ماذا لو فُرض الحصار على لبنان؟
في 13 تموز/يوليو 2006، قصفت إسرائيل مطار بيروت، واستهدفت الجسور والطرق والبنى التحتية الحيوية، ونفّذت عمليات قصف من البحر. خلال أيام توقّفت حركة الطيران، وامتنعت سفن الشحن عن الاقتراب من السواحل اللبنانية، ففرضت إسرائيل حصاراً جوياً وبحرياً استمرّ حتى أيلول/سبتمبر من ذلك العام. يومها، لم تنقطع السلع فوراً، لكن الطوابير بدأت تظهر سريعاً أمام محطّات الوقود والأفران والمتاجر، فيما أخذت رفوف السوبرماركت تفرغ تدريجياً مع تعطّل الإمدادات، وارتفعت الأسعار بفعل الاحتكار الذي استغل حالة الهلع في الأسواق.
بعد نحو عقدين، يعود شبح الحصار ليخيّم على لبنان، ولكن هذه المرّة قد يكون أشدّ وطأة. ففي عام 2006، كانت السلع لا تزال تمرّ عبر الأراضي السورية، ما ساهم جزئياً في كسر حدّة الحصار. أمّا اليوم فالعلاقات بين البلدين «ليست على ما يرام»، وهو ما يظهر في تشديد الإجراءات على الحدود منذ توسّع الحرب. في الوقت نفسه، يعيش لبنان أزمة اقتصادية حادّة، انعكست تفكّكاً في مؤسّسات الدولة وعجزاً متزايداً في قدرتها على إدارة الأزمات. وفي المقلب الآخر من المشهد، ترتفع أسعار الطاقة عالمياً وتتزايد كلفة الشحن والتأمين البحري، فيما تشير مصادر في قطاع الاستيراد إلى أن بعض شركات النقل البحري أصبحت أكثر حذراً في الإبحار نحو شرق المتوسط.
السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كانت الإمدادات تصل اليوم، بل ماذا قد يحدث إذا توقّفت في بلد يعيش على خطّ تماس دائم مع الأزمات
مع ذلك، لا تزال البواخر تصل، ولا تزال السلع تدخل إلى الأسواق. لكن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كانت الإمدادات تصل اليوم، بل ماذا قد يحدث إذا توقّفت في بلد يعيش على خطّ تماس دائم مع الأزمات.
الخطّة الرسمية تتجاهل سيناريو الحصار
يقول وزير الاقتصاد عامر البساط أنه جرى وضع «خطّة استباقية لضمان الأمن الغذائي وتوافر السلع الأساسية، مع الحفاظ على انسيابية سلاسل الإمداد واستقرار الأسواق». إلّا أن التدابير والإجراءات المتّخذة لا تتعامل مع سيناريوهات مختلفة للحرب، وأكثر قسوة، بما فيها احتمال حصول حصار.
ترتكز الخطّة على:
- الاستفادة من المخزون المتوافر من السلع الأساسية، مع متابعة مستوى المخزون يومياً، بالتنسيق مع المستوردين لضمان استمرار التوزيع ووصول السلع إلى مختلف المناطق.
- حثّ المستوردين على استيراد كمّيات إضافية مبكراً، بالتوازي مع التنسيق مع شركات الشحن والمورّدين الدوليين لتسريع وصول الإمدادات إلى المرافئ اللبنانية.
- ضمان انسيابية سلسلة الإمداد من خلال إعطاء الأولوية في المرافئ لتفريغ السفن المحمّلة بالمواد الغذائية وتسريع الإجراءات اللوجستية والإدارية، بما يضمن وصول السلع إلى الأسواق من دون تأخير، مع إعطاء أولوية التوزيع للمؤسّسات الحيوية.
حال الأسواق اللبنانية
يكشف التحقيق في واقع الأسواق اللبنانية صورة مزدوجة. فمن جهة، لا تزال المواد الأساسية متوافرة والإمدادات مستمرّة عبر البحر. لكن من جهة أخرى، يعتمد البلد بالكامل تقريباً على استمرار هذا التدفّق. وفي حال توقّف، قد يجد لبنان نفسه سريعاً أمام اختبار حقيقي لقدرة أسواقه على الصمود.
أسبوعان للمحروقات:
في قطاع الطاقة، يعتمد لبنان بشكل كلّي على الاستيراد البحري للمحروقات، ما يجعل استمرار عمل المرافئ العامل الحاسم في استقرار السوق. يقول رئيس تجمّع الشركات المستوردة للنفط مارون الشماس إن «المشكلة اليوم ليست في توفر البواخر التي تأتينا من تركيا واليونان وإيطاليا، بل في ارتفاع الأسعار، خصوصاً بعدما توقّف بعض أصحاب ناقلات النفط عن القدوم إلى المنطقة، فيما لا تزال سفن أخرى تصل ولكن بكلفة أعلى».
لبنان يملك خزانات كبيرة في نهر الموت والدورة يمكن أن تصل طاقتها الاستيعابية إلى نحو 20 ألف طن، لكنها محصورة في منطقة واحدة، وهو ما يشكّل خطراً إضافياً في حال تقطّعت أوصال البلاد
لكن ماذا لو فرض حصار؟ يوضح الشماس أنّ «المخزون المتوافر في السوق اللبنانية محدود نسبياً ولا يتجاوز أسبوعين، إضافة إلى الكمّيات الموجودة في السوق». ويشير إلى أنّ «سيناريو الحصار لم يُطرح بعد، وقد عُقدت اجتماعات مع الوزارات المعنية تم خلالها الاتفاق على إعطاء الأولوية لقطاعات الخدمات الأساسية مثل المستشفيات والمخابز والأفران».
ويتفق ممثّل موزّعي المحروقات فادي أبو شقرا ورئيس نقابة أصحاب محطّات الوقود جورج براكس على هذا التوصيف. ويؤكّدان أنّ «التنسيق قائم مع وزارتي الطاقة والاقتصاد، وأنّ التوجّه هو لتأمين الإمدادات بانتظام لتفادي الطوابير، وليس لإدارة المخزون، مع إعطاء الأولوية للأفران والمستشفيات ومعامل الأوكسيجين والمولّدات الخاصّة». ويضيف براكس: «الحصار سيمنعنا من استيراد أي سلعة، لا المحروقات فقط، وعندها لا حول ولا قوّة!».
10 أيام للغاز:
يبدو وضع الغاز المنزلي أكثر حساسية، نظراً لغياب مخزون إستراتيجي فعلي. يقول رئيس نقابة موزّعي الغاز جان حاتم إن «المخزون المتوافر في السوق اللبنانية يقدّر بنحو 7,000 آلاف طن وهو يكفي لنحو 10 أيام فقط في حال توقّف الإمدادات».
ويشير حاتم إلى أنّ «لبنان يملك خزانات كبيرة في نهر الموت والدورة يمكن أن تصل طاقتها الاستيعابية إلى نحو 20 ألف طن، لكنها محصورة في منطقة واحدة، وهو ما يشكّل خطراً إضافياً في حال تقطّعت أوصال البلاد، فضلاً عن أنها تابعة للشركات المستوردة ولا تُستخدم كمخزون إستراتيجي. في المقابل، تمتلك الدولة منشآت في طرابلس والزهراني ولكنها مهملة ولم تخضع للصيانة منذ سنوات». ويضيف حاتم: «نحن لا نملك مخزوناً استراتيجياً. السفن تصل تباعاً، وما دام البحر مفتوحاً لا توجد مشكلة في الإمدادات، ولكن أي حصار بحري سيؤدّي إلى توقّفها بالكامل»، ويشير إلى أن الحكومة لم تضع حتى الآن تصوّراً لإدارة الأزمة، واقتصر طلبها على «تأمين السوق والبيع بالسعر الرسمي»، فيما تتفشّى ظاهرة التخزين في السوق سعياً إلى تحقيق أرباح من الأزمة.
شهران إلى 3 أشهر للخبز والغذاء:
قد تبدو الصورة أكثر استقراراً في قطاع الغذاء مقارنة بالطاقة بسبب حجم المخزون، إلّا أن الوضع لا يختلف كثيراً إذا أخذنا في الاعتبار أن الاستيراد والتخزين والتوزيع كلّها بيد القطاع الخاص.
يقول رئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز ناصر سرور إن «المخزون الحالي من الطحين في المطاحن اللبنانية يبلغ نحو 46 ألف طن، فيما يبلغ الاستهلاك الشهري حوالى 24 ألف طن، ما يعني أن المخزون المتوافر يكفي لنحو شهرين من إنتاج الخبز». ويوضح أن هذه الكمّيات موزّعة بين مخازن المطاحن الموجودة في الشمال والبقاع وجبل لبنان.
ويضيف سرور أنه «في حال حصول حصار، جرى التداول مع وزير الاقتصاد بإمكانية التواصل مع قوات اليونيفيل لتأمين مسارات لإيصال القمح والطحين». أمّا في المرحلة الحالية فيقتصر التنسيق على «تأمين مخزون من المازوت يكفي الأفران لنحو شهرين لضمان استمرار الإنتاج».
طالما مرفأ بيروت يعمل، لا توجد مشكلة في الإمدادات. أما إذا توقّف المرفأ فسنحتاج إلى وقت لإيجاد بدائل، خصوصاً أنّ لبنان يستورد ما لا يقل عن 90% من غذائه
أما في سوق المواد الغذائية عموماً، فيشير رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي إلى أن «السوق اللبنانية تملك مخزوناً يتراوح بين شهرين و3 أشهر من السلع الغذائية». ويوضح أن هذا المخزون «موزّع بين المستودعات والمتاجر في مختلف المناطق، ما يجعل انقطاعه أقل احتمالاً في المدى القصير».
لكن يشدّد بحصلي على أن العامل الحاسم يبقى استمرار عمل المرافئ، مضيفاً: «طالما مرفأ بيروت يعمل، لا توجد مشكلة في الإمدادات. أما إذا توقّف المرفأ فسنحتاج إلى وقت لإيجاد بدائل، خصوصاً أنّ لبنان يستورد ما لا يقل عن 90% من غذائه».
3 أشهر للدواء:
في القطاع الدوائي، يشير نقيب الصيادلة عبد الرحمن مرقباوي إلى أن السوق اللبنانية تعتمد على مزيج من الأدوية المستوردة والإنتاج المحلي. ويقول إن «نحو 60% إلى 70% من الأدوية مستوردة، مقابل 30% إلى 40% من الإنتاج المحلي». ويضيف أن مخزون الأدوية لدى المستوردين يكفي لنحو 3 أشهر، فيما تملك المصانع المحلية مخزوناً مماثلاً من الأدوية المنتجة محلياً. أما المواد الأولية المستخدمة في التصنيع فيمكن أن تكفي لفترة تصل إلى نحو 8 أشهر، ويشير إلى أن الخطر الأكبر يكمن في «بقاء الطرقات مفتوحة بما يسمح بتوزيع الدواء من مستودعات الشركات والمصانع إلى المستهلكين».
الإمدادات البحرية وسيطرة القطاع الخاص
تشترك كلّ هذه القطاعات في عاملين إثنين: الإمدادات البحرية وسيطرة القطاع الخاص.
فلبنان لا يملك حتى اليوم مخزوناً استراتيجياً مركزياً من الوقود أو الغذاء تديره الدولة. ولا تزال إهراءات القمح مدمّرة منذ انفجار مرفأ بيروت عام 2020، فيما تبدو منشآت النفط المملوكة للدولة في طرابلس والزهراني شبه فارغة. وبدلاً من ذلك تعتمد البلاد على مخزون موزّع لدى شركات القطاع الخاص وعلى التدفق المستمر للسلع عبر البحر.
هذه البنية ليست جديدة. فمنذ نشوء الاقتصاد اللبناني الحديث بُني النموذج الاقتصادي على التجارة والاستيراد والخدمات، أكثر مما بُني على التخزين الاستراتيجي أو الاكتفاء المحلي. وعلى الرغم من الحروب المتكرّرة مع إسرائيل والأزمات الاقتصادية المتلاحقة وانقطاع السلع خلال السنوات التي تلت الأزمة المالية عام 2019، لم تُنشأ حتى اليوم منظومة وطنية متكاملة للاحتياط الاستراتيجي للغذاء أو الطاقة.
ماذا لو أطبق الحصار على لبنان؟
طالما المرافئ اللبنانية مفتوحة وتصل السفن بشكل منتظم، تبقى الأسواق قادرة على الاستمرار. لكن في حال توقّف الشحن البحري، سواء نتيجة حصار أو إغلاق للمرافئ، يدخل الاقتصاد اللبناني تدريجياً في مرحلة العدّ العكسي.
لا تظهر الأزمة عادة بنقص فوري في السلع، بل تتسلّل ببطء. فمع كلّ يوم يمرّ من دون وصول سفن جديدة، يبدأ السوق باستهلاك المخزون المتوافر لديه. وفي بلد يعتمد على الخارج لتأمين معظم غذائه وطاقته ودوائه، يصبح السؤال بسيطاً بقدر ما هو صعب: ليس متى تنقطع السلع، بل كم من الوقت يستطيع البلد أن يصمد قبل ذلك.
إذا تخيّلنا سيناريو مماثلاً، يبدو واضحاً أنّ قطاع الطاقة سيكون الأكثر حساسية. فمخزون الغاز والمحروقات لدى الشركات والمستوردين ومحطّات التوزيع يكفي عادة لفترة قصيرة لا تتجاوز أسبوعين، من دون الأخذ بفرضية قصف خزّانات الشركات كما حصل في حرب 2006. بعد ذلك تبدأ الضغوط بالانتقال تدريجياً إلى سلاسل الغذاء والقمح والأدوية، على الرغم من أن مخزون هذه السلع يكفي لفترات أطول نسبياً.
قد تبدأ ملامح الأزمة بالظهور منذ الأسبوع الأول، مع ارتفاع الطلب وبدء بعض التجّار والمستهلكين بالتخزين، وهو سيناريو اختبره اللبنانيون في عامي 2021 و2022 خلال أزمات الوقود والدواء.
الخطر الأكبر يكمن في «بقاء الطرقات مفتوحة بما يسمح بتوزيع الدواء من مستودعات الشركات والمصانع إلى المستهلكين
في هذه المرحلة قد تبدأ محطّات الوقود بتحديد الكمّيات المباعة، فيما تُعطى الأولوية لتزويد المولّدات الخاصة والمستشفيات والأفران. ومع تقلّص الإمدادات ترتفع احتمالات تقنين الكهرباء، وتزداد صعوبة توزيع السلع الأساسية من المستودعات إلى الأسواق، بالتوازي مع اتساع السوق السوداء.
كما تبرز مخاطر إضافية تتعلق بالخدمات الأساسية. فإيصال المياه إلى المنازل يعتمد على ضخّها بالكهرباء، وفي حال انقطاع المحروقات اللازمة لتشغيل المولّدات تصبح هذه العملية مهدّدة. وينطبق الأمر نفسه على شبكات الاتصالات والإنترنت، التي تعتمد بدورها على مصادر طاقة احتياطية تعمل بمعظمها على المازوت.
بهذا المعنى، لا يقتصر تأثير الحصار على نقص السلع فقط، بل يمتدّ تدريجياً ليطال مختلف مفاصل الحياة اليومية.
الأمن الغذائي في خطر
إن قدرة المجتمع اللبناني على الصمود في حال حصار تبقى موضع شك، ولا سيما في ما يتعلق بالأمن الغذائي الذي يعدّ من القضايا الأهم في فترات الحروب والحصار.
يقول الأستاذ في كلية الزراعة والعلوم الغذائية في الجامعة الأميركية في بيروت، رامي زريق، إن «مفهوم الأمن الغذائي لا يرتبط فقط بوجود الغذاء في الأسواق، بل بقدرة الناس على شرائه والوصول إليه». ويشير إلى أن الأزمة الاقتصادية وتفاقم الفقر والنزوح أدّت إلى تراجع قدرة شريحة واسعة من السكان على تأمين حاجاتهم الغذائية الأساسية. ويضيف أن المسألة لا تتعلّق بكمّية الغذاء فقط، بل أيضاً بطبيعته وجودته: «قد يتمكّن الناس من الحصول على طعام ما، لكن السؤال هو ما إذا كان هذا الطعام يلبّي حاجاتهم الغذائية. سوء التغذية قد لا يظهر فوراً، لكنه يترك آثاراً صحية طويلة المدى».
لا يرتبط الأمن الغذائي في لبنان فقط بتوافر المواد الغذائية، بل أيضاً ببنية الاقتصاد نفسه، الذي يعتمد منذ أكثر من قرن على استيراد الجزء الأكبر من الغذاء الذي يستهلكه
ويرى زريق أن الحروب والأزمات الاقتصادية تضرب الأمن الغذائي بطرق متعددة، إذ لا تقتصر آثارها على تعطّل الإمدادات، بل تمتد إلى تعطيل قدرة الناس على الإنتاج والعمل وتأمين دخلهم. ويشرح أن «الاعتداءات غالباً ما تدفع فئات واسعة من المجتمع إلى الخروج من دورة الإنتاج، كما يحصل اليوم مع شريحة واسعة من النازحين، ما يضعف قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية». ويضيف أن هذا الواقع يؤدّي إلى تفاقم هشاشة الأمن الغذائي حتى في حال توافر السلع في الأسواق.
من هنا، لا يرتبط الأمن الغذائي في لبنان فقط بتوافر المواد الغذائية، بل أيضاً ببنية الاقتصاد نفسه، الذي يعتمد منذ أكثر من قرن على استيراد الجزء الأكبر من الغذاء الذي يستهلكه. ويشير إلى أن معالجة هذه المسألة تتطلّب إعادة التفكير في السياسات الغذائية والزراعية في لبنان، ولا سيما في بلد يعيش في ظل أزمات متكرّرة. ويقول زريق: «نحن بلد يعيش حالة طوارئ شبه دائمة، ومع ذلك لم نبنِ نظماً غذائية قادرة على الصمود أمام الصدمات». ويضيف أن أحد المقترحات التي طُرحت في هذا السياق هو مشروع قانون «الحق في الغذاء»، الذي يهدف إلى الاعتراف بالغذاء كحقّ أساسي لكل إنسان وضمان حصول السكان على غذاء صحي وملائم. إلا أن هذا المشروع لا يزال معلقاً منذ سنوات من دون إقراره.
أين الدولة من إدارة الطوارئ؟
تشير التحليلات العسكرية والدبلوماسية المتداولة إلى احتمال توسّع الحرب واستمرارها لفترة أطول، مع ما يرافق ذلك من مخاطر متزايدة لانقطاع الإمدادات الأساسية نتيجة القصف أو الحصار أو تقطّع الطرقات. وفي مثل هذا السيناريو، تبرز أيضاً مخاطر احتكار السلع الأساسية، في ظل غياب تدابير حكومية لتخزين القمح والوقود والدواء وتأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود.
في معظم الدول، لا تُترك إدارة الأزمات الكبرى للسوق وحده. ففي حالات الحرب أو الكوارث أو تعطّل سلاسل الإمداد، تمتلك الحكومات عادة صلاحيات واسعة لإدارة الموارد الأساسية. وتشمل هذه الصلاحيات إعلان حالة الطوارئ، ووضع اليد مؤقتاً على مخزونات السلع الأساسية، وتنظيم توزيعها عبر آليات مركزية لمنع الاحتكار أو المضاربة في الأسعار. وقد عاد هذا المنطق بقوة بعد جائحة كوفيد-19، حين سارعت دول كثيرة إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية وإعادة التفكير في أمنها الغذائي وسلاسل الإمداد.
في لبنان، يتيح القانون مجموعة من الصلاحيات الاستثنائية في حالات الحرب أو الكوارث. فبموجب المرسوم الاشتراعي رقم 52 الصادر عام 1967 يمكن لمجلس الوزراء إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية في جميع الأراضي اللبنانية أو في جزء منها عند تعرّض البلاد لخطر داهم ناتج عن حرب خارجية أو اضطرابات خطيرة أو كارثة عامة. وعند إعلان حالة الطوارئ تتولّى السلطة العسكرية العليا مسؤولية المحافظة على الأمن، وتوضع تحت تصرّفها جميع القوى المسلّحة. وعلى الرغم من الإشكاليات التي يثيرها هذا الإجراء على صعيد الحريات العامة ومخاطر عسكرة الحياة المدنية، إلا أنه يمنح الدولة أدوات استثنائية لإدارة الكوارث وتنظيم عمليات الإغاثة وإدارة مخزون السلع الأساسية وتأمين وصوله وفق الأولويات والحاجات.
المسؤولون آنذاك اعتبروا أن مصادرة الآليات اللازمة لمعالجة أزمة النفايات يشكّل تعدّياً على القطاع الخاص الذي كان أحد أسباب المشكلة أساساً
كما يتيح قانون الدفاع الوطني (المرسوم الاشتراعي رقم 102 الصادر عام 1983) إعلان حالة التعبئة العامة عند تعرّض الوطن أو أحد قطاعاته لخطر كبير. وفي هذه الحالة يمكن للدولة فرض الرقابة على مصادر الطاقة وتنظيم توزيعها، ومراقبة المواد التموينية والإنتاج الصناعي، وتنظيم الاستيراد والتخزين والتوزيع، إضافة إلى مصادرة الأشخاص والأموال عند الضرورة. كذلك يسمح القانون للمجلس الأعلى للدفاع باتخاذ إجراءات تعبئة شاملة تشمل النشاط الاقتصادي والصحي والتربوي، فضلاً عن تعبئة أجهزة الدفاع المدني والمؤسسات العامة.
لو استُخدمت هذه الصلاحيات بفعالية، ومن دون أهداف قمعية، يمكن أن تشكّل أداة لإدارة الكوارث والحروب وإنقاذ الأرواح. لكن في الواقع اللبناني غالباً ما يجري تجنّب استخدام هذه الأدوات لتنظيم الموارد الأساسية، تاركاً إدارة الأزمات للسوق والقطاع الخاص.
وبالفعل برز نقاش مماثل عام 2015 خلال أزمة النفايات، حين طُرحت فكرة إعلان حالة الطوارئ لتمكين الجيش من مصادرة الآليات اللازمة لمعالجة النفايات بعد انتهاء عقد شركة سوكلين. لكن، المسؤولون آنذاك اعتبروا أن مصادرة الآليات اللازمة لمعالجة أزمة النفايات يشكّل تعدّياً على القطاع الخاص الذي كان أحد أسباب المشكلة أساساً. هذا ما تكرّر خلال جولة الحرب الأولى، وقد يتكرّر اليوم أيضاً، في تثبيت واضح لغياب أي شكل فعلي للدولة يمكن للمقيمين في لبنان الركون إليه، لتبقى أمورهم مرهونة بالمصالح الخاصة. باختصار الدولة تملك الصلاحيات لكنها لا تستخدمها.
لا تكشف هذه الأرقام عن حجم المخزون في الأسواق فقط، بل عن طبيعة الاقتصاد اللبناني نفسه وطبيعة الدولة. اقتصاد يعتمد على تدفّق السلع أكثر ممّا يعتمد على تخزينها، وعلى قدرة القطاع الخاص على الاستيراد أكثر مما يعتمد على إدارة الدولة للموارد في أوقات الأزمات.
في لبنان، لا يحتاج الأمر إلى حرب طويلة أو حصار كامل. تكفي بضعة أيام من الاضطراب ليقترب البلد خطوة إضافية من «يوم القيامة».