كيف تحمي المخزونات الكبيرة الصناعة الإيرانية في زمن الحرب

كيف تحمي المخزونات الكبيرة الصناعة الإيرانية في زمن الحرب

على مدى 8 أعوام، واجهت إيران أشمل برنامج عقوبات استهدف تقريباً كل قطاع من قطاعات اقتصادها. وعلى مدى 40 يوماً، تعرّضت لإحدى أكبر الحملات الجوية في التاريخ، بمعدّل يقارب 100 غارة يومياً طالت مواقع عسكرية ومبانٍ حكومية ومنشآت صناعية وبنية تحتية مدنية. وعلى الرغم من الأثر الكبير الذي خلّفته الحرب في الاقتصاد الإيراني، فإن اجتماع العقوبات والغارات الجوية، ثم الحصار البحري أخيراً، لم يؤدِّ إلى انهيار اقتصادي كامل.

أربك الصمود الاقتصادي الإيراني المسؤولين الأميركيين والمروّجين لعقوبات ترامب المعروفة بسياسة «الضغوط القصوى». فعلى امتداد 8 أعوام، أكّد صانعو السياسات في الولايات المتّحدة أن العقوبات كفيلة بـ«سحق» الاقتصاد الإيراني. واستهدف الضغط الاقتصادي بلوغ واحد من مآلين: إمّا دفع الجمهورية الإسلامية إلى تقديم تنازلات واسعة للولايات المتّحدة، أو إسقاطها عبر ثورة تغذّيها أساساً المظالم الاقتصادية. لكن الولايات المتّحدة انتهت إلى شنّ الحرب نفسها التي صُمّمت العقوبات لتفاديها. وحتى الآن، أظهر الاقتصاد الإيراني قدراً من الصمود مكّن القادة الإيرانيين من استدراج خصومهم الأكثر تفوّقاً إلى حرب استنزاف.

على الرغم من حربهم الاقتصادية على إيران طوال القسم الأكبر من العقدين الماضيين، لا يزال صانعو السياسات الأميركيون يملكون فهماً محدوداً للاقتصاد الإيراني. وكانت بيانات كثيرة كافية لأن تكشف لإدارة ترامب، مسبقاً، قدرة إيران على مواصلة معظم إنتاجها الصناعي حتى في زمن الحرب.

كم يبلغ المخزون؟ 

لعلّ أوضح دليل على هذا الصمود البنيوي الكامن يظهر في بيانات «عدد أيام تغطية المخزون»، وهو مقياس معياري لمستويات المخزون من المواد الخام، والسلع قيد الإنجاز، والمنتجات النهائية. وترد هذه البيانات في الإفصاحات الفصلية لأكثر من 700 شركة مدرجة في بورصة طهران.

ويتّضح عند النظر في أحدث التقارير، الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2025 عن الربع الثالث من العام الإيراني المنتهي في آذار/مارس 2026، أن الشركات الإيرانية كانت تحتفظ بمستويات مرتفعة من المخزون عند اندلاع الحرب.

وتراوحت مستويات المخزون بين أسبوعين و6 أشهر تبعاً للقطاع الفرعي. وفي المتوسّط، وعبر سلسلة من 30 قطاعاً فرعياً صناعياً، احتفظت الشركات الإيرانية بمخزون يكفي 96 يوماً. ويزيد ذلك بنحو 30 يوماً على ما أبلغ عنه المصنعون الأوروبيون، الذين رفعوا مستويات مخزونهم بصورة ملحوظة في الأعوام الأخيرة استجابةً للصدمات الجيوسياسية. كما تجاوزت مستويات المخزون في إيران ما تحتفظ به الشركات الأميركية بنحو 40 يوماً.

1

ماذا يعني ذلك؟ 

يعود التفاوت في مستويات المخزون لدى الشركات الإيرانية إلى نوع المنتج النهائي، ودرجة الاعتماد على الاستيراد، ومستوى التعرّض للعقوبات. فالشركات العاملة في القطاعات الفرعية المعفاة إلى حدّ بعيد من العقوبات، مثل صناعة الأغذية والمشروبات، أو في القطاعات ذات الاعتماد المحدود على السلع الوسيطة المستوردة، مثل قطاع البتروكيماويات، تميل عادةً إلى الاحتفاظ بمستويات أدنى من المخزون.

أمّا الشركات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأجزاء والمعدّات المستوردة، وتستهدفها العقوبات على نحو أشدّ، مثل الشركات الناشطة في قطاعي المعدّات الصناعية أو الآلات الكهربائية، فتحتفظ بأكبر مستويات المخزون. وتكتسب هذه القطاعات أهمية خاصة لأنها الأوثق صلة بالإنتاج الدفاعي الإيراني. وإذا كانت إيران، بحسب التقارير، لا تزال تحتفظ بعد 40 يوماً من الحرب بنحو 40% من ترسانتها من الطائرات المسيّرة و60% من منصّات إطلاق الصواريخ الباليستية، فمن المرجّح أنها لا تزال تحتفظ أيضاً بمخزونات كبيرة من المواد والأجزاء الضرورية لاستمرار إنتاج تلك المنظومات.

وبخلاف ما قد يبدو، تملك الشركات الإيرانية حوافز مالية معتبرة تدفعها إلى الاحتفاظ بمستويات مرتفعة من المخزون، ولا سيما من المواد والأجزاء المستوردة. وفي ضوء التراجع المستمر في قيمة العملة الإيرانية، تستخدم الشركات مخزونها بوصفه أداة تحوّط ضد التضخم. وبدلاً من الاحتفاظ بالنقد، تسعى إلى الحصول على مخصّصات من العملات الأجنبية من المصرف المركزي الإيراني، ثم تستورد مواد وأجزاء وآلات يُرجّح أن ترتفع قيمتها بالعملة المحلية. وهكذا، يعزّز المخزون صمود سلاسل الإمداد ويدعم الميزانيات العمومية للشركات أيضاً.

ومن المهم التنبيه إلى أن مستويات المخزون الواردة في إفصاحات الشركات لا تعكس توافر كل مادة أو منتج على حدة، بل تعبّر عن متوسّط عام فحسب. وعبر مختلف القطاعات الفرعية الصناعية، بدأت الشركات الإيرانية تسحب من مخزونها تدريجياً. وقد ظهرت بالفعل حالات نقص مقلقة في بعض السلع بعد الاضطرابات التي خلّفتها الحرب. لكن الحفاظ على مخزونات كبيرة جعل هذه الضغوط تتصاعد بوتيرة أبطأ وعلى نحو أكثر تدرّجاً ممّا توقّعه كثير من صانعي السياسات الأميركيين.

صمود نابع من القاعدة

تكشف خلاصة هذا التحليل أن الاقتصاد الإيراني أشدّ صموداً في وجه العقوبات والضغوط والحصار ممّا يُعترف به على نطاق واسع. وإذا واجهت إيران انقطاعاً يكاد يشمل تجارتها كلها، أمكن إطالة أمد المخزونات مع تراجع الطلب، أو إدارة استخدامها عبر ترشيد يفرضه زمن الحرب. لكن هذا الاحتمال يبقى غير مرجّح، حتى لو فُرض الحصار الأميركي بصرامة. فنحو نصف التجارة الإيرانية غير النفطية يجري عبر ممرّات برية وموانئ بحر قزوين. ويعني اجتماع المخزونات الكبيرة، وترشيد الطلب، ووجود سلاسل إمداد بديلة، أن اقتصاد الحرب الإيراني يستطيع الحفاظ على معظم الإنتاج الصناعي مدة لا تقلّ عن 3 أشهر، وربما تصل إلى  اشهر6، قبل أن تظهر انكماشات ملموسة في الإنتاج.

ويلفت هنا أن صانعي السياسات الإيرانيين، على خلاف نظرائهم الروس الذين عبّأوا موارد الدولة منذ بداية غزو أوكرانيا لتعزيز الإنتاج الدفاعي ودعم التصنيع المحلي، تركوا الشركات تعتمد إلى حدّ بعيد على نفسها، سواء في خلال 8 أعوام من العقوبات أو في خلال 40 يوماً من الحرب الأخيرة.

بهذا المعنى، لا يعكس صمود إيران في زمن الحرب قوة الجمهورية الإسلامية بقدر ما يكشف الصمود البنيوي الكامن في الاقتصاد الإيراني، وفي الشركات والأسر التي يتكوّن منها. وعلى مستوى الشركات الصناعية، تحقق هذا الصمود عبر توطين سلاسل الإمداد أو تنويعها، والحفاظ على مخزونات كبيرة، وإعطاء الأولوية للبساطة التكنولوجية والكفاءة. ولم يأخذ صانعو السياسات الأميركيون هذه التكيّفات في الحسبان، لأنهم لم يشنّوا حرباً على بلد صناعي منذ أكثر من 80 عاماً.

وصاغت أعوام اضطرابات العقوبات النهج الإيراني في الإدارة الصناعية، وجعلته قائماً على الاستعداد لأسوأ السيناريوهات، بما فيها الحرب العسكرية. والمفارقة أن قرار ترامب فرض عقوبات «الضغوط القصوى»، مع أنه أسهم في إبطاء النمو الاقتصادي في إيران، ربما حفّز أيضاً نشوء قاعدة صناعية أكثر مقاومة لصدمات سلاسل الإمداد، مثل تعطل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز. ويمكن القول إن القادة الإيرانيين لم يتمكّنوا من استخدام إغلاق المضيق سلاحاً إلا بفعل تكيّفات نابعة من القاعدة، مثل ارتفاع مستويات المخزون، جعلت الاقتصاد الإيراني أقلّ عرضة للاضطرابات الملازمة للتجارة البحرية.

غير أن التهديد الأكبر للاقتصاد الإيراني لا يأتي من اضطراب التدفقات التجارية، بل من الاستهداف المباشر للبنية التحتية الصناعية والمرافق الحيوية على يد الولايات المتّحدة وإسرائيل. وقد أصابت الهجمات منشآت كبرى في قطاعي الصلب والبتروكيماويات، فأثّرت في الإنتاج في هذين القطاعين، واضعةً ملايين الوظائف في دائرة الخطر.

ويعكس تهديد ترامب بقصف محطات الكهرباء الكبرى في إيران، الصادر قبيل دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، حجم الإحباط الأميركي من صمود الاقتصاد الإيراني. فتدمير محطات الكهرباء من شأنه أن يشلّ الإنتاج الصناعي الإيراني. لكنه سيشكّل أيضاً جريمة حرب، وسيستدعي هجمات إيرانية كارثية على محطات الكهرباء ومنشآت تحلية المياه في دول الخليج. وقد يتمكّن ترامب من تقصير هذه الحرب عبر تصعيدها، لكن هذا الخيار نفسه سيجعلها أعلى كلفة بكثير على الاقتصاد العالمي.

نُشِر هذا المقال في منصة «Bourse & Bazaar Foundation» في 19 نيسان/أبريل 2026، وتُرجم إلى العربية ونُشر في موقع «صفر» بموافقة من الجهة الناشرة. 

    إسفنديار باتمانقليج

    مؤسّس Bourse & Bazaar، وهي مؤسّسة تركّز على قضايا الديبلوماسية الاقتصادية والتنمية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ولا سيما إيران.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة