سكيلا وكاريبديس*: إيران بين نارين
أفرزت موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران سيلاً من القراءات والتحليلات، صِيغ جلُّها ضمن قوالب جاهزة ومضللة في آن. صوّر البعض هذه الاضطرابات بوصفها إرهاصاتٍ لمخاضٍ ثوري وشيك، وصنفها آخرون نتاجاً محضاً لمؤامرات خارجية لزعزعة الاستقرار، في حين رآها فريق ثالث حساباً مؤجلاً لمجتمعٍ بلغ ذروة الاحتمال. والحال أنّ كل قراءة منها تلامس جانباً من الحقيقة، لكنّها تظل قاصرة عن سبر أغوار المشهد الراهن أو فهم تعقيدات اللحظة الحالية. فالأجدر فهم ما يجري اليوم بوصفه تقاطعاً بين إنهاك اجتماعي متراكم، وصدمة توزيعية حادة، وأزمة حكم لم تعد الجمهورية الإسلامية تملك ما يكفي من أدوات أيديولوجية أو إدارية أو مالية لتديرها.
استمدّت الاحتجاجات زخمها من نوع من التضامن السلبي؛ من ائتلافٍ اجتماعي عابر للفئات، يمتدّ من فقراء الريف وسكان المناطق الحدودية وصولاً إلى الطبقات الوسطى المتآكلة وشرائح العمالة غير المستقرة في طهران والمدن الكبرى. ولا يجمع هذا الشتات مشروعٌ مشترك بقدر ما يجمعه نبذ الجمهورية الإسلامية وخيبة أمل تجاه عقودٍ من محاولات الإصلاح والتحول الهيكلي التي باءت بالفشل. بيد أنّ ملامح البديل القابل للحياة تظل، وراء هذا الرفض، غائمة وغير متبلورة.
انطلقت شرارة الاحتجاجات من المالية العامة. إذ فاقمت تدابير الموازنة التي طرحها الرئيس مسعود بزشكيان، ولا سيما في ملفي أسعار الصرف وتراخيص الاستيراد، من حدة الضغوط في نظام نقدي يعاني تشوّهاً بنيوياً. سرت التبعات سريعاً بين تجّار الإلكترونيات في أروقة بازار طهران، وهؤلاء ارتبطت أرزاقهم بتوفر العملة الصعبة والقدرة على ضبط الأسعار. استحالت القواعد الجديدة أكلاف باهظة واضطراباً في سلاسل التوريد وخسائر مادية جسيمة. ولم يكن لهذه المظلمة الفئوية أن تتحوّل إلى قطيعة سياسية لولا السياق الاقتصادي المتردّي. فعقود من التضخّم الذي جاوز 40% (وتخطّى 70% في السلع الغذائية)، وتهالك البنية التحتية، وسوء إدارة الموارد المائية، وأزمات الكهرباء وتلوث الهواء، قد دفعت سلفاً بشرائح واسعة من الطبقتين العاملة والمتوسطة الدنيا إلى دوّامة من الانعدام المزمن للأمن المعيشي، ليتوّج ذلك بانخفاض قيمة الريال بنحو 40% وتراجع الأجور الحقيقية بنسبة 20% منذ حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/يونيو الماضي. تضافر التدهور الاجتماعي والاقتصادي بعيد الأمد بسوء الإدارة المالية اللحظية. لم تكن الموازنة السبب في هذه الظروف، إذ بلورت قناعةً شعبية مفادها أنّ الدولة تذود عن أصحاب الريوع وتُحمّل الفئات المستضعفة أكلاف التعديلات. لم تفلح وعود قسائم الغذاء في استرضاء الغضب الشعبي. انتهجت الجمهورية الإسلامية على مدى عقود نوعاً من النيوليبرالية السلطوية حرّر سوق العمل وهمّش العمالة مع نقل أصول الدولة إلى كيانات شبه حكومية - من ما يسمى المؤسسات الثورية وصناديق التقاعد إلى الأذرع الاقتصادية للحرس الثوري - لترسم بذلك، مع سياسات التقشف الفوقية، مساراً حتمياً للسخط الشعبي والانتفاضات المتكرّرة.
انتهجت الجمهورية الإسلامية على مدى عقود نوعاً من النيوليبرالية السلطوية حرّر سوق العمل وهمّش العمالة مع نقل أصول الدولة إلى كيانات شبه حكومية لترسم بذلك، مع سياسات التقشف الفوقية، مساراً حتمياً للسخط الشعبي والانتفاضات المتكرّرة
لم تكد احتجاجات 28 كانون الأول/ديسمبر تندلع في طهران حتى تمدّدت رقعتها بوتيرة لافتة لتجتاح المدن والبلدات من همدان ومشهد وتبريز، وصولاً إلى إيذه وقم ومرودشت وعبدانان وكرمان وأراك وأصفهان وملكشاهي. يعكس هذا الانتشار المتسارع سياقاً زمنياً ممتدّاً بدت ملامحه جليّة منذ العام 2017 على أقل تقدير، متمثلاً في استشراء الفقر وتفاقم التهميش الاجتماعي في الأرياف الإيرانية والمناطق الحدودية والأطراف النائية. ففي شتاء 2017-2018، تكرّر السيناريو ذاته حين انطلقت الشرارة من مشهد وسرعان ما عمّت أرجاء البلاد، وهو ذات النمط الذي وسم حركة «المرأة، الحياة، الحرية» لاحقاً. حُمِلت تلك الانتفاضة - وعن وجه حق - على أنّها ثورة على الحجاب القسري ورفضاً للهيمنة الذكورية، بيد أنّ أبعادها الطبقية وجغرافيتها السياسية ظلت خارج قوس الانتباه والتحليل.
تتبوأ هذه المدن والبلدات مكانةً فريدة في بنية الاقتصاد السياسي الإيراني: بطالة مرتفعة، وتردٍّ في الخدمات العامة، وأزمات بيئية حادّة، وتراكمات تاريخية لإهمال الدولة المتجذّر. ولعل الاستثناء الأبرز في مستهل الاحتجاجات تمثّل في المناطق الكردية والبلوشية ذات الأغلبية السنية، حيث بدا الحراك فيها أكثر خفوتاً، ولعل ذلك يعود إلى ضريبة الاستنزاف التي خلّفتها جولات الاحتجاج السابقة التي كانت تلك المناطق في طليعتها، ناهيك عن التوجّس من النزعة الملكية التي بدأت تصبغ دفة الحراك. لكن هذا الحال لم يلبث أن تبدّل. أسهم التداول الرقمي للصور والشهادات في توحيد المظالم المحلية، لكن تضافر النكبة الاقتصادية مع حالة الإنهاك الاجتماعي العميق كان وراء إعطاء الاحتجاجات زخمها الوطني الشامل. وقد جاء عنف القوى الأمنية ضد المتظاهرين في مدن الأقاليم، مثل إيلام ومرودشت، ليصبّ الزيت على نار الغضب الشعبي؛ وحتى لمّا كانت طهران تركن في البداية إلى هدوءٍ نسبي، كانت المظاهرات في بقاعٍ أخرى قد بدأت تكتسي صبغةً صريحةً ضد النظام.
يبدو أنّ الدولة استشعرت في بادئ الأمر خطورة الانزلاق نحو التصعيد. إذ أقرّ المسؤولون بمشروعية المظالم الاقتصادية للمحتجين، بالتزامن مع إقالة محافظ البنك المركزي وتعيين آخر. جاء هذا التحرّك ممتثلاً لاستراتيجيةٍ معهودةٍ تتبعها الطبقات الحاكمة، تهدف إلى فصل ما يبدو مطالب «اقتصادية» عن سياقاتها «السياسية» و«الاجتماعية»، أملاً في احتواء الأولى من دون تهديد النظام. غير أنّ التجربة العملية أثبتت أنّ هذه الفواصل نادراً ما تصمد، وسرعان ما تنصهر الاحتجاجات في بوتقة حراكٍ شامل يعارض النظام برمّته. وزاد من حذر النخبة في ردّ فعلها الطابع الطبقي للاحتجاجات الأولى. لمّا دأبت السلطة على مقابلة الهبات العمالية السابقة بلامبالاةٍ فجّة أو قوّة غاشمة، فإنّ الاضطرابات من البازار شكّلت معضلةً شائكة؛ نظراً للروابط التاريخية والتحالف التقليدي بين طبقة التجار والقيادة السياسية للجمهورية الإسلامية، وهي العلاقة التي رجّحت في البداية كفة المهادنة والاستيعاب على كفة القمع الفوري.
لم يدم نهج التسامح الحذر الذي أبدته حكومة بزشكيان سوى بضعة أيام حتى تبدّد تماماً، مع انتقال مقاليد الأمور فعلياً إلى القبضة الأمنية؛ ممثلةً في مختلف أذرع الحرس الثوري الإيراني، وبمؤازرة الجيش والقضاء وأجهزة الاستخبارات. وستبقى مهمة استجلاء حقيقة ما جرى بدقّة بين 8-10 كانون الثاني/يناير رهناً بجهود المؤرّخين في المستقبل. في غمرة العزلة الرقمية شبه التامة وسيل المعلومات المضلّلة، لا يزال من الصعب رسم تسلسل زمني قاطع للأحداث، لكن بدأت تتبلور ملامحها العامة.
في أعقاب احتجاجات البازار الأولى وتمدّد رقعتها عبر مختلف الأقاليم، وجّه رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، نداءً عاماً دعا فيه الإيرانيين إلى الاحتشاد في الشوارع لتقويض أركان النظام. وتفيد رواياتٌ متواترة لشهود عيان بأن مظاهرات 8 كانون الثاني/يناير كانت هائلةً في حشودها، والتزمت السلمية في معظمها؛ ومع تضارب التقديرات عن أعداد المشاركين في ظل غياب إحصاءاتٍ موثوقة، رجّح مراقبون كثر أنّ تكون هذه الاحتجاجات هي الأكبر منذ الحركة الخضراء في العام 2009، بل لعلها أكبر. وكان من اللافت طغيانُ الشعارات المؤيّدة للبهلوية على المشهد. وعلى إثر تلك التظاهرات الليلية، لجأت الدولة إلى التصعيد في خطابها؛ فبثّت الأجهزة الأمنية رسائل نصّية تحذيرية لملايين الهواتف، وتوعّد رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجائي، مهدّداً بإنزال أشدّ العقوبات بكلّ من يشارك في أي تحرّكاتٍ لاحقة. ويبدو أنّ هذا النهج قد أفلح في ثني البعض عن المشاركة في اليوم التالي، بيد أنّ 9 كانون الثاني/يناير شهد عودة النواة الصلبة من المحتجين إلى الشوارع.
قوبلت هذه الحشود بعنف غير مسبوق. أظهرت مقاطع مصوّرة إطلاق الوحدات الأمنية الرصاص الحيّ مباشرة صوب الحشود، واقتحامها للمشافي، والاعتداء على الجرحى والطواقم الطبّية، وملاحقة المتظاهرين داخل أماكن كانت تتمتع، فيما مضى، بنوع من الحصانة الضمنية. وفي المقابل، ظهرت أدلّة مرئية تظهر محّتجين مسلحين يتصدّون للقوى الأمنية بالسكاكين والسواطير، وبالأسلحة النارية في بعض الحالات، في إشارة إلى مدى الجنوح نحو الراديكالية الذي تملّك فئات من المعارضة جراء سنوات من القمع. كما تواترت الأنباء عن عمليات إضرام نيران استهدفت مقارّ حكومية ومساجد ومرافق تابعة للإذاعة والتلفزيون الرسمي؛ في إشارة إلى أنّ الاحتجاجات قد انزلقت في بعض المناطق إلى مربع العصيان المسلّح والتمرّد الصريح.
تواترت الأنباء عن عمليات إضرام نيران استهدفت مقارّ حكومية ومساجد ومرافق تابعة للإذاعة والتلفزيون الرسمي؛ في إشارة إلى أنّ الاحتجاجات قد انزلقت في بعض المناطق إلى مربع العصيان المسلّح والتمرّد الصريح
اتسمت جغرافيا القمع التي أعقبت ذلك بتباينٍ صارخ. فقد شهدت بعض البقاع حملاتٍ شعواء خاطفة حصدت عشرات الأرواح في غضون ساعات، وشهدت أخرى مواجهاتٍ طالت لليالٍ متعاقبة. لكن هذا التباين الميداني لم ينل من السمة الطاغية للمشهد ككل؛ إذ لم تكن الأحداث مجرد تجاوزاتٍ فردية أو فلتات في الانضباط، بل كانت استخداماً ممنهجاً للقوة الفتاكة من قبل الدولة ضد المتظاهرين العُزّل. وتذهب أكثر التقديرات تحفظاً إلى أن حصيلة القتلى - بمن فيهم عناصر الأمن - لا تقل عن 5,000 شخص، والحصة الأكبر فيها للمدنيبن، فيما تشير تقديراتٌ أخرى إلى حصيلةٍ تتجاوز ذلك بكثير.
سرعان ما ضاقت المشافي والمشارح ذرعاً بضخامة أعداد الضحايا التي تجاوزت طاقتها الاستيعابية. انتشرت على نطاق واسع مقاطع مصوّرة من أمام مركز كهريزك للطب العدلي في طهران تُظهر صفوفاً من أكياس الجثث السوداء، وسط مشاهد لأهالٍ يبحثون عن ذويهم المفقودين. وفي قراءةٍ تاريخية للمشهد، لا نجد ما نُشبّه به هذه المقتلة سوى مجازر السجون في العام 1988، أو ربما أحداث الثورة ذاتها حين كانت الجمهورية الإسلامية تصارع لتوطيد دعائم سلطتها. والحال أنّ بين الظروف السياسية آنذاك واليوم فرق شاسع، إلا أنّ منسوب عنف الدولة واحد في الحالتين.
جرت فصول هذا القمع على وقع تهديداتٍ خارجيةٍ بلغت من الصراحة والوضوح مبلغاً غير معهود. فمنذ الأيام الأولى للاحتجاجات، لوّحت إدارة ترامب بجاهزيتها للتدخّل إذا انزلقت الأوضاع إلى مزيدٍ من الانفلات. ولئن تأرجح خطاب ترامب نفسه بين النزعة الصدامية والميل إلى التريّث، فقد صبّت المحصلة النهائية لتلك المواقف في تعزيز مزاعم النظام الإيراني بأنّ الحراك الشعبي والتآمر الخارجي وجهان لعملة واحدة.
لقد برهن الإسرائيليون، قبل اندلاع حرب حزيران/يونيو المنصرم بوقت طويل، على قدرتهم على تنفيذ عملياتٍ سرّية في عمق الأراضي الإيرانية، ولعل أكثرها دويّاً عمليةُ اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في قلب طهران في تموز/يوليو 2024. وما كان لهذا أن يتحقّق لولا الفساد المستشري في مفاصل الاقتصاد السياسي والأجهزة الأمنية الإيرانية. إذ إنّ تلاحم السلطة السياسية بالامتيازات الاقتصادية وسطوة القمع أضعف قدرة الدولة على إحباط هكذا تهديدات، مُخلِّفاً وراءه ثغراتٍ لم يتوانَ الفاعلون الخارجيون عن استغلالها.
والإقرار بهذه الحقيقة لا يعني بحالٍ من الأحوال التسليم بمزاعم النظام بأنّ هذا الحراك صناعةٌ خارجية. إذ لا يمكن اختزال انتفاضة عارمة تضرب بجذورها في أعماق سنوات من التردّي الاجتماعي والاقتصادي في مجرد مكائد تحيكها أجهزة الاستخبارات الأجنبية، وإنْ كان ممّا لا شك فيه أنّ الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية قد سعت جاهدة لركوب موجة الاحتجاجات واختطافها. بيد أنّ أعظم ما حققه هؤلاء كان منح السلطة مسوغاً شرعياً للقمع، عبر تصوير الاحتجاج بوصفه امتداداً لحرب حزيران/يونيو، ومن ثم تبرير حالة الاستثناء بذريعة الأمن القومي. وتتجلّى النتيجة اليوم في المشاهد الواردة من شتى أنحاء البلاد: فرضٌ فعلي للأحكام العرفية، وعسكرةٌ متسارعة لمفاصل الحياة اليومية في المدن الإيرانية؛ وهو المسار الذي طالما حذّر منه مراقبون ناقدون لسنوات.
لفهم فرادة الحراك الراهن، لا بد من وضعه في كفة المقارنة مع التاريخ الحديث للاحتجاجات الشعبية في إيران. مثّلت الحركة الخضراء في العام 2009 التحدّي الأخطر على الجمهورية الإسلامية من داخل أطرها الدستورية ذاتها. انبرى ملايين الإيرانيين في تظاهراتٍ سادها الصمتُ والانضباط للاعتراض على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد المثيرة للجدل، مطالبين بانتخاباتٍ حرّة ونزيهة وبتسويةٍ دستورية جديدة. كانت تلك الحركة ابنة دوائر الطبقة الوسطى المدينية الميالة إلى الإصلاح التدريجي وتجنّب القطيعة الجذرية مع النظام. غير أنّ سحقها العنيف على يد المؤسسة السياسية والحرس الثوري قد أوصد الأبواب أمام أي أمل في تحوّل ديمقراطي عبر التفاوض، ليفقد بذلك التيار الإصلاحي مصداقيته، ويُزج بجيل كامل من الناشطين في غياهب السجون أو يُحكم عليهم بالصمت.
جرت فصول هذا القمع على وقع تهديداتٍ خارجيةٍ بلغت من الصراحة والوضوح مبلغاً غير معهود
أما انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» في العام 2022، فقد مثّلت بنية اجتماعية وسياسية مغايرة تماماً. إذ اندلعت إثر مقتل الشابة الكردية مهسا جينا أميني في أثناء احتجازها لدى السلطات، ولم يكن محورها الصندوق الانتخابي أو صراع النخب، بل وضعت في الصدارة قضايا الاستقلالية الجسدية والمساواة بين الجنسين في مواجهة حكم سلطوي غاشم. وبهذا المعنى، فقد اصطدمت الانتفاضة مباشرة بالركائز الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، كما سلّطت الضوء على أنماط الاضطهاد القومي العرقي - ولا سيما ضدّ الأكراد. وقد بلورت بذلك أوسع أفقٍ سياسي تحرّري تفتقت عنه البلاد منذ عقود. لقد تطلب كسر شوكتها عنفاً مفرطاً شمل اعتقالاتٍ جماعية واستخداماً للرصاص الانشطاري الذي سلب الكثيرين أبصارهم، إلا أنّها استطاعت انتزاع تنازلاتٍ ملموسة، لعل أبرزها تراجع الدولة الجزئي عن فرض الحجاب القسري في الفضاء العام.
بيد أنّ الحراك الراهن يختلف عن سابقيه، فهو يفتقر إلى الوضوح الإجرائي للحركة الخضراء، ويفتقر إلى التماسك التحرّري لاحتجاجات 2022. يبدو الحراك أكثر اتساعاً في تركيبته الاجتماعية، وأشدّ تشتّتاً في مطالبه، ومصبوغ أكثر بالإنهاك الاقتصادي والحصار الجيوسياسي. ولا يجمع المشاركين فيه برنامجٌ سياسي موحّد، بل شعورٌ جمعي بأنّ النظام القائم غير قابل للإصلاح. وفي ظل هذا الفراغ، وجدت التيّارات الملكية فرصة للبروز من جديد. ويجسّد نداء بهلوي للتطبيع الفوري مع إسرائيل توجهَ مشروعٍ مرتهنٍ للخارج، يمنح الأولوية لإعادة الاصطفاف الجيوسياسي على حساب قضايا العدالة الاجتماعية أو السيادة الشعبية.
وهذا التوجه تدفعه منظومة دعائية قوية. تعمل قنوات فضائية ناطقة بالفارسية، مثل «منوتو» و«إيران إنترناشيونال» (وكلاهما يتّخذ من لندن مقرّاً له)، ضمن هياكل تمويلية يكتنفها الغموض ويُعتقد على نطاق واسع اعتمادها على تمويل خارجي. وقد تضافرت جهود هذه الشبكات الإخبارية للترويج لرواية تحريفية عن حقبة البهلوية ما قبل العام 1979، وعمدت إلى تعميم نمط حياة نخبة ضيّقة مع طمسٍ ممنهج لما ساد ذلك النظام من قمع سياسي صارخ وانعدام للمساواة. وقد وجدت هذه السردية آذاناً صاغية لدى الأجيال الشابة التي لم تعرف نظاماً سياسياً سوى الجمهورية الإسلامية، وانجذبت لأسطورة «العصر الذهبي» البهلوي المفقود، حين كانت إيران - بزعمهم - في طريقها لتصبح «يابان غرب آسيا»، لولا مؤامرة دولية أطاحت بذلك المسار ونصّبت حكم رجال الدين. وفي هذا السياق، عاد مصطلح «جيل الـ57» (الجيل المشارك في ثورة 1979) للظهور كلقب مهين، يعكس صراعاً جيلياً يُحمّل الرعيل الثوري الأول مسؤولية ما آلت إليه أوضاع إيران الراهنة.
تُعزّز لقاءات بهلوي مع نتنياهو، وما يُتداول عن عمليات سيبرانية إسرائيلية تهدف لتضخيم الرسائل الملكية، من حقيقة ارتهان مشروعه للدعم الخارجي. وفي ظل غياب استطلاعات الرأي الرصينة والبحوث الميدانية المستقلة، من الصعب قياس العمق الحقيقي لتأييد عودة الملكية. لكن اللافت هنا تحوّل خطاب المعارضة. في 2009، كان طرح اسم رضا بهلوي كبديل سياسي للجمهورية الإسلامية أمراً مستبعداً ولا يلقى رواجاً. أما اليوم، فبات هذا الطرح اليوم يتردّد بزخمٍ لافت، لا سيما في إعلام الشتات والخطاب السياسي الغربي. ولا ينمّ هذا التحولٌ عن قوةٍ ذاتية للتيار الملكي بقدر ما يعكس تآكل المسارات البديلة للتحول السياسي، ولّد نوعاً من الاستثمار النفسي في فكرة المُخلص الإمبراطوري الهابط من الخارج: خلاص إيران السياسي لا يمكن أن يتحقّق إلا بيدٍ خارجية.
ممّا لا شك فيه أنّ الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية قد سعت جاهدة لركوب موجة الاحتجاجات واختطافها. بيد أنّ أعظم ما حققه هؤلاء كان منح السلطة مسوغاً شرعياً للقمع، عبر تصوير الاحتجاج بوصفه امتداداً لحرب حزيران/يونيو
لذا، يتعيّن فهم الانعطافة الأخيرة نحو الملكية - بكل ما تعجّ به من تيّارات شوفينية واستعلائية عرقية - بوصفها عَرَضاً لا سبباً. فهي وليدة اليأس لا الاقتناع، وثمرة عقودٍ دأبت فيها الجمهورية الإسلامية على الوأد الممنهج لكل مسعى سلمي للتغيير من الداخل. لا تزال تشكيلات المجتمع المدني الإيراني تقاوم للبقاء، لكن قواها قد خارت بفعل سنواتٍ من التشرذم والقمع. وبذلك، تحمل اللحظة الراهنة سيماء أواخر السبعينيات، حين أفلح جهاز السافاك (شرطة الشاه السرية) في إنهاك قوى اليسار المنظّم التي كانت يوماً ما قوةً عصية لا يُستهان بها، لتجد تلك القوى نفسها غير مستعدّة لمجابهة ائتلافٍ إسلامي كان يفوقها تماسكاً وانضباطاً آنذاك.
ما تنجلي عنه هذه اللحظة الراهنة أيضاً هو ذاك التشابك العضوي بين التهديدات الأميركية والإسرائيلية من جهة، وآلة القمع السلطوية من جهة أخرى. ومع أنّهما مساران متباينان تحليلياً ولا يمكن اختزال أحدهما في الآخر سياسياً، إلا أنّهما يعملان وفق آلية تتبادل فيها التأثيرات وترسم ملامح النتائج بشكل مشترك. ففي ظل ضغوط خارجية مستمرة، يغدو كبح جماح المعارضة أيسر منالاً، ويُعاد تعريف التنازل بوصفه نقطة ضعف، وتُسقط الشرعية عن التيارات المعارضة عبر وصمها بأنّها قنوات للتغلغل الأجنبي. تضيق جعبة الخيارات المتاحة لردود أفعال الدولة، فتستحيل القوة القهرية من ملاذٍ أخير إلى نمط الحكم الافتراضي.
على الرغم من كل ما سلف، لا يزال الميدان السياسي الإيراني مكتظاً بالفاعلين ومفعماً بالصراعات. لا تزال النقابات العمّالية والحراك الاجتماعي الكردي والمنظّمات النسوية والطلّاب والصحافيون والمحامون والشبكات المدنية تقاوم للبقاء ليس لأنّ القمع قد فشل، بل لأنّ التعدّدية السياسية في إيران تضرب بجذورها عميقاً في التربة التاريخية للبلاد. وفي الوقت نفسه، فإنّ الاعتقاد بأنّ الجمهورية الإسلامية باتت قاب قوسين أو أدنى من السقوط ينطوي على مخاطرة بسوء تقدير موازين القوى الداخلية. يتعيّن على أي تقييم موضوعي أن يضع في الحسبان محورية المؤسسة الأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري. ومؤسسة الحرس هذه التي ولدت من رحم الثورة، وصُقلت في أتون العنف المصاحب لتوطيد أركان الحكم، ثم ترسّخت أقدامها في خلال حرب السنوات الثماني مع العراق البعثي، قد تمدّدت منذ ذلك الحين إلى ما هو أبعد بكثير من مهامها الأصلية. ففي مرحلة ما بعد 1988، انخرط الحرس في غمار إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني المنهك، ليحوّل نفسه تدريجياً إلى تكتل سياسي واقتصادي مترامي الأطراف، بالتوازي مع كونه قوة عسكرية ضاربة تملك خبرة إقليمية لا تُبارى في خوض الحروب غير المتكافئة. وكما يتجلى بوضوح اليوم في فرض الأحكام العرفية فعلياً عبر المدن الإيرانية، فإنّنا لسنا بصدد مؤسسة ستتبخر ببساطة أمام زخم الاحتجاجات الشعبية، ولا هي بالمؤسسة التي قد تتورع عن استخدام أقصى درجات العنف للبقاء.
على وقع هذه المعطيات، بدأت تتبلور السيناريوهات الأكثر واقعية المطروحة للنقاش. يتمثّل أحدها في نمط من التوحيد السلطوي بقيادة النخبة، وهو طرحٌ يزداد رواجاً داخل إيران بصبغة بونابرتية. ولعل التكهنات التي كانت تشير يوماً إلى أنّ اللواء قاسم سليماني قبيل اغتياله من قبل إدارة ترامب في كانون الثاني/يناير 2020 كان المؤهلَ الأبرز لهذا الدور، تعكسُ جوهرَ هذا المنطق: المراهنةُ على ظهور رجلٍ قويّ من صلب النظام يتمكّن من «إنقاذه» عبر جراحةٍ إصلاحيةٍ شاملة من الأعلى، وتُعيد الانضباط للمؤسسات، وتفضي في النهاية إلى تسويةٍ مع واشنطن. ومن غير المؤكد اليوم وجودُ شخصيةٍ تحظى بسطوةٍ مماثلة أو بمقدورها حشدُ ظهيرٍ شعبيٍّ خلف مشروعٍ كهذا، إلا أنّ ولع ترامب بالاستعراضات الخاطفة والمبهرة للقوة الإمبراطورية يدفع البعض، داخل إيران وخارجها، إلى الاستمرار في النظر لهذا الخيار بوصفه مخرجاً محتملاً.
يتعيّن فهم الانعطافة الأخيرة نحو الملكية - بكل ما تعجّ به من تيّارات شوفينية واستعلائية عرقية - بوصفها عَرَضاً لا سبباً. فهي وليدة اليأس لا الاقتناع، وثمرة عقودٍ دأبت فيها الجمهورية الإسلامية على الوأد الممنهج لكل مسعى سلمي للتغيير من الداخل
أما المسار البديل، وهو في كثيرٍ من أبعاده أكثر قتامة، فيتمثّل في استدامة وتكثيف الحرب الهجينة التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ أمد طويل ضد الجمهورية الإسلامية وشعبها. فبموجب هذا السيناريو، يُوظّف الحصار الاقتصادي الخانق والعمليات السرّية والضربات العسكرية المتقطّعة للنخر في التماسك الداخلي للنظام، حتى تظهر التصدعات داخل صفوف النخبة والأجهزة الأمنية، ما يضعف من احتكارها للعنف. ومع استمرار تدهور الأوضاع، فمن المحتمل أن تشتعل جذوة الاحتجاجات الشعبية من جديد، لتتقاطع هذه المرة مع مطالبات تدعو القوى الكبرى لدعم فصائل مسلحة أو حركات تمرد، قد تضم في صفوفها عناصر من قلب النظام نفسه. ولا يتمثل الخطر هنا في الانهيار المباغت للبنية الحاكمة، بل في الانزلاق الـمُضني نحو دوامةٍ من عدم الاستقرار قد تبلغ حد البلقنة. ويُعتقد على نطاق واسع أن هذا المآل هو الأفق الاستراتيجي الذي تنشده الدولة الإسرائيلية، لا سيما إذا تبيّن أن الرهان على تنصيب بهلوي كحليفٍ ممتثلٍ لم يكن سوى ضربٍ من أضغاث الأحلام تستعصي على التحقق.
ربما تلوح في الأفق بدائل أخرى. لكنّ التمعن في موازين القوى الداخلية والخارجية الراهنة لا يترك مجالاً لغير القتامة. فالحركات الاجتماعية التحررية التي لم ينقطع فتيل ثورانها طوال العقدين الماضيين لم تتلاشَ، لكنّها ترزح اليوم تحت وطأة أغلال القمع في الداخل، ومحاولات التوظيف الذرائعي من الخارج. وقدرة هذه الحركات على البقاء - دع عنك قدرتها على صياغة مستقبل إيران وفق رؤيتها وشروطها الخاصة - ستظل رهينة مدى صمودها أمام ضغوطٍ متضافرة تبدأ من ترسيخ السلطوية، وتمر عبر الأطماع الخارجية، وتصل إلى الضيق المتسارع في مساحات الفعل السياسي.
* إضافة من المحرر: سكيلا وكاريبديس (Scylla & Charybdis) هما شخصيتان أسطوريتان من الميثولوجيا الإغريقية، تُستخدم قصتهما لوصف الوقوع بين خطرين كبيرين، ولا يمكن تجنّب أحدهما من دون الاقتراب من الآخر.
نُشِر هذا المقال في 20 كانون الثاني/يناير 2026 في New Left Review، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموافقة من الجهة الناشرة.