الصورة: Unsplash/Rashid Khreiss
الإمارات حجر الزاوية في الرأسمالية القسرية
في 23 أيلول/سبتمبر 2024، صنّف الرئيس الأميركي جو بايدن الإمارات العربية المتّحدة شريكاً دفاعياً رئيساً للولايات المتّحدة، وهو لقب ذو طابع رمزي إلى حدّ كبير لم تحمله سابقاً سوى الهند. أُعلن هذا التصنيف في خلال زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى البيت الأبيض، وهي الأولى لرئيس إماراتي. وفي 16 أيار/مايو 2025، جدّد وزير الدفاع في إدارة دونالد ترامب، بيت هيغسيث، تأكيد هذه الشراكة في أبوظبي عبر توقيع خطاب نوايا لـ «تعزيز الجاهزية العسكرية الثنائية وقابلية التشغيل البيني بين القوّات، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات الابتكار العسكري على المدى الطويل».
في نواحٍ عدّة، تمثّل هذه الشراكة ذروة إنجازات محمد بن زايد. فقد أمضت عائلة آل نهيان، حكّام دولة صغيرة في محيط إقليمي مضطرب، نحو 40 عاماً تعمل على جعل نفسها عنصراً لا غنى عنه في أقوى مظلّة أمان في العالم: المجمّع الصناعي العسكري الأميركي. ويضمن هذا الاتفاق عملياً، في المستقبل المنظور، أن تواصل الإمارات استضافة القواعد العسكرية الأميركية والقتال إلى جانب القوّات الأميركية وتلقّي التدريب والتسليح الأميركيين، فضلاً عن المشاركة في تطوير أكثر أدوات العنف التكنولوجية تقدّماً.
يكشف هذا «التعاون غير المسبوق» مع ملكية قمعية الطبيعة الحقيقية للإمبراطورية الأميركية، وهي حقيقة نادراً ما بقيت مخفية، ويوضح في الوقت نفسه كيف تحمي النخبة الإماراتية نفسها وتراكم ثروتها. فالإمارات بالفعل «مركز ربط وركيزة أمنية عابرة للقارات»، لكن في إطار اللغة السياسية المزدوجة التي تغلّف الاستغلال المعولم والعسكرة.
في الواقع، تستمدّ النخبة الإماراتية قوّتها من الثروة والحروب التي تسهّلها هذه المنظومة. ففي الخارج تستقطب سياسيين غربيين وجنوداً ومؤسّسات ثقافية إلى شبكتها، وتساعد في الوقت نفسه جماعات إجرامية وأوليغارشيين روس على الالتفاف على العقوبات الغربية. أمّا في الداخل فتدير دولة مراقبة تعسفية، بينما تُخضع ملايين العمال المهاجرين لأشكال حديثة من العبودية.
المعضلة الملكية
تُعدّ الإمارات العربية المتّحدة فاعلاً سياسياً حديثاً نسبياً. نشأ الاتحاد من 7 ملكيات (إمارات) في أعقاب انسحاب بريطانيا من نظام الحماية في الخليج في عام 1971. تحتفظ كل إمارة بقدر واسع من الحكم الذاتي، بينما تتولّى الدولة الاتحادية تدريجياً إدارة الشؤون المشتركة في الدبلوماسية والأمن والبنية التحتية. وتُهيمن أبوظبي الغنية بالنفط ودبي ذات الطابع الكوزموبوليتاني على هياكل السلطة في الاتحاد على حساب الإمارات الأصغر المعروفة بـ «الإمارات الشمالية»: عجمان والفجيرة ورأس الخيمة والشارقة وأم القيوين. في المقابل، تقمع العائلات الحاكمة حرية التعبير بعنف، وتنتقي المواطنين الذين يُسمح لهم حتى بالتصويت في مجلس تشريعي استشاري محدود الصلاحيات.
يكشف هذا «التعاون غير المسبوق» مع ملكية قمعية الطبيعة الحقيقية للإمبراطورية الأميركية، وهي حقيقة نادراً ما بقيت مخفية، ويوضح في الوقت نفسه كيف تحمي النخبة الإماراتية نفسها وتراكم ثروتها
غير أنّ الحكم الملكي يقوم بطبيعته على هشاشة وجودية. تحتلّ الإمارات موقعاً استراتيجياً في منطقة تضم دولاً وإمبراطوريات تمتلك جيوشاً أكبر بكثير ولديها الاستعداد لاستخدامها. لا توفّر العمالة المحلية ولا المياه ولا الإنتاج الزراعي قاعدة كافية لاقتصاد مرتفع الدخل. لذلك تضطرّ العائلات الحاكمة إلى الموازنة بين شبكات المحسوبية التي تحكمها علاقات شخصية، وتضمّ أقارب طموحين وتجاراً نافذين وتجمّعات قبلية محلية. وبعد ما يقارب 150 عاماً من تسهيل التجارة البريطانية مقابل قدر من الحماية، لم تجد هذه التحالفات القبلية، المتنازعة في كثير من الأحيان، سبيلاً للبقاء إلا عبر الاندماج في مؤسسات الدولة الرسمية وأطر أمنية موثوقة والأسواق المعولمة الناشئة.
تكتسب الموازنة بين أبوظبي المركزية ودبي المكتفية ذاتياً أهمية حاسمة أيضاً؛ إذ يعود جانب كبير من قوّة الإمارات الحالية إلى علاقة العمل الوثيقة والممتدّة لعقود بين حاكمي الإمارتين، محمد بن زايد آل نهيان ومحمد بن راشد آل مكتوم. وفي الوقت نفسه، يدرك آل نهيان وآل مكتوم تمام الإدراك أنّ الفقر النسبي والتهميش في الإمارات الشمالية قد يتحوّلان بسهولة إلى مطالب بالتغيير السياسي.
لهذا سعى الملوك الوراثيون إلى تشكيل دولة وهوية «إماراتية» من دون إدخال سياسات تشاركية قد تُضعف احتكارهم للسلطة. ولحماية أنفسهم من جيرانهم ومن رعاياهم على السواء، كرّست العائلات الحاكمة نحو 50 عاماً لترسيخ موقعها بوصفها عنصراً لا غنى عنه في التجارة الدولية وفي منظومات القوة والإكراه التي تحكمها.
نظام الكفالة والأسواق المظلمة
أسّس محمد بن راشد آل مكتوم ومستشاروه مناطق التجارة الحرة مثل مركز دبي المالي العالمي، وحققوا أرباحاً كبيرة من ذلك، إلى جانب إطلاق علامات بارزة مثل طيران الإمارات وتنظيم فعاليات كبرى مثل مهرجان دبي للتسوّق السنوي. وتسيطر شركة موانئ دبي العالمية اليوم على نحو 10% من حركة الحاويات عالمياً، بينما يُعد مطار دبي الدولي أكثر مطارات العالم ازدحاماً في الرحلات الدولية العابرة. ومع محاولة أبوظبي وبقية الإمارات محاكاة هذا التنويع الاقتصادي، توفّر المناطق الحرة المتخصّصة والمتشابكة في الإمارات اقتصادات الحجم في مجالات التجزئة والجملة وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية والاستثمار.
هكذا اجتذبت الإمارات الشركات الأجنبية والمهنيين الأجانب الذين استفادوا بدورهم من انخفاض تكاليف العمل. لكن هذا النمو الصناعي المتسارع وتراكم الثروة يقومان على العبودية الحديثة التي يجسّدها نظام الكفالة في الخليج. إذ يتكفّل أصحاب العمل بالعمال المهاجرين مباشرة، ثم يقيّدونهم داخل مجمّعات الشركات والمنازل الخاصة عبر الاستيلاء على جوازات سفرهم وفرض رسوم استقدام باهظة عليهم.
تشكل هذه القوة العاملة، ومعظمها من جنوب آسيا، أكثر من 80% من سكان الإمارات، إذ تتحمّل الاستغلال والتمييز لإرسال تحويلات مالية حيوية إلى بلدانها الأصلية. وحتى مداهمات الشرطة وعمليات الترحيل لم توقف العمال عن التنظيم والمطالبة بحقوقهم في بلد يُحظر فيه إنشاء النقابات.
يمثّل نظام الكفالة نقطة حساسة في سمعة الإمارات الدولية، غير أنّ الدولة نجحت إلى حدّ كبير في احتواء الانتقادات عبر الترويج لإصلاحات عمالية محدودة لا تُطبَّق فعلياً، وإنشاء «وزارة تسامح وتعايش» وهمية، إلى جانب فرض رقابة صارمة على أصوات العمال المهاجرين وحضورهم العلني. وتقدّم جزيرة السعديات في أبوظبي مثالاً واضحاً؛ إذ وفّرت تحسينات طفيفة في ظروف العمل غطاءً سمح لجامعة نيويورك ومتحف غوغنهايم ومتحف اللوفر بافتتاح فروع هناك، على الرغم من استمرار مصادرة جوازات السفر وفرض رسوم الاستقدام على العمال.
سعى الملوك الوراثيون إلى تشكيل دولة وهوية «إماراتية» من دون إدخال سياسات تشاركية قد تُضعف احتكارهم للسلطة
وعلى الطرف الآخر من الهرم، يتقاطع ازدهار العقارات وقطاع البناء في المناطق الحرة مع تراخي الرقابة التنظيمية ليحوّل الإمارات إلى ملاذ لغسل الأموال. فقد وجد فيها بارونات العملات المشفّرة الغربيون، وكليبتوقراطيو مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، ومهرّبو الذهب الدموي الأفريقي، فضلاً عن طيف واسع من العصابات الدولية والمحتالين والجلادين، مكاناً يوفر الملاذ والسرّية.
ومع تورّط العائلات الحاكمة الإماراتية وشركات محلية في تسهيل هذه الشبكات الفاسدة، يصعب العثور على مجتمع في العالم لم تُسلب موارده، بطريقة أو بأخرى، من شقة فاخرة في دبي. ويتولّى الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، شقيق محمد بن زايد ومستشار الأمن القومي، إدارة أكثر العمليات حساسية، مثل تمويل قراصنة مرتبطين بوكالة الأمن القومي الأميركية للتجسس على المعارضين أو استثمار 500 مليون دولار في مشروع العملات المشفّرة الخاص بدونالد ترامب.
وكما هو الحال مع نظام الكفالة، تحاول الحكومة إدارة صورتها بوصفها مركزاً للأموال المعتمة عبر الترويج لإصلاحات مالية جزئية لا تُطبَّق فعلياً. وتحت الضغط الأميركي، اتخذت إجراءات محدودة ضد جهات معيّنة مثل القاعدة في مطلع القرن الحادي والعشرين، وإيران في العقد الثاني منه. لكن عندما أدرجت مجموعة العمل المالي الإمارات على «اللائحة الرمادية» في عام 2022، تدخّل الأميركيون والأوروبيون ونجحوا في الضغط لرفع اسمها بعد عامين فقط. فغسل الأموال يبدو شديد الأهمية لكلّ من النفوذ الإماراتي ورأس المال العالمي، إلى حدّ لا يظهر معه أي اهتمام فعلي بإصلاح مالي حقيقي.
تسهيل العسكرة العالمية
أمّا الوجه الآخر لهذه القصة فأكثر دموية. فعندما هاجمت الولايات المتّحدة وإسرائيل إيران في 28 شباط/فبراير 2026، كشفت الضربة الانتقامية الإيرانية مدى اتساع الوجود العسكري الأميركي العابر للحدود. فقد انهالت أسراب من الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل والعراق والكويت والبحرين وقطر والسعودية والإمارات. واعترضت الإمارات وحدها، بوصفها شريكاً دفاعياً رئيساً للولايات المتّحدة، 137 صاروخاً و209 طائرات مسيّرة، فيما تساقطت الشظايا فوق مطار دبي الدولي وميناء جبل علي ونخلة جميرا وفندق برج العرب. ولا يمكن فهم أسباب هذه الحرب الإقليمية ومسارها من دون إدراك عقود من التعاضد المتبادل بين العسكرة الأميركية والملكيات الخليجية.
لعلّ الإمارات كانت الأكثر نجاحاً بين دول الخليج في السباق الذي تلا الاستقلال لاقتناء الأسلحة المتطوّرة، وإعادة تنظيم القوات القبلية المتفرّقة، وتأمين راعٍ إمبراطوري جديد. ومنذ وقت مبكر، أدرك القادة الإماراتيون تفوّق المجمّع الصناعي العسكري الأميركي، وسمحوا له عملياً بالتحكّم بمفاتيح المنطقة. وبعد أن تعرّضت الإمارات لتهديد مباشر من صدام حسين في عام 1990، بدأت بتوفير تسهيلات عسكرية ودعم مالي وشراكات أمنية رفعت بشكل ملحوظ قدرات الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط، في اللحظة التي كانت فيها واشنطن تتبلور بوصفها «شرطي العالم».
فتحت الإمارات قاعدة الظفرة الجوية في أبوظبي أمام القوات الجوية الأميركية، حيث يتمركز اليوم آلاف الجنود الأميركيين بصورة دائمة، كما فتحت ميناء جبل علي العميق في دبي أمام البحرية الأميركية ليصبح أكثر موانئها الدولية ازدحاماً. كذلك موّلت تطوير المقاتلة المتقدّمة إف-16 بلوك 60 التي تصنّعها شركة لوكهيد مارتن، وبدأت تنفق عشرات مليارات الدولارات على شراء أسلحة أميركية وفرنسية، بينها طائرات ريبر المسيّرة ومروحيات بلاك هوك وأنظمة باتريوت وثاد للدفاع الجوي، التي أسقطت أخيراً مئات الأهداف الإيرانية. كما راكمت القوات الإماراتية خبرة عملياتية وبنت علاقات وثيقة مع أفراد الجيش الأميركي وحلف شمال الأطلسي في حرب الخليج 1990–1991، والصومال 1993–1995، وكوسوفو 1999–2001، وأفغانستان 2001–2021.
عندما أدرجت مجموعة العمل المالي الإمارات على «اللائحة الرمادية» في عام 2022، تدخّل الأميركيون والأوروبيون ونجحوا في الضغط لرفع اسمها بعد عامين فقط. فغسل الأموال يبدو شديد الأهمية لكلّ من النفوذ الإماراتي ورأس المال العالمي
على الرغم من أنّ الشبكات المالية في دبي كانت تساعد في الوقت نفسه حركة طالبان وحكومات تعمل بالوكالة عن الولايات المتّحدة على غسل الأموال، فإنّ الاستثمار الإماراتي المتعدّد المسارات في أفغانستان منحها سمعة لدى المسؤولين الغربيين بوصفها الشريك العربي الأكثر مهنية واعتماداً عليه. وفي أفغانستان وغيرها، صقلت الإمارات العربية المتّحدة قدرتها على بسط نفوذها الصلب والناعم على حدّ سواء. فبينما تشارك مقاتلاتها من طراز إف-16 وقواتها الخاصة في عمليات عسكرية معقّدة، تطلق حملات علاقات عامة متقنة، وتزيد تمويل إعادة الإعمار، وتوفد اختصاصيين في العمل الإنساني، كما توفّر تدريباً عسكرياً وقروضاً اقتصادية حيوية لحلفائها الذين يواجهون أزمات.
يقف محمد بن زايد خلف بناء هذه الصورة «السبارتية» للدولة. فمنذ تخرّجه من الأكاديمية العسكرية الملكية البريطانية في ساندهيرست، هيمن فعلياً على سياسة الدفاع الإماراتية منذ حرب الخليج. وقد أعاد تشكيل الجيش الإماراتي عبر شبكة وثيقة مع المؤسسات العسكرية الغربية، فاستعان بعشرات الضباط الغربيين المتقاعدين مستشارين، ومَوّل تدريب الحرس الرئاسي النخبوي على يد المارينز، وعقد شراكات مع شركات أجنبية لتشييد صناعة عسكرية محلية من الصفر تقريباً. كما فتح المجال أمام تجّار السلاح والمرتزقة عبر توفير السرية والدعم لهم، ومن بينهم إريك برنس المرتبط بشركة بلاك ووتر، ومجموعة فاغنر الروسية، وذئاب الصحراء الكولومبية. وقد انعكس هذا النهج العسكري داخلياً أيضاً مع إدخال التجنيد الإجباري في عام 2014.
تجارة الحرب
في مطلع العقد الثاني من هذا القرن، مكّن نجاح العسكرة المرتبطة بالدولة والمتصلة بالشبكات العالمية محمد بن زايد من الدفع بقوة أكبر نحو ترسيخ أيديولوجيا الاستبداد الإماراتي ومصالحه. ويقوم هذا التصوّر على عداء واضح لفكرة الضوابط والتوازنات التي يطرحها الإسلام السياسي بصيغ مختلفة لدى جماعة الإخوان المسلمين وإيران، كما يُظهر قدراً مماثلاً من الازدراء لعدم قابلية الحركات الديمقراطية للتنبؤ.
بالنسبة إلى النخبة الإماراتية، يحمل هذا الميل المعادي للإسلام السياسي وللديمقراطية طابعاً وجودياً، بل غريزياً. ومع ذلك، يتوافق إلى حدّ كبير مع المصالح الغربية في المنطقة، ولا سيما النفط وإسرائيل. ويدرك صنّاع القرار في الغرب أنّ السياسة التشاركية والانتخابات النزيهة في العالم العربي، على الرغم من خطابهم الديمقراطي، قد تعزّز أفكاراً مثل السيادة على الموارد والتضامن مع فلسطين. لذلك ظلّ الحكّام الاستبداديون شركاء أكثر موثوقية في الاستخراج النيوليبرالي والتطبيع مع إسرائيل.
لذلك لم يكن لدى الغرب الكثير ليقوله حين دبّر محمد بن زايد محاكمة جماعية لـ 94 إماراتياً بهدف القضاء على جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، النسخة الإماراتية من جماعة الإخوان المسلمين، وفتح بذلك مرحلة من القمع البوليسي المتواصل. وبالمثل، لم تُبدِ الحكومات الغربية اعتراضات تُذكر على التدخّل العسكري لدول الخليج ضد المحتجّين في البحرين، ولا على الانقلاب العنيف على حكومة الإخوان المنتخبة ديمقراطياً في مصر. وفي الوقت الذي تدمّر فيه الإمارات ليبيا واليمن والسودان، وتساعد روسيا بنشاط على الالتفاف على العقوبات الغربية، وتنقل تكنولوجيا أميركية إلى الجيش الصيني، تكشف أحاديث الانقسام بين الغرب والخليج زيفها، إذ تخفي مدى الربحية التي حقّقها هذا الانعدام الدائم للاستقرار.
فيما تروّج مراكز الأبحاث الغربية المموّلة من الخليج لفكرة دخول العالم عصر منافسة صفرية ومتعدّدة الأقطاب، في رسالة موجّهة إلى صنّاع القرار لمضاعفة الاستثمارات في الخليج، تشير الوقائع إلى أنّ مراكز الرأسمالية القسرية مثل الإمارات كانت «متعدّدة الأقطاب» منذ البداية. فشبكات غسل الأموال والمستفيدين من الحروب لا ترى إلا الربح، والإمارات لا تختار طرفاً بقدر ما تختار الأعمال. كما تخفي شعارات «الجيوسياسة» و«المصالح الوطنية» تلاقي المصالح بين شبكات الريع مثل آل نهيان وآل ترامب وأوليغارشيو الكرملين.
بينما تضيء الانفجارات سماء الشرق الأوسط، تظل القوة العسكرية للإمارات موصولة بآلة الحرب الأميركية. فأنظمة ثاد الأميركية، لا إتش كيو-19 الصينية، هي التي تسقط الصواريخ فوق دبي. وما إن يهدأ غبار المعركة حتى تُعاد تعبئة مخازن الذخيرة وتُعقد صفقات جديدة ويستمر التصعيد العسكري، إن لم يكن مع إيران فمع الخصم التالي. أمّا الحكم التمثيلي والعدالة الاقتصادية فسيبقيان التهديد الحقيقي للتحالف الأميركي–الإسرائيلي–الخليجي.
نُشِر هذا المقال في Jacobin في 3 آذار/مارس 2026، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموافقة من الجهة الناشرة.