معاينة الديمقراطية الجذرية: رهان لسياسة جديدة

الديمقراطية الجذرية: رهان لسياسة جديدة

  • لم تنبثق بواكير النضال المناهض للرأسمالية من رحم البروليتاريا الصناعية، بل من مجتمعات الحرفيين المدافعين عن هوياتهم المهدّدة بالاندثار. أمّا الحركات العمالية اللاحقة فقد جنحت في الغالب إلى مطالب إصلاحية، لا إلى إحداث قطيعة شاملة مع المنظومة. 
  • إعادة تعريف دور الهيمنة في ضوء المنطق الديمقراطي وحده لا يكفي لبناء مشروع سياسي، إذ لا يعدو كونه محض سلب يتجلى في منازعة الخضوع، من دون اجتراح رؤية إيجابية للتنظيم الاجتماعي. 

شرّعت الأزمة المالية العالمية عام 2008 الأبواب أمام ظهور أحزاب يسارية جديدة في أوروبا والولايات المتحدة. فمن سيريزا في اليونان، مروراً بپوديموس، ووصولاً إلى الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا، مثّلت الشعبوية اليسارية رهاناً جديداً لنشطاء الديمقراطية المحبطين من الليبراليين التقليديين (التيار السائد)، والمتوجسين من صعود الشعبوية اليمينية. استقرّ في القلب من تلك الشعبوية اليسارية مفهوم «الديمقراطية الجذريّة» الذي اشتغل عليه الزوجان إرنستو لاكلاو وشانتال موف. فبعد أن تيقّنا من إخفاق المشروع الماركسي التقليدي، رأى لاكلاو وموف أنّ الحركات التحرّرية المناهضة للرأسمالية لزامٌ عليها نفض يدها من تلك اليوتوبيا الاشتراكية الجاهزة التي بشّرت بها الماركسية، واحتضان منجزات الديمقراطية الليبرالية، والعمل جاهدةً في سبيل تجذير تلك المنجزات.

مثّلت لي الديمقراطية الجذرية الخطاب النموذجي الذي يصوغ ذلك النزوع التحرريّ نحو مجتمعات وترتيبات دولية أكثر مساواة، والنقد للأمراض الجديدة للرأسمالية النيوليبرالية؛ من تفاقم اللامساواة، والسياسات الإمبريالية بحقّ الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى آليات المديونية التي اتخذتها النخبة المالية وسيلة للاستحواذ على الثروات. كلّ ذلك، من دون التنكّر لتلك الكوابح التي كفلتها المؤسسات الديمقراطية الليبرالية، أو المقامرة بها؛ وهي الضوابط التي تجسّد قيم المساواة وسيادة القانون.

يذهب لاكلاو وموف إلى أنّ فشل اليسار في الاشتباك الناجع مع استحقاقات الراهن السياسي، يرجع في جوهره إلى مخيالٍ جمعي ورثه عن اليعقوبية والماركسية، انعقد على الإيمان بنقطة قطيعة مركزيّة حاكمة تتمثّل في الصراع الطبقي، وذات ثورية موحّدة تتجسد في الطبقة العاملة، وفضاء سياسيّ أوحد ينحصر في الاقتصاد تؤول في ظله الأضداد الاجتماعية للحل. وخروجاً عن هذا التقليد الراسخ، اجترحا قراءة للديمقراطية مغايرة كلّ المغايرة تنهض على أركان العرضيّة والتعددية والهيمنة.

في معرض نظره في التاريخ الأوروبي الممتدّ من الثورة الفرنسية حتى صعود الفاشية، شخّص المؤرخ الماركسي آرثر روزنبرغ علّة الإخفاق التاريخي للاشتراكية والديمقراطية، وردّها إلى عجز الحركة العمالية عن صياغة «الشعب» كذات سياسية موحّدة. وقد رأى في الانعطافة من الحركات الديمقراطية الشعبية إلى التنظيمات الطبقية المحضة نكوصاً لا تقدماً، إذ شرذمت المعسكر الشعبي وأوهنت قدرته الهيمنية. أعاد لاكلاو وموف تأويل هذا التشخيص بوصفه إرهاصاً لأطروحة أعمق: الانزياح عن المنطق السياسي المستند إلى انقسامات اجتماعية معطاة سلفاً، نحو سياسة هيمنة لا تنبني فيها الهويات السياسية إلا بالعمل الفاعل.

الثورة الديمقراطية

يرى لاكلاو وموف أنّ التقابل الضدّي بين الشعب والنظام القديم إبّان الثورة الفرنسية كان يمثّل اللحظة التاريخية الأخيرة التي تبدّى فيها التضاد (النضال السياسي) بوصفه انقساماً إمبريقياً معطى بين معسكرين متجانسين. ومع تعقّد المجتمعات الرأسمالية، ما عاد بالإمكان توحيد الهويات الاجتماعية آلياً تحت مبدأ ناظم وحيد كالطبقة. ومن هنا، أضحت الممارسة السياسية فعل هيمنة بحكم الضرورة؛ إذ بات الحدّ الفاصل بين «نحن» و«هم» مبحثاً يُشيّد ويُبنَى خطابياً، لا معطى يُكشَف النقاب عنه. أمّا الماركسية، فلئن انتقدت الرأسمالية، فقد ظلّت حبيسة تصوّر يعقوبي للسياسة؛ حين افترضت الصراع الطبقي مبدأ تأسيسياً يفضي في نهاية المطاف إلى توحيد الحقل الاجتماعي عبر حزب طليعي ثوري. لقد أرجأت هذه الحركة الوحدة الاجتماعية إلى مستقبلٍ يعقب انتصار البروليتاريا، بيد أنّها أبقت من ناحية أخرى على تصوّر انغلاق اجتماعي تام بعد الثورة.

الحركات الجديدة ليست - في جوهرها - تقدمية. فدلالتها السياسية ومآلاتها رهينة الصياغة الهيمنية التي تؤطّرها. فمن الممكن توجيه نضالات النسوية والبيئة ومناهضة البيروقراطية في مسارات سلطوية أو محافظة أو تحرّرية

تبدأ الديمقراطية الجذرية بنقض هذه الفرضية. إذ تنفض يدها من فكرة الفواعل المصطفين، والفضاءات الحصرية للتكوين السياسي، والقطائع المبرمة. وتشدّد - بدلاً من ذلك - على تعددية البنية الاجتماعية واستعصائها على الحتمية. فما عادت الديمقراطية تجسيداً لإرادة شعبية موحّدة، بل غدت منطقاً تاريخياً يشرّع الأبواب لمنازعة علاقات الإخضاع عبر مدّ التكافؤ المساواتي إلى ميادين جديدة.

ولتبيان هذا التحول، يجترح لاكلاو وموف مفهوم «الثورة الديمقراطية». وهي لا تعني لديهما حدثاً وحيداً، إنما هي سيرورة تاريخية مديدة استهلتها الثورة الفرنسية، حين أطاحت بنظام لاهوتي-سياسي يقوم على التراتبية، لتحل محله مخيالاً اجتماعياً جديداً قوامه المساواة والحرية. جسّد إعلان حقوق الإنسان قطيعة حاسمة؛ إذ غدت العلاقات الاجتماعية - مذ ذاك - محل مساءلة وإعادة صياغة بوصفها علاقات فاقدة للمشروعية. وبذلك، أضحت الديمقراطية مصفوفة خطابية قادرة على تحويل صور الخضوع للكنيسة أو الإقطاع أو الملك إلى اضطهاد منبوذ ومرفوض. وفي هذا المقام، يقيم المؤلفان تمييزاً مفاهيمياً جوهرياً بين ثلاثة أقانيم: الخضوع والاضطهاد والتحكّم. يحيل الخضوع إلى علاقة اجتماعية يخضع فيها فاعلٌ لآخر، بيد أن هذه العلاقة ليست - في أصلها - علاقة عدائية. أمّا الاضطهاد فلا يتبدّى إلا حين يعاد صياغة هذا الخضوع عبر خطاب خارجي - والخطاب الديمقراطي أشهر صوره - بوصفه جوراً وغير مشروع. في حين يشير التحكم إلى علاقات خضوع يراها المراقب الخارجي غير مشروعة، بصرف النظر عن وجود ممانعة فعلية لها أو نيّة للاشتباك معها. وبفضل هذا التمييز، تمكّن لاكلاو وموف من نبذ الافتراضات الماهوية عن الطبيعة البشرية، مع تبيانهما كيفية انبثاق الصراع السياسي.

يفند لاكلاو وموف تلك السرديات الماركسية عن التجذير الخطي والمتواصل للعمال. إذ لم تنبثق بواكير النضال المناهض للرأسمالية من رحم البروليتاريا الصناعية، بل من مجتمعات الحرفيين المدافعين عن هوياتهم المهدّدة بالاندثار. أمّا الحركات العمالية اللاحقة (استوعبتها العلاقات الرأسمالية تمام الاستيعاب) فقد جنحت في الغالب إلى مطالب إصلاحية، لا إلى إحداث قطيعة شاملة مع المنظومة. ويخلص المؤلفان إلى أن التضاد الجذري لا ينبع من الموقع البنيوي للعامل قبالة الرأسمالي، بل يتبدّى في تلك المواطن التي تتزعزع فيها الهويات، أو تصير خارجة عن المنطق الاجتماعي السائد؛ كما تجلى ذلك حين اصطَفَّت الحركات العمالية مع قوى اجتماعية وطبقية شتى في غمار الكفاح ضد الفاشية في إيطاليا.

حركات اجتماعية جديدة

يمتدّ هذا الإطار التحليلي ليشمل تحليل الحركات الاجتماعية الجديدة. إذ تُفهَم الحركات الحضرية والبيئية والنسوية وتلك المناهضة للعنصرية والمؤسساتية، فضلاً عن حركات السلام؛ بوصفها تجليات لأضداد مستحدثة أفرزها تسليع مفاصل الحياة الاجتماعية وبقرطتها في رأسمالية ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد ولّد تمدد العلاقات الرأسمالية وتغلغلها في الثقافة والترفيه والتعليم والجنسانية صوراً جديدة من الخضوع؛ في حين عمدت دولة الرفاه - بالتوازي مع ذلك - إلى شرعنة المطالب بحقوق جديدة. عمقت هذه السيرورات الثورة الديمقراطية عبر كشف النقاب عن اعتباطية التراتبيات القائمة.

لم تنبثق بواكير النضال المناهض للرأسمالية من رحم البروليتاريا الصناعية، بل من مجتمعات الحرفيين المدافعين عن هوياتهم المهدّدة بالاندثار

لقد عبدت الثورة الديمقراطية الطريق لبروز نضالات شتّى؛ إذ رفدتها بلغة تجيز مساءلة أوجه اللامساواة. وبناء عليه، غدت النضالات الاشتراكية والنسوية وحركات الحقوق المدنية اللاحقة بمثابة لحظات جوانية لهذا المنطق الديمقراطي، لا تعبيراً عن ماهية أو جوهر مستتر. وحتى تلك المطالب الاشتراكية بالمساواة الاقتصادية، لا تكتسب معقوليتها إلا في فضاء المتخيل الديمقراطي الأوسع الذي كان له قصب السبق في إرساء دعائم المساواة السياسية. ومن ثم، فإنّ استيعاب هذه النضالات المستحدثة يستوجب إقامة توازن دقيق في العلاقة بين منطقي التكافؤ والاستقلال. فالتكافؤ شرط لازم لصياغة هويات سياسية جمعية؛ بيد أنّ الغلو فيه ينذر بمحو خصوصية النضالات الفردية. وفي المقابل، يكفل الاستقلال صون التعدّدية، بيد أنه ينطوي على مخاطر التشرذم والتشظي. لا تحل الديمقراطية الجذرية هذا التوتر، بل تعمد إلى مأسسته؛ إذ يتجاور المنطقان بصفتهما سيرورتين اجتماعيتين جزئيتين، يحد كلٌّ منهما من غلواء الآخر، عوضاً عن كونهما مبادئ تأسيسية ناجزة.

لكن يشدّد لاكلاو وموف على أن هذه الحركات الجديدة ليست - في جوهرها - تقدمية. فدلالتها السياسية ومآلاتها رهينة الصياغة الهيمنية التي تؤطّرها. فمن الممكن توجيه نضالات النسوية والبيئة ومناهضة البيروقراطية في مسارات سلطوية أو محافظة أو تحرّرية. وهذه السيولة الدلالية تفسر نجاح المشروعات المحافظة الجديدة والنيوليبرالية في استنفار قوى المقاومة الديمقراطية ضد دولة الرفاه، مع الدفاع عن أوجه اللامساواة التقليدية. ومن هنا، يجب إيلاء عناية فائقة لتلك الهجمة الشرسة التي تشنّها القوى النيوليبرالية والمحافظة على الديمقراطية. فقد سعى منظّرون من أمثال هايك وفريدمان ونوزيك إلى بتر الصلة بين الليبرالية والديمقراطية على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين. فعبر إعادة تعريف الحرية بوصفها محض عدم تدخل، وتصوير الديمقراطية كآلية أداتية صرفة، سعوا إلى نزع المشروعية عن الحقوق الاجتماعية والمطالب المساواتية. أمّا اليمين الجديد في أوروبا، فقد ذهب إلى مدى أبعد؛ حين جاهر بنبذ الإرث المساواتي للثورة الفرنسية، وروّج للامساواة بصفتها شرطاً من شروط الحرية.

احتضان الديمقراطية الليبرالية

وعلى مقتضى هذه المقدمات، تتبدّى الديمقراطية الجذرية بوصفها استراتيجية بديلة عند اليسار. يجب على اليسار تعميق مُثُل الديمقراطية الليبرالية وتوسيع نطاقها، وليس التخلي عنها. تغدو المهمة الكبرى نظم سلاسل تكافؤ جديدة تجمع شتات النضالات المناهضة للاضطهاد، مع الحذر من الانزلاق إلى فرض الوحدة عبر منطق مركزيّ. وبموجب هذا الإطار، تؤول الاشتراكية إلى أن تكون لبنة من لبنات الديمقراطية الجذرية، لا قاعدة بنائها الوحيدة.

فشل اليسار في الاشتباك الناجع مع استحقاقات الراهن السياسي، يرجع في جوهره إلى مخيالٍ جمعي ورثه عن اليعقوبية والماركسية، انعقد على الإيمان بنقطة قطيعة مركزيّة حاكمة تتمثّل في الصراع الطبقي

يذهب لاكلاو وموف إلى أنّ الديمقراطية لا تقبل الاختزال في منطق المساواة حصراً. إذ تظلّ الحرية - بما هي صونٌ لتمايز الفضاءات الاجتماعية وتباينها - ركناً لا يقلّ جوهريّة عن المساواة. يفضي بنا هذا إلى مفهوم الديمقراطية الجذريّة والتعددية: جذريةٌ لأنّها تمد منطق المساواة إلى مناحي المجتمع كافة؛ وتعدديةٌ لأنّها تقرّ باستعصاء اختزال العلاقات الاجتماعية والفضاءات السياسية المتباينة. أما الحقوق، فقد أعيد صوغ مفهومها لتغدو حقوقاً ديمقراطية؛ علائقيةٌ وجماعية، لا محض حقوق طبيعية أو سابقة على الوجود الاجتماعي.

وإعادة تعريف دور الهيمنة في ضوء المنطق الديمقراطي وحده لا يكفي لبناء مشروع سياسي، إذ لا يعدو كونه محض سلب يتجلّى في منازعة الخضوع، من دون اجتراح رؤية إيجابية للتنظيم الاجتماعي. تقوم ممارسة الهيمنة على صوغ المطالب الديمقراطية ضمن مشروعات تروم إعادة بناء الإيجاب الاجتماعي. بذا، يكون كلّ تشكّل هيمني متقلقل، يتجاذبه التخريب والنظام. تقتضي الديمقراطية الجذرية تعدّداً في الفضاءات السياسية والأصوات. تغدو الهيمنة عنواناً للعبة سياسية لا تجمّد فيها الهويات ولا القواعد ولا الحدود. وبذلك يغدو السياسي فضاءً مفتوحاً لنضالات عرضية، لا يثبت فيها المعنى ولا يدوم.

يحذر لاكلاو وموف، استناداً إلى أطروحات كلود ليفور، من خطرين متقابلين: الانغلاق الشمولي والانهيار الاجتماعي. فالديمقراطية تقضي على كل أساس مطلق للسلطة والقانون والمعرفة، خالقة فضاءً فارغ للسلطة. تروم الشمولية ملء هذا الفراغ عبر إعادة إرساء الوحدة، بحيث يؤدي التشرذم المحض إلى محو السياسي برمته. أما الديمقراطية الجذرية، فتؤكد استحالة الانغلاق النهائي للمجتمع، مع تمسكها في الوقت نفسه بضرورة الصياغة والربط المستمرين بين القوى الاجتماعية.

نُشِر هذا المقال في 19 كانون الأول/ديسمبر 2025 في مدوّنة Reflections، ويعيد الكاتب نشره في موقع «صفر» بترجمته العربية. 

    علاء بريك هنيدي

    مترجم، حاصل على ماجستير في المحاسبة، وشارك في تأسيس صحيفة المتلمِّس. صدر له ترجمة كتاب ديفيد هارفي «مدخل إلى رأس المال» عن دار فواصل السورية، وكتاب جوزيف ضاهر «الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني» عن دار صفصافة المصرية، وكتاب بيتر درَكر «الابتكار وريادك الأعمال» عن دار رف السعودية، وكانت أولى ترجماته مجموعة مقالات لفلاديمير لينين عن ليف تولستوي صدرت ضمن كراس عن دار أروقة اليمنية. كما نشر ترجمات عدّة مع مواقع صحافية عربية منها مدى مصر، وإضاءات، وذات مصر، وأوان ميديا.