لماذا أصبح مكان تخزين الذهب أهم من امتلاكه؟
لم يعد امتلاك الدول لاحتياطيات من الذهب مهمّاً بقدر أهمّية المكان الذي تخزّن فيه هذه الاحتياطيات. فبعد العقوبات التي فُرضت على روسيا عقب غزو أوكرانيا عام 2022 وتجميد جزء من أصولها، انهار افتراض حياد المال كأحد أعمدة النظام المالي العالمي، ولم يعد الدولار والأصول الاستراتيجية مجرد أدوات مالية، بل تحوّلا إلى أدوات سيطرة جيوسياسية. ومنذ ذلك الحين، تعمل البنوك المركزية بهدوء قلِق لإعادة تعريف السيادة النقدية، لا كمفهوم نظري، بل كقدرة فعلية على الوصول إلى الأصول عند الحاجة.
يشير مقال بعنوان «أين يخزّن كلّ هذا الذهب في العالم»، نشرته The New York Times مطلع هذا الشهر، إلى إشكالية حفظ الاحتياطات الذهبية وتخزينها، وهي مسألة برزت إلى الواجهة في خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، غير أن النقاش لم سعد اليوم تقنياً، بل قاعدة تحكم سلوك البنوك المركزية في نظام مالي لم يعد يُدار بالثقة بل بالقوة والعقوبات.
1. تخزين الذهب كـ«خدمة» خارجية
على مدى عقود، استقرّ النظام المالي العالمي على هيمنة لندن ونيويورك كمركزين رئيسيين لتخزين الذهب. لجأت البنوك المركزية والمؤسّسات المالية إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنكلترا، مستفيدة من سجل أمان استثنائي، ومن قرب هذه المراكز من أسواق التداول العالمية، ما أتاح تسييل الذهب بسرعة عند الحاجة، خصوصاً في الأزمات.
بحسب نيويورك تايمز «يحتفظ بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بأكثر من 500 ألف سبيكة ذهب، وكان حتى نهاية 2024 أكبر مخزن منفرد للذهب النقدي». وقد بلغ هذا الدور ذروته عام 1973، بعد فترة قصيرة من فك ارتباط الدولار بالذهب، حين خرج الذهب من قلب النظام النقدي من دون أن يفقد وظيفته كأصل احتياطي استراتيجي. في المقابل، «يخزن أكثر من 60 بنكاً مركزياً احتياطياته الذهبية في بنك إنكلترا، الذي يحتفظ بنحو 430 ألف سبيكة داخل 9 خزائن»، ما يسمح بإجراء عمليات البيع والشراء بين البنوك من دون الحاجة إلى نقل الذهب فعلياً من مكانه.
طوال تلك المرحلة، لم تُطرح مسألة مكان التخزين بوصفها قضية سيادية، بل باعتبارها خياراً تقنياً مرتبطاً بالأمان والسيولة وسهولة الوصول إلى الأسواق. وهكذا، تحوّلت عملية التخزين إلى خدمة مالية عابرة للسيادة، أكثر منها تعبيراً عن الاستقلال النقدي للدول.
2. نزوح نحو التخزين الداخلي
كانت الدول الأكثر قلقاً حيال تخزين احتياطياتها الذهبية في نيويورك أو لندن هي تلك المعرّضة لخطر العقوبات. غير أن هذا القلق بدأ يتوسّع تدريجياً، مدفوعاً بالمخاوف من تقييد الوصول إلى الأصول في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، ما حوّل قرار تخزين الذهب من مسألة تقنية مرتبطة بسهولة الاستخدام والسيولة، إلى خيار سيادي يتصل بقدرة الدول على التحكم بأصولها الاستراتيجية والوصول إليها عند الحاجة.
انعكس هذا التحوّل في سياسات عدد من الدول. اتجه البعض إلى إدارة المخاطر عبر التنويع، كما في حالة ألمانيا، التي أعادت جزءاً من احتياطياتها من الذهب إلى أراضيها قبل نحو عقد، لتحتفظ بحوالي نصفه في الداخل، فيما أبقت ثلثه في نيويورك والباقي في لندن. وسارت إيطالياً في الاتجاه نفسه، إذ خزّنت نحو 44% من ذهبها محلياً، ونسبة مماثلة تقريباً في نيويورك، فيما وُزّع الباقي بين بريطانيا وسويسرا.
في المقابل، تبنّت دول أخرى مقاربة أكثر تشدداً قائمة على تقليص التعرّض الخارجي، تعمل الهند، على سبيل المثال، على زيادة احتياطياتها من الذهب مع خفض الكمية المخزّنة في بنك إنكلترا، في إشارة إلى حذر متزايد من الاعتماد على مراكز التخزين الغربية. أما تركيا، فذهبت أبعد، وأعادت كامل احتياطياتها من بنك الاحتياطي الفيدرالي عام 2017، وسحبت ذهبها من سويسرا لاحقاً، قبل أن تعود جزئياً إلى لندن لحاجتها إلى السيولة وإمكانية الاستخدام السريع.
وبين هذين النموذجين، تبرز دول تسعى إلى الانتقال نحو توازن جديد بين السيادة والمرونة التشغيلية. بولندا، مثلاً، لا تزال تحتفظ بمعظم ذهبها في الخارج، لكنها تخطّط لتوزيعه بالتساوي بين الداخل والمراكز المالية الكبرى، في محاولة للجمع بين الحماية السيادية وإمكانية الوصول السريع إلى الأسواق العالمية.
3. المعضلة اللبنانية: شلل بنيوي
يمتلك لبنان احتياطياً من الذهب يُقدّر بنحو 286 طناً، وهو من الأكبر نسبياً في المنطقة الناطقة بالعربية.ويُخزَّن نحو ثلث هذا الاحتياطي في الخارج، ولا سيما في الولايات المتحدة، فيما يُحتفظ بالباقي داخل خزائن مصرف لبنان. وعلى الرغم من هذا التنويع، لا تتحقّق السيادة اللبنانية على الذهب.
والواقع أن المشكلة لا تختصر بمكان التخزين بل بقدرة الدولة اللبنانية على الوصول إليه واستخدامه فعلياً. فوجود جزء من الاحتياطي في الخارج يجعله عرضة للقيود أو التسييس في حال تصاعد الضغوط الدولية، كما تعرّضه لإمكانية الحجز في حال رفع دعاوى على الدولة اللبنانية على خلفية إفلاسها وتعثرها عن سداد ديونها الخارجية. أيضاً لا يستفيد لبنان من الميزة الأساسية التي توفرها المراكز المالية الكبرى، أي سهولة التسييل، بسبب وجود قانون يمنع التصرّف باحتياطي الذهب أو استخدامه. وفي الداخل، لا يبدو الوضع أفضل، فأي نقاش حول إعادة الذهب يصطدم بأزمة ثقة عميقة نتيجة الشكوك في القدرة على حمايته من سوء الإدارة أو التوظيف السياسي.
في الحالة اللبنانية، لم تعد المسألة مرتبطة بمكان وجود الذهب بقدر ما ترتبط بطبيعة الدولة نفسها، التي تفتقر إلى الشروط السياسية والمؤسساتية اللازمة لتحويل هذه الثروة الكامنة إلى أداة سيادية فعلية.