بين تاريخ الرأسمالية وتحوّلاتها، هل المطلوب ضبطها أم استبدالها؟

5 كتب جديدة
ضبط الرأسمالية أم استبدالها؟

  • يقدّم مايكل رويرتس عرضاً موجزاً وإنما مكثفاً لخمسة إصدارات جديدة، تتناول تاريخ الرأسمالية وتحولاتها العالمية، وتناقش أزماتها الراهنة، وتطرح رؤى متباينة لمستقبلها؛ من إصلاحها وتنظيمها، إلى إخضاعها للصالح العام، وصولاً إلى الدعوة لاستبدالها بنظام اقتصادي مختلف. 

تراجع هذه التدوينة بعض الكتب الاقتصادية الحديثة الصادرة لمؤلّفين متنوّعين، ماركسيين وغير ماركسيين.

الرأسمالية تاريخ عالمي

البداية من عمل ضخم هو «الرأسمالية: تاريخ عالمي» لسفن بيكرت. يشغل بيكرت كرسي ليرد بِل للتاريخ في جامعة هارفرد، حيث يدرّس تاريخ الولايات المتّحدة في القرن التاسع عشر والتاريخ العالمي. وصف خبير اللامساواة العالمية توماس بيكيتي كتابه «الرأسمالية» بأنه كتاب هائل. وبيكيتي نفسه صاحب مؤلَّف ضخم سابق صدر في عام 2014 بعنوان «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، إذ بدا اقتراحه حينها أنه تحديث لـ«رأس المال» لماركس، العمل العائد إلى القرن التاسع عشر. 

في المقابل، لا يحاول بيكرت تحديث «رأس المال» لماركس أو نقده. فهو يسعى، بصفته مؤرّخاً اقتصادياً، إلى رسم مشهد واسع لصعود الرأسمالية منذ بداياتها الجنينية الأولى، التي يعيدها إلى 1,000 عام إلى الوراء. لذلك لا يقدّم تحليلاً نظرياً للرأسمالية كما يحاول بيكيتي في كتابه، بل يكتب عملاً وصفياً أكثر منه تحليلياً. يقدّم الكتاب رؤية عالمية للرأسمالية لا تحصرها في ما يسمّيه بيكرت المقاربة «المتمركزة حول أوروبا» لدى آخرين. هنا تكمن ميزته، إذ يمتلئ بالحكايات والأمثلة عن الرأسماليين وهم يعملون في أنحاء العالم. لكن يكمن مأخذه الأساسي في افتقاره إلى فهم منهجي للرأسمالية. بهذا المعنى، يقترب من عمل آدم توز، لأنه يشرح كيف جرت الأمور أكثر مما يفسّر لماذا جرت.

وكما يقول النص التعريفي على الغلاف، «يضع سفن بيكرت، مؤلّف «إمبراطورية القطن»، الكتاب الحائز جائزة بانكروفت، قصة الرأسمالية ضمن أوسع إطار جغرافي وتاريخي يمكن تصوّره، متتبّعاً تاريخها في خلال الألفية الماضية وفي أنحاء العالم. وفي إنجاز ملحمي، يأخذنا كتابه إلى أعمال التجار في عدن ومصانع السيارات في تورينو، وإلى مزارع السكر المرعبة والعنيفة في باربادوس، وإلى عالم العاملات في مصانع النسيج في كمبوديا اليوم».

يرى بيكرت أن الرأسمالية نشأت عالمية، إذ خرجت من جماعات تجارية في آسيا وأفريقيا وأوروبا، ولا تُفهم إلا كظاهرة عالمية. «يفهم هذا الكتاب الرأسمالية، قبل أي شيء آخر، بوصفها تطوراً عالمياً لا يمكن فهم تجلّياته المحلية إلا عالمياً. إذ تتشكّل الديناميات الاقتصادية في مكان محدّد بفعل صلاتها بالعالم الخارجي. فلا وجود لرأسمالية فرنسية أميركية، بل توجد رأسمالية في فرنسا وأميركا، وترتبط بعلاقات متنازَع عليها ومعقّدة مع الرأسمالية في أماكن أخرى، بل في كل مكان».

فهم هذا الكتاب الرأسمالية بوصفها تطوراً عالمياً، فلا وجود لرأسمالية فرنسية أو أميركية، بل توجد رأسمالية في فرنسا وأميركا، وترتبط بعلاقات متنازَع عليها ومعقّدة مع الرأسمالية في أماكن أخرى

يذهب بيكرت بعيداً في تأكيد الطابع الثوري للرأسمالية. «شكّلت الرأسمالية قطيعة أساسية في التاريخ البشري، لا لأنها أحدثت ثورة في الشؤون الاقتصادية فحسب، بل لأنها قلبت العلاقات الإنسانية رأساً على عقب، وتغلغلت في سياساتنا ومجتمعاتنا وثقافاتنا، وغيّرت البيئة الطبيعية التي نعيش فيها، وجعلت الثورة سمة دائمة في الحياة الاقتصادية. فالثورة الرأسمالية هي الثورة الوحيدة التي يقوم جوهرها الأساسي على استمرارها، ما يجعلها تستحق أن توصف بأنها حالة من الثورة الدائمة». 

لكن بيكرت يقرّ، بالطبع، بأن للرأسمالية عيوبها. «تتميّز الرأسمالية أيضاً بما تخلقه من أنواع محدّدة من اللامساواة الاجتماعية والتراتبيات العالمية». ومع ذلك، لا يريد أن يصطف مع المؤلّفين المؤيدين للرأسمالية أو منتقديها. «من جهة، تحوّلت كتابات ماركس إلى نصوص مقدّسة تُقرأ من خلالها سياسات اللحظة. ومن جهة أخرى، قرأ باحثون تاريخ الرأسمالية عبر عدسة لا تقلّ تقديساً لكتابات آدم سميث. يسعى هذا الكتاب إلى تجنّب هذين الحدّين من التقديس».

في الواقع، لا يصحّ القول إن ماركس لم يدرك التحوّلات الكبرى التي أحدثتها الرأسمالية في التقدّم البشري، أو إن آدم سميث لم يرَ مكامن الخلل في اقتصادات السوق. لكن بيكرت يلجأ إلى التاريخ الوصفي بدلاً من البصيرة الاقتصادية. يقول: «يحاول هذا العمل استعادة الرأسمالية بوصفها مجالاً للبحث التاريخي. وسيُظهر هذا التاريخ أن الرأسمالية ليست حالة طبيعية، وليست عملية يحدّد منطقها الداخلي مآلها النهائي إلا بالمعنى الأعمّ». بذلك، يتنحّى التصوّر المادي للتاريخ عند ماركس، ومعه تفسيره للتناقضات الداخلية في الرأسمالية، كما تتنحّى آراء الاقتصاديين النيوكلاسيكيين السائدين، الذين يرون في الأسواق وجني الأرباح سمة أبدية ومفيدة في التنظيم الاجتماعي البشري. وبدلاً من ذلك، تصير الرأسمالية تاريخاً مشروطاً.

لا يُخفي بيكرت الطابع العنيف لنشوء الرأسمالية عالمياً. «غالباً ما يُروى تاريخ الرأسمالية بوصفه قصة عقود وملكية خاصة وعمل مأجور، أي بوصفه، في صيغة منمّقة، تاريخاً لتحقّق الحرية الإنسانية. لكن ثمة قصة أخرى لا تقل أهمية، عن عمليات واسعة لنزع الملكية، وحشد هائل للعمل القسري، ووحشية في المصانع والمزارع الكبرى، وتدمير شرس لاقتصادات غير رأسمالية، واستخراج واسع للموارد لمصلحة المكسب الخاص. وكما سنرى في الفصول الآتية، لم تقم الرأسمالية على مكاسب الإنتاجية وحدها، وإنما أيضاً على عمليات استيلاء هائلة».

تمنح أقسام كثيرة في بدايات الكتاب القارئ رؤية بانورامية لمسار الرأسمالية وهي تعمل في أنحاء العالم، حتى حين هيمنت تشكيلات اجتماعية أخرى مثل العبودية والإقطاع والاستبداد الآسيوي. لكن، للأسف، يضعف تحليل بيكرت عندما يصل إلى القرن العشرين، أي إلى المرحلة التي أصبحت فيها الرأسمالية نمط الإنتاج والتشكيلة الاجتماعية المهيمنة عالمياً بالكامل. يلاحظ أزمة الرأسمالية المعاد تشكيلها بعد السبعينيات، أي الحقبة النيوليبرالية، لكنه يبدو واثقاً من أن الرأسمالية باقية، على الرغم من الأزمات الاقتصادية والبيئية والجيوسياسية المتراكمة التي نراها تتسارع في القرن الحادي والعشرين. «يمكننا أن نتوقّع بقاء الرأسمالية كلّية عالمية، حتى لو استمرت طبيعة هذه الكلّية في التغيّر، ربما بطرق جذرية ومفاجئة. ويمكننا أن نتوقّع استمرار قدرة الرأسمالية الهائلة على الإبداع، إلى جانب قدرتها المذهلة على التكيّف».

لكن هذه الثقة لا تبدو نهائية عند بيكرت. «في نهاية المطاف، مع ذلك، ستحين لحظة تنتهي فيها الرأسمالية. وبصرف النظر عمّا إذا كنا نخشى تلك النهاية أو نأمل بها، فإن الرأسمالية، مثل كل شيء في التاريخ البشري، محدودة زمنياً، حتى لو استحال القول متى ستنتهي أو كيف، وما الذي سيحلّ محلّها». لكن حتى إذا أفسحت الرأسمالية المجال لطور جديد من التنظيم الاجتماعي البشري، فسوف يستغرق ذلك زمناً طويلاً و«سيتداخل داخل الرأسمالية نفسها، تماماً كما ترسّخت الرأسمالية ذاتها داخل مجتمعات غير رأسمالية طوال قرون». أو ربما لا، إذا صارت «الأزمات البيئية والاجتماعية التي تتكشّف الآن وهنا غير قابلة للاحتمال». كل هذه الاحتمالات نتاج مقاربته الوصفية لتاريخ الرأسمالية.

التحوّل العالمي الكبير

ثمّة عمل ضخم آخر، هو أحدث كتب كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي والمتخصّص في اللامساواة العالمية برانكو ميلانوفيتش. سبق أن كتبتُ مراراً عن دراسات ميلانوفيتش المعمّقة في اللامساواة العالمية، لكن هذا الكتاب الجديد لا يتناول اللامساواة بقدر ما يتناول ما يراه تحولاً كبيراً جارياً في الاقتصاد العالمي، أي انتقال القوة الاقتصادية من أميركا الشمالية وأوروبا إلى آسيا. «التغيير الأول هو الأهمية الأكبر بكثير لآسيا والمحيط الهادئ، وانتقال النشاط الاقتصادي نحوهما». أما التغيير الكبير الثاني فهو نتيجة لهذا التحوّل. فمع ازدياد ثراء الصين، ازداد الصينيون ثراءً أيضاً. وهذا يعني أن من كانوا في الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى في الولايات المتّحدة أو ألمانيا أو إيطاليا، وجدوا أنفسهم، للمرة الأولى في آخر 200 عام، متأخرين عن أعداد كبيرة من الناس في آسيا. «على مستوى الدولة القومية، تحرّك مركز الثقل الاقتصادي والسياسي أكثر فأكثر نحو آسيا. أما على مستوى المداخيل الشخصية، فنرى تراجع الطبقة الوسطى الغربية».

يجادل ميلانوفيتش بأن الثورة الصناعية غيّرت البلدان التي تصدّرت مسار التصنيع، أي بريطانيا وفرنسا وشمال أوروبا، ثم الولايات المتّحدة، وأخيراً اليابان، وجعلت شعوبها أكثر ثراءً بكثير من شعوب أماكن أخرى. لكن هذا الوضع واجه، في خلال الأعوام الـ40 الماضية، تحدّياً جدياً للمرة الأولى. فبلدان آسيا لم تعد تكتفي باللحاق بالغرب، بل باتت تتفوّق عليه تكنولوجياً في بعض الحالات.

أدّى ذلك إلى حرب باردة جديدة، لا تقوم هذه المرة على الأيديولوجيا، أي الرأسمالية في مواجهة الشيوعية كما كانت الحال بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفياتي، بل على تنافس اقتصادي بين الولايات المتّحدة والصين. فإذا واصلت الصين تحقيق معدلات نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي أعلى من المعدل الأميركي بـ2 إلى 3 نقاط مئوية، فسيصبح لديها، في غضون جيل واحد أو جيلين كحد أقصى، عدد من الناس الذين يتجاوز دخلهم الدخل الوسيط الأميركي يعادل عدد الأميركيين. «إذا اعتبر المرء أن العلامة الحقيقية على اللحاق الاقتصادي هي أن تصبح الصين مساوية للولايات المتّحدة في الثراء على أساس نصيب الفرد، فسيستغرق ذلك وقتاً طويلاً. لكن قبل أن يحدث ذلك، ستصبح الصين، كدولة، أقوى بكثير من الولايات المتّحدة، لمجرّد أنها أكبر بكثير». وللاطلاع أكثر على مسألة اللحاق الاقتصادي، يمكن مراجعة ورقتي المقبلة التي ستنشرها الرابطة العالمية للاقتصاد السياسي.

إذا اعتبرت العلامة الحقيقية على اللحاق الاقتصادي هي أن تصبح الصين مساوية للولايات المتّحدة في الثراء على أساس نصيب الفرد، فسيستغرق ذلك وقتاً، وقبل أن يحدث ذلك، ستصبح الصين أقوى بكثير من الولايات المتّحدة

يعرض ميلانوفيتش 3 آراء في فوائد عولمة التجارة والتمويل في خلال الأعوام الـ40 الماضية أو أضرارها. يرى الرأي السائد أن التجارة بين الأمم تفيد كل البلدان، ومن ثم تقود إلى السلام. أما آدم سميث فيقدّم طرحاً أكثر تفصيلاً، إذ يرى أن التجارة المتوازنة وحدها تحفظ السلام. في المقابل، تذهب نظرية هوبسون-لوكسمبورغ-لينين إلى أن القوى الكبرى تتصارع للسيطرة على موارد بقية العالم وأصوله، وأن هذا الصراع يقودها في النهاية إلى الحرب، أي إلى الإمبريالية. يميل ميلانوفيتش إلى الجمع بين الرأيين الأخيرين. فقد أدّت نهاية العولمة والتجارة الحرة إلى تراجع مستويات المعيشة لكثيرين في الغرب، ومن ثم إلى «تنافر هائل بين أجزاء مختلفة من السكان الغربيين». وأضيفُ أن العولمة أدّت إلى نقل هائل للقيمة والموارد من الجنوب العالمي إلى الشمال العالمي، فأضرّت بمستويات المعيشة لا في الشمال العالمي وحده، بل أيضاً لدى الغالبية الساحقة في الجنوب العالمي. 

بحسب ميلانوفيتش، حلّت ليبرالية السوق الوطنية الآن محلّ العولمة النيوليبرالية. فباتت الرسوم الجمركية تُفرَض، وقيود الهجرة تتزايد. انتقل العالم من الخيار الثاني إلى الخيار الثالث. «لا تزال لدينا النيوليبرالية، لكن على المستوى الوطني فقط. ننتهي إلى نسخة من النيوليبرالية منزوعة من مكوّنها الدولي». يخلص ميلانوفيتش إلى أننا نعيش بوضوح «فوضى عالمية». لكنه يعلّق أمله على انتقال العالم نحو نظام متعدد الأقطاب. ففي النهاية، «يمكننا أن نبني نظاماً دولياً أكثر إنصافاً، تمتلك فيه القوى الكبرى مصلحة أكبر مما تملكه الآن». هكذا يمكن أن ينشأ توازن جديد في التجارة والتمويل والقوة الاقتصادية. لكن أليس الخيار الثالث، عندئذ، هو الخيار الثاني مجدّداً؟ 

اقتصاد الصالح العام 

ماريانا مازوكاتو اسم لامع آخر من أسماء الاقتصاد «اليساري»، وقد وُصفت ذات مرة بأنها أكثر اقتصادية إخافة في العالم. سبق أن راجعتُ كثيراً من كتبها السابقة، لكن يبدو أنها لا تُخيف فعلاً دوائر النفوذ الدولية. فهي تُدعى بانتظام إلى الكلام في أنحاء العالم، في ملتقيات اقتصادية سائدة مختلفة، وبصفتها مستشارة للحكومات. يحمل كتابها الأحدث عنوان «اقتصاد الصالح العام»، وقد سبقه كتاب بعنوان «اقتصاد المهمّة». وفي كل مرة، يظهر عنوان جذاب جديد يوحي بابتكار اقتصادي وبصيرة جديدة.

تقول مازوكاتو: «نظامنا الاقتصادي معطّل. أزمة المناخ تتسارع. اللامساواة تتعمّق. الثقة العامة تتآكل. تتركّز الثروة في أيدٍ أقل فأقل، فيما تسارع الحكومات إلى إصلاح ما تعجز الأسواق عن فعله، بدلاً من أن تشكّلها منذ البداية». فما الذي ينبغي أن تفعله الحكومات حسنة النية؟ بدلاً من محاولة تصحيح «إخفاقات السوق» وترقيع المشكلات، تحتاج الحكومات «إلى أن تبني، على نحو استباقي، الاقتصاد الذي نحتاجه». وتعرض مازوكاتو «نظرية جديدة للصالح العام، تتيح للحكومات والشركات تطوير علاقات اقتصادية ذات غاية، وتوليد القيمة، وبناء مساحات يمكن أن يتحقّق فيها الازدهار الإنساني».

كما في كتبها السابقة، تنطلق مازوكاتو من فرضية أن المطلوب هو شراكة بين دولة ناشطة والشركات الرأسمالية، أي المشاركة والتبادلية. فـ«الرأسمالية وحقوق العمال ليستا في توتر، بل يعتمد كل منهما على الآخر. والسياسة الصناعية التي تُشرك العمال في التصميم والتنفيذ تنتج نتائج أفضل للجميع». لذلك، لا تكمن الإجابة في تجاوز الرأسمالية، بل في تعزيز تمثيل العمال في هيئات اتخاذ القرار، بما في ذلك مجالس إدارة الشركات.

المطلوب هو شراكة بين دولة ناشطة والشركات الرأسمالية، لذلك، لا تكمن الإجابة في تجاوز الرأسمالية، بل في تعزيز تمثيل العمال في هيئات اتخاذ القرار

ينبغي للحكومات أن تشجّع الشركات الرأسمالية على الاستثمار، ولكن في ظل ما تسمّيه مازوكاتو «اشتراطات خضراء واجتماعية في كل القطاعات»، بما يضمن «تقاسم المخاطر والمكافآت عبر تمويل عام ذكي؟». وبدلاً من الاشتراكية، نحتاج إلى «عقود اجتماعية قوية داخل سياساتنا الصناعية الآن، كي نضمن أن تبني موجة الاستثمار الأخضر التاريخية هذه اقتصاداً يعمل لمصلحة الناس والكوكب معاً». نحتاج أيضاً إلى «سياسة صناعية موجّهة نحو المهمّة، تتعامل مع العمال بوصفهم مشاركين في خلق القيمة، مع اشتراطات تضمن تقاسم المكافآت». وتعترف مازوكاتو، نوعاً ما، بأن عقداً اجتماعياً كهذا، مع اشتراطات تُفرض على الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى، وعمالقة الوقود الأحفوري، والقطاع المالي، سيكون «مهمّة دقيقة، لأن الإفراط في الإدارة التفصيلية، مع قائمة طويلة من الشروط، يمكن بالطبع أن يخنق الابتكار». ومن جهة أخرى، «قد تجعل العلاقات الوثيقة مع الشركات الخاصة الحكومات عرضة للأسر». وهذا صحيح فعلاً.

تواصل مازوكاتو رحلتها الهانئة حول العالم، بين المؤتمرات والاجتماعات الحكومية وغيرها، للدفاع عن «مشاريع موجّهة نحو المهمّة»، وعن اشتراطات تُفرض على الشركات الكبرى، وعن عقد اجتماعي بين العمّال وأصحاب العمل، وكل ذلك من أجل اقتصاد الصالح العام. أجرؤ على القول إن العبارات البرّاقة والعناوين الرائجة لا تصنع تغييراً جذرياً.

الكازينو العالمي 

أما آن بيتيفور، في كتابها الجديد «الكازينو العالمي»، فلا تسعى حتى إلى تغيير جذري. فالمشكلة، في رأيها، أن التمويل العالمي المنفلت من التنظيم يسبّب الأزمات التي نراها في الاقتصاد العالمي. يحتفظ السوق العالمي للمال، القائم في النظام المصرفي الظلي الخارجي، بأصول مالية تبلغ 217 تريليون دولار، ويعمل خارج متناول أي سلطة ضريبية وطنية. ويمتص مديرو الأصول وشركات الأسهم الخاصة وصناديق التقاعد وصناديق الثروة السيادية مدّخرات العالم للاستثمار، ويديرونها كما يشاؤون، من دون أن يخضعوا لمساءلة السياسيين أو المواطنين الذين ينتخبونهم. 

لكن إصلاح هذا الخلل، بحسب بيتيفور، لا يتطلّب إجراءات اشتراكية أو شديدة الجذرية. تقول: «تستطيع المجتمعات والحكومات استعادة السيطرة على النظام المالي العالمي. لقد فعلنا ذلك من قبل، ويمكننا أن نفعله من جديد. بل من الضروري أن نفعل ذلك إذا أردنا إدارة التهديدين التوأمين: الانهيار المناخي وانهيار المحيط الحيوي». ترى بيتيفور أنه في تلك الأيام الذهبية بعد الحرب العالمية الثانية، نشأ نظام مالي عالمي عبر اتفاق بريتون وودز لإدارة «الاختلالات العالمية» وتدفّقات العملات والتجارة، فضلاً عن تنظيم التجاوزات والتهوّر الماليين. لكن الرئيس نيكسون نسف هذا الترتيب دولياً عندما فصل الدولار عن قاعدة الذهب في أوائل السبعينيات، ثم ألغى قادة حكوميون لاحقون القيود التنظيمية عن القطاع المالي، فحوّلوا الاقتصاد العالمي إلى كازينو عملاق. وهذا، في رأيها، سبب الانهيار المالي العالمي في عامي 2008 و2009، ولا علاقة للأمر بتراجع ربحية رأس المال أو بأي تفسير ماركسي «جامد» آخر. تكمن الإجابة الآن في العودة إلى فترة ما بعد الحرب، أي إلى التجارة المُدارة والتنظيم المالي. بهذه البساطة. لكنني لا أرى الأمر كذلك.

الخطة البديلة لاستبدال العولمة والتمويل المضارِب غير المنظّم هي استعادة التنظيم السليم. لكن التنظيم يفشل دائماً. فمنذ الركود الكبير، وقعت أزمات مصرفية عدّة، على الرغم من ازدياد التنظيم

ما يمنع العودة إلى تطبيق تنظيم عالمي، بحسب بيتيفور، هو الأيديولوجيا السائدة اليوم. تقول في مقابلة عن كتابها: «إذا قرأتَ «فايننشال تايمز»، فستجد أن من يتحدثون عن إدارة التجارة يُعاملون كأنهم تروتسكيون مجانين. لا أجرؤ على قول ذلك لأنني لا أريد أن أُوصم بأنني تروتسكية مجنونة. أنا، بحقّ الله، كينزية معتدلة جداً. لكن حتى آرائي المعتدلة تُعدّ متطرفة في عالم الأسواق الحرة. والمسألة التي نواجهها هي كيف نتغلّب على تلك الأيديولوجيا».

إذن، تعرف بيتيفور ما تتحدث عنه، بخلاف بقيتنا في اليسار. «ما يلفتني دائماً في الأزمة المالية الكبرى بين عامي 2007 و2009 هو أن اليسار لم يعرف أنها آتية. أنا فخورة جداً بأنني كتبتُ «أزمة ديون العالم الأول المقبلة» في عام 2006، لكن بقية اليسار لم يرَ أنها قادمة. كان الناس يتحدثون عن العولمة كأنها أمر مفروغ منه. وحين انفجرت، لم تكن هناك خطة بديلة. لم نكن نعرف حتى أن ذلك يمكن أن يحدث. كنا على القدر نفسه من الغباء مثل رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي، آلان غرينسبان. كان اليسار غبياً مثل غرينسبان، الذي قال إنه لم يكن يصدّق أن ذلك يمكن أن يحدث». في الواقع، رأى كثيرون في اليسار، في الأقل داخل اليسار الماركسي، الانهيار المالي قادماً، وراجِعوا ورقتي هنا. وما الخطة البديلة لاستبدال العولمة والتمويل المضارِب غير المنظّم؟ بحسب بيتيفور، هي استعادة التنظيم السليم. لكن التنظيم يفشل دائماً. فمنذ الركود الكبير، وقعت أزمات مصرفية عدّة، على الرغم من ازدياد التنظيم.

وفوق ذلك، إذا كان سبب مآسينا عالمياً قطاعاً مالياً خارج السيطرة، فلماذا لا تدعو بيتيفور إلى الملكية العامة للنظام المصرفي في الاقتصادات الكبرى، وإلى إغلاق صناديق التحوّط وغيرها من الأشكال المضارِبة لرأس المال المالي؟ بدلاً من ذلك، تقترح بيتيفور ضريبة على المعاملات المالية المضارِبة، وضوابط على تدفّقات رأس المال الطليق. وأي حكومات ستطبّق ذلك؟ يشبه هذا وضع ضمادة على جرح مفتوح، فيما الدم يتدفّق من شريان مثقوب.

الاقتصاد للمستغَلّين

تقدّم لنا مازوكاتو رأسمالية مع «اشتراطات» من أجل الصالح العام، وتقدّم لنا بيتيفور رأسمالية «منظّمة ومُدارة». وحده كتاب واحد يقترح إنهاء نمط الإنتاج الرأسمالي، وهو ليس لأكاديمي يُحتفى به، بل لناشط ماركسي إيرلندي. يكتب جيمس أوتول كتابه «الاقتصاد للمستغَلّين» من منظور الطبقة العاملة. ويشرح بوضوح وبساطة كيف تعمل الرأسمالية، ولماذا لم تعد قادرة على تلبية حاجات البشرية.

أوصلتنا الرأسمالية إلى نقطة يمكن فيها لجشع الشركات أن يدمّر الأسس الطبيعية لأي نظام متقدّم. الوقت يداهمنا. هذا النظام ليس طبيعياً. نستطيع أن نعيش بطرق أخرى

يتناول أوتول قانون القيمة عند ماركس، ويردّ بوضوح على منتقديه. فهو يشرح قانون الربحية عند ماركس، بل يعالج أيضاً ما يُسمّى «مشكلة التحويل». ويشرح أسباب الأزمات الاقتصادية والتضخّم وصعود الإمبريالية. ثم يعرض حجّة لمصلحة اقتصاد مخطّط، يقوم على الملكية المشتركة والرقابة الديمقراطية، بوصفه السبيل إلى الأمام للبشرية والكوكب.

«يعيش البشر الحديثون على الأرض منذ نحو 300,000 عام. أما المجتمع الطبقي فلا يتجاوز عمره بضعة آلاف من الأعوام، والرأسمالية لا يتجاوز عمرها بضعة مئات. لا شيء «طبيعياً» في هذا النظام. في تلك المئات القليلة من الأعوام، أوصلتنا الرأسمالية إلى نقطة يمكن فيها لجشع الشركات أن يدمّر فعلياً الأسس الطبيعية لأي نظام اجتماعي متقدّم. الوقت يداهمنا. هذا النظام ليس طبيعياً. نستطيع أن نعيش بطرق أخرى. نحن العمال ننتج هذا النظام. الأمر في أيدينا. على العمال أن يتولّوا السيطرة».

نُشر هذا المقال في 22 نيسان/أبريل 2026 على مدوّنة الكاتب، وتُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموافقة منه. 

    مايكل روبرتس

    اقتصادي ماركسي ومدوِّن، عمل في أسواق لندن لأكثر من 40 عاماً، ناشط سياسي في الحركة العمّالية،  ولديه كتب عدّة منها الركود العظيم - وجهة نظر ماركسية (2009)؛ الكساد الطويل (2016)؛ ماركس 200: مراجعة لمبادئ ماركس الاقتصادية (2018): وشارك في تحرير كتاب العالم في أزمة (2018).

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة