Operation-Roaring-Lion

كيف فاقمت الحرب أزمة الأمن الغذائي في لبنان؟

لا تحصل أزمة غذائية حين تختفي السلع من الأسواق فقط، بل أيضاً حين تنهار الطرق والأسواق وسلاسل الإمداد وفرص العمل والقدرة الشرائية التي تسمح بالوصول إلى الغذاء. وهذا ما ينطبق على لبنان اليوم.

أدّى العدوان الإسرائيلي المستمر إلى تدمير البنية التحتية وقطع طرق النقل وتعطيل الأسواق، ولا سيما في الجنوب والنبطية، ما حرم السكان الصامدين هناك من الوصول إلى ما يكفيهم من غذاء. في المقابل، دفع النزوح الواسع نحو المناطق الأخرى إلى زيادة المنافسة على فرص العمل المحدودة أساساً ما دفع نحو تراجع الأجور، وترافق أيضاً مع ارتفاع الأسعار  ما قوّض القدرة الشرائية لمئات آلاف الأسر.

بحسب التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، كان نحو 24% من سكان لبنان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي في نهاية نيسان/أبريل الماضي، فيما 36% آخرون مهددين بذلك. إلى ذلك، تتوقع شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة أنه حتى في حال التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، ستستمرّ حالة «الأزمة الغذائية» في الجنوب والنبطية حتى أيلول/سبتمبر 2026، مع اتساع الضغوط الغذائية تدريجياً إلى أماكن وجود اللاجئين والنازحين في عكار وبعلبك-الهرمل وأجزاء من بيروت والبقاع والشمال. ويعود ذلك إلى تراجع المساعدات الإنسانية التي يعتمد عليها الكثير من السكان في ظل تقاعس الدولة عن وضع أي سياسة حمائية فعالة، فضلاً عن حجم الدمار وتعطّل الأسواق والبنية التحتية الذي يجعل استعادة سلاسل الإمداد وفرص العمل بطيئاً وهشاً. 

map

1. الحرب تضرب الدخل والقدرة الشرائية

لم تنتج الحرب نقصاً في الغذاء بقدر ما أنتجت انهياراً في القدرة على شرائه. أدّى نزوح أكثر من 1.3 مليون شخص داخلياً إلى ضغط إضافي على سوق عمل يعاني أساساً من الركود، ما زاد المنافسة على الوظائف اليومية وخفّض الأجور في معظم المناطق المضيفة. وبحسب شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة، أصبحت فرص كسب الدخل دون معدلاتها المعتادة على مستوى البلاد.

في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة تراوح بين 10% و20% بالمقارنة مع العام الماضي، فيما ارتفعت أسعار الوقود بنحو 71% بين منتصف شباط/فبراير ومنتصف نيسان/أبريل، ما رفع تكاليف النقل والتوزيع، وأدّى إلى اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد، خصوصاً في المناطق المتضرّرة من الحرب.

بالنتيجة، باتت أعداد متزايدة من الأسر عاجزة عن تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية، حتى حين يكون الغذاء متوافراً في الأسواق. وتتوقع شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والوقود فوق متوسط السنوات الخمس الماضية خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يؤدّي إلى توسّع استراتيجيات التكيّف القاسية، مثل تقليص الوجبات والاستدانة وتقليص الإنفاق على الاحتياجات الأساسية الأخرى.

2. الحرب تضرب الزراعة والإنتاج الغذائي

لم تضرب الحرب استهلاك الغذاء فقط، بل ضربت إنتاجه أيضاً. أدّت الغارات وتدمير الطرقات وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية إلى تعطيل الزراعة والحصاد والعمل الزراعي الموسمي، ما زاد الاعتماد على الاستيراد في ظل ارتفاع تكاليف النقل والوقود.

تشير تقديرات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة إلى تضرّر نحو 22% من الأراضي الزراعية في البلاد، ونزوح 76% من المزارعين في جنوب لبنان منذ بدء التصعيد الأخير، فضلاً عن تضرّر البنية التحتية الزراعية وأنظمة الري، وتعطّل مواسم الحصاد في الجنوب والبقاع وأجزاء من بعلبك-الهرمل.

وعادةً ما يشكل موسم الحصاد في البقاع وعكار مصدراً أساسياً للدخل بالنسبة إلى الأسر الفقيرة واللاجئين السوريين العاملين في الزراعة، إلا أن الحرب قلّصت الطلب على العمالة الزراعية وحدّت من الإنتاج، ما حرم آلاف الأسر من أحد أهم مصادر دخلها الموسمية.

3. المساعدات الإنسانية تؤخّر الانهيار ولا تمنعه

في ظل انهيار الدخل واتساع النزوح وغياب الدولة، أصبحت المساعدات الإنسانية مصدراً أساسياً للغذاء بالنسبة إلى أعداد كبيرة من السكان. غير أن هذه المساعدات بقيت غير كافية وغير متوازنة، إذ تصل إلى نحو 60% من اللاجئين السوريين، في مقابل 20% إلى 23% من اللبنانيين فقط، فيما تبقى شرائح واسعة خارج أي تغطية، ولا سيما في المناطق الحدودية والجنوب.

وأكثر من ذلك، لا تغطي المساعدات الحالية الاحتياجات الغذائية الكاملة، إذ تؤمّن السلال الغذائية نحو 60% فقط من الاحتياجات اليومية من السعرات الحرارية، و30% من الوجبات الساخنة، فيما تغطي المساعدات النقدية 45% من الحد الأدنى للإنفاق الغذائي.

ومع تراجع التمويل الدولي، يُتوقع انخفاض كبير في تغطية المساعدات بعد أيار/مايو، لتطال 15% من السوريين فقط، وهو ما يعني اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر الأكثر هشاشة. وبذلك، تتحوّل المساعدات من أداة حماية إلى مجرد آلية تؤخر الانهيار، من دون أن تمنع اتساع الأزمة الغذائية.

4. الحرب تعيد تشكيل جغرافيا الجوع

أفرزت الحرب خرائط متعدّدة لانعدام الأمن الغذائي داخل البلد نفسه، تختلف بحسب شدة الحرب ووضع الأسواق وطبيعة الاقتصاد المحلي وحجم النزوح.

في الجنوب، الأزمة الغذائية ناتجة عن العزلة وتدمير الأسواق والطرق. في بيروت وجبل لبنان، الأزمة الغذائية ناتجة عن الغلاء والضغط السكاني والنزوح. وفي البقاع وبعلبك الهرمل، الأزمة الغذائية ناتجة عن انهيار الزراعة والعمل الزراعي. أما في الشمال وعكار فالأزمة ناتجة عن البطالة والديون وتراجع المساعدات.

في الجنوب والنبطية، يُتوقع استمرار الأزمة الغذائية حتى أيلول/سبتمبر مع بقاء النزوح وتدمير البنية التحتية وتعطّل سبل العيش، ما سيدفع الأسر إلى الاعتماد على الأسواق عبر دخل غير منتظم والاقتراض والمساعدات المحدودة، في ظل صعوبة الوصول إلى الأسواق وتصاعد استراتيجيات التكيّف القاسية. وفي عكار والمنية-الضنية، يُرجح انتقال الوضع من «الإجهاد» إلى «الأزمة» بدءاً من حزيران/يونيو مع تراجع المساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف فرص العمل، ما سيدفع مزيداً من الأسر إلى الاعتماد على الديون وتقليص استهلاك الغذاء. أما في بيروت وجبل لبنان، فتتفاقم الضغوط الغذائية بفعل النزوح والغلاء واشتداد المنافسة على الوظائف منخفضة الأجر، بالتزامن مع تراجع المساعدات الإنسانية وارتفاع تكاليف السكن والخدمات الأساسية. وفي البقاع وبعلبك-الهرمل، لم تعد المساعدات الواسعة كافية لمنع التدهور مع ضعف العمل الزراعي وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يدفع الأسر بصورة متزايدة إلى بيع أصولها والاستدانة وتقليص وجباتها الغذائية.

في الخلاصة، في ظل غياب أي سياسة عامة للأمن الغذائي، باتت الأسر تواجه الحرب والجوع عبر الديون والمساعدات والعمل الهش، فيما يتحوّل انعدام الأمن الغذائي تدريجياً إلى واقع اقتصادي واجتماعي أكثر رسوخاً واتساعاً.

    ڤيڤيان عقيقي

    مديرة التحرير التنفيذية لـ«صفر».