لاختلال المناخ.

الجبهة النفطية المتوسّعة للحرب

تمثّل طهران الحالة الأوضح، لكنها ليست استثناءً، بل جزء من نمط أوسع من استهداف البنية النفطية عبر الإقليم. في 14 آذار/مارس، طالت ضربات أميركية منشآت عسكرية في جزيرة خرج، التي تمرّ عبرها نحو 90% من صادرات إيران النفطية الخام. عشية الحرب، كانت الجزيرة تضم ما يقارب 18 مليون برميل من النفط المخزّن. ولم يتأكد تدمير محطة التصدير نفسها، لكن وصول الحرب إلى هذا الموقع الحساس يعني أن أي إصابة لخزانات التخزين أو خطوط النقل أو مرافق التحميل قد تتحوّل سريعاً من صدمة في الأسواق إلى كارثة بيئية في مياه الخليج، بين أعمدة الدخان وانسكابات نفطية واسعة.

بقيت الكويت تواجه نحو 26 مليون متر مكعب من التربة الملوّثة، إضافة إلى ما يقارب 300 «بحيرة نفطية» في الصحراء

في 11 و12 آذار/مارس، امتدّت الحرب إلى المياه العراقية. كانت السفينة Safesea Vishnu راسية في خور الزبير، تنفّذ عملية نقل بحري لنحو 53 ألف طن من النافثا، حين استهدفتها زوارق مسيّرة متفجرة. قُتل أحد أفراد الطاقم واشتعلت السفينة، ما استدعى تدخّل فرق إنقاذ لتثبيتها ومنع تسرّب المواد إلى البيئة البحرية. كما تضرّرت ناقلة ثانية هي Zefyros، المحمّلة بمكثفات من شركة غاز البصرة. وبحلول 13 آذار/مارس، كانت 16 ناقلة وسفينة على الأقل قد تعرّضت لهجمات في الخليج. ويُعدّ احتراق ناقلة أثناء عمليات نقل الوقود من أخطر السيناريوهات البيئية، إذ يجمع في موقع واحد بين الحريق والتسرّب وتلوّث المياه، في ظل تأخر الاستجابة بسبب ظروف النزاع.

في الإمارات، أدّت ضربة بطائرة مسيّرة إلى اندلاع حريق في مجمّع الرويس الصناعي، الذي تصل طاقته التكريرية إلى نحو 922 ألف برميل يومياً، ويشكّل محور عمليات المصب في أبوظبي، بما يشمل منشآت بتروكيميائية وأسمدة وغازات صناعية. وقد أعلنت شركة أدنوك تعليق عمل المصفاة. وبعد أربعة أيام، اندلع حريق ثانٍ في الفجيرة إثر سقوط حطام خلال اعتراض طائرة مسيّرة، ما أدى إلى تعليق بعض عمليات التحميل. وكانت الفجيرة قد صدّرت أكثر من 1.7 مليون برميل يومياً من النفط الخام والوقود المكرر العام الماضي، أي ما يعادل نحو 1.7% من الطلب العالمي، إضافة إلى امتلاكها قدرة تخزين تبلغ 18 مليون متر مكعب. يكشف حجم هذه المنشآت أن الأثر المحتمل لا يقتصر على الإمدادات، بل يمتد إلى مخاطر تلوّث واسعة النطاق، لا سيما في ظل غياب معلومات واضحة حتى الآن عن حجم الأضرار البيئية أو آليات احتوائها.

تاريخ إقليمي من التلوث النفطي العسكري

تقدّم الحروب النفطية المتكرّرة في المنطقة نافذة تاريخية لفهم حجم الضرر البيئي الممتد عبر الزمن. 

خلال حرب الخليج عام 1991، أدّى تدمير الناقلات والمنشآت النفطية في الكويت إلى احتراق ما يُقدّر بين 6 ملايين و8 ملايين برميل من النفط، إضافة إلى 70 مليون  إلى 100 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. وبحسب شركة نفط الكويت، أشعل الجيش العراقي المنسحب نحو 80% من آبار النفط، ودمّر بالكامل 10 من أصل 25 مركز تجميع. لكن الأثر الحقيقي لم ينتهِ مع إخماد الحرائق. فقد بقيت الكويت تواجه نحو 26 مليون متر مكعب من التربة الملوّثة، إضافة إلى ما يقارب 300 «بحيرة نفطية» في الصحراء. وفي عام 2023، أي بعد أكثر من ثلاثة عقود، وقّعت شركة نفط الكويت عقوداً بقيمة 1.73 مليار دولار لإعادة تأهيل التربة، مع خطط تمتد حتى عام 2028. تكشف هذه الأرقام فجوة زمنية صارخة: ثوانٍ لإشعال المنشآت، مقابل عقود من المعالجة.

تكشف حالة الجية كيف يمكن لضربة واحدة أن تنتج كارثتين متزامنتين: تسرّباً بحرياً واسع النطاق، وتلوّثاً هوائياً ساماً طويل الأمد فوق المجتمعات المجاورة

أما في لبنان عام 2006، فيقدّم تسرّب الجية النسخة الساحلية من الكارثة نفسها. فقد أدى القصف الإسرائيلي لمحطة الجية الحرارية إلى تسرّب نحو 30 ألف طن من النفط الثقيل إلى شرق البحر المتوسط، ما لوّث نحو ثلث الساحل اللبناني وامتد إلى المياه السورية. قدّر البنك الدولي الخسائر الاقتصادية المباشرة بـ39 مليون دولار، فيما تراوحت كلفة التنظيف بين 137 و205 ملايين دولار. وخلال 12 يوماً من الحريق، احترق نحو 30 ألف طن من زيت الوقود، فيما تسرّب نحو 15 ألف طن إلى البحر. ومنذ ذلك الحين، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات متكرّرة تطالب إسرائيل بدفع 856.4 مليون دولار كتعويض للبنان، كان آخرها في عام 2024، من دون أن يتم تنفيذها حتى الآن. تكشف حالة الجية كيف يمكن لضربة واحدة أن تنتج كارثتين متزامنتين: تسرّباً بحرياً واسع النطاق، وتلوّثاً هوائياً ساماً طويل الأمد فوق المجتمعات المجاورة. 

أما حادثة Rubymar في البحر الأحمر عام 2024، فتُظهر بُعداً إضافياً: كيف تعرقل الحرب نفسها جهود المعالجة. فقد أدى استهداف الحوثيين للسفينة إلى تشكّل بقعة نفطية بطول 29 كيلومتراً، قبل أن تغرق وهي تحمل نحو 21 ألف طن من الأسمدة. وبعد أسبوعين، أكدت المنظمة البحرية الدولية أن عمليات الإنقاذ بقيت محدودة بسبب انعدام الأمن في المنطقة. وبينما تمثّل البقعة النفطية الأثر الأكثر وضوحاً، حذّر العلماء من مخاطر إضافية، أبرزها احتمال تسرّب الأسمدة وحدوث ازدهارات طحلبية قد تضر بالشعاب المرجانية ومصايد الأسماك. تُظهر هذه الحالة أن التلوّث في الحروب لا يتوقف عند لحظة حدوثه، بل يتفاقم عندما تُمنع الاستجابة السريعة، إذ يصبح الوصول إلى مصدر الضرر نفسه جزءاً من المشكلة.

الآثار الصحية الأطول أمداً لحرائق النفط

يصعب قياس الإرث الصحي لحرائق النفط مقارنةً بضرر الانفجارات المباشرة، لكن سجل المنطقة يفرض الحذر. فبحسب وزارة شؤون المحاربين القدامى الأميركية، تسبّب دخان حرائق آبار النفط خلال حرب الخليج عام 1991 في السعال وضيق التنفّس وتهيّج الجلد وتفاقم الربو وأمراض الجيوب الأنفية، مع تراجع معظم هذه الأعراض بعد انتهاء التعرّض.

غير أن مراجعات الأكاديميات الوطنية الأميركية تشير إلى ما هو أبعد من الأثر المؤقت، إذ ارتبط التعرّض لدخان حرائق الآبار بزيادة الأعراض التنفسية المزمنة، مثل التهاب القصبات والحالات الشبيهة بالربو، كما وُجدت مؤشرات على ارتفاع معدلات سرطان الرئة بين المعرّضين.

ارتبط التعرّض لدخان حرائق الآبار بزيادة الأعراض التنفسية المزمنة، مثل التهاب القصبات والحالات الشبيهة بالربو، كما وُجدت مؤشرات على ارتفاع معدلات سرطان الرئة بين المعرّضين

بهذا المعنى، تبدو الأضرار قصيرة الأمد مؤكدة، فيما يظل العبء الصحي طويل الأمد أقل وضوحاً، لكن المؤشرات المتاحة لا تبشّر بخير، خصوصاً لأولئك الذين يستنشقون اليوم مزيجاً معقّداً من الأبخرة السامة عبر المنطقة.

ما يحدث الآن في إيران والخليج يمكن وصفه بسهولة، لكنه بالغ الصعوبة من حيث الاحتواء: ضُربت مواقع وقود حول طهران وتهاطل «مطر أسود» سام، واحترقت ناقلات في المياه العراقية، واندلعت حرائق في الرويس والفجيرة، فيما تظل جزيرة خرج مهددة.

هذه ليست حوادث منفصلة، بل سلسلة مترابطة من الأزمات البيئية التي تتراكم آثارها: تربة تحتاج إلى عقود من المعالجة، سواحل ملوّثة لأشهر أو سنوات، نظم بحرية مهددة، ومصادر مياه تتعرض للتلوث، إلى جانب عبء صحي سيتجاوز زمن الحرب نفسها بكثير.

في منطقة تعاني أصلاً من محدودية الموارد وضعف البنى البيئية والصحية، ومع غياب أفق واضح لنهاية الحرب، يُرجّح أن تترك هذه الضربات ندوباً عميقة، في أجساد الناس وفي الأرض، تمتد لعقود مقبلة.