كيف تؤثّر الحرب في أسعار المعادن الأساسية؟
من المتوقع أن تبلغ أسعار المعادن مستويات قياسية في العام 2026، ويظهر تأثير الحرب بوضوح في أسواق المعادن الأساسية المرتبطة بالبنية التحتية والتكنولوجيا، نتيجة اضطرابات سلاسل إمداد الألمنيوم والنحاس والنيكل، عقب إغلاق مضيق هرمز. كما يمتد هذا التأثير إلى أسواق المعادن الثمينة، ولا سيما الذهب الذي يتأثر بشكل كبير بالتطورات الجيوسياسية.
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن مؤشر أسعار المعادن الأساسية، والتي تشمل الألمنيوم والنحاس والنيكل والرصاص والزنك والقصدير، قد ارتفع بنسبة 5.6% خلال شهرين من الحرب، ومن المتوقّع أن يرتفع بنسبة 19% في العام 2026 مقارنة بالعام الماضي. أما مؤشر أسعار المعادن الثمينة، أي الذهب والفضة والبلاتينيوم، فقد تعرّض لخسارة بنسبة 6.2% في ظل الحرب، إلا أنه سيبقى أعلى بنسبة 42% في العام 2026 مقارنة بالعام الماضي.
الألمنيوم
ارتفعت أسعار الألمنيوم خلال الربع الأول من العام 2026 لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. وقفز متوسط أسعار بنسبة +17.5% في نيسان/أبريل بالمقارنة مع شباط/ فبراير.
يعكس هذا الارتفاع تعطل الصادرات من الشرق الأوسط، إذ تمثل المنطقة نحو 7% من تجارة الألمنيوم المنقولة بحراً، وتعتمد جزئياً على مدخلات مستوردة عبر مضيق هرمز، وخصوصاً الألومينا. بينما أدى ارتفاع أسعار الطاقة، الناجم عن إغلاق مضيق هرمز، إلى تفاقم ضعف إنتاج الألومنيوم في أوروبا، والذي لا يزال أقل بكثير من مستويات العام 2021، فمنذ أن تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في زيادة حادة في تكاليف الطاقة، اضطرت الكثير من مصاهر الألومنيوم إلى الإغلاق.
من المتوقع أن ترتفع أسعار الألومنيوم بنحو 22% في العام 2026 (مقارنة بالعام السابق) لتصل إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، وذلك في حال انتهت الحرب في غرب آسيا في شهر نيسان/أبريل 2026 (انتهى الشهر ولم تنته الحرب). إلا أن تطوّرات أخرى ستساهم في هذا الارتفاع، منها اقتراب الصين من الحد المسموح به لإنتاج الألمنيوم لحد الإنبعاثات، ونمو الطلب مدعوماً بتوسع تقنيات الكهرباء، بما في ذلك تركيبات الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح والبنية التحتية لنقل الطاقة وتخزين الطاقة، إلى جانب الطلب المستمر من قطاعي النقل والتعبئة والتغليف، واللذان يمثلان معاً حوالي ثلث الاستهلاك العالمي.
النحاس والنيكل
ارتفعت أسعار النحاس خلال الربع الأول من عام 2026، لتسجل أعلى مستوى لها على الإطلاق في كانون الثاني/يناير، ثم استقرت عند مستويات مرتفعة طوال فترة الحرب. كما زادت أسعار النيكل بنسبة 17% خلال الربع الأول من هذا العام، واستمر هذا الارتفاع خلال فترة الحرب حتى نيسان/أبريل 2026.
ظهر تأثير الحرب على النحاس والنيكل بشكل غير مباشر وأقل حدة مقارنة بتأثيره على الألمنيوم، إذ ينتقل عبر اضطرابات في المدخلات الوسيطة، ولا سيما الكبريت. وتُسهم المنطقة بنحو 25% من الإنتاج العالمي من الكبريت، الذي يُعد عنصراً أساسياً في العمليات الكيميائية المستخدمة لإنتاج النحاس والنيكل. وستساهم الحرب أيضاً في رفع أسعار الطاقة المستخدمة في إنتاج المعدنين.
ومن المتوقع أن ترتفع أسعار النحاس بنحو 21% في العام 2026 مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى مستوى قياسي سنوي. أما أسعار النيكل، فمن المتوقع أن ترتفع بنسبة 12% في العام 2026 مقارنة بالعام السابق.
على الرغم من أن الحرب سيكون لها تأثير على توقعات الأسعار، فإنها تبقى مرتبطة بشكل كبير بعوامل أخرى. تتأثر أسعار النحاس في انخفاض تركيز الخامات واضطرابات التشغيل في عدد من المناجم الكبرى في آسيا وأميركا الجنوبية. أما أسعار النيكل فتعكس إلى حد كبير قرار إندونيسيا بخفض حصص إنتاج خام النيكل، وهي التي تنتج نحو 60% من الإمدادات العالمية، إضافة إلى نمو الطلب العالمي في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والدفاع والنقل.
الذهب
ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 17% في الربع الأول من العام 2026 مقارنة بالربع السابق، مواصلة بذلك صعوداً حاداً تسارع وتيرته في أواخر عام 2025، وبلغت أعلى مستوى شهري لها فوق 5,000 دولار للأونصة في شباط/فبراير قبل أن تتراجع في نيسان/أبريل 2026. وقد كان الدافع وراء هذا الارتفاع هو الطلب القوي من المضاربات والطلب كملاذ آمن، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
إلا أن الحرب في غرب آسيا أدت إلى تقلبات حادة وغير مسبوقة في الأسواق لم تُسجَّل منذ عقود، مع تراجع المضاربات السريعة في ظل تغير توقعات أسعار الفائدة وحركة الدولار الأميركي. وقد جاء ذلك مدفوعاً بارتفاع التضخم المرتبط بالطاقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، ما أسهم في النهاية بانخفاض الأسعار بنسبة 6% عند مقارنة شهري شباط/فبراير 2026 ونيسان/ أبريل 2026.
من المتوقع أن ترتفع أسعار الذهب بنحو 37% في عام 2026 مقارنة بالعام السابق، مع إمكانية تحقيق مكاسب أكبر في حال تصاعد المخاطر الجيوسياسية. ويُرجَّح استمرار قوة الطلب الاستثماري الخاص وطلب البنوك المركزية، في حين يُتوقع تراجع الطلب على المجوهرات. أما من جانب العرض، فمن المنتظر أن يبقى إنتاج المناجم مستقراً، بينما يظل أداء الذهب المعاد تدويره ضعيفاً.