معاينة north africa

المغرب العربي والحرب ضد إيران
جغرافيا بعيدة وتداعيات قريبة

لا يشكّل العدوان الجاري على إيران حدثاً مشرقياً بعيداً يقف المغرب العربي إزاءه في موقع المتفرّج؛ فالمسافة الجغرافية التي تفصل الرباط والجزائر وتونس وطرابلس عن طهران لا تعني انفصالاً فعلياً عن شبكات التأثير التي تعيد اليوم تشكيل العالم. وفي زمن تتداخل فيه الطاقة مع الأمن، والأسواق مع السياسة، لا تُقاس الحروب بمقدار اقترابها من الحدود، وإنما بقدرتها على التسرّب عبر الاقتصاد العالمي، وعلى إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية، وتعديل حسابات الدول الواقعة خارج مسرح العمليات المباشر. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو منطقة المغرب العربي، على الرغم من بعدها الظاهر عن بؤرة التصعيد، أقرب إلى تداعياته مما توحي به الخرائط؛ فهي لا ترتبط عضوياً بالسوق الأوروبية فحسب، وإنما تُعدّ أيضاً جزءاً من معادلة طاقية وأمنية تمتد من الخليج إلى المتوسط.

فأيّ اضطراب في الخليج، حيث تمرّ نسبة وازنة من تجارة النفط العالمية، لا يظلّ محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل يعيد تشكيل كلفة الطاقة عالمياً، ويضغط على اقتصادات تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات أو عائدات التصدير. هنا تظهر أولى نقاط التقاطع بين دول المغرب العربي، وتظهر معها أولى اختلافاتها: ففي حين تقف تونس في موقع هشّ، بحكم اعتمادها على استيراد الطاقة وارتباط عجزها التجاري بتقلّبات أسعارها، يواجه المغرب معادلة مشابهة ضمن هامش تدبير أوسع نسبياً، بحكم تنويع شركائه واعتماده على سياسات دعم وإصلاح تدريجية، مع بقاء تبعيته الطاقية مرتفعة على نحو لافت. أمّا الجزائر، فتمثّل حالة مختلفة داخل الفضاء المغاربي؛ إذ يمكن أن تتحوّل من متلقٍ للصدمات إلى وسيط محتمل في امتصاصها، مستفيدة من موقعها مصدّراً رئيساً للغاز نحو أوروبا، بما يمنحها وزناً تفاوضياً إضافياً في لحظات التوتر، ويضعها في الوقت نفسه تحت ضغط الطلب الخارجي وتوازنات السوق الدولية. وفي ليبيا، تزداد الصورة تعقيداً، إذ تتداخل وفرة الموارد النفطية مع هشاشة الدولة وانقسامها، ما يجعلها عرضة لتحويل أيّ ارتفاع في الأسعار إلى عامل تنافس داخلي بدل أن يشكّل رافعة للاستقرار.

غير أنّ الاقتصاد، على أهميته، لا يختزل وحده طبيعة التأثير؛ تعيد الحرب على إيران ترتيب الاصطفافات السياسية في المنطقة، وتدفع الدول إلى إعادة تعريف موقعها ضمن شبكة علاقات تتجاوز محيطها المباشر. هنا تظهر مفارقة ثانية: تجد دول المغرب العربي، التي تحاول تقليدياً الحفاظ على مسافة من صراعات المشرق، نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف محسوبة بدقة، لا بفعل اقترابها من إيران، وإنما بفعل قربها من أوروبا، وارتباطها بشركاء خليجيين يملكون ثقلاً مالياً واستثمارياً متزايداً. لذلك تميل الخطابات الرسمية، بدرجات متفاوتة، إلى إظهار قدر من التعاطف أو التضامن مع أمن الخليج، لا على قاعدة الانخراط في المواجهة، وإنما بوصف ذلك إشارة إلى الانتماء إلى فضاء سياسي واقتصادي أوسع تُصاغ داخله الأولويات من جديد.

لكن هذا الميل لا يظهر على النحو نفسه في كل بلد. فالمغرب، بحكم تموضعه الاستراتيجي وعلاقاته المتشابكة مع الخليج والغرب، يبدو أكثر قابلية للتماهي مع خطاب يدعم استقرار الخليج بوصفه جزءاً من استقرار النظام الدولي الذي يرتبط به. في المقابل، تحاول الجزائر الحفاظ على خطاب أكثر استقلالية، يعكس تقليداً دبلوماسياً قائماً على عدم الانخراط المباشر في محاور إقليمية، وإن كانت حسابات الطاقة تفرض عليها بدورها التفاعل مع التحولات الأوروبية. أمّا تونس، فتتحرّك ضمن هامش أضيق، إذ تفرض هشاشتها الاقتصادية عليها قدراً من الحذر، فتبدو مواقفها أقرب إلى التوازن الخطابي منها إلى الاصطفاف الصريح. وفي ليبيا، يغيب الموقف الموحّد أصلاً، إذ تتعدّد القراءات تبعاً لتعدّد مراكز السلطة، ما يجعلها أقرب إلى ساحة تتلقّى التأثيرات بدل أن تعيد صياغتها.

تعيد الحروب المعولمة تعريف مفهوم «المسافة الاستراتيجية». فالدول لم تعد تُقاس أهميتها بقربها من مسرح العمليات، بل بمدى ارتباطها في الشبكات التي تمرّ عبره

في هذا التباين تتجلّى بنية أعمق من مجرّد اختلاف السياسات: بنية ترتبط بطبيعة الدولة، ومدى قدرتها على تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة قوة لا إلى مصدر هشاشة. فالحرب على إيران، إن اتّسعت، قد تمنح بعض دول المغرب العربي فرصاً ظرفية، مثل ارتفاع عائدات الطاقة أو زيادة الطلب الأوروبي على الشراكات البديلة، لكنّها في الوقت ذاته تضع المنطقة أمام اختبار صعب: كيف يمكن الإفادة من لحظة الاضطراب من دون التحوّل إلى امتداد وظيفي لاستراتيجيات خارجية؟ وكيف يمكن إظهار التضامن مع شركاء اقتصاديين وسياسيين، من دون الانجرار إلى منطق الاستقطاب الذي يغذّي الصراعات نفسها؟

تتداخل هنا التقاطعات والاختلافات في آن واحد: فكل دول المغرب العربي معنية بارتدادات الحرب، لكنها ليست متساوية في قدرتها على امتصاصها أو توظيفها. وكلها قريبة من أوروبا، لكنها تختلف في درجة اعتمادها عليها. وكلها حريصة على الاستقرار، لكنها تواجه تحديات داخلية تجعل هذا الاستقرار نفسه رهينة لعوامل خارجية متزايدة. ومن ثمّ، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ما إذا كانت الحرب ستؤثر على المنطقة، بل في الكيفية التي ستعيد بها هذه الحرب تعريف موقع المغرب العربي داخل النظام الإقليمي والدولي: هل سيبقى فضاءً هامشياً يتلقى الصدمات ويكيّف نفسه معها، أم يتحول، ولو جزئياً، إلى فاعل قادر على إعادة توجيه بعض مساراتها؟

بهذا المعنى، فإن «البعد» عن إيران ليس سوى معطى جغرافي محدود الدلالة، في مقابل «القرب» المركّب من أوروبا والأسواق وشبكات النفوذ، يجعل المغرب العربي جزءاً من معادلة الحرب منذ الآن، ويحوّل تداعياته المحتملة من احتمال نظري إلى واقع سياسي واقتصادي يتشكّل تدريجياً في خلفية المشهد. وتُمهّد هذه المفارقة، بين البعد المكاني والقرب الوظيفي، لفهم أعمق لما سيأتي: ليس بوصفه أثراً عابراً لأزمة خارجية، بل جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لموقع المنطقة في عالم يتجه نحو مزيد من التوتر والترابط في آن واحد.

من الخليج إلى المتوسط: كيف تُعاد صياغة الجغرافيا في زمن الحروب المعولمة

لا تعيد الخرائط السياسية وحدها صياغة الجغرافيا اليوم، وإنما تعيدها أيضاً تدفّقات غير مرئية:  النفط الذي يعبر المضائق، والغاز الذي يمرّ عبر الأنابيب، والسفن التي تُعيد رسم خطوط التجارة، وشركات التأمين التي تحدد كلفة الحرب قبل وقوعها. في هذا السياق، لا يمكن فهم الحرب ضد إيران بمعزل عن هذه البنية المعولمة التي تجعل من الخليج عقدة مركزية في نظام عالمي يتجاوز حدوده بكثير. فمضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه عشرات الكيلومترات، يتحول عملياً إلى شريان حيوي يمر عبره ما يقارب خُمس الإمدادات النفطية العالمية، إلى جانب جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال. يفسّر هذا المعطى الكمي البسيط كيف يتحوّل أيّ تهديد أمني، حتى لو كان محدوداً، إلى اضطراب عالمي؛ إذ لا تتوقّف الإمدادات فعلياً، لكنّ الأسواق تتفاعل مع احتمالات الانقطاع أكثر مما تتفاعل مع الوقائع.

من هنا تبدأ أولى آليات انتقال الأثر: ليس عبر الانقطاع المباشر، بل عبر «تسعير المخاطر». فمع كل تصعيد في الخليج، ترتفع أقساط التأمين على الناقلات، وتتغير مسارات الشحن، وتزداد كلفة النقل البحري، حتى في الحالات التي لا يحدث فيها إغلاق فعلي للممرات. وقد أظهرت تجارب سابقة، مثل الهجمات على ناقلات النفط في عام 2019 أو التوترات المتكررة في البحر الأحمر، أن مجرد ارتفاع مستوى التهديد يكفي لدفع شركات الشحن إلى إعادة توجيه مساراتها أو المطالبة بعلاوات تأمينية مرتفعة، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والسلع. وتحوّل هذه «الطبقة غير المرئية» من الاقتصاد البحري الخليج من فضاء إنتاج إلى فضاء تسعير، حيث لا تتحدّد قيمة البرميل في الحقول وحدها، وإنما أيضاً في المضائق والموانئ وشركات التأمين في لندن وسنغافورة.

لا تنحصر إعادة صياغة الجغرافيا في الكلفة، بل أيضاً مع إعادة توجيه التدفّقات. فكلّما زادت المخاطر في الخليج، زاد البحث عن مسارات بديلة: خطوط أنابيب تتجاوز المضائق، أو موانئ جديدة على البحر الأحمر، أو استثمارات في ممرات بحرية أخرى. وقد شهدت الأعوام الأخيرة تسارعاً في هذه الاستراتيجيات، سواء عبر مشاريع ربط خليجية-بحرية، أو عبر تعزيز دور موانئ شرق المتوسط، أو حتى عبر إعادة التفكير في طرق الشحن الطويلة التي تمرّ برأس الرجاء الصالح عند ارتفاع المخاطر في الممرات الضيقة. هنا تتحوّل الجغرافيا من معطى ثابت إلى متغيّر ديناميكي، حيث تُعاد كتابة «خريطة الطاقة» وفق منطق الأمان لا وفق منطق القرب وحده.

في هذا السياق، تظهر أوروبا بوصفها الفاعل الذي يعيد استقبال هذه التحوّلات ويحوّلها إلى سياسات. فالقارة التي سعت منذ أعوام إلى تقليل اعتمادها على مصادر طاقة غير مستقرة، تجد نفسها مع كلّ أزمة في الخليج أمام اختبار مزدوج: كيف تؤمّن الإمدادات على المدى القصير، وكيف تعيد هيكلة مصادرها على المدى المتوسط. وقد كشفت أزمة الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا عن مدى سرعة تحوّل أوروبا نحو بدائل جديدة، سواء عبر زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، أو عبر تعميق الشراكات مع مورّدين جدد، أو عبر تسريع الاستثمار في الطاقات المتجدّدة. غير أنّ هذه الاستراتيجيات، على الرغم من طابعها التقني، تحمل بُعداً جيوسياسياً واضحاً: فهي تعيد رسم علاقات القوة بين أوروبا ومحيطها، وتجعل من مناطق مثل شمال إفريقيا وشرق المتوسط جزءاً من معادلة أمنها الطاقي.

هنا تتجلّى مفارقة أساسية: فكلّما اشتدّ التوتر في الخليج، ازداد «قرب» المتوسط من مركز القرار الأوروبي. فلم يعد البحر المتوسط مجرّد فضاء حدودي، بل غدا امتداداً وظيفياً لأمن الطاقة الأوروبي. وهذا ما يفسّر الاهتمام المتزايد بالبنية التحتية في جنوبه، من موانئ الغاز إلى مشاريع الربط الكهربائي، ومن خطوط الأنابيب إلى الاستثمارات في الطاقة المتجدّدة. لكن هذا القرب يفتقر إلى التكافؤ؛ إذ لا يعني بالضرورة أن دول الجنوب تكتسب قدرة أكبر على التأثير، بل قد يعني أنها تندمج في منظومة تعتمد عليها من دون أن تتحكّم في قواعدها.

في الوقت نفسه، لا يقتصر انتقال الأثر على الطاقة، بل يمتدّ إلى إعادة ترتيب سلاسل الإمداد العالمية. فالممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا، وتمرّ عبر الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس، تشكّل أحد أعمدة الاقتصاد العالمي. وأيّ اضطراب في أحد هذه المفاصل، سواء نتج من تهديدات أمنية أو من ارتفاع التكاليف، يدفع الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها اللوجستية، تارةً عبر تقليص الاعتماد على مسار واحد، وتارةً عبر إعادة توطين بعض الأنشطة الصناعية. ولا تبدو هذه التحوّلات تقنية فحسب، إذ تخلّف آثاراً بعيدة المدى على توزيع الإنتاج العالمي، وعلى مواقع الدول داخل سلاسل القيمة.

ومن زاوية أخرى، تعيد الحروب المعولمة تعريف مفهوم «المسافة الاستراتيجية». فالدول لم تعد تُقاس أهميتها بقربها من مسرح العمليات، بل بمدى ارتباطها في الشبكات التي تمرّ عبره. وقد تكون دولة بعيدة جغرافياً عن الخليج أكثر تأثّراً من دولة قريبة، إذا كانت أشدّ اندماجاً في التجارة العالمية أو أكثر اعتماداً على واردات الطاقة. في المقابل، قد تتمكّن دولة أخرى من تحويل هذا الاضطراب إلى فرصة، إذا كانت تمتلك موارد بديلة أو موقعاً يسمح لها بأن تصبح جزءاً من الحل بدل أن تبقى جزءاً من المشكلة.

تكشف هذه التحوّلات مفارقة إضافية: فالحرب التي يُفترض أن تفضي إلى انقطاع، قد تُنتج في الواقع مزيداً من الترابط، لكن ضمن شروط مختلفة. إذ تدفع الأزمات الدول إلى تنويع شراكاتها، وبناء شبكات جديدة، وإعادة توزيع الاعتماد بدل إلغائه. وهكذا، لا تختفي العولمة تحت ضغط الصراع، بل تعيد تشكيل نفسها في صورة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد، والأمن مع السوق، والسياسة مع اللوجستيات.

في النهاية، لا يبدو أن الخليج والمتوسط فضاءان منفصلان، بل حلقتين في سلسلة واحدة تعيد الحروب المعولمة ترتيبها باستمرار. فكلّ تصعيد في الأول يعيد تعريف الثاني، لا عبر خطوط الخرائط، بل عبر تدفّقات الطاقة، ومسارات السفن، وقرارات الأسواق، واستراتيجيات الدول. وبينما تبدو هذه العملية تقنية في ظاهرها، فإنها في العمق سياسية بامتياز، لأنها تحدّد من يملك القدرة على التأثير، ومن يكتفي بالتكيّف، ومن يجد نفسه، مرة أخرى، في موقع يتلقّى نتائج حرب لم يخضها.

المغرب العربي في قلب التداعيات: الارتباط بأوروبا وضغوط الاصطفاف الإقليمي

إذا كانت الحروب المعولمة قد أعادت رسم الجغرافيا انطلاقاً من الخليج عبر الممرات والأسواق، فإن ارتداداتها في المغرب العربي لا تتجلّى فقط في الاقتصاد، بل تمتدّ إلى إعادة تشكيل موقع المنطقة داخل شبكة علاقات مركّبة تربطها بأوروبا من جهة، وبالفضاء الخليجي من جهة أخرى. فالدول المغاربية ليست خارج المعادلة، بل تقف عند نقطة تقاطع حسّاسة: يتجه نحو 65% إلى 75% من صادرات المغرب وتونس نحو الاتحاد الأوروبي، بينما تستوعب أوروبا أكثر من 50% من صادرات الجزائر الطاقية، بما يجعل أيّ اضطراب في الطلب الأوروبي أو في أسعار الطاقة العالمية ينتقل سريعاً إلى بنية هذه الاقتصادات. في المقابل، تستورد تونس ما يقارب 50% من حاجاتها من الطاقة، ويغطّي المغرب أكثر من 90% من استهلاكه الطاقي عبر الواردات، وهو ما يضع البلدين في موقع هشّ أمام تقلّبات الأسعار المرتبطة مباشرة بالتوترات في الخليج.

لكن هذه الأرقام لا تكتسب معناها إلا إذا وُضعت في ديناميكية أوسع: فالتصعيد ضد إيران لا يؤثر فقط في مستوى الأسعار، بل يمتدّ إلى إعادة ترتيب الأولويات الأوروبية. فبعد أزمة أوكرانيا، سعى الاتحاد الأوروبي إلى تقليص اعتماده على الغاز الروسي، الذي مثّل نحو 40% من وارداته قبل عام 2022، وهو ما فتح المجال أمام الجزائر لزيادة صادراتها عبر الأنابيب، لتبلغ نحو 25–30 مليار متر مكعب سنوياً إلى أوروبا. ومنح هذا التحوّل الجزائر موقعاً تفاوضياً أفضل، لكنه في الوقت نفسه ربطها أكثر بإيقاع الطلب الأوروبي، بمعنى أنها غدت جزءاً من «حلّ الأزمة» بقدر ما غدت أكثر تعرّضاً لتقلّباتها. هنا تظهر مفارقة واضحة: فالاندماج في السوق الأوروبية يمنح وزناً استراتيجياً، لكنه يقلّص القدرة على الاستقلال في القرار.

العالم الذي تعيد الحروب المعولمة تشكيله يفرض على الدول أن تكون جزءاً من شبكات النفوذ، حتى لو حاولت الحفاظ على مسافة منها

في المقابل، لا تستفيد كلّ دول المغرب العربي من هذه التحوّلات بالطريقة نفسها. فبينما تستطيع الجزائر تحويل ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة في العائدات، إذ تشكّل المحروقات أكثر من 90% من صادراتها، تجد تونس نفسها أمام ضغط مزدوج: ارتفاع كلفة الواردات الطاقية من جهة، واتّساع العجز التجاري من جهة أخرى، وقد تجاوز في بعض الأعوام 10% من الناتج المحلي الإجمالي. أمّا المغرب، فعلى الرغم من نجاحه النسبي في تنويع اقتصاده، يبقى معرّضاً لتقلّبات أسعار النفط، التي تنعكس مباشرة على كلفة النقل والإنتاج، وبالتالي على التضخّم. وهنا لا يظهر أثر الحرب مباشرة، بل يصل عبر الأسواق العالمية، ما يجعل تداعياتها أقلّ وضوحاً سياسياً وأكثر عمقاً اقتصادياً.

غير أن العلاقة مع أوروبا ليست وحدها التي تحدد موقع المغرب العربي؛ فهناك أيضاً البعد الخليجي، الذي يفرض نفسه عبر قنوات مالية واستثمارية متزايدة. في خلال العقد الأخير، ضخّت دول الخليج مليارات الدولارات في مشاريع بنية تحتية واستثمارات في المغرب وتونس، بينما شهدت ليبيا حضوراً سياسياً واقتصادياً متزايداً لقوى خليجية مختلفة. لا يترجم هذا الارتباط دائماً في أرقام التجارة، لكنه يظهر في لحظات التوتر السياسي، حيث تميل الخطابات الرسمية إلى إظهار دعم أو تعاطف مع أمن الخليج، خصوصاً في مواجهة التهديدات الإيرانية. غير أن هذا «الدعم» يبقى في الغالب ضمن حدود محسوبة، لأنه يصطدم بضرورة الحفاظ على علاقات متوازنة مع شركاء آخرين، وعلى رأسهم أوروبا.

في هذا السياق، يمكن قراءة المواقف المغاربية بوصفها نوعاً من «التموضع المرن»: فهي لا تنخرط في الاصطفاف الكامل، لكنها لا تقف أيضاً في موقع الحياد الصارم. فالمغرب، مثلاً، يتبنى مواقف أكثر وضوحاً في دعم استقرار الخليج، وهو ما ينسجم مع علاقاته الاقتصادية والسياسية مع بعض دوله، بينما تحافظ الجزائر على خطاب أكثر تحفظاً، يعكس تقليداً دبلوماسياً قائماً على عدم الانحياز، حتى وإن كانت مصالحها الطاقية تربطها عملياً بأوروبا أكثر من الخليج. أما تونس، فتبدو أقرب إلى إدارة التوازن، حيث تتجنب الانخراط في مواقف حادة، نظراً لهشاشة وضعها الاقتصادي. وفي ليبيا، يتخذ الأمر شكلاً مختلفاً تماماً، إذ تتداخل الانقسامات الداخلية مع التأثيرات الخارجية، ما يجعلها ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ بدل أن تكون فاعلاً مستقلاً.

لكن ما يجمع هذه الحالات المختلفة هو أنّ «الحياد» لم يعد خياراً بسيطاً. فالعالم الذي تعيد الحروب المعولمة تشكيله يفرض على الدول أن تكون جزءاً من شبكات النفوذ، حتى لو حاولت الحفاظ على مسافة منها. وهنا تظهر مفارقة أخرى: فالدول التي تسعى إلى تجنّب الانخراط في الصراع تجد نفسها مضطرة إلى التكيّف مع نتائجه، سواء عبر تعديل سياساتها الاقتصادية أو إعادة صياغة خطابها الدبلوماسي. وبذلك، يصبح الحياد نفسه شكلاً من أشكال الانخراط غير المباشر.

ومن زاوية أعمق، تكشف هذه الديناميات عن إعادة تعريف «المجال المغاربي» نفسه. فلم يعد هذا المجال يُفهم فقط بوصفه امتداداً جغرافياً لشمال إفريقيا، بل باعتباره جزءاً من فضاء أوسع يمتدّ من الخليج إلى أوروبا، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك التبعات. فأسعار النفط في الخليج تؤثّر في كلفة المعيشة في تونس، وزيادة الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري تعيد تشكيل علاقات الطاقة في المتوسط، والاستثمارات الخليجية في المغرب تعكس امتداداً مالياً لخيارات إقليمية أوسع. وهكذا، تتحوّل المنطقة إلى نقطة التقاء بين دوائر مختلفة، لا تملك السيطرة الكاملة على أيّ منها، لكنها لا تستطيع الانفصال عنها.

في النهاية، لا يمكن فهم موقع المغرب العربي في ظلّ الحرب على إيران من خلال ثنائية «الحياد أو الانحياز» فقط، بل عبر شبكة أكثر تعقيداً من العلاقات التي تجعل كلّ خيار محكوماً بقيود متعدّدة. فالقرب من أوروبا يفرض أولويات اقتصادية واستراتيجية، والارتباط بالخليج يخلق ضغوطاً سياسية ومالية، والتوتر في الشرق يعيد تشكيل هذه المعادلة كلّها. وبين هذه العوامل، تتحرّك الدول المغاربية في مساحة ضيّقة، تحاول من خلالها تحويل بعض التداعيات إلى فرص، من دون أن تفقد قدرتها على الحفاظ على توازن هشّ، قد يكون هو نفسه أحد أبرز تعبيرات الجغرافيا الجديدة التي تصنعها الحروب المعولمة.

تونس والجزائر وليبيا: تباين المسارات داخل وحدة التأثير

ليست تونس والجزائر وليبيا ثلاث حكايات منفصلة داخل الجغرافيا المغاربية، بل ثلاث طبقات من القصة نفسها. فما يبدأ بعيداً في الخليج، من توتر وتهديد للممرات وارتفاع في كلفة التأمين، لا يصل إلى هذه البلدان على شكل خبر خارجي، بل يتسرّب إليها بوصفه اختلالاً في التوازن. ولا يقتصر الأمر على توازن الأسعار فقط، بل يشمل توازن الأدوار داخل فضاء مترابط، حيث لا تتحرّك دولة إلّا وتعيد الأخرى حساباتها، حتى في غياب تنسيق مباشر بينها.

في الظاهر، يبدو المشهد بسيطاً: ترتفع أسعار الطاقة، وتبحث أوروبا عن بدائل، وتزيد الجزائر صادراتها، وتتحمّل تونس كلفة أعلى، وتبقى ليبيا معلّقة بين القدرة على الإنتاج والعجز عن الاستقرار. لكن هذا التبسيط يخفي ما هو أبعد: إذ لا تعيش الدول الثلاث هذه التحوّلات كلٌّ منها على حدة، بل داخل شبكة تجعل كلّ تغيّر في واحدة منها ينعكس على البقية. فحين ترتفع قيمة الغاز في السوق الأوروبية، لا يتحسّن موقع الجزائر فقط، بل يتّسع الفارق بينها وبين تونس، ويُعاد أيضاً تعريف موقع ليبيا بوصفها مورّداً محتملاً لا يمكن الوثوق به. وحين تتعطّل الحقول الليبية أو تتقلّب صادراتها، لا تخسر ليبيا وحدها، بل تزداد تلقائياً أهمية الجزائر، وتشتدّ حساسية تونس تجاه ما يمرّ عبر حدودها الشرقية من تجارة ويد عاملة وضغط أمني غير معلن.

لا تقول الأرقام هنا  كلّ شيء، لكنها تكشف الاتجاه العام: يستوعب الاتحاد الأوروبي نحو ثلثي صادرات تونس، وأكثر من نصف صادرات الجزائر، بينما تشكّل المحروقات أكثر من 90% من صادرات هذه الأخيرة. أمّا في ليبيا، فتكاد الصادرات الطاقية تحتكر الاقتصاد الخارجي احتكاراً كاملاً. وهذه ليست مجرّد نسب، بل مؤشرات على طبيعة الاندماج: تونس مرتبطة بالسوق، والجزائر بالسعر، وليبيا بالمورد الخام. إنها ثلاث علاقات مختلفة مع الخارج، لكنها تلتقي في نقطة واحدة: فكلّها تمرّ عبر أوروبا، وكلّها تتأثّر بما يحدث في الشرق.

هنا تتبدّى المفارقة: كلّما بدا أنّ المسارات تتباعد، ازداد التشابك. فالجزائر، التي يُفترض أن تكون رابحاً ظرفياً من ارتفاع أسعار الطاقة، لا تستطيع تحويل هذا «الربح» إلى استقلال فعلي، لأن قيمته تُقاس بمدى حاجة أوروبا إليه. فهي تزداد أهمية كلّما ازدادت هشاشة غيرها، لا كلّما تعزّزت قدرتها الذاتية. أمّا تونس، فلا تخسر لأنها تستورد الطاقة فحسب، بل لأنها ترتبط باقتصاد لا يمنحها هامشاً واسعاً لإعادة التكيّف؛ إذ يتحوّل كلّ ارتفاع في الأسعار سريعاً إلى ضغط اجتماعي، لا إلى فرصة لإعادة الهيكلة. أمّا ليبيا، فهي الحالة التي تختصر هذا التناقض: بلد قادر نظرياً على الاستفادة من كلّ ارتفاع في الأسعار، لكنه غير قادر عملياً على تحويل هذه الإمكانات إلى سياسة مستقرة، لأن الدولة نفسها ليست في وضع يسمح لها بالتصرّف كفاعل موحّد.

لكن الأهم من ذلك أنّ هذه الأوضاع لا تتجاور فقط، بل تتفاعل. فحين تتحسّن شروط الجزائر في السوق الأوروبية، لا يعني ذلك فقط زيادة عائداتها، بل أيضاً تعميق عدم التوازن داخل الفضاء المغاربي نفسه. وحين تتأزّم تونس اقتصادياً، لا يبقى الأمر داخلياً، لأن أوروبا تقرأه مباشرة ضمن معادلة الاستقرار المتوسطي، والجزائر تقرأه ضمن حسابات الجوار، فيما تتأثّر ليبيا به عبر مسارات التجارة غير النظامية والتداخل الحدودي. وكلّ اضطراب في ليبيا يتحوّل إلى عامل يعيد تشكيل الحسابات في البلدين الآخرين: ليس فقط بسبب الطاقة، بل بسبب ما يحمله من إمكانات انتقال الفوضى أو إعادة توزيع النفوذ.

بهذا المعنى، لا يمكن الحديث عن «تباين» بمعزل عن «وحدة التأثير». فالتباين لا يعني خروجاً من المنظومة، بل اختلافاً في الموقع داخلها. فالجزائر تشغل موقع المورّد الذي يربح من الاضطراب لكنه لا يتحكّم فيه. وتشغل تونس موقع الحلقة الحسّاسة التي تستقبل الصدمة بسرعة وتدفع ثمنها داخلياً. أمّا ليبيا، فتشغل موقع المجال المفتوح، حيث يتحوّل الاضطراب إلى حالة دائمة بدل أن يكون استثناء. إنها ثلاث وظائف، إن صحّ التعبير، داخل بنية واحدة لا تُدار من داخلها.

لم تعد المسألة مرهونة بكون هذه الدول قريبة أو بعيدة من الخليج، بل بكونها قريبة، بدرجات مختلفة، من أثره. فالتوتر في مضيق بعيد يمكن أن يرفع سعر النقل في ميناء تونسي، ويزيد قيمة الغاز الجزائري في عقد أوروبي، ويعيد فتح حسابات الإنتاج في حقل ليبي متنازع عليه

وهنا تحديداً يتبدّل معنى الجغرافيا. فلم تعد المسألة مرهونة بكون هذه الدول قريبة أو بعيدة من الخليج، بل بكونها قريبة، بدرجات مختلفة، من أثره. فالتوتر في مضيق بعيد يمكن أن يرفع سعر النقل في ميناء تونسي، ويزيد قيمة الغاز الجزائري في عقد أوروبي، ويعيد فتح حسابات الإنتاج في حقل ليبي متنازع عليه. فالجغرافيا هنا لا تختزلها خريطة، بل سلسلة علاقات: ما يحدث في نقطة يُعاد تأويله في نقطة أخرى، لا لأن الدول تتشابه، بل لأنها مترابطة.

ولهذا، لا يكمن السؤال في كيفية تأثّر تونس والجزائر وليبيا بالحرب أو بالتصعيد، بل في الكيفية التي تعيد بها هذه الدول مجتمعة، إنتاج هذا الأثر داخل فضائها. لأن ما يبدو تأثيراً خارجياً يتحوّل سريعاً إلى جزء من معادلة داخلية: في تونس، إلى ضغط على الدولة؛ وفي الجزائر، إلى فرصة مشروطة؛ وفي ليبيا، إلى عامل إضافي في تفكّك قائم. لكن هذه التمثّلات المختلفة لا تلغي الأصل المشترك، بل تؤكّده.

في النهاية، ليست وحدة التأثير نقيض التباين، بل شرطه. فلو كانت الدول الثلاث معزولة عن بعضها، لبدت استجاباتها مجرّد فروق وطنية. لكن لأنها متصلة، اقتصادياً وجغرافياً وسياسياً، فإن كلّ اختلاف يتحوّل إلى عنصر داخل معادلة أوسع. وهذا ما يجعل المغرب العربي، في هذه اللحظة تحديداً، ليس مجرّد منطقة تتلقّى تداعيات صراع بعيد، بل فضاء يعيد تشكيل هذه التداعيات بطريقته الخاصة، حتى وهو يبدو كأنه يكتفي بالتكيّف معها.

خاتمة: 

ما تكشفه الحرب الجارية على إيران لا ينحصر في آثارها الاقتصادية أو السياسية المباشرة، بل في الطريقة التي تعيد بها تعريف «المجال» نفسه الذي يتحرّك فيه المغرب العربي. فالمسألة لم تعد فقط في انتقال الصدمة من الخليج إلى المتوسط، ولا في كيفية تكيّف تونس أو الجزائر أو ليبيا معها، بل في أنّ هذا الانتقال كشف شيئاً أكثر جوهرية: أن المنطقة لا تتحرّك داخل إقليم محدّد بوضوح، بل داخل فضاء متداخل تتقاطع فيه دوائر لا تخضع لمنطق واحد. بهذا المعنى، لا يبدو المغرب العربي جزءاً من «شرق أوسط موسّع» كما يُقال أحياناً، ولا مجرّد «جوار أوروبي جنوبي»، بل منطقة تقع عند تقاطع نظامين لا يتطابقان: نظام أمني تُعاد صياغته من الخليج، ونظام اقتصادي تُعاد صياغته من أوروبا. ولم تخلق الحرب هذا الوضع، لكنها جعلته مرئياً. وفجأةً، تصبح الحدود بين ما هو «شرقي» و«متوسطي» أقلّ وضوحاً، لأن الحدث نفسه تقرأه عاصمتان، واحدة في الخليج وأخرى في أوروبا، بطريقتين مختلفتين، لكن نتائجهما تلتقي في المجال المغاربي.

وهنا يظهر تحوّل مهم: لم يعد السؤال كيف تتأثّر الدول المغاربية، بل كيف يُعاد استخدام هذه المنطقة داخل توازنات أوسع. فالحرب الجارية لا تعيد فقط توزيع القوة، بل تعيد تعريف ما يُعدّ «مفيداً» داخل النظام الدولي. والمغرب العربي، في هذه اللحظة، يُعاد إدخاله في هذا التعريف: ليس بوصفه فاعلاً يحدّد مسار الأحداث، بل باعتباره فضاء يُطلب منه أن يؤدّي وظائف، في الطاقة، وفي الاستقرار، وفي الضبط، من دون أن يكون جزءاً من القرار الذي ينتج هذه الوظائف. ويطرح هذا التحوّل إشكالاً مختلفاً عمّا سبق طرحه. فلم يعد التحدّي في إدارة التوازن بين أوروبا والخليج، بل في التعامل مع واقع تصبح فيه هذه التوازنات نفسها مفروضة من الخارج. فحين تتحدّد أولويات الطاقة في بروكسل، وأولويات الأمن في الخليج، لا يبقى أمام دول المنطقة سوى التكيّف مع معادلة لم تشارك في صياغتها. لكن هذا التكيّف لا يكون سلبياً بالكامل، لأنه يفتح أيضاً مساحات صغيرة للمناورة، حيث يمكن للدول أن تعيد ترتيب علاقاتها، أو أن تستثمر موقعها، أو أن تفرض، ولو جزئياً، إيقاعاً مختلفاً.

غير أنّ هذه المساحات تبقى محدودة، ليس فقط بسبب ضعف الإمكانات، بل أيضاً بسبب غياب تصوّر إقليمي مشترك. فالمغرب العربي، على الرغم من تشابك مساراته، لا يتحوّل إلى كتلة تفاوضية واحدة، بل يظلّ فضاءً تتجاور فيه سياسات وطنية منفصلة. وهذا ما يجعل كلّ دولة تواجه التحوّلات العالمية بأدواتها الخاصة، بدل أن تتحوّل هذه التحوّلات إلى فرصة لإعادة بناء الفضاء الإقليمي نفسه. وهنا تكمن إحدى المفارقات العميقة: فكلّما ازداد الترابط بين هذه الدول بفعل الأزمات، ازداد غياب التنسيق بينها.

في هذا السياق، لا يمكن فصل موقع المغرب العربي عن طبيعة الدولة داخله. فالدولة هنا لا تتحرّك فقط كفاعل خارجي، بل كوسيطٍ بين الداخل والخارج، بين ما يُفرض عليها من الخارج وما يمكن احتماله داخلياً. وهذا الدور الوسيط يزداد تعقيداً في زمن الحرب، حيث تتسارع الضغوط، وتتقلّص الهوامش، وتصبح القرارات الاقتصادية والسياسية أكثر ارتباطاً باعتبارات لا تنبع من الداخل فقط. لذلك، فإن إعادة تعريف الموقع لا تتمّ على مستوى السياسة الخارجية وحدها، بل في كيفية إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين الاستقرار الاقتصادي والضغط الاجتماعي، بين السيادة والاندماج.

الحرب الجارية لا تعيد فقط توزيع القوة، بل تعيد تعريف ما يُعدّ «مفيداً» داخل النظام الدولي. والمغرب العربي، في هذه اللحظة، يُعاد إدخاله في هذا التعريف: ليس بوصفه فاعلاً يحدّد مسار الأحداث، بل باعتباره فضاء يُطلب منه أن يؤدّي وظائف

ومن هذه الزاوية، قد لا تكون الحرب لحظة «أزمة» بقدر ما هي لحظة «كشف». فهي لا تفرض واقعاً جديداً بالكامل، بل تسلّط الضوء على البنية التي كانت تعمل بصمت: اقتصاد يعتمد على الخارج، وفضاء إقليمي غير متماسك، ودول تتحرّك ضمن هوامش محدودة. لكن الكشف لا يعني بالضرورة التغيير. فقد تستمرّ هذه البنية كما هي، مع تعديلات طفيفة، وقد تتحوّل، إذا توفّرت الإرادة والظروف، إلى نقطة انطلاق لإعادة التفكير في موقع المنطقة.

هنا تحديداً ينفتح الأفق التحليلي: فالسؤال ليس ما إذا كان المغرب العربي سيتأثّر بالحرب، لأنه يتأثّر بالفعل، بل ما إذا كان هذا التأثّر سيبقى مجرّد استجابة ظرفية، أم سيتحوّل إلى وعي استراتيجي جديد. وعيٌ يدرك أن الجغرافيا لم تعد تحدّد المصير، بل العلاقات التي تمرّ عبرها. وأن القرب والبعد لم يعودا يُقاسان بالكيلومترات، بل بدرجة الاندماج في شبكات لا تُرى على الخريطة.

في النهاية، لا تقود هذه الحرب إلى نتيجة واحدة بالنسبة إلى المغرب العربي، بل تفتح أمامه مساراً مفتوحاً. قد تعمّق تبعيته، وقد تمنحه فرصة لإعادة تعريف نفسه، وقد تفعل الأمرين معاً في الوقت ذاته. لكن ما يبدو ثابتاً هو أن المنطقة لم تعد قادرة على التفكير في نفسها كفضاء مستقل عن تحوّلات الإقليم الأوسع. فهي، سواء أرادت أم لا، جزء من معادلة تُصاغ خارجها، لكنها تُطبَّق داخلها.

وهنا يكمن التحدّي الحقيقي: ليس في الخروج من هذه المعادلة، وهو أمر غير واقعي، بل في فهمها بما يكفي لتحويلها من قيد إلى مجال للمناورة. وربما، في عالم تُعاد فيه كتابة الخرائط من دون أن تُرسَم، يكون هذا الفهم هو الشكل الوحيد الممكن للسيادة.

 

أهم المراجع المعتمدة: 

Abrahamian, Ervand. A History of Modern Iran. Cambridge University Press, 2008. 

Amanat, Abbas. Iran: A Modern History. Yale University Press, 2017. 

Maloney, Suzanne. Iran’s Political Economy since the Revolution. Cambridge University Press, 2015. 

Hinnebusch, Raymond. The International Politics of the Middle East. Manchester University Press, 2003. 

Fawcett, Louise (ed.). International Relations of the Middle East. Oxford University Press, 2019. 

Gause III, F. Gregory. The International Relations of the Persian Gulf. Cambridge University Press, 2010. 

Yergin, Daniel. The New Map: Energy, Climate, and the Clash of Nations. Penguin, 2020.

Mitchell, Timothy. Carbon Democracy: Political Power in the Age of Oil. Verso, 2011. 

Henry, Clement M., and Springborg, Robert. North Africa: Politics, Region, and the Limits of Transformation. Routledge, 2010. 

Willis, Michael J. Politics and Power in the Maghreb. Hurst, 2014. 

Vandewalle, Dirk. A History of Modern Libya. Cambridge University Press, 2012. 

Murphy, Emma C. Economic and Political Change in Tunisia. Palgrave, 1999. 

Martinez, Luis. La violence de la rente: Algérie, Irak, Libye. Presses de Sciences Po, 2010. 

Hibou, Béatrice. La force de l’obéissance: économie politique de la répression en Tunisie. La Découverte, 2006. 

Hourcade, Bernard. Géopolitique de l’Iran. Armand Colin, 2021.