معاينة شرح موجز للسيناريوهات الأخطر

كيف تنتقل التداعيات الاقتصادية إلى خارج ساحات الحرب؟
شرح موجز للسيناريوهات الأخطر

لا تنحصر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في حدود الأطراف المنخرطة فيها مباشرة. تمتد آثار هذه الحرب عبر البنى التحتية والأنظمة الإقليمية والعالمية، وصولاً إلى أسر ومجتمعات بعيدة عن ساحة المعركة نفسها. 

يعرض تقرير صادر عن ACAPS «التداعيات والسيناريوهات المحتملة للصراع في الشرق الأوسط»، وكيف يُتوقع أن تطال أطرافاً تتجاوز المتحاربين أنفسهم. فبدلاً من النظر إلى الحرب بوصفها مجموعة أزمات قطرية منفصلة، يقرأها هذا التقرير بوصفها تفاعلاً متسلسلاً يتحرك عبر أربعة أنظمة مترابطة: أمن الطاقة والمياه، الاقتصاد والشحن والأمن الغذائي، الصراع والتماسك الاجتماعي، والحاجات الإنسانية وإمكانية الوصول.

3 سيناريوهات ممكنة للحرب

يمثّل الشرق الأوسط منظومة تشغيل مركزية للطاقة والمياه والغذاء والشحن على المستوى العالمي. يمر عبر مضيق هرمز نحو 25% من النفط المتداول عالمياً ونحو 20% من الغاز الطبيعي المسال العالمي في الظروف العادية. وتستحوذ دول الخليج على أكثر من 30% من صادرات أسمدة اليوريا المنقولة بحراً في العالم. كما توفّر أنظمة التحلية في الخليج مياه الشرب لنحو 62 مليون شخص. وما إن تتضرر هذه الأنظمة، أو تتعرض للتهديد، أو تصبح غير قابلة للاستخدام، حتى تبدأ الحرب في التسرّب إلى الحياة اليومية خارج إيران ولبنان وإسرائيل.

يرسم التقرير ثلاث سيناريوهات لهذه الحرب.

السيناريو الأول: حرب قصيرة تعقبها أضرار ممتدة

ستحتاج منشآت الطاقة إلى أسابيع أو أكثر لإصلاحها، وتبقى أكلاف الشحن والتأمين مرتفعة، وتظل الأسعار عالية لفترة، ويواصل النازحون في إيران ولبنان معاناتهم للعودة إلى منازلهم. من الواضح أن الحرب المتصاعدة أخرجتنا من هذا السيناريو إلى مستوى أعلى من المخاطر.

السيناريو الثاني: حرب أطول دون تصعيد ملحوظ

ستُبقي الهجمات المتكررة الضغط على إنتاج النفط والغاز في الخليج، وترتفع كلفة الشحن، وتتكبّد البلدان المعتمدة على الاستيراد معدلات تضخم أعلى، وتواجه الدول الهشة ضغطاً أشد على الغذاء والمياه والخدمات العامة.

السيناريو الثالث: حرب إقليمية متسعة 

ستُفتح جبهات جديدة، وتُجرّ إليها دول إضافية، وتتعرّض بنية الطاقة والشحن التحتية لهجمات أوسع، ويرتفع النزوح، وتنتشر الصدمة إلى الوقود والأسمدة والغذاء والتحويلات المالية والمساعدات الإنسانية. في هذا السيناريو، وهو الأخطر، يصبح وقوع أزمة اقتصادية مدمرة أكثر وشيكاً.

السيناريو المرجّح

يبدو أن المنطقة تتحرك الآن في اتجاه السيناريو الأخير. فقد دخل الحوثيون الحرب عبر مهاجمة إسرائيل، حتى لو لم يغلقوا باب المندب بعد. ووسّعت إيران عملياتها الانتقامية ضد منشآت صناعية في اسرائيل والبحرين والإمارات، فيما تناقش دول الخليج كيفية الرد، ولا تزال بعض هذه الدول مترددة في الانخراط بصورة أكثر مباشرة. وتتركز الجهود الدبلوماسية الجارية حالياً على استعادة الملاحة عبر هرمز، وهو ما يعكس تخوّفاً جديّاً من أزمة اقتصادية أوسع تلوح في الأفق.

نحن لم ندخل بالكامل في السيناريو الثالث، لأن باب المندب لا يزال مفتوحاً، ولأن الحرب لم تتحول بعد إلى حملة إقليمية منسقة على جميع الجبهات بصورة معلنة. لكن النزاع لم يعد داخل السيناريو الثاني، بل تخطاه أيضاً. إنه يقترب أكثر من الثالث، حيث يؤدي تدمير البنى التحتية، واتساع الجبهات، وانتشار الاضطراب الاقتصادي عبر بلدان عدة، والتهديد بعمليات برّية للجيوش الأميركية والاسرائيلية في إيران وغزو بري لجنوب لبنان… كل ذلك يمهّد الطريق إلى حرب إقليمية تؤدّي إلى أزمة عالمية منظومية.

1. أمن الطاقة والمياه

في منطقة تنتج نحو 30% من النفط الخام العالمي ونحو 17% من الغاز الطبيعي العالمي، تتحول الضربات على هذه البنية التحتية بسرعة إلى ضغط اقتصادي وإنساني أوسع. بحلول 18 آذار/مارس، كانت أسعار النفط الخام قد ارتفعت عالمياً بنحو 50%، مع أسواق شهدت زيادات في أسعار الوقود تراوحت بين 20 و25%. وما إن يضطرب عرض الطاقة، حتى تضعف قدرة توليد الكهرباء، ويصبح ضخ المياه أكثر صعوبة، وترتفع تكاليف النقل، وتبدأ أسعار السلع الأساسية في الارتفاع.

أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان ومسيعيد بعد هجوم إيراني بطائرة مسيّرة، ما أخرج نحو 20% من القدرة التصديرية العالمية للغاز الطبيعي المسال من الخدمة. 

كما عطّلت ضربة استهدفت محطة تحلية في جزيرة قشم الإيرانية إمدادات المياه عن 30 قرية. وفي البحرين، حيث تؤمّن التحلية 90% من مياه الشرب لسكان يبلغ عددهم 1.6 مليون نسمة، تعرّضت إحدى محطات التحلية أيضاً للقصف.

يشتد الخطر خصوصاً في الخليج لأن التحلية ليست مصدراً إضافياً للمياه، بل هي العمود الفقري للوصول إلى المياه. يأتي نحو 99% من مياه الشرب في قطر من التحلية، و90% في الكويت، و86% في عمان، و70% في السعودية، ونحو 42% في الإمارات.

مع انتقال الحرب من الأهداف العسكرية إلى البنية التحتية الصناعية والمدنية، لا يعود الخطر محصوراً في خسائر الطاقة، بل يمتد إلى احتمال وقوع خسائر فادحة في المياه.

ثمّ تنتشر الصدمة عبر شبكات الاعتماد المتبادل. فقد دفع تعليق إسرائيل صادرات الغاز إلى مصر والأردن البلدين إلى خفض تدفقات الغاز اليها ومنها إلى أطراف ثالثة، بما فيها التدفقات إلى سوريا. يمثل الغاز الإسرائيلي نحو 60% من إمدادات مصر و85% من إمدادات الأردن، لذلك تنتقل أي انقطاعات بسرعة إلى نقص في الكهرباء وضغط على الوقود وأسعاره في أماكن أخرى. 

في سوريا ولبنان، ارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد، ما شدد الضغط على الأسر التي تكافح أصلاً لتأمين الغذاء والمياه والكهرباء والنقل.

في باكستان، التي تعتمد على قطر في 99% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، أدخلت الحكومة إجراءات تقشف طارئة للحفاظ على الطاقة. 

ليس البلدان الأكثر تعرضاً بالضرورة تلك التي تتعرض للقصف مباشرة، بل تلك التي يعتمد وصولها إلى الكهرباء والوقود والمياه على أنظمة إقليمية بدأت الحرب في زعزعتها. وبالنسبة إلى الدول الهشة والمعتمدة على الاستيراد، تتحول صدمة الطاقة سريعاً إلى أزمة صحة عامة وأزمة اجتماعية عبر تدهور الصرف الصحي، وتراجع قدرة المستشفيات، وارتفاع كلفة النقل، وتآكل القدرة الشرائية للأسر.

شرح موجز للسيناريوهات الأخطر

2. الاقتصاد والشحن والأمن الغذائي 

أصابت العمليات العسكرية الإيرانية عنق الاختناق في هرمز، فعطّلت التجارة والشحن، وكشفت البلدان المعتمدة على الاستيراد، وتسببت في فقدان الوصول إلى بعض السلع، وارتفاع الأسعار، وتراجع الغلال، وانهيار دخل الأسر. تبدو غزة ولبنان والعراق وجمهورية الكونغو الديمقراطية وشرق إفريقيا وجنوب آسيا أكثر المناطق تعرضاً لهذه السلسلة.

تظهر الصدمة أولاً في المناطق المنخرطة في الحرب.

في غزة، حيث كان متوقعاً أن يصل 571,000 شخص إلى حالة طوارئ غذائية بحلول نيسان/أبريل، أعاقت إسرائيل دخول شاحنات المساعدات والشاحنات التجارية إلى غزة عند بدء الحرب على إيران. نتيجة لذلك، قفزت أسعار الأغذية الطازجة، فيما أصبحت زيوت الطهي والطحين وبعض المعلبات غير متاحة في مدينة غزة.

في لبنان، تشكّل الواردات نحو 50% من الإمدادات الغذائية، ويشكّل القمح المستورد 87% من الاستهلاك. ارتفعت أسعار الخبز، كما تهدد الاضطرابات الإضافية في سلاسل الإمداد الأمن الغذائي. حتى قبل الحرب على إيران، كان متوقعاً أن يواجه نحو 961,000 شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وأن يواجه 63,000 شخص حالة طوارئ غذائية بين نيسان/أبريل وتموز/يوليو 2026.

ثم تنتشر الصدمة عبر سلاسل الإمداد. قبل التصعيد، كان أكثر من 90% من صادرات النفط العراقية يمر عبر هرمز. قد يؤدي توقف الصادرات لفترة طويلة إلى خسارة العراق ما بين 6 و7 مليارات دولار شهرياً. بما أن النفط شكّل 93% من دخل الحكومة في 2025، فإن هذه الخسارة ستصيب الإنفاق العام مباشرة، بما في ذلك نظام البطاقة التموينية، وهو شبكة الأمان الغذائية الرئيسية تطعم 84% من السكان، أي 39 مليون شخص.

ثم تأتي أفريقيا وجنوب آسيا. يمر عبر هرمز نحو 45% من صادرات الكبريت العالمية. وتستورد جمهورية الكونغو الديمقراطية أكثر من 500,000 طن من الكبريت سنوياً لاستخدامه في استخراج النحاس والكوبالت. تمثل الصناعات الاستخراجية هناك نحو 30% من الإيرادات العامة. وإذا طال التعطيل، فلن يبطئ التعدين فحسب، بل سيضعف أيضاً قدرة الدولة على تمويل برامجها الاجتماعية في بلد كان من المتوقع أصلاً أن يواجه فيه 26.6 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

كما تصدّر دول الخليج أكثر من 30% من اليوريا المنقولة بحراً في العالم، وكانت الأسعار قد ارتفعت بنحو 14% بحلول 2 آذار/مارس. تبدو كينيا معرّضة بشكل خاص، إذ تمثل الزراعة نحو 22% من الناتج المحلي الإجمالي و60% من عائدات التصدير. كانت السعودية وحدها قد وفّرت نحو 28% من واردات كينيا من الأسمدة في 2024.

في بنغلادش وباكستان، عُلّقت مصانع الأسمدة المعتمدة على الغاز للحفاظ على المخزونات المحلية. وبالنسبة إلى صغار المزارعين، يعني ذلك استخداماً أقل للأسمدة، وغلالاً أقل، وأسعار غذاء أعلى بعد أشهر. سوف تظهر التداعيات الإنسانية لانهيار الزراعة لاحقاً، لكنها ليست أقل واقعية بسبب تأخر ظهورها.

سوف يتأثر جنوب آسيا أكثر عبر خسارة التحويلات المالية. إذ تمثل دول مجلس التعاون الخليجي نحو 50% من مجمل التحويلات إلى بنغلادش، وترسل السعودية وحدها نحو 430 مليون دولار شهرياً. كما يولد العمال الموجودون في الخليج 41% من تحويلات نيبال، وهي تحويلات بلغت 26% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024. غالباً ما تعمل التحويلات كوسادة للأمن الغذائي للأسر منخفضة الدخل ولصغار المزارعين. فإذا عطلت الحرب هذه الشبكات أو دفعت العمال إلى حجب الأموال بدل إرسالها إلى أوطانهم، تفقد الأسر إحدى الآليات القليلة التي تملكها لامتصاص ارتفاع أسعار الغذاء والوقود.

شرح موجز للسيناريوهات الأخطر

3. الصراع والتماسك الاجتماعي

لا تحتاج الحرب إلى عبور الحدود في شكل طائرات مسيّرة أو صواريخ لكي تزعزع بلداً آخر. فقد تعبر في شكل نزوح، وتوترات طائفية، وتضخم في الإيجارات، وتشدد في السياسات الأمنية.

يظهر ذلك بأوضح صورة في لبنان. فقد أدّت الهجمات الإسرائيلية إلى نزوح أكثر من مليون شخص بحلول 16 آذار/مارس، ما دفع أعداداً كبيرة من الأسر إلى الملاجئ والمجتمعات المضيفة وسوق إيجارات مشوه أصلاً. في بعض المناطق، ارتفعت الإيجارات بنسبة تراوحت بين 233 و275%، فتحول النزوح إلى أزمة اجتماعية أوسع. 

ولا يقتصر الضغط على الجانب اللوجستي، بل يعمّق أيضاً التوتر بين المجتمعات النازحة والمجتمعات المضيفة المتنافسة على السكن والوظائف والخدمات العامة. كما عبر أكثر من 121,000 شخص، معظمهم من السوريين، من لبنان إلى سوريا بحلول منتصف آذار/مارس. سيحوّل العبء الإنساني إلى سوريا، من كلفة إعادة توطين هؤلاء الناس إلى زيادة الحاجات الواجب تلبيتها، وإلى مزيد من المنافسة في سوق عمل مرهق أصلاً.

وفي البحرين، غذّت الحرب الإقليمية الاضطراب الداخلي مباشرة، ما أدى إلى احتجاجات وحملة قمع اعتقلت خلالها السلطات 60 شخصاً على خلفية التظاهر أو النشاط المرتبط به على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي العراق، يرفع تصاعد الهجمات بين الجماعات المسلحة والقوات الأميركية أو الإسرائيلية خطر تحوّل التوترات المحلية إلى مواجهة داخلية أوسع.

وفي شرق المنطقة، تزامن تراجع الوساطة الإقليمية وتدهور البيئة الأمنية مع تجدّد الاشتباكات بين باكستان وأفغانستان، ما أدى إلى نزوح أكثر من 115,000 شخص عبر 10 محافظات أفغانية بحلول 17 آذار/مارس.

بالنسبة إلى البلدان التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية، أو حماية اجتماعية ضعيفة، أو تفكك سياسي، تعني النتائج الإنسانية مزيداً من النزوح، ومزيداً من القمع، واحتكاكاً اجتماعياً أشد، وقدرة أقل للدولة على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتصاعدة.

شرح موجز للسيناريوهات الأخطر

4. الوصول الإنساني

ترفع الحرب الحاجات الإنسانية من جهة، وتعيق حركة المساعدات من جهة أخرى. فقد أدى إغلاق المجالات الجوية والموانئ إلى تعطيل ممرات لوجستية رئيسية، ما أعاق الأنظمة الإنسانية عن مواكبة الاحتياجات المتسارعة.

ويظهر هذا الضغط بالفعل على المستوى الإقليمي. فمحور دبي يمر عبره 60% من مجمل المساعدات المشحونة من خلال شبكة مستودعات الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية (UNHRD) عالمياً، ما يجعل أي تعطيل للحركة من دبي وإليها ذا طابع كارثي.

وبحلول منتصف آذار/مارس، كانت أكثر من 50 طلبية إمدادات طارئة مخصصة لإفادة أكثر من 1.5 مليون شخص في 25 بلداً قد تأخرت أو كانت بانتظار إعادة التوجيه. وبالتالي، فإن الحرب التي تعرقل المجال الجوي الخليجي والطرق البحرية لا تؤثر فقط على البلدان الواقعة تحت القصف المباشر، بل تعطل أيضاً أحد الممرات الرئيسية التي تُرسَل عبرها الإمدادات الإنسانية إلى أزمات في المنطقة وخارجها.

وتصبح النتائج أشد خطورة في الأماكن التي كان فيها الوصول الإنساني هشاً أصلاً. ففي اليمن، يتعامل ميناء الحديدة مع نحو 70% من الواردات التجارية و80% من المساعدات الإنسانية. أي تصعيد إضافي هناك سيضرب واردات الغذاء وتدفقات المساعدات في الوقت نفسه، ويترك بدائل أقل لسكان يعتمدون بشدة على المساعدات الخارجية. وأكثر البلدان تعرضاً لهذا النوع من الصدمة هي تلك التي يعتمد البقاء فيها أصلاً على تدفق ثابت للمساعدات. وما إن يصبح النقل أبطأ أو أغلى أو أكثر خطورة، حتى لا تعود المشكلة مجرد توافر المساعدات، بل ما إذا كانت ستصل أصلاً إلى حيث هناك حاجة ماسّة اليها قبل أن تتفاقم حالات النقص والنزوح وتدهور الصحة العامة.

شرح موجز للسيناريوهات الأخطر

شرح موجز للسيناريوهات الأخطر