إعادة الإعمار المؤجّلة

ماذا تنتظر الحكومة اللبنانية؟ وبأي كلفة؟
إعادة الإعمار المؤجّلة

ترهن الحكومة اللبنانية قضية إعادة الإعمار لمعادلة وحيدة: الالتزام بالشروط السياسية والأمنية المفروضة على لبنان من أجل الحصول على التمويل الخارجي. بالانتظار، يوجد نحو 320 ألف وحدة سكنية مدمّرة أو متضررة، ونصف مليون نازح، وثلث فرص العمل في القطاع الخاص باتت مفقودة. فهل معادلة الحكومة هي الصحيحة؟ وهل حقاً لا يمكن البدء من مكان ما بالموارد المحلية المتاحة؟ وماذا عن كلفة الانتظار والتأجيل؟ 

يستشهد هذا المقال بآراء وتعليقات كل من الاقتصاديين اللبنانيين شربل نحاس، الأمين العام لحركة مواطنون ومواطنات، وغسان ديبة، أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية، وأديب نعمة، خبير ومستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومحاربة الفقر، والمعماريّان منى فوّاز، أستاذة الدراسات والسياسات المدينية في الجامعة الأميركية في بيروت، وعبير سقسوق، عضوة مؤسّسة في «استوديو أشغال عامة».

أولاً، ما هو حجم الدمار؟

لا تزال التقديرات الموجودة لحجم الدمار الفعلي والخسائر الناتجة عن العدوان الإسرائيلي المستمرّ على لبنان غير نهائية. غير أنّ المعطيات المُتاحة تكفي لإظهار حجم الكارثة. فبحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية، بلغ عدد الوحدات السكنية المدمّرة، كلّياً وجزئياً، نحو 230,436 وحدة منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى 1 آذار/مارس 2026، ويضاف إليها نحو 90,747 وحدة سكنية دمّرت أو تضرّرت منذ بدء الجولة الأخيرة من الحرب في 2 آذار/مارس 2026 وحتى 12 حزيران/يونيو 2026. ما يعني أنّ هناك مساحة دمار واسعة ومتفاوتة تحتاج إلى إعادة الإعمار، وهي ليست محصورة بأضرار محدودة يمكن التعامل معها كملف تعويضات عادي، عدا أن حجم التدمير الناتج عن الحرب المستمرّة منذ أكثر من سنتين قد يتجاوز 3 أضعاف ما سبّبته حرب تموز/يوليو 2006، وطال قرى بأكملها وبنى تحتية ومرافق ومؤسسات وأراضٍ زراعية. ما يضع اللبنانيين أمام ظروف صعبة وغير مسبوقة في العقدين السابقين على الأقل. 

لا تنحصر انعكاسات الدمار بالمباني والبنى التحتية، بل تطال قدرة الناس على العمل وتحصيل الدخل وتأمين معيشتهم، ما يجعل التفكير بإعادة الإعمار جزءاً من التفكير بالتعافي الاقتصادي نفسه

لا تقف تداعيات الحرب عند عدد المنازل المدمّرة أو الكلفة المالية لإعادة بنائها، وهي كلفة لم تُحدَّد رسمياً بصورة شاملة حتى الآن. فقد قدّر البنك الدولي، في التقييم السريع للأضرار والاحتياجات الذي أجراه عقب حرب عام 2024، كلفة استرداد المنازل والمؤسّسات والبنى التحتية المدمّرة والمتضرّرة بنحو 6.8 مليار دولار، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم الأضرار المادية المباشرة والخسائر الاقتصادية غير المباشرة المتراكمة منذ بداية الحرب في أواخر عام 2023 قد يتجاوز 20 مليار دولار. وبصرف النظر عن دقّة هذه التقديرات ومنهجيات احتسابها، فإن حجم الخسائر المالية هائل، لكنه لا يختزل آثار الحرب. فثمّة تداعيات إنسانية واجتماعية مستمرّة. فقد بلغ عدد النازحين في ذروة الحرب 1.2 مليون شخص في نيسان/أبريل 2026، بحسب المنظمة الدولية للهجرة. وعلى الرغم من عودة أكثر من 741 ألفاً منهم إلى مدنهم وقراهم، لا يزال أكثر من 412 ألف شخص نازحين حتى اليوم. كما تركت الحرب آثاراً عميقة على سوق العمل وسبل العيش، نتيجة النزوح وفقدان الوظائف وتراجع المداخيل. ووفق مسح أجرته منظّمة العمل الدولية ونُشر في تموز/يوليو الحالي، أصبح 1 من كل 3 عاملين في القطاع الخاص عاطلاً عن العمل، فيما انخفض متوسط دخل العمل بنسبة 40.4%. ويتزامن ذلك مع تقديرات منظّمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة التي تشير إلى أن نحو 1.2 مليون شخص في لبنان، أي ما يعادل 24% من السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

وهذا يعني أن انعكاسات الدمار لا تنحصر بالمباني والبنى التحتية، بل تطال أيضاً قدرة الناس على العمل وتحصيل الدخل وبالتالي تأمين معيشتهم، ما يجعل التفكير بإعادة الإعمار جزءاً من التفكير بالتعافي الاقتصادي نفسه، خصوصاً أن كلّ تأخير في ترميم المساكن والبنى الأساسية، أقلّه في المناطق غير الواقعة تحت الاحتلال، بالتوازي مع استمرار الدولة في التخلّي عن مسؤولياتها تجاه النازحين والعائدين والمتضرّرين، يعني استمرار تعطّل جزء من النشاط الاقتصادي المحلّي، وتراجع إضافي في مستوى معيشة الأسر وتدهور ظروف عيشها.

ثانياً، من أين تبدأ إعادة الإعمار؟

من هنا، يصبح السؤال متى تبدأ إعادة الإعمار؟ ومن أين تبدأ؟ هل يجب انتظار خطّة شاملة لكل المناطق المتضرّرة، أم يمكن البدء تدريجياً في المناطق التي تسمح ظروفها الأمنية والإدارية بذلك؟

لا شك أن بقاء عشرات القرى الجنوبية تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 26 حزيران/يونيو 2026، يمنع الاقتراب منها أو بدء العمل فيها حالياً. إلا أن إحصاءات المجلس الوطني للبحوث العلمية تبيّن أن 37% من الوحدات السكنية المدمّرة أو المتضرّرة تقع في محافظات بعلبك-الهرمل والبقاع وجبل لبنان وبيروت، وبالتالي يمكن بدء عملية إعادة الإعمار فيها، وحتى الوحدات السكنية المدمّرة والمتضرّرة الواقعة في محافظتي الجنوب والنبطية وعددها 201,372 وحدة ليست كلها في المنطقة المحتلة، وبالتالي يمكن إطلاق عملية إعادة إعمارها. 

لا تصبح إعادة الإعمار مجرّد قضية دمار وتعويضات، بل قضية تغيّر في الموارد وشروط العيش والعمل في المناطق المتضرّرة، وهذا ما يجعلها تحدياً لا يمكن تأجيله أو التعامل معه كملف تقني

وعلى عكس المنطق الذي تفرضه الحكومة في قضية إعادة الإعمار بوصفه ملفاً واحداً، فهي عملياً عبارة عن ملفات متعدّدة ومتنوّعة، تفترض تقسيم العملية إلى سلسلة من المراحل المتتالية، تشمل الترميم الجزئي بما يتضمّنه من إصلاحات بسيطة، والترميم الإنشائي في الأساسات المتصدّعة، ومن ثمّ الهدم الجزئي والهدم الكلي للوحدات المدمرة جزئياً أو كلياً. ويضاف إلى ذلك دعم عودة الأهالي إلى قراهم التي تفتقر إلى شروط العودة والحياة الكريمة، وإطلاق الورشة التنظيمية والتشريعية التي سترعى عملية إعادة الإعمار. وهذا كله لا يعني استبدال الخطة الوطنية بتدخلات متفرّقة، بل البدء من الأماكن والمواضع الممكنة ضمن رؤية أوسع، بدل ترك قضية إعادة الإعمار معلّقة إلى حين اكتمال كل الشروط السياسية والمالية والأمنية.

وهذا ما تعبّر عنه عبير سقسوق، مهندسة معمارية وعضو مؤسّس في «استوديو أشغال عامة»، في حديثها مع «صفر»، إذ تلفت إلى أن «مسار إعادة الإعمار طويل، ولكنه يبدأ من اليوم. ما يحتم ضرورة تحرّك الدولة في هذا الاتجاه وبدء العملية تدريجياً، وتشكيل رؤية وطنية موحّدة لموضوع إعادة الإعمار». وتشدّد على ضرورة «تسليط الضوء على الاختلافات المناطقية الموجودة واختلاف مستويات الدمار بين هذه المناطق، لأن هذا التفاوت يفتح المجال أمام بدء العملية تدريجياً من دون انتظار خطة شاملة تضم كل البلد دفعة واحدة». إلى ذلك، يرى الاقتصادي والأمين العام لحركة مواطنون ومواطنات في دولة، شربل نحاس، في حديثه مع «صفر»، أن «التعامل مع إعادة الإعمار لا يمكن أن ينطلق من فرضية أن الوضع سيعود كما كان قبل الحرب، إذ من الصعب افتراض أن إسرائيل ستنسحب قريباً من المناطق التي تحتلها، ولذلك يجب التعامل مع احتمال خلق وقائع جديدة على الأرض ينتجها الاحتلال».

من هنا، لا تصبح إعادة الإعمار مجرّد قضية دمار وتعويضات، بل قضية تغيّر في الموارد، وفي شروط العيش والعمل في المناطق المتضرّرة، وهذا ما يجعلها تحدياً كبيراً لا يمكن تأجيله أو التعامل معه كملف تقني فقط. ما يجعل البدء من المناطق الممكنة خياراً عملياً، خصوصاً إذا كانت بعض المناطق ستبقى معلّقة على شروط أمنية وسياسية يصعب حسمها قريباً. 

وتشير سقسوق أيضاً إلى أهمية السلطات المحلية في العمل على إعادة الإعمار، إذ «يمكن للبلديات أن تؤدّي دوراً فاعلاً في حل هذه الأزمة، خصوصاً في تحديد الأولويات، وتوثيق الأضرار. لا سيما أن خطة إعادة الإعمار لا تبدأ من التمويل الكبير أو الخطة المركزية فقط»، بهذا يمكن أن تبدأ هذه العملية من القدرة على تحويل الأرقام إلى خطوات عملية، في المناطق التي يمكن العمل فيها، والتخفيف في الوقت نفسه من كلفة النزوح وتعطّل الاقتصاد المحلي. وتؤكد منى فواز، أستاذة الدراسات والسياسات المدينية في الجامعة الأميركية في بيروت، على النقطة نفسها، إذ ترى أن «للبلديات دور أساسي في عملية إعادة الإعمار، لأنها تسهّل العمل التدريجي في المناطق بحسب اختلافاتها». لذلك، يمكن أن نستنتج أن هذا الدور يحتاج إلى نقاش واضح في التمويل، لأن البدء التدريجي يحتاج إلى موارد، لا إلى انتظار مفتوح لمساعدات خارجية قد تتأخّر أو ترتبط بشروط سياسية وأمنية.

ثالثاً، ماذا عن مصادر التمويل؟ 

إذا كان البدء التدريجي ممكناً من حيث المبدأ، ولكنه يحتاج إلى موارد تسمح بالبدء به، عندها ينتقل السؤال من أين نبدأ؟ إلى كيف نؤمّن التمويل، ومن يتحمّل كلفة هذه العملية؟ 

يكمن التمويل في صلب سؤال إعادة الإعمار، خصوصاً أن الاتكال على التمويل الخارجي وحده لم يعد خياراً مضموناً، كونه مطروح ضمن إطار مرتبط بشروط أمنية وسياسية، في مقدمها نزع سلاح حزب الله. لذلك، يصبح البحث عن طرق تمويل رديفة مسألة ضرورية، لأن انتظار الخارج يعني عملياً إبقاء إعادة الإعمار مسألة معلّقة على شروط قد لا تصبّ في مصلحة استقرار البلد، وقد لا تكون قابلة للتنفيذ من دون تداعيات مدمّرة على مستويات أخرى. 

يمكن التفكير بطرق تمويل داخلية عدة، منها الضرائب على المقيمين غير المسجّلين ضريبياً، والضرائب العقارية، وضرائب أخرى تطال الثروة والموارد غير المستثمرة أو غير الخاضعة بشكل كافٍ للنظام الضريبي

في هذا السياق، تلتقي مواقف منى فواز وشربل نحاس وأستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الاميركية غسان ديبة عند فكرة أساسية: لا يمكن للدولة أن تتعامل مع التمويل الخارجي كمدخل وحيد للعملية. ترى فواز أن «فرض ضرائب على المخالفات القانونية، مثل التعديات على الأملاك العامة البحرية هو من الخيارات المتاحة، مع ضرورة وضع خطة للتمويل وتأمين الأمان للنازحين. ومن هذه الزاوية، قد تكون عملية إعادة الإعمار فرصة لربط ترميم ما دمّرته الحرب بإعادة تحديد دور الدولة». وتلتقي في هذه الفكرة مع مقاربة شربل نحاس، الذي يضع «مسألة التمويل ضمن سؤال أوسع عن قدرة الدولة على التحرّك من دون انتظار الخارج». ويشير نحاس إلى «وجود غرابة في أن ينتظر لبنان التمويل الخارجي حتى يبدأ بإعادة الإعمار، خصوصاً أن حجم الأزمة يفترض تحركاً داخلياً واضحاً من الدولة». وبالنسبة إليه، «يمكن التفكير بطرق تمويل داخلية عدة، منها الضرائب على المقيمين غير المسجّلين ضريبياً، والضرائب العقارية، وضرائب أخرى تطال الثروة والموارد غير المستثمرة أو غير الخاضعة بشكل كافٍ للنظام الضريبي». يفتح التمويل الداخلي هنا سؤالاً عن دور الدولة وقدرتها على تنظيم الموارد وتأمين شروط العودة.

يضيف غسان ديبة مجموعة خيارات يمكن أن تفتح نقاشاً أوسع عن مصادر التمويل الداخلية والخارجية، ما يجعل الدولة غير مضطرة إلى انتظار مصدر واحد للتمويل، بل أن تفكّر في أدوات متعدّدة ضمن خطة واضحة، بدل إجراءات متفرقة تزيد الأعباء من دون أن تؤدّي إلى إعادة إعمار فعلية. ويقول ديبة، في حديثه مع «صفر»، إن «الخطوة الأولى تكمن بضرورة تحديد أن هناك حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية بسبب حجم التدمير وتركّزه الجغرافي وشموليته. وانطلاقاً من ذلك، يمكن تحديد رزمة من مصادر التمويل، بدل حصر النقاش بالتمويل الخارجي أو انتظار المساعدات». وبالنسبة إليه المصادر متنوعة، إذ يمكن «استخدام مالية الدولة والنظام الضريبي لتمويل خطة إعادة الإعمار، كلياً أو جزئياً، من خلال زيادة الإيرادات، عبر وضع ضرائب أعلى على الثروة والأرباح ورأس المال اللبناني في الخارج، كذلك يمكن استعمال جزء من احتياطي الذهب الموجود في مصرف لبنان، الذي تبلغ قيمته حوالي 40 مليار دولار، علماً أن الأفكار التي تعتبر أن قيمة الذهب ستستمر بالصعود، أو أنه لا يمكن المساس به، قد تشكّل عائقاً أمام مقاربة اقتصادية فعلية لاستخدام الذهب، كما يمكن للبنان أن يصدر سندات دين داخلية بالليرة اللبنانية، وأن يوسّع مصادر الاستدانة الخارجية، أو أن تؤدي المساعدات الخارجية ورأس المال الخارجي دوراً أيضاً ولكن من موقع مكمّل للعملية». ويتابع ديبة «وجود تمويل داخلي يعطي ثقة أكبر للمانحين الدوليين بأن لبنان جاد في عملية إعادة الإعمار، ومستعد لتوفير إمكانات داخلية لها، كما يمكن لرأس المال الخارجي أن يدخل من خلال مشاريع محدّدة، لا سيما تلك المرتبطة بالنهوض الاقتصادي في المناطق المتضرّرة، بدل أن يبقى التمويل الخارجي محصوراً بالمساعدات أو التعويضات المباشرة». 

رابعاً، ما هي كلفة التأجيل؟ 

من الواضح أن التذرّع بالعوائق التي يفرضها الاحتلال في المناطق الحدودية أو العوائق التمويلية المربوطة بالشروط الخارجية لتأجيل أي تفكير بإعادة الإعمار ليست مقنعة، ولكنها تفرض أكلافاً إضافية. فاختيار انتظار الخارج، أو تأجيل البدء إلى حين اكتمال الشروط السياسية والمالية، له كلفة مباشرة على المناطق المتضررة وعلى الناس الذين لا يستطيعون العودة إلى حياتهم. ومن هنا، يصبح تأجيل إعادة الإعمار جزءاً من المشكلة نفسها، لأنه يزيد الخسائر بدل أن يفتح مساراً للحد منها.

لا تقتصر مشكلة تأجيل إعادة الإعمار على تأخير التعويضات أو بقاء المنازل مهدّمة. فكل تأخير في إطلاق هذه العملية يعني استمرار جزء من المناطق المتضرّرة خارج الحياة الاقتصادية والاجتماعية، واستمرار النازحين في حالة مؤقتة قد تطول، فيخلق معها واقع جديد يصعب التراجع عنه لاحقاً.

التأجيل يعني عدم تحقيق النمو الاقتصادي، وإخراج جزء من السعة الاقتصادية للمناطق والعمالة والمؤسّسات المدمّرة بسبب الحرب من الاقتصاد، ما يجعل الدمار قائماً كخسارة يومية مستمرة

على الصعيد الاقتصادي، يقول غسان ديبة إن «التأجيل يعني عدم تحقيق النمو الاقتصادي، وإخراج جزء من السعة الاقتصادية للمناطق والعمالة والمؤسّسات المدمرة، بسبب الحرب، من الاقتصاد»، ما يجعل الدمار قائماً كخسارة يومية مستمرة، لا ككلفة مادية حصلت وانتهت.

وتصبح هذه الخسارة أكبر عندما ننظر إلى حجم وطبيعة الدمار الحالي بالمقارنة مع حرب تموز/يوليو 2006، ولا سيما التدمير الشامل للشريط الحدودي. فبحسب أديب نعمة، خبير ومستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومحاربة الفقر، فإن «البلد سيعاني حتى لو توفر التمويل في المستقبل، لأن حجم الدمار وشموليته يجعلان العودة إلى ما كان قائماً قبل الحرب أكثر صعوبة. وهذا يعني أن التمويل، إن أتى، لن يكون بالضرورة بالوفرة التي كان عليها عام 2006، كما أنه لن يأتي من دون شروط تتعلّق بالتوازنات السياسية الداخلية، وباستعادة السلطة إلى داخل المؤسسات الدستورية، لا سيما الحكومة، وبحل مسألة السلاح خارج الدولة، بما في ذلك سلاح حزب الله. وفي أفضل السيناريوهات المحتملة، وإن كانت صعبة التحقّق، فإن التمويل لن يعيد تلقائياً الاقتصاد المحلي إلى ما كان عليه، خصوصاً إذا بقيت المؤسسات والعمالة والمناطق المتضرّرة خارج دورة العمل لفترة طويلة. وهذا أمر متوقع بالنسبة إلى قسم من السكان النازحين، لأن جعل القرى الحدودية صالحة للسكن والحياة مجدداً سوف يستغرق سنوات طويلة جداً، تكون خلالها الحياة الاقتصادية والاجتماعية المحلية معلّقة أو مشوّهة. كما أن النسيج الاجتماعي سيعاني من تصدعات خطيرة وذات أثر بعيد المدى، لأن عودة النازحين إلى قراهم لا تقتصر على جدران وسقف، بل تعني استعادة نسيج مجتمعي متكامل، يبدأ من دورة الحياة داخل الأسرة، وصولاً إلى العلاقة مع الجيران وسكان القرية أو البلدة الواحدة، ثم إعادة اندماج قطاعات الاقتصاد المحلي في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلد».

أما على الصعيد السياسي، فيرى ديبة أن «تأجيل إعادة الإعمار قد يؤدي إلى شرخ سياسي كبير، خصوصاً لأسباب متعلقة بأي تقاعس للحكومة عن إطلاق إعادة الإعمار بحجة عدم توفر التمويل والاعتماد على التمويل الخارجي والمساعدات وربط ذلك إما بشروط سياسية أو بإصلاحات مزعومة لم نعد نعرف ما هي وتردّد بشكل دائم منذ سنوات عديدة». أما شربل نحاس، فينظر إلى المسألة من «زاوية الواقع الجديد الذي يفرض نفسه على البلد». وبالنسبة إليه، «لا يمكن التعامل مع إعادة الإعمار على أساس أن لبنان سيعود إلى ما كان عليه قبل الحرب. المغتربون لن يعودوا بالضرورة، وقد تزداد نسبة الاغتراب والهجرة، والسوريون الموجودون في لبنان لن يعودوا سريعاً إلى سوريا. وهذا يعني أن البلد أمام إفلاس وهجرة وتبدّل في الشروط الاجتماعية والاقتصادية، لا أمام أزمة عابرة يمكن انتظار انتهائها. لذلك، يتطلب التعامل مع هذه المرحلة جرأة في القرار، ووضع أسوأ الفرضيات والتصرف على أساسها، بدل انتظار عودة الظروف السابقة».

على الصعيد الاجتماعي، يظهر أثر التأجيل في حياة النازحين اليومية. فبحسب ديبة، «استمرار التهجير يطال الصحة والعيش بكرامة وفرص التعليم، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والشباب. ولذلك، يجب أن نتعامل مع إعادة الإعمار كأولوية وطنية كبرى لا يمكن تأجيلها أو المماطلة فيها تحت ذرائع شتى أولها الحاجة إلى المساعدات الخارجية». ويرى نعمة أن «عودة النازحين إلى قراهم، في حال حصلت، لن تعني بالضرورة عودة الحياة إلى روتينها السابق. فالدمار في المنازل والبنى الأساسية والموارد المحلية يجعل العودة صعبة وغير مكتملة. وفي المقابل، إذا لم يعد النازحون واستقروا في بلدات النزوح، فإن الحياة في هذه البلدات نفسها لن تبقى كما كانت. سيظهر ضغط جديد على السكن والخدمات والعمل والعلاقات الاجتماعية، ما يعني أن التأجيل لا يؤثر فقط على المناطق المدمّرة، بل أيضاً على المناطق التي تستقبل النازحين».

بهذا المعنى، تصبح إعادة الإعمار أولوية، وعلى الحكومة أن تتخذ قراراً جدياً بشأنها، وأن تبدأ ببناء خطة تدريجية، لأن تأجيلها يوسّع الخسارة بدل احتوائها. فهي ترتبط بالنمو الاقتصادي، وعودة العمالة والمؤسسات، ومنع توسّع الشرخ السياسي، وحماية الحياة الاجتماعية للنازحين والمناطق المضيفة. وكلما طال الانتظار، أصبحت إعادة الإعمار أصعب، من حيث التمويل، ومن حيث القدرة على استعادة شروط العيش والعمل. 

حتى اللحظة، لا توجد مؤشرات تشجّع على الاعتقاد أن مؤسسات الدولة، والأطراف السياسية على تنوّعها، مدركة لخطورة وتعقيد هذا الوضع، أو أنها تتخذ الخطوات التحضيرية والعملية الضرورية للخروج منه، أو من تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي والمؤسسي الذي تسارع اعتباراً من خريف 2019.

    ميرا القضماني

    طالبة في علوم الحوسبة والسياسات العامة في الجامعة اللبنانية الأميركية.