اقتصاد التهريب في المغرب الكبير: شبكات محلية وأسواق عالمية في الظل
على امتداد الشريط الحدودي الواسع الذي يربط تونس والجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا، تتشكّل منظومة اقتصادية موازية لا ترى الدولة منها إلا أطرافها، فيما يبني سكان الحدود عليها حياتهم اليومية وسبل عيشهم. هذا الاقتصاد غير الرسمي، الذي قدّرته بعض الدراسات بما يقارب 30% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض بلدان المغرب الكبير، لا يمكن اختزاله في تجارة بسيطة أو نشاط مخالف للقانون، بل هو بنية معقّدة تحكمها قواعد وأعراف وشبكات ثقة، وتتحرك داخل فضاءات تتجاوز حدود الدولة وخطوطها المصطنعة. إنّ ما يظهر على سطحه كعمليات تهريب للسلع—وقود، مواد غذائية، سلع إلكترونية، ملابس، أدوية، سلع صينية وتركية، وحتى منتجات موريتانية ومغربية متجهة نحو الصحراء الكبرى—هو في جوهره اقتصاد ظلّ يستجيب لحاجات اجتماعية، ويعكس عجزاً بنيوياً في السياسات التنموية التي لم تستطع تحويل المناطق الحدودية من فضاءات عبور إلى فضاءات إنتاج.
الحدود المغاربية ليست حدوداً صلبة بالمعنى الذي تُشير إليه الخرائط المدرسية. إنها مناطق تماسّ اجتماعي واقتصادي تتغير يومياً بتغير أسعار الصرف، وسياسات الدعم، والتحولات السياسية الإقليمية. على طول الحدود التونسية–الجزائرية الممتدة لأكثر من ألف كيلومتر، تتحرك قوافل صغيرة من المهرّبين والمحترفين والعائلات التي تعتمد على هذا النشاط كمصدر رزق أساسي. تشير التقديرات إلى أنّ ما بين 30 ألف و40 ألف شخص في ولايات مثل القصرين والكاف وجندوبة، ومناطق جزائرية مقابلة مثل تبسة وخنشلة، يعتمدون مباشرة أو بشكل غير مباشر على تجارة العبور غير الرسمية. المشهد نفسه يتكرر على الحدود الليبية–التونسية في بن قردان، حيث تتداخل تجارة السلع التركية والصينية والمصرية مع اقتصاد محلي كامل يقوم على إعادة التوزيع، وعلى الحدود الجزائرية–المغربية، حيث تنشط شبكات واسعة من تهريب السلع الاستهلاكية لتعويض انقطاع التجارة الرسمية بين البلدين منذ منتصف التسعينات.
هذه الطرق والمسارات—الجبال والغابات والمسالك الرملية والمعابر الصحراوية—لم تنشأ صدفة. إنها استجابات طويلة الأمد لغياب الدولة أو حضورها الناقص، لارتفاع البطالة، لتفاوت فرص التنمية بين المركز والهامش، وللسياسات الاقتصادية التي جعلت الحدود مناطق «رخوة» يمكن فيها للممنوع والمسموح أن يتداخل، وللسلطة أن تعمل بالمراقبة حيناً وبالتغاضي حيناً آخر. لقد أنتجت ديناميات التجارة غير الرسمية هذه ما يسميه باحثون كعلي بنسعد وأوليفييه بلييز «عولمة من الأسفل»: شبكات محلية تتحرك داخل نظام اقتصادي عالمي، تخلق ممرات جديدة للسلع، وتُعيد رسم الجغرافيا الاجتماعية والاقتصادية من خلال علاقات الثقة، القرابة، والانتهازية، بقدر ما تُعيد صياغتها قوة السوق نفسها.
غير أن
فهم اقتصاد التهريب في المغرب الكبير لا يمكن أن ينطلق من افتراض أنه نشاط إجرامي أو هامشي. بالنسبة إلى سكان الحدود، هو اقتصاد للبقاء، اقتصاد يوفّر السلع الأساسية بأسعار معقولة في ظل ضعف القدرة الشرائية، ويغطي الفجوات التي تتركها الدولة حين تعجز عن توفير فرص عمل أو ضمان منافذ للاندماج الاقتصادي. يكفي أن ننظر إلى مدن مثل بن قردان أو في شرق المغرب أو جنوب الجزائر لنلاحظ أنّ آلاف الأسر تعتمد على هذا الاقتصاد ليظل الأطفال في المدارس، وليتمكن الشباب من إعالة عائلاتهم، ولتبقى الأسواق المحلية قادرة على الصمود أمام تقلبات الأسعار.
فهم اقتصاد التهريب في المغرب الكبير لا يمكن أن ينطلق من افتراض أنه نشاط إجرامي أو هامشي. بالنسبة إلى سكان الحدود، هو اقتصاد للبقاء، اقتصاد يوفّر السلع الأساسية بأسعار معقولة في ظل ضعف القدرة الشرائية
ومع ذلك، فإن هذا الاقتصاد الذي يمنح الحياة اليومية حدّاً أدنى من الاستقرار يكرّس في الوقت نفسه هشاشة طويلة المدى. فالمهرّبون الصغار الذين يعبرون الحدود يومياً معرضون للخطر عند كل خطوة؛ فهم مهددون بالملاحقة الأمنية، وبالتقلبات السياسية التي قد تغلق معبراً فجأة، وبالتغيرات الدولية التي ترفع أسعار الوقود أو توقف طريقاً صحراوياً كاملاً بسبب صراع مسلح أو ترتيبات إقليمية. إنّ ارتباط اقتصاد التهريب بدورات عالمية يجعل دخله غير مضمون، ويضع الشباب في موقع هشّ يتقاطع فيه الطموح بالضرورة، والربح بالمخاطرة، والمهارة الفردية باللايقين الكبير.
تأتي المفارقة الأعمق حين نلاحظ أنّ الدولة نفسها، على الرغم من خطابها الصارم ضد «الاقتصاد الموازي»، تنخرط بطرق مباشرة وغير مباشرة في إعادة إنتاجه. فهي تُشدد الرقابة حين يتطلب الأمر، ثم تخففها حين تتصاعد التوترات الاجتماعية؛ تغلق المعابر لفترة، ثم تعيد فتحها حين تختنق الأسواق المحلية؛ تُطلق حملات أمنية واسعة، ثم تُعيد ضبطها حين يتضرّر الفاعلون الاقتصاديون الذين تستفيد الدولة من ولائهم أو من قدرتهم على حفظ التوازن الاجتماعي. وهذا التذبذب في السياسات يجعل من الحدود فضاءً رمزياً لمعادلة الثقة والضبط: فهي تُدار لا كخطوط فاصلة، بل كصمامات ضغط تُستعمل لتنظيم العلاقة بين المركز والهامش، وبين الدولة وسكان الأطراف.
لكنّ ما يجعل اقتصاد الحدود في المغرب الكبير موضوعاً شديد التعقيد هو أنه لا يقتصر على الداخل المحلي؛ بل هو جزء من شبكة تمتد نحو أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء وشرق المتوسط. تأتي سلع من الصين وتركيا، تمر عبر ليبيا، لتصل إلى تونس والجزائر. تُهرّب سلع مغربية نحو موريتانيا ومنها إلى غرب أفريقيا. يُباع وقود جزائري في تونس بأسعار تخفف من عبء الفقر، لكنه يرتبط في الأصل بمنظومة دعم حكومي تجعل الحدود منطقة جذب لتهريب الطاقة. ما يبدو اقتصاداً محلياً بسيطاً هو في الواقع فصل من اقتصاد عالمي متعدد الطبقات، تتفاعل فيه أسعار النفط العالمية مع سياسات الدعم الوطني، وتتشكل فيه شبكات عابرة للدول تتجاوز في نفوذها أحياناً نفوذ المؤسسات الرسمية نفسها.
أمام هذه الصورة المعقدة، تبرز الإشكالية الجوهرية لهذا المقال: كيف يمكن فهم اقتصاد التهريب في المغرب الكبير كمنظومة مركّبة لا تختزل في الجريمة، ولا تُفهم بالكامل عبر الدولة الرسمية، بل تتجذّر في تاريخ طويل من العلاقات الحدودية، وفي عجز السياسات التنموية، وفي ديناميات اقتصادية عالمية تجعل الهامش جزءاً لا يُستغنى عنه من تدفق السلع ورأس المال؟ وهل يمثّل هذا الاقتصاد حلّاً مؤقتاً لتخفيف الفقر والبطالة، أم أنه يعمّق التفاوتات عبر إبقاء آلاف الشباب في موقع الوسيط غير المرئي بين الأسواق العالمية والدول التي لا تمنحهم بدائل حقيقية؟
إنّ اقتصاد الحدود في المغرب الكبير لا يكشف فقط طبيعة التهريب وشبكاته، بل يكشف أيضاً حدود الدولة ذاتها، وقدرتها على ضبط المجال، ورسم مستقبل تنموي متكافئ. وهنا بالضبط يبدأ التحليل الحقيقي.
جذور اقتصاد الظلّ: كيف نشأت شبكات التهريب على أطراف الدولة؟
يُعدّ فهم جذور اقتصاد الظلّ في المغرب الكبير تمريناً ضرورياً لتفكيك العلاقة المعقّدة بين الدولة والمجال الحدودي، حيث يتجاور حضور الدولة وغيابها، ويتقاطع القانوني مع غير القانوني ضمن منظومة تعايش ممتدّة تاريخياً. فمنذ أواخر الحقبة الكولونيالية، ساهم رسم الحدود بشكل اعتباطي—خصوصاً بين الجزائر وتونس، أو بين المغرب والجزائر، أو على أطراف ليبيا والصحراء—في خلق مناطق اجتماعية واقتصادية ظلّت في وضع «بين-بين»: ليست مندمجة بالكامل في الاقتصاد الوطني، ولا معزولة عنه، بل قائمة على شبكات حركة وتبادل سبقت نشوء الدول الحديثة نفسها. وقد أظهرت أعمال علي بنسعد أنّ الحدود المغاربية لم تتكوّن كموانع، بل كـ«ممرّات قديمة» تستعيد وظائفها كلما فشلت الدولة في تقديم بدائل اقتصادية. هذه المناطق لم تنتظر الدولة لتعيش؛ بل صنعت مواردها الخاصة عبر التجارة العابرة، المقايضة، والتهريب الصغير الذي تحوّل لاحقاً إلى شبكات واسعة بفضل التحولات السياسية والاقتصادية العالمية.
إنّ التحولات الاقتصادية الوطنية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ساهمت بدورها في تأصيل اقتصاد الحدود. فسياسات الدعم الحكومي في الجزائر، خصرصاً على الوقود، خلقت فارقاً كبيراً في الأسعار مقارنة بتونس والمغرب، ما جعل المناطق الحدودية تتحول إلى نقاط جاذبة لحركة سلع مستمرة. على سبيل المثال، كان سعر لتر البنزين في الجزائر أقل بثلاث إلى أربع مرات من سعره في تونس خلال سنوات 2000–2010، وهو فارق لا يمكن لأي اقتصاد حدودي أن يتجاهله. ومع الوقت، نشأت شبكات كاملة تتكفّل بتهريب الوقود في قوارير، ثم في شاحنات صغيرة، وصولاً إلى شبكات احترافية تمزج بين المعرفة الجغرافية والعلاقات المحلية ومعرفة دقيقة بمواعيد الدوريات الأمنية. وقد أظهر ماكس غاليان في بحوثه الميدانية أنّ هذه الشبكات ليست مجرد فعل فردي، بل اقتصاد منظّم تعمل داخله مؤسسات غير رسمية تُحدّد حصص العبور، وتفرض «ضرائب» محلية، وتؤطّر التوزيع داخل المدن الحدودية.
الحدود المغاربية لم تتكوّن كموانع، بل كـ«ممرّات قديمة» تستعيد وظائفها كلما فشلت الدولة في تقديم بدائل اقتصادية. هذه المناطق لم تنتظر الدولة لتعيش؛ بل صنعت مواردها الخاصة عبر التجارة العابرة، المقايضة، والتهريب
وتُظهر الحدود المغربية–الجزائرية مثالاً آخر على الجذور العميقة لاقتصاد الظلّ. فمنذ إغلاق الحدود البرية سنة 1994، لم تتوقف الحركة التجارية بين وجدة ومدينة أحفير من الجهة الجزائرية. وعلى الرغم من الرقابة المشددة، ظلّ سكان الريف الشرقي يعتمدون على دخول سلع مثل السكر، الزيت، الأرز، وحتى الأجهزة الإلكترونية، في حركة مستمرة تقوم على العلاقات العائلية والتاريخية بين القبائل المقسّمة سياسياً بين البلدين. وهنا تبرز أهمية تحليل جوديث شيل في كتابها عن الصحراء الجزائرية، حيث توضّح أنّ شبكات التجارة التقليدية (التي تعتمد على القرابة والسمعة والثقة) لم تختفِ مع نشوء الدولة، بل أعادت تكييف نفسها مع الحدود الحديثة، لتخلق اقتصاداً موازياً لا يمكن للدولة أن تسيطر عليه بالكامل من دون كلفة اجتماعية عالية.
أما على الحدود الليبية–التونسية، فقد كان للانهيار السياسي في ليبيا بعد 2011 أثر حاسم في توسّع شبكات التهريب. فمدينة بن قردان، التي كانت تاريخياً مركزاً تجارياً حدودياً، تحوّلت إلى عقدة رئيسة في حركة السلع القادمة من الموانئ الليبية، خصوصاً من زوارة وطرابلس. سلع تركية وصينية تدخل من دون رسوم تقريباً وتصل إلى الأسواق التونسية والجزائرية عبر شبكة من الوسطاء وسائقي الشاحنات والمخازن الحدودية. في إحدى الفترات بين 2012 و2014، قُدّر أن ما يصل إلى 40% من السلع الاستهلاكية في الجنوب التونسي كان يمر عبر هذه الشبكات غير الرسمية، وفق دراسات ميدانية لمؤسسات بحثية دولية. ويُظهر التحوّل الاجتماعي في بن قردان كيف يصبح اقتصاد الظلّ ليس فقط وسيلة للعيش، بل مشروعاً محلياً لإعادة توزيع الثروة، حيث يستفيد المئات من سائقي النقل، مالكي المخازن، العمال العرضيين، والمتاجر الصغيرة من هذه الدورة الاقتصادية التي تعمل خارج الاقتصاد الرسمي ولكن موازية له.
وتكشف أعمال أوليفييه بلييز، التي تناولت الصحراء الكبرى كفضاء حركة مستمرة، أنّ جذور اقتصاد الظلّ ليست ناتجة عن غياب الدولة فقط، بل عن طبيعة المجال نفسه: مساحات واسعة، طرق تاريخية، قبائل عابرة للحدود، ومهارات محلية في التنقل والتفاوض. هذا البعد الجغرافي-الاجتماعي يُفسّر لماذا لم تستطع سياسات «تأمين الحدود» الحدّ من التهريب، بل قامت أحياناً بتعزيز دور المهرّبين المهرة الذين يعرفون المسالك البديلة. هنا يصبح التهريب خبرة اجتماعية وثقافية، وليس مجرد مخالفة للقانون، وهو ما يفسّر استمراريته حتى عندما تتغيّر الأنظمة السياسية أو ترتفع المخاطر الأمنية.
كما أنّ التحولات الاقتصادية العالمية أدّت دوراً جوهرياً في ترسيخ جذور اقتصاد الظلّ. فمع صعود التجارة منخفضة التكلفة القادمة من الصين وتركيا، أصبح المغرب الكبير نقطة تجميع للسلع العابرة التي تدخل عبر موانئ ليبيا أو موريتانيا لتتوزع داخل المنطقة. ولأن السوق المغاربية مكونة من أكثر من 100 مليون مستهلك، فإنّ الطلب على السلع الرخيصة زاد من توسع شبكات التهريب التي تلبي حاجات السكان في ظل ضعف القدرة الشرائية وارتفاع الضرائب الجمركية. هنا يصبح التهريب ليس فعلاً مضاداً للدولة، بل خياراً اقتصادياً عقلانياً يقدّم حلولاً للمستهلكين لا تقدر السوق الرسمية على توفيرها.
وتكشف التجربة في مناطق مثل تامنراست بالجنوب الجزائري أو فكيك والراشدية في المغرب أنّ اقتصاد الظلّ يُنتج أيضاً أشكالاً جديدة من السلطة المحلية. فقد تتشكل مجموعات تهريب قادرة على فرض نظام داخلي أشبه بالتنظيم الذاتي، يضبط الأسعار، ويحدّد المسارات، ويؤمن الحماية. وفي هذا المستوى، يصبح المهربون جزءاً من نسيج الحكم المحلي أكثر من كونهم خارجه، ما يجعل الدولة نفسها مضطرة إلى «التفاوض الصامت» معهم، كما تُظهر أعمال شيل وبراشيه، بدل مواجهتهم بشكل مباشر.
في النهاية، لا يمكن فهم جذور اقتصاد الظلّ في المغرب الكبير دون النظر إليه كنتاج تفاعل بين التاريخ الاجتماعي، التحولات السياسية، جغرافيا الحدود، والاقتصاد العالمي. إنه اقتصاد نشأ من تناقضات الدولة نفسها: دولة قوية في المركز، ضعيفة على الأطراف؛ دولة تدعم بعض السلع، فترفع مستويات التهريب؛ وتفرض الضرائب، فتخلق حوافز للتهرّب منها. وهكذا يصبح اقتصاد الظلّ ليس مجرد نتيجة لفراغ ما، بل نتيجة لبنية كاملة، تعيد إنتاج نفسها عبر الزمن، وتُشكّل اليوم أحد أهم المفاتيح لفهم المستقبل الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة المغاربية.
الحدود كمساحة تفاوض: منطق العبور غير الرسمي بين الدولة والمجتمع
يُظهر اقتصاد الحدود في المنطقة المغاربية أنّ اللاقانونية (illégalisme) ليست فعلاً معزولاً عن الدولة، بل ممارسة اجتماعية–سياسية متجذّرة في التاريخ وفي واقع اقتصادي تُعيد الدولة نفسها إنتاجه. فالمجتمعات الحدودية في تونس والجزائر والمغرب وليبيا لا تتحرك في فراغ قانوني، بل في مساحة ملتبسة تُمارس فيها الدولة سلطتها بطريقة انتقائية، ما يجعل الحدود فضاءً للتفاوض أكثر منه فضاءً للردع. الواقع الميداني—وليس النظري—هو ما يوضّح هذه المفارقة.
على الحدود التونسية–الجزائرية، تقدّر تقارير البنك الدولي أنّ ما بين 600 مليون و800 مليون دولار من السلع تعبر سنوياً عبر التجارة غير الرسمية، وأنّ 30 ألف إلى 40 ألف شخص يعتمدون مباشرة على اقتصاد الحدود في ولايات مثل الكاف والقصرين وجندوبة. هذا الرقم لا يعكس فقط حجم الظاهرة، بل يكشف أيضاً عن هشاشة الاقتصادات المحلية التي لم تستطع الدولة دمجها في الدورة الوطنية. في مدينة فريانة أو حي الزهور بالقصرين، يمكن رؤية مئات الشاحنات الصغيرة التي تنقل الوقود الجزائري يومياً، على الرغم من وجود دوريات الجيش والحرس الحدودي. هذه ليست «مخالفات» بل منظومة اقتصادية تُعرف محلياً باسم الكَمّاسَة—شبكة كاملة من السائقين، الوسطاء، نقاط المراقبة، والمخازن. الدولة تعلم بوجودهم، لكنها لا تغلق خطوط التهريب لأنها تدرك أن قمعها الكامل سيعني فجوة معيشية لا تملك تعويضها.
الدولة في المغرب الكبير تؤدي دوراً مزدوجاً: فهي تُدين التهريب في خطابها الرسمي، لكنها تعتمد عليه عملياً لتسكين التوترات الاجتماعية في المناطق الأكثر هشاشة
أما على الحدود التونسية–الليبية، فالوضع أكثر دلالة. فقبل إغلاق معبر رأس جدير في 2015 ثم 2017، كانت مدينة بن قردان تستقبل ما بين 2,500 و3,000 شاحنة ليبية يومياً محملة بسلع تركية وصينية وإلكترونيات وأقمشة وألعاب أطفال. هذه السلع كانت تدخل تونس من دون ضرائب تقريباً، وتُضَخّ في الأسواق الكبرى من صفاقس حتى تونس العاصمة. عندما أغلق المعبر، اندلعت الاحتجاجات في بن قردان لأنّ 70% من اقتصادها المحلي مرتبط مباشرةً بهذه الحركة. هذا مثال واقعي صارخ عن أن اللاقانونية ليست هامشاً، بل جزء من النظام الاقتصادي المحلي، وأنّ معبراً حدودياً يمكن أن يشلّ مدينة كاملة إذا توقّف.
وفي الجزائر، لم يؤدِّ وجود الدعم الضخم للوقود إلى تقليص التهريب، بل زاد من حجمه. ففي العام 2018 مثلاً، كان سعر لتر البنزين في الجزائر 0.25 دولار مقابل 0.74 دولار في تونس و1.20 دولار في المغرب. هذا الفارق يجعل تهريب الوقود نشاطاً يومياً لا يمكن للدولة منعه. وفي ولايات مثل تبسة والطارف والنعامة، باتت قوارير البنزين البلاستيكية جزءاً من المشهد اليومي، إذ ينقل المهرّبون ما بين 10 و30 لتراً في كل رحلة قصيرة عبر المسالك الجبلية. وفي بعض الأيام، تصادر قوات الدرك الجزائري ما يصل إلى 20 ألف لتر من الوقود في نقطة حدودية واحدة. لكن على الرغم من ذلك، لا يتوقف التهريب، لأن المناطق الحدودية تعتمد على هذا الاقتصاد لتغطية حاجات المعيش اليومي، ولأن الدولة نفسها تستخدمه «كصمام أمان اجتماعي».
وعلى الحدود المغربية–الجزائرية، وعلى الرغم من إغلاقها منذ 1994، بقيت حركة السلع عبر وجدة وبني درار مستمرة. تقارير رسمية مغربية قدرت في 2013 أن نحو 400 مليون دولار من السلع الجزائرية تُهرّب سنوياً إلى المغرب، أغلبها محروقات ومشتقات غذائية. وحتى بعد تشديد الإجراءات، ظلت المنطقة تعتمد على «التجارة الصغيرة» التي تُمارس قرب السياج الحدودي. هذا ليس مجرد اقتصاد هش، بل اقتصاد يومي يسمح لآلاف النساء والرجال بالبقاء ضمن سوق العمل عبر شبكات تقليدية تستند إلى روابط قبائلية قديمة.
أما ليبيا فتمثل حالة قصوى. مع انهيار الدولة بعد 2011، أصبحت مدن الجنوب مثل سبها ومرزق وتمنهنت نقاط عقد لأسواق صارت تُعرف بـ «سوق الصحراء الكبرى». تمر عبرها سلع مستوردة من دبي وتركيا والصين. في 2016، قدّرت الأمم المتحدة أن أكثر من 70% من السلع القادمة جنوباً تُهرب إلى النيجر وتشاد ومالي. هذا الاقتصاد لا يعمل خارج سيطرة الدولة فقط، بل يقوم بوظائفها: حماية القوافل، تحصيل رسوم، تنظيم المسارات. وهنا تتمظهر اللاقانونية كبديل عن الدولة لا كتهديد لها.
من هذه الوقائع، يتضح أن اللاقانونية ليست انحرافاً بل تقنية حكم. الدولة في المغرب الكبير تؤدي دوراً مزدوجاً: فهي تُدين التهريب في خطابها الرسمي، لكنها تعتمد عليه عملياً لتسكين التوترات الاجتماعية في المناطق الأكثر هشاشة. وفي المقابل، يتعامل المجتمع مع القانون كمنطقة قابلة للتفاوض: ليس رفضاً للدولة، بل إعادة تعريف لأدوارها. فالمراقبة التي يمارسها الحرس الحدودي التونسي أو الجزائري ليست مراقبة كاملة، بل انتظام ضمن إيقاع اقتصادي تتشارك فيه أجهزة الدولة مع شبكات محلية من وسطاء وتجار وصغار المهرّبين.
وتقوم علاقة التفاوض هذه على توازنات دقيقة. فعندما يصبح التهريب واسعاً جداً بحيث يهدد موارد الدولة أو أمنها، تتدخل بقوة. وعندما تتصاعد البطالة أو تتراجع القدرة الشرائية، تغض الطرف. هذه المعادلة واضحة في بن قردان (تونس)، الكاف (الجزائر)، وجدة (المغرب)، وفي الجنوب الليبي. في كل هذه المناطق، يعكس اقتصاد الظلّ تفاعلاً سياسياً واقتصادياً يتيح للدولة حضوراً مرناً بدل حضور قسري. ولولا هذا التفاوض، لكانت الحدود المغاربية مناطق انفجار دائم.
تُظهر الوقائع أيضاً أنّ شبكات التهريب ليست مجرد وحدات صغيرة بل منظومات معقدة هيكلية. فتهريب السجائر في الجزائر والمغرب تديره شبكات تمتد إلى أوروبا الشرقية. وتهريب السلع الصينية عبر ليبيا يصل أحياناً إلى الأسواق الجزائرية عبر تونس. أما تهريب المحروقات في المغرب فيرتبط بالأسواق الإسبانية عبر سبتة ومليلية. هذه المسارات تربط المحلي بالعالمي عبر أنماط من التنظيم لا تستطيع الدولة الرسمية التحكم فيها بالكامل، لكنها قادرة على التكيّف معها.
إنّ اقتصاد الحدود في المغرب الكبير ليس مجرد ظاهرة لاقتصاد موازٍ، بل هو هيكل تفاوضي بين الدولة والمجتمع، يشتغل عبر اللاقانونية المنظمة. ولأنه كذلك، فإن القضاء عليه مستحيل من دون إعادة بناء شاملة لمنطق التنمية، ولعلاقة الدولة بأطرافها. الحدود هنا ليست خطوطاً، بل أنساق من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحدد يومياً من يمر، وماذا يمر، ومن يستفيد، ومن يدفع الثمن.
اقتصاد البقاء والهشاشة: حين يصبح التهريب بديلاً عن العمل والتنمية
إذا نُظر إلى اقتصاد التهريب من زاوية البقاء فقط، فسنغفل مفارقته الأساسية: أنّه يشتغل بوصفه عملاً مكثفاً في فضاءات تُصنَّف رسمياً كفضاءات «بطالة». ففي المناطق الحدودية بالمغرب الكبير، لا يعني غياب العمل المأجور غياب النشاط الاقتصادي، بل يعني انتقاله إلى صيغة لا تعترف بها الدولة ولا تقيسها أدواتها الإحصائية. فالشاب الذي يبدأ يومه قبل الفجر لتأمين عبور سلعة، والذي يفاوض الأسعار والمخاطر والمسارات، لا يعيش فراغاً اقتصادياً، بل يشتغل داخل نظام شديد الانضباط، تحكمه مواقيت، وسلاسل توزيع، وتسلسل هرمي غير مكتوب. ومع ذلك، يُدرج هذا الجهد كله تحت خانة «اللاعمل»، فتُنتج الدولة مفارقة عميقة: مجتمعات تعمل بلا اعتراف، وتتحمّل مخاطر اقتصادية بلا حقوق مقابلة. هنا لا يصبح التهريب بديلاً عن العمل فقط، بل بديلاً عن الاعتراف الاجتماعي بالعمل.
ما يجعل هذه المفارقة أكثر حدة هو أنّ اقتصاد البقاء لا يشتغل ضد منطق السوق، بل وفق منطقه الأكثر تجريداً. فالمهرّب الصغير هو الفاعل الأكثر تعرضاً لقواعد العرض والطلب من دون أي حماية مؤسسية: انخفاض سعر الوقود، تشديد أمني مفاجئ، تغير في سعر الصرف، أو اضطراب سياسي إقليمي، كفيل بإعادة ترتيب دخله اليومي بشكل جذري. وعلى عكس العامل الرسمي، لا يملك هذا الفاعل أدوات امتصاص الصدمة: لا عقد، لا تأمين، لا أفق زمني واضح. هكذا، يتحوّل التهريب إلى مدرسة قاسية للرأسمالية الهشة، حيث يتعلم الأفراد منطق السوق في أقصى صوره عنفاً، من دون أن يمتلكوا شروط التفاوض داخله.
وتظهر المفارقة الثانية حين نلاحظ أنّ اقتصاد البقاء لا ينتج فقراً سلبياً، بل نشاطاً كثيفاً بلا تراكم. فالدخل المتأتي من التهريب يُستهلك فوراً، ولا يتحوّل إلى رأسمال قابل للاستثمار أو إلى وسيلة للانتقال الطبقي. ليس لأنّ الفاعلين يفتقرون إلى «العقلانية الاقتصادية»، بل لأنّ بنية النشاط نفسها تمنع ذلك. فكل محاولة للخروج من الدورة اليومية—ادخار، فتح مشروع صغير، تقليص المخاطر—تصطدم بعدم استقرار القواعد التي يقوم عليها النشاط. والنتيجة أنّ التهريب يعمل كآلية لإعادة إنتاج الحياة، لا لإعادة إنتاج المستقبل. إنه اقتصاد حاضرٍ دائم، يُبقي الأفراد داخل لحظة معيشية متواصلة، من دون قدرة على تحويل الزمن إلى مورد.
اقتصاد البقاء لا ينتج فقراً سلبياً، بل نشاطاً كثيفاً بلا تراكم. فالدخل المتأتي من التهريب يُستهلك فوراً، ولا يتحوّل إلى رأسمال قابل للاستثمار أو إلى وسيلة للانتقال الطبقي
أما المفارقة الثالثة، فهي سياسية بامتياز، وتتعلق بعلاقة هذا الاقتصاد بالاستقرار الاجتماعي. فاقتصاد التهريب يساهم فعلياً في خفض حدّة التوترات في المناطق الحدودية، لأنه يوفّر دخلاً بديلاً في سياقات فشل التنمية. غير أنّ هذا الدور «الاستقراري» لا يعني اندماجاً، بل تعليقاً للأزمة. فالدولة، عبر غضّ الطرف الانتقائي، لا تعترف بالفاعلين ولا تدمجهم، بل تؤجّل الانفجار الاجتماعي عبر السماح بانتشار نشاط لا يمكن الدفاع عنه رسمياً. وبهذا المعنى، يصبح اقتصاد البقاء أداة حكم غير معلنة، تُدار عبرها الهشاشة بدل معالجتها. الدولة لا تنظّم هذا الاقتصاد، لكنها تراهن عليه ضمنياً، ما يجعل سكان الحدود عالقين في علاقة تبادلية غير متكافئة: دخل مقابل الصمت، وبقاء مقابل غياب الحقوق.
وتتضاعف هذه الهشاشة حين نربط اقتصاد التهريب بسؤال الكرامة. فالعمل في هذا الاقتصاد لا يمنح فقط دخلاً محدوداً، بل يفرض نمط حياة قائماً على التعرّض المستمر للإذلال الرمزي: مطاردات، مصادرات، تفاوض يومي مع السلطة، وتحوّل الجسد نفسه إلى أداة عبور. هذا البعد الرمزي مهم، لأنه يكشف أن الهشاشة ليست اقتصادية فقط، بل أخلاقية–سياسية. فالأفراد لا يُختزلون في فقراء، بل يُعاد تعريفهم كفاعلين «غير شرعيين»، حتى حين يؤمّنون وظائف اقتصادية حيوية للأسواق المحلية. هنا، لا ينتج اقتصاد البقاء فقراً مادياً فقط، بل هشاشة في الانتماء، حيث يصبح الفرد حاضراً اقتصادياً وغائباً سياسياً في آن واحد.
المفارقة الأخيرة، وربما الأعمق، تتعلق بالعولمة. فاقتصاد التهريب لا يوجد على هامش الاقتصاد العالمي، بل يعمل كواجهة خفية له. السلع التي يعبر بها المهرّبون هي نتاج سلاسل إنتاج عالمية تبحث عن أسواق منخفضة الدخل، وتستفيد من هشاشة الحدود والقدرة الشرائية. غير أنّ توزيع المخاطر داخل هذه السلاسل غير متكافئ: فكلما اقتربنا من الحلقة المحلية، ارتفعت المخاطر وانخفضت الأرباح. وبذلك، يتحمّل الفاعلون في اقتصاد البقاء عبء إدماج الأسواق الهشة في العولمة، من دون أن ينالوا فوائد هذا الإدماج. إنهم يسهّلون العولمة، لكنهم لا يندمجون فيها.
في هذا الإطار، لا يمثّل اقتصاد التهريب انحرافاً مؤقتاً عن التنمية، بل نمطاً مستقراً لإدارة الهشاشة. إنه اقتصاد يُبقي المجتمعات على قيد الحياة، لكنه يفعل ذلك عبر تثبيت موقعها في أسفل السلم الاقتصادي والسياسي. لذلك، فإن المفارقة الحقيقية ليست في وجود التهريب، بل في استمراره بوصفه الحل الوحيد المتاح، وفي تحوّله من استثناء إلى قاعدة، ومن بديل مؤقت إلى أفق مغلق. هنا، لا يكشف اقتصاد البقاء عن فشل الأفراد، بل عن حدود الدولة، وحدود التنمية، وحدود القدرة على تحويل العمل إلى مسار اندماج لا إلى استراتيجية نجاة فقط.
من المحلي إلى العابر للحدود: اقتصاد الظلّ كحلقة في سلاسل العولمة غير المرئية
يشتغل اقتصاد الظلّ في الفضاءات الحدودية بوصفه آلية إدماج غير معلنة في العولمة، إدماج يتمّ من الأسفل ومن دون حقوق، لكنه مع ذلك أساسي لاستمرارية تدفّق السلع ورسوخ منطق السوق. في المدن والقرى الواقعة على تخوم الدولة، لا تصل العولمة عبر الاستثمارات أو المصانع أو سلاسل القيمة الرسمية، بل عبر مسارات ملتوية تحمل بضائع منخفضة الكلفة، قادمة من موانئ بعيدة، لتدخل الأسواق المحلية عبر أكتاف وسواعد وسائقي شاحنات صغرى. ما يبدو محلياً—حركة عبور يومية، تجارة صغيرة، نشاط معيشي—هو في الواقع حلقة دقيقة في شبكة أوسع، حيث تتقاطع قرارات الشركات العابرة للقارات مع سياسات الدعم، ومع هشاشة الحدود، ومع القدرة الشرائية المحدودة لفئات واسعة من السكان. هنا، لا تكون العولمة مشروعاً سياسياً أو اقتصادياً معلناً، بل تجربة يومية تُعاش في الجسد والزمن والمخاطرة.
في هذه السلاسل غير المرئية، لا يُقصى الفاعلون المحليون عن السوق، بل يُدمجون فيه بشروط قصوى. فالمهرّب الصغير، أو الوسيط الحدودي، أو حاملة السلع، ليسوا خارج منطق الرأسمالية، بل في قلبها الأكثر تجريداً، حيث يُختزل العمل في قدرته على تخفيض الكلفة وتحمل المخاطر. وكما تبيّن آنا تسينغ في حديثها عن «الاحتكاك»، فإن العولمة لا تعمل بسلاسة، بل عبر نقاط احتكاك تنتج أشكالاً غير مستقرة من الاندماج. الاقتصاد الحدودي هو أحد هذه النقاط: لا يحظى بحماية القانون، لكنه ضروري لتصريف فائض الإنتاج العالمي؛ لا يُعترف به كمكوّن اقتصادي، لكنه يضمن وصول السلع إلى أسواق لا تستطيع السوق الرسمية خدمتها. هكذا، يتخذ الاندماج شكلاً سلبياً: مشاركة من دون اعتراف، وانخراطاً من دون تمثيل.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً حين نلاحظ أنّ الدولة لا تقف خارج هذه الديناميات، بل تساهم في هندستها. فسياسات الدعم، والضرائب الجمركية، واتفاقيات التجارة، لا تُنتج فقط اقتصادات رسمية، بل تولّد، في هوامشها، مساحات ربح موازية. ماكس غاليان يُظهر بوضوح كيف تُدار الحدود المغاربية عبر تفاوض دائم، حيث يصبح التغاضي الانتقائي جزءاً من نمط الحكم، لا خللاً فيه. فالدولة التي تُشدّد الرقابة في خطابها، وتُراكم أجهزة الضبط، تجد نفسها عملياً مضطرة إلى السماح بتدفّق غير رسمي يخفف الضغط الاجتماعي والاقتصادي. في هذا السياق، لا يكون اقتصاد الظلّ نقيض الدولة، بل امتداداً غير مصرح به لوظيفتها التنظيمية، حيث يُنقل عبء التكيّف مع السوق العالمية من المؤسسات إلى الأفراد.
غير أنّ هذا الاندماج غير المتكافئ لا يمرّ دون كلفة اجتماعية وزمنية. فالفاعلون المحليون يعيشون داخل زمن قصير، محكوم باليومي وبالطارئ، في حين تتحرّك سلاسل القيمة العالمية وفق أفق طويل وتراكم رأسمالي مستقر. جوديث شيل تُظهر، في أعمالها عن الصحراء، كيف تُعاد إحياء شبكات قديمة للحركة والتجارة لتخدم أنماطاً جديدة من التداول، لكن من دون أن يتحوّل هذا الإحياء إلى تنمية. فالمسارات تستمر، والسلع تتدفق، غير أنّ المواقع التي تمرّ بها تظلّ عالقة في وضع العبور الدائم، لا هي مركز إنتاج ولا هي خارج السوق. العبور يصبح قدراً، لا مرحلة، والحركة تحلّ محل الاستقرار بوصفها شرط البقاء.
وتكشف هذه الدينامية أيضاً عن علاقة ملتبسة بالنيوليبرالية. فمن جهة، يبدو اقتصاد الظلّ وكأنه نتيجة فشل النيوليبرالية في خلق فرص عمل شاملة؛ ومن جهة أخرى، يعمل هذا الاقتصاد وفق منطقها الصافي: فردنة المخاطر، تآكل الحماية، وتحويل كل مورد—بما في ذلك الجغرافيا والعلاقات الاجتماعية—إلى فرصة ربح. كما تبيّن ساسكيا ساسن في تحليلاتها عن «الطرد» و«التجميعات العالمية»، فإن الاقتصاد العالمي المعاصر لا يدمج الجميع في مراكزه، بل يعتمد على مناطق يُعاد إنتاجها كهوامش وظيفية. الحدود هنا ليست خطوطاً فاصلة، بل أجهزة فرز، تُحدّد من يتحمل المخاطر ومن يجني القيمة. الفاعلون في اقتصاد الظلّ لا يُستبعدون من العولمة، بل يُوضعون في موقعها الأدنى، حيث تُختبر مرونة النظام عبر هشاشتهم.
ويأخذ هذا الوضع بُعداً أكثر كثافة حين ننظر إلى الطابع الجسدي لهذا الاقتصاد. فالعولمة غير المرئية لا تمرّ عبر العقود والبيانات فقط، بل عبر الأجساد: أجساد تتحرك، تُرهق، تُصاب، وتُستبدل. كارولين نوردستروم تُظهر كيف أنّ الاقتصاد غير المشروع لا يعيش في الظلّ، بل في الضوء الذي تسلّطه السوق على ما هو قابل للاستهلاك. غير أنّ هذا الضوء لا يضيء الفاعلين أنفسهم، بل السلع التي يعبرون بها. الأجساد تظلّ غير مرئية، على الرغم من أنّها الوسيط الأساسي. هنا، لا تنتج العولمة تفاوتاً في الدخل فقط، بل تفاوتاً في القابلية للاستبدال: السلعة يجب أن تصل، أما من يحملها فوجوده عرضي.
لا يكون اقتصاد الظلّ نقيض الدولة، بل امتداداً غير مصرح به لوظيفتها التنظيمية، حيث يُنقل عبء التكيّف مع السوق العالمية من المؤسسات إلى الأفراد
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن «المحلي» مضلّلاً إذا عُزل عن الشبكات التي تخترقه. فالأسواق الحدودية ليست بقايا ما قبل الحداثة، بل مختبرات لعولمة بديلة، لا أخلاقية بالضرورة، لكنها فعّالة. ميشال تاريوس وأوليفييه بلييز يبيّنان كيف تتشكّل «عولمة الفقراء» عبر مسارات مرنة تتجاوز الدول من دون أن تلغيها. غير أنّ هذه العولمة، على الرغم من قدرتها على خلق حركة وفرص آنية، لا تفكّك البنية اللامتكافئة التي تقوم عليها، بل تعيد إنتاجها بوسائل أكثر خفاءً. فكلما ازداد اعتماد الأسواق على هذه القنوات غير الرسمية، تراجعت إمكانية تحويلها إلى مسارات تنمية رسمية، لأن كلفتها الحقيقية تُدفع خارج الحسابات الوطنية.
في النهاية، لا يكشف اقتصاد الظلّ كحلقة في سلاسل العولمة غير المرئية عن انحراف عابر، بل عن نمط استقرار جديد، استقرار قائم على عدم الاستقرار. العولمة هنا لا تُلغى عند الحدود، بل تُعاد صياغتها: أكثر خشونة، أقل حماية، وأشد التصاقاً بالحياة اليومية. وما يبدو نشاطاً هامشياً هو في الواقع شرط اشتغال مركز بعيد، وما يُقدَّم كحلّ محلي هو جزء من معادلة عالمية لا تسمح لهذا الحل بأن يتحوّل إلى خروج فعلي من الهشاشة. هكذا، تشتغل الحدود لا كنهاية للعالم، بل كنقطة التقاء غير متكافئة بين من ينتجون القيمة ومن يتحملون كلفتها.
خاتمة
يكشف تتبّع اقتصاد التهريب في الفضاءات الحدودية بالمغرب الكبير أنّ المسألة لا تتعلّق بظاهرة طارئة أو هامشية، بل بنمط اشتغال مستقرّ يتغذّى من التقاء اختلالات التنمية مع تحوّلات العولمة المعاصرة. فالحدود، بدل أن تكون خطوطاً فاصلة بين مجالات سيادية واضحة، تتحوّل إلى مناطق كثيفة بالوظائف الاقتصادية غير المعترف بها، حيث يُعاد تنظيم العمل، والدخل، والمخاطرة خارج الأطر القانونية، ولكن داخل منطق السوق ذاته. في هذه المناطق، لا يغيب الاقتصاد الرسمي فقط، بل يغيب أيضاً الوعد السياسي بالاندماج، ليحلّ محلّه نمط عيش قائم على التكيّف المستمر مع اللايقين.
ما يوفّره اقتصاد التهريب من استقرار يومي يخفي في العمق تثبيتاً طويل الأمد للهشاشة. فالفاعلون المحليون لا يعيشون خارج العولمة، بل في موقعها الأدنى، حيث تُحمَّل المخاطر للأفراد، وتُجرّد الأنشطة من أي حماية مؤسسية، ويُختزل العمل في قدرته على الاستمرار لا على التراكم. هكذا، يصبح العبور نشاطاً دائماً لا يفضي إلى استقرار، وتتحوّل الحركة إلى بديل عن الأفق، لا إلى مرحلة فيه. إنّ هذا الاقتصاد لا يعيد إنتاج الفقر بمعناه التقليدي فقط، بل يعيد إنتاج علاقة زمنية مختلّة مع المستقبل، حيث يُدار الحاضر من دون قدرة على تحويله إلى مسار قابل للاستدامة.
في قلب هذه الديناميات، تحتل الدولة موقعاً إشكالياً لا يمكن اختزاله في الغياب أو القمع. فهي حاضرة عبر السياسات التي تخلق فروق الأسعار، وعبر أجهزة الضبط التي تنظّم الإيقاع اليومي للعبور، وعبر التذبذب المقصود بين التشديد والتغاضي. هذا الحضور الانتقائي لا يهدف إلى دمج الفضاءات الحدودية، بل إلى ضبطها عند مستوى معيّن من التوتر يسمح باستمرار التدفقات دون انفجار اجتماعي. بذلك، تتحوّل اللاقانونية إلى صيغة حكم غير معلنة، وتغدو الحدود فضاءات لإدارة الفقر بدل أن تكون مواقع لإعادة توزيعه تنموياً.
كما يكشف التحليل أنّ اقتصاد الظلّ لا يعمل بمعزل عن سلاسل القيمة العالمية، بل يشكّل حلقة خفية فيها. السلع التي تعبر هذه الحدود هي نتاج اقتصاد عالمي يبحث عن أسواق منخفضة الدخل، ويعتمد على مرونة المسارات غير الرسمية لتقليص الكلفة وتسريع التداول. غير أنّ هذه السلاسل، بينما تستفيد من الهشاشة، لا تعيد استثمارها في المواقع التي تمرّ بها، ما يجعل الفضاءات الحدودية مناطق استهلاك وحركة دون إنتاج أو تراكم. في هذا المعنى، لا تكون الهامشية نتيجة خارجية للعولمة، بل شرطاً من شروط اشتغالها.
عند هذا الحدّ، لا يعود السؤال متعلّقاً بجدوى مكافحة التهريب بقدر ما يتعلّق بشروط تجاوز ضرورته الاجتماعية. فطالما استمرّ النموذج التنموي في إنتاج حدود بلا اقتصاد، وأسواق بلا عمل معترف به، ودولة بلا أدوات إدماج فعلي، سيظل اقتصاد الظلّ حاضراً كحلّ عملي، وإن كان مكلفاً اجتماعياً. إنّ الرهان الحقيقي لا يكمن في تشديد الرقابة، بل في تفكيك البنية التي تجعل من العبور مورداً وحيداً، ومن الهشاشة أفقاً مستقراً. فهنا، لا تكشف الحدود عن أطراف الدولة فحسب، بل عن حدود قدرتها على تحويل العيش إلى مواطنة، والعمل إلى حق، والحركة إلى اختيار لا إلى ضرورة.
المراجع والإحالات
Bensaâd, A. (n.d.). Travaux sur les frontières maghrébines, les mobilités transfrontalières et les économies de circulation. [Manuscrits et publications diverses non précisées dans le texte].
Brachet, J. (n.d.). Travaux sur les circulations sahariennes, les routes transfrontalières et les économies informelles. [Publications diverses non précisées dans le texte].
Brachet, J., Choplin, A., & Pliez, O. (2011). Le Sahara entre espace de circulation et frontière migratoire de l’Europe. Hérodote, 142(3), 163–182.
Gallien, M. (2024). Smugglers and states: Negotiating the Maghreb’s borders. New York, NY: Columbia University Press.
Pliez, O. (n.d.). Travaux sur le Sahara comme espace de circulation, échanges transsahariens et mondialisation par le bas. [Publications diverses non précisées dans le texte].
Scheele, J. (2012). Smugglers and saints of the Sahara: Regional connectivity in the twentieth century. Cambridge, UK: Cambridge University Press.
United Nations. (2016). [Report on informal trade and trans-Saharan commodity flows in Libya and the Sahel]. United Nations.)
World Bank. (n.d.). Estimating informal trade across Tunisia’s land borders. Washington, DC: World Bank.