تسعير الجوع: كيف تتحوّل تقلّبات السوق إلى ضغط مباشر على الأمن الغذائي؟
تتجاوز آثار الحروب حدود ميادينها العسكرية والسياسية، لتتسلل إلى أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية. ولا تنتقل هذه الصدمات بصورة مباشرة، بل تعبر شبكات معقدة تعيد توزيع أثرها وفق موقع كل دولة داخل هرم القوة الاقتصادية العالمي. ففي حين تتركّز أدوات التسعير واتخاذ القرار في المراكز الاقتصادية الكبرى، تتكدّس الكلفة في الأطراف الأكثر هشاشة، حيث تتراجع القدرة على امتصاص الأزمات أو التكيّف معها. وفي هذا السياق، يتصدر الأمن الغذائي واجهة التأثر، إذ تتحول الأزمات إلى موجات سعرية تتوزع آثارها بشكل غير متكافئ بين الدول.
انطلاقاً من ذلك، يثير إغلاق مضيق هرمز، كورقة ضغط إيرانية في مواجهة العدوان الأميركي–الإسرائيلي، مخاوف جدية من اضطراب إمدادات الأسمدة، التي يمر جزء أساسي منها عبر هذا الممر الحيوي. وتُعدّ هذه المواد ركناً أساسياً في الإنتاج الزراعي، نظراً لارتباطها المباشر بخصوبة التربة وتعزيز مردودية المحاصيل. وعليه، فإن أي خلل في تدفقها ينعكس سريعاً على كلفة الزراعة وحجم الإنتاج، لا سيما في ظل الارتفاع المتوقع في أسعار الغاز الطبيعي، الذي يشكّل المكوّن الرئيس في تصنيعها.
السوق كوسيط لانتقال الصدمات
في حالات تعطّل الممرّات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز، لا ينعكس الأثر على الأمن الغذائي بصورة فورية، بل يتشكّل تدريجياً عبر سلسلة من الوسائط داخل السوق العالمي. تبدأ هذه السلسلة عادةً من قطاعي الطاقة والنقل، لتصل في نهايتها إلى المستهلك النهائي، ما يجعل الدول المستوردة الصافية أكثر عرضة لموجات التضخم الغذائي، نتيجة محدودية قدرتها على امتصاص الصدمات السعرية. فالدول المنتجة للطاقة، بحكم موقعها في سلاسل التوريد العالمية، تمتلك قدرة غير مباشرة على التأثير في كلفة الإنتاج عالمياً من خلال التحكم بأسعار النفط والغاز. في المقابل، تقع الدول المستوردة، ولا سيما النامية منها، في موقع «المتلقي النهائي للصدمات السعرية»، حيث تتحول تقلبات أسعار الطاقة والنقل إلى تضخم غذائي داخلي مباشر.
وتُعدّ دول الخليج العربي مصدراً محورياً في سوق الأسمدة العالمي، إذ تستحوذ على ما بين 45% و49% من صادرات اليوريا عالمياً. كما يُقدَّر إجمالي صادرات المنطقة من الأسمدة النيتروجينية بنحو 50 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2025، وفق أحدث البيانات السوقية. ويعزز هذا الموقع من تأثير أي اضطراب في تدفقات الطاقة أو النقل على كلفة المدخلات الزراعية عالمياً.
في هذا السياق، تبرز الدول الآسيوية كأحد أكثر الأقاليم عرضة لتداعيات اضطرابات أسواق الغذاء والأسمدة، نظراً لاعتمادها الكبير على الاستيراد لتأمين الحبوب والمدخلات الزراعية الأساسية. فدول مثل الهند وباكستان وبنغلاديش، إلى جانب عدد من دول جنوب شرق آسيا، تستورد جزءاً مهماً من احتياجاتها من القمح والأرز والأسمدة، لا سيما من دول الخليج، ما يجعل أمنها الغذائي مرتبطاً مباشرة بهذه التقلبات وبسلامة الممرات البحرية الحساسة.
إلى جانب ذلك، تؤدّي الأسواق المالية الموازية دوراً متزايد الأهمية في تحديد أسعار الغذاء عالمياً، من خلال العقود الآجلة وصناديق الاستثمار المرتبطة بالسلع الزراعية. فهذه الأسواق لا تتعامل مع الغذاء بوصفه سلعة مادية فحسب، بل كأصل مالي يُتداول بناءً على التوقعات والمخاطر المستقبلية، ما يجعل الأسعار شديدة الحساسية لأي توتر جيوسياسي أو حتى إشاعات عن نقص محتمل. وبهذا المعنى، تتحول التوقعات إلى قوة محركة للسوق، إذ يمكن أن ترتفع الأسعار حتى في غياب نقص فعلي في الإنتاج أو العرض.
كما يحتل الدولار موقعاً بنيوياً داخل منظومة تسعير الغذاء، باعتباره العملة الرئيسة التي تُسعَّر بها معظم السلع الزراعية في الأسواق الدولية. وهذا ما يربط أسعار الغذاء في الدول المستوردة بشكل غير مباشر بالسياسة النقدية في الولايات المتحدة، وليس فقط بعوامل الإنتاج أو العرض. فعندما يرتفع الدولار أو تتشدد السياسة النقدية الأميركية، تتآكل القدرة الشرائية للعملات المحلية في دول الجنوب، ما يفاقم من كلفة الاستيراد ويعمّق الضغوط التضخمية على الغذاء.
الجغرافيا السياسية للجوع
تتشكّل هشاشة الأمن الغذائي في عدد من الدول نتيجة نماذج اقتصادية قائمة على الاعتماد المكثف على الاستيراد، مقابل تراجع الاستثمار في الإنتاج المحلي. وفي هذا السياق، تتجاوز سلاسل الإمداد دورها اللوجستي لتتحول إلى أداة تأثير غير مباشر، إذ تمتلك الدول والشركات المتحكمة في النقل وإنتاج المدخلات الزراعية قدرة على توجيه تدفقات الغذاء عالمياً. ومن هنا يتبلور ما يمكن وصفه بـ«الجغرافيا السياسية للجوع»، حيث يُعاد توزيع الغذاء وفق موازين القوة داخل السوق العالمية، لا وفق مستويات الحاجة الفعلية. وقد ساهمت خيارات اقتصادية تراكمت عبر الزمن في تقليص دور الإنتاج المحلي لصالح الاعتماد المتزايد على الاستيراد.
ويُعد ضعف الاستثمار في الزراعة أحد أبرز تجليات هذا التحول، نتيجة تراجع السياسات الداعمة للفلاحين، وتوجيه الاقتصادات نحو قطاعات ريعية أو مرتبطة بالأسواق الخارجية. وبهذا، يصبح الأمن الغذائي أقل ارتباطاً بالسيادة الإنتاجية، وأكثر انكشافاً أمام المتغيرات الخارجية، حتى في فترات الاستقرار.
ولا تقتصر تداعيات اضطرابات الأسواق على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى البنية المالية للدول المستوردة، حيث يؤدي ارتفاع كلفة الغذاء والطاقة إلى زيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي. ومع تضخم الديون، تُفرض سياسات تقشفية تقلّص الدعم الموجّه للزراعة والمواد الأساسية، ما يعمّق من هشاشة الأمن الغذائي ويُدخل هذه الدول في حلقة مفرغة من التبعية.
في موازاة ذلك، باتت السيطرة على النظام الغذائي العالمي تمتد إلى مستوى أكثر خفاءً وحساسية، يتمثل في إدارة المخزونات الاستراتيجية من الحبوب والأسمدة. فامتلاك قدرات تخزين كبيرة لا يضمن فقط الأمن الداخلي، بل يمنح أيضاً قدرة على التدخل غير المباشر في إيقاع السوق العالمية عبر التحكم في «زمن العرض». أي أن الفاعلين الكبار لم يعودوا يهيمنون فقط على تدفقات السلع عبر الجغرافيا، بل أيضاً على توقيت طرحها أو حجبها، بما يؤثر في توقعات الأسواق وسلوك المستوردين.
ويجعل هذا التحول المخزون أداة سياسية بامتياز، يمكن استخدامها لتخفيف أو تضخيم آثار الأزمات وفقاً للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية. ففي فترات التوتر أو نقص الإمدادات، يصبح الاحتفاظ بالمخزون أو الإفراج التدريجي عنه وسيلة لإعادة تشكيل ميزان العرض والطلب، وبالتالي التأثير في مسار الأسعار. وهنا تتجاوز وظيفة التخزين بعدها الاحترازي التقليدي، لتغدو آلية لإدارة الندرة داخل السوق العالمي.
على مستوى الدول العربية، تبرز مصر بوصفها أكبر مستورد للقمح عالمياً، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. وعلى الرغم من أن وارداتها من القمح لا تمر عبر مضيق هرمز، فإن أي خلل في هذا الممر ينعكس عليها بشكل غير مباشر من خلال تأثيره على أسعار الطاقة والأسمدة، وهما عنصران أساسيان في تحديد كلفة الإنتاج الزراعي عالمياً. وتشير التقديرات إلى أن الغاز الطبيعي يشكّل ما بين 70% و90% من كلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية.
ومنذ بداية الحرب، شهدت أسعار اليوريا في مصر ارتفاعاً من نحو 400–490 دولاراً للطن إلى قرابة 700 دولار، مدفوعة باضطرابات الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة. كما يؤدي ارتفاع أسعار الحبوب عالمياً إلى زيادة فورية في فاتورة الواردات، ما يضغط على احتياطات النقد الأجنبي ويُوسّع عجز الميزان التجاري. ومع اعتماد ملايين المصريين على الخبز المدعوم، تتحول هذه التقلبات إلى عبء مالي مباشر على الموازنة العامة. وفي هذا الإطار، تصبح أزمة القمح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على إدارة التوازن بين كلفة الاستيراد والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
تغيّر المناخ مُضاعِف صامت للأزمات الغذائية
يؤدّي تغيّر المناخ دوراً بنيوياً غير مباشر في إعادة تشكيل هشاشة النظام الغذائي العالمي، إذ لا يعمل كعامل أزمة مستقل، بل كمُضاعِف لتأثير الأزمات الأخرى. فارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الجفاف، وتكرار الفيضانات، كلها عوامل تُفضي إلى تقلبات حادة في الإنتاج الزراعي، ما يضعف استقراره ويزيد من قابليته للاهتزاز.
ويُنتج هذا التداخل بين العوامل المناخية والاقتصادية والجيوسياسية ما يمكن وصفه بـ«التراكم المزدوج للمخاطر»، حيث تصبح أي أزمة أكثر حدة وأطول أثراً مما كانت عليه سابقاً. ففي ظل تراجع الإنتاج الزراعي المرتبط بالتغيرات المناخية، يمكن حتى للاضطرابات المحدودة في الأسواق أن تتحول إلى اختلالات واسعة النطاق، تتجاوز حدودها الأولية بسرعة.
ووفقاً لتقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تتصاعد المخاطر المناخية على الأمن الغذائي بشكل ملحوظ، لا سيما في المناطق التي تعتمد على الزراعة المطرية أو التي تفتقر إلى بنية تحتية قادرة على التكيف مع الصدمات المناخية. وفي هذا السياق، يتحول المناخ إلى عنصر بنيوي داخل معادلة الأمن الغذائي العالمي، لا بوصفه سبباً مباشراً للأزمات، بل باعتباره عاملاً يُضعف قدرة النظام على امتصاص الصدمات ويُضخّم من آثارها.
غير أن هذا التحول يبقى محكوماً بزمن اقتصادي طويل لا يواكب تسارع الأزمات الجيوسياسية. فبينما تتقدم سياسات الانتقال الطاقي في عدد من الاقتصادات الكبرى، يستمر الوقود الأحفوري في تأدية دور محوري في توازن العرض العالمي، خصوصاً مع تمركز إنتاجه في مناطق ذات حساسية سياسية عالية. ويخلق هذا التباين بين مسار التحول وواقع الاعتماد حالة من الازدواج البنيوي، حيث يُدار الاقتصاد العالمي وفق نموذجين متوازيين: نموذج طاقي تقليدي يحدد الكلفة الفعلية في الحاضر، ونموذج انتقالي يسعى إلى إعادة تعريف هذه الكلفة على المدى الطويل.
وفي ختام هذا التشابك بين الحروب والأسواق وسلاسل الإمداد، لا يظهر الجوع كأثر جانبي للأزمات، بل كجزء من آلية أوسع لتسعير العالم داخل اقتصاد يُدار عبر ضبط الندرة. وضمن هذه البنية، تتقدم الدول التي تمتلك أدوات التسعير وإدارة التدفقات، بينما تتكثف الكلفة في الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد، حيث تتحول تقلبات السوق إلى ضغط مباشر على الأمن الغذائي واستقرار المجتمعات.