معاينة في نقد خطاب التنمية الأمنية: الأمم المتحدة وتدوير مفهومي التطرّف العنيف وصمود المجتمعات

في نقد خطاب التنمية الأمنية
الأمم المتحدة وتدوير مفهومي التطرّف العنيف وصمود المجتمعات

  • بدل مساءلة البُنى الاقتصادية والسياسية التي أفرزت التهميش والتوتر الاجتماعي، كالبطالة البنيوية، وضعف الدولة، واحتكار القرار الاقتصادي من قبل المانحين، اختُزلت الإشكالية في «ضعف قدرات المجتمعات على الصمود». هكذا أُعيد تعريف الأزمة الاجتماعية بلغة الإدارة التقنية، وصار الحلّ في «بناء القدرات»، لا في إعادة توزيع السلطة والثروة. 
  • الأمم المتحدة لا تتدخل في «تنمية» المجتمعات بقدر ما تتدخل في خيالها عن ذاتها. فهي تعيد كتابة سرديات المجتمعات حول الخطر والنجاة والكرامة، وتحوّلها إلى سيناريوهات تدريب وتمويل. وهكذا، يُستبدل التاريخ بالمشروع، والذاكرة بالمؤشر، والهوية بالتقرير الدوري. وهي تفعل ذلك بثمن إلغاء الفعل السياسي الجماعي. 

منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، برز خطاب «التطرّف العنيف» و«صمود المجتمعات المحلية» بوصفه أحد المفاتيح المفاهيمية الأكثر حضوراً في أدبيات الأمم المتحدة وبرامجها التنموية، لاسيما في أفريقيا والمنطقة العربية. غير أن هذا الحضور لم يكن بريئاً أو محايداً، إذ سرعان ما تَكشّف أن المفهومين — على الرغم من لغتهما الإنسانية والتنموية — يعملان كأدوات لتطويع الواقع الاجتماعي ضمن أفق إداري وتقني يرمي إلى إدارة الأزمات بدل معالجتها، وإلى تطبيع الهشاشة بدل تجاوزها (Foucault, 2007; Chandler, 2014).

تتجلى المفارقة في أن الخطاب الذي وُلد تحت عنوان الوقاية من العنف، أعاد في الجوهر إنتاج المنطق ذاته الذي يغذّيه: منطق النيوليبرالية الأمنية الذي يجعل الأفراد والمجتمعات وحدهم مسؤولين عن التعامل مع الخطر. فـ«الصمود»، في لغة التنمية المعاصرة، لم يعد مرادفاً للمقاومة أو الاستقلال، بل أصبح يعني القدرة على التكيّف مع الاضطراب، أي التكيّف مع الشروط التي أنتجت الاضطراب نفسه (Chandler & Reid, 2016). وبهذا المعنى، تحوّل خطاب الصمود إلى ما يسميه فوكو «تقنية للحكم» أي أداة لإعادة توزيع أدوار الدولة والمجتمع والفرد ضمن عقلانية سياسية جديدة (Foucault, 2007).

في هذا الإطار، لم تعد الأمم المتحدة مجرد منظمة دولية تُعنى بالتنمية، بل فاعلاً معرفياً يُعيد إنتاج المعجم الذي تُفكَّر به التنمية ذاتها (Ferguson, 1990; Escobar, 1995). فالمفاهيم التي تصوغها المؤسسات الأممية — «التمكين»، «الشراكة»، «الصمود»، «المشاركة» — ليست كلمات محايدة، بل آليات لإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف في العالم. وهي تمارس ما يسميه بورديو بـ«العنف الرمزي» الذي يُخفي علاقات السيطرة وراء واجهة الأخلاق والمعايير الإنسانية (Bourdieu, 1991).

بعد 2011، حين دخلت المنطقة العربية مرحلة انتقالية مضطربة، التقطت الأمم المتحدة هذه اللحظة لإعادة توجيه خطابها. ففي تونس، مثلاً، انطلقت منذ 2015 مشاريع تحت عنوان «تعزيز الصمود المحلي لمواجهة التطرف العنيف»، نفّذها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بتمويل أوروبي وأميركي، وبدعم من وزارات الشؤون الاجتماعية والداخلية والبلديات. في ظاهرها، كانت هذه البرامج تسعى إلى حماية الشباب والمجتمعات المحلية من الانزلاق نحو العنف؛ لكن في عمقها، كانت تُعيد صياغة العلاقة بين الأمن والتنمية ضمن منطق وقائي يحمّل المجتمعات مسؤولية أمنها الذاتي (UNDP, 2016).

لا يرى في العنف سوى انحراف عن الاعتدال، لا ردّ فعل على الظلم. لذلك، تتحول الوقاية إلى إدارة للسلوك، لا إصلاحاً للسياسات 

فبدل مساءلة البُنى الاقتصادية والسياسية التي أفرزت التهميش والتوتر الاجتماعي — كالبطالة البنيوية، وضعف الدولة، واحتكار القرار الاقتصادي من قبل المانحين — اختُزلت الإشكالية في «ضعف قدرات المجتمعات على الصمود». هكذا أُعيد تعريف الأزمة الاجتماعية بلغة الإدارة التقنية، وصار الحلّ في «بناء القدرات»، لا في إعادة توزيع السلطة والثروة. وفي هذا التحول من التحليل البنيوي إلى المقاربة السلوكية يتجلّى الوجه الإيديولوجي لخطاب التنمية الأمنية (Duffield, 2007; Joseph, 2013).

لا يقف التحوّل عند حدود المؤسسات، بل يمتد إلى الحقل الأكاديمي نفسه. فقد التقط عدد من الباحثين الجامعيين في المنطقة العربية هذا الخطاب الأممي، وتبنّوه من دون مساءلة نقدية. بعضهم تحوّل إلى «خبير» أكثر منه باحثاً، يشتغل على مشاريع ممولة ويعيد إنتاج اللغة الأممية ذاتها التي يفترض أن يدرسها (Li, 2007). بذلك، تحوّل الحقل الأكاديمي إلى فضاء وسيط بين المعرفة والسياسة، حيث يصبح البحث العلمي امتداداً للمشروطية التمويلية، ويُستبدل التحليل النقدي بالتقارير التقنية.

هذه الظاهرة ليست عرضية، بل تعبّر عن تحوّل بنيوي في وظيفة المعرفة داخل مجتمعات الجنوب. فبدل أن تكون الجامعة فضاءً لمساءلة السلطة، أصبحت قناة من قنواتها؛ وبدل أن تُنتج مفاهيمها الخاصة، باتت تستهلك معجماً مفروضاً من الخارج. وهنا يكمن البعد الخفي للخطاب الأممي: إنه لا يسعى فقط إلى «تنمية» المجتمعات، بل إلى تطويع طرق تفكيرها في ذاتها. فالخبير المحلي الذي يُدرّب المجتمع على الصمود، هو في الوقت ذاته أداة رمزية لاستدامة التبعية المعرفية والسياسية (Bourdieu, 1991; Li, 2007).

على هذا النحو، يصبح «الصمود» أكثر من مجرد مفهوم تنموي؛ إنه موقع أيديولوجي متنازع عليه، يُعيد إنتاج العلاقة بين القوة والمعرفة في حقل التنمية. إنه يقدّم الوصاية بوصفها شراكة، والتدخّل بوصفه دعماً، والتكيّف بوصفه تحرّراً. وهنا تنبثق المفارقة العميقة التي تشكّل جوهر هذا التحليل: فكلما ازداد الخطاب أممية وإنسانية، ازداد انغلاقاً على منطق السيطرة ذاته الذي يدّعي تجاوزه.

في السياقات الانتقالية التي عرفتها بعض بلدان المنطقة العربية، يتخذ هذا المنطق بعداً مضاعفاً. فبينما كانت الدولة تُعيد بناء شرعيتها الهشة بعد انتفاضات الربيع العربي، تسللت مفاهيم «الصمود المحلي» و«الوقاية المجتمعية» إلى صميم السياسات العمومية، لتُعاد صياغة علاقة الدولة بمواطنيها ضمن نموذج «الحوكمة بالشراكة». لكن هذه الشراكة كانت مشروطة ومقاسة بمؤشرات المانحين، لا بمطالب المجتمع. بذلك، وُضعت التنمية في خدمة الأمن، والأمن في خدمة التمويل، فصار «الاستقرار» هو القيمة العليا التي تُقاس بها كل السياسات.

في هذا المشهد، يغدو خطاب التنمية الأمنية آلية لإعادة بناء التبعية تحت قناع المشاركة. فهو يَعِد بالتمكين، لكنه يفرغ الفعل الاجتماعي من بعده السياسي؛ يدعو إلى اللامركزية، لكنه يعيد إنتاج المركزية المالية والمعرفية؛ يتحدّث عن «الملكية المحلية»، لكنه يحدّد مسبقاً ما يُسمح للمحلي أن يملكه. إنها مفارقة خطاب يُقدّم نفسه كتحرّري لكنه يشتغل كجهاز ضبط، كأنه يعلّم المجتمعات كيف تصمد كي تبقى على الهامش، لا كي تتحرّر منه (Neocleous, 2013).

وفي هذا التناقض، تتكثّف إشكالية المقال: فبين منطق الوقاية ومنطق السيطرة، بين التنمية والأمن، وبين المحلي والعالمي، يتشكّل فضاء رمادي تمارس فيه الأمم المتحدة حكماً ناعماً باسم الصالح العام، وتُنتج من خلاله نخباً محلية جديدة تتكلّم بلسانها وتُعيد شرعنة حضورها. هذا الفضاء هو ما يحتاج إلى تفكيك سوسيولوجي وأنثروبولوجي دقيق، يكشف كيف تتحوّل اللغة إلى سياسة، والسياسة إلى إدارة، والإدارة إلى تطويع يومي لخيال المجتمعات عن ذاتها.

من «الحرب على الإرهاب» إلى «هندسة الصمود»

برز مفهوم «الصمود» (résilience) في الخطاب الدولي في خلال العقدين الأخيرين كأحد المفاتيح المفهومية الأكثر شيوعاً في أدبيات التنمية والأمن. غير أنّ هذا الصعود لم يكن منعزلاً عن تحولات كبرى أعقبت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، والتي دشّنت مرحلة جديدة في هندسة العلاقة بين الأمن والتنمية. فبعد فشل المقاربة العسكرية الصلبة في «الحرب على الإرهاب»، سعت القوى الغربية والمؤسسات الأممية إلى إعادة بناء استراتيجيتها عبر مقاربات «ناعمة» تزاوج بين الوقاية والتنمية، وبين ضبط المخاطر وتمكين الأفراد. وهكذا نشأت ما يُعرف اليوم بـ«التنمية الأمنية» التي تشكّل «الصمود» أحد أعمدتها الفكرية الأساسية (Duffield, 2007; Chandler, 2014).

في البداية، كان مفهوم الصمود مفهوماً علمياً ذا أصل بيولوجي ونفسي، يشير إلى قدرة الكائن الحي أو الفرد على استعادة توازنه بعد الصدمة. غير أن هذا المعنى سرعان ما نُقل إلى حقل السياسات العامة ليصبح إطاراً شاملاً لتفكير الحكومات والمنظمات في الأزمات المعاصرة من التغير المناخي إلى الإرهاب، ومن الكوارث الطبيعية إلى الأزمات الاقتصادية (Joseph, 2013). هذا النقل المفاهيمي لم يكن بريئاً، بل جاء ضمن تحوّل أوسع في عقلانية الحكم النيوليبرالي الذي حلّل أبعاده ميشيل فوكو في محاضراته حول «ميلاد البيوسياسة» (Foucault, 2004). فقد أظهر فوكو كيف تنتقل السلطة من إدارة القوانين إلى إدارة الحياة والمخاطر، وكيف تُمارس الحكومات سلطتها ليس بالقسر المباشر، بل عبر تشجيع الأفراد على تحمل مسؤولية أمنهم ورفاههم بأنفسهم.

التحول اللغوي من «العنف السياسي» إلى «التطرف العنيف» ليس تفصيلاً بل انقلاب معرفي. فالمفهوم الجديد يُفرغ العنف من سياقه التاريخي، ويُعيد تأطيره ضمن خطاب أخلاقي يُدين الفعل من دون أن يُسائل النظام الذي أنتجه

هذا ما يسميه ديدييه بيغو «حكومية القلق» (governmentality of unease) أي تحويل الخوف إلى تقنية للحكم(Bigo, 2002). ففي مرحلة ما بعد 11 أيلول/سبتمبر، لم تعد «الحرب على الإرهاب» مجرد حرب عسكرية، بل أصبحت نظاماً عالمياً لإدارة الخطر (Bigo, 2005). عبر هذا النظام، يجري تعريف المجتمعات لا من حيث طاقتها السياسية أو حقوقها، بل من حيث قابليتها للتأثر والهشاشة. فالمجتمع «الضعيف» هو الذي يُنظر إليه كقنبلة موقوتة، ما يبرر إخضاعه لبرامج «تعزيز الصمود». بهذا المعنى، يصبح الصمود جزءاً من هندسة سياسية عالمية تهدف إلى ضبط الحاضر تحت ذريعة حماية المستقبل (Aradau & Van Munster, 2007).

في هذا الإطار، يعيد مارك دافيلد (Duffield, 2007) رسم ملامح ما يسميه «الحكم عبر الكوارث»؛ أي استخدام التنمية كأداة للسيطرة الأمنية في الجنوب العالمي. فبعد أن فشلت النماذج التقليدية لبناء الدولة، تبنت المؤسسات الدولية نموذج «المجتمع الصامد»، حيث لا تُقدَّم المساعدات لإعادة بناء الدولة بل لبناء قدرة المجتمعات على «التكيّف». وبدل أن يكون الهدف إزالة أسباب العنف، صار الهدف احتواؤه، وبدل معالجة الجذور البنيوية للفقر، صار التركيز على تدريب الأفراد على التأقلم معه. في هذا المنطق، يُعاد تعريف الحرية بوصفها قدرة على التحمّل، لا قدرة على التغيير (Neocleous, 2013).

إنّ مفهوم الصمود في جوهره يعكس تحوّلاً في معنى الأمن ذاته. فبدل أن يكون الأمن مسؤولية الدولة، يصبح مسؤولية كل فرد، وبدل أن يكون مشروعاً سياسياً، يصبح مهارة حياتية. هذا التحول يُجسّد ما يسميه ديفيد تشاندلر «حكامة التعقيد» (Chandler, 2014) ، أي فكرة أن العالم المعاصر أصبح معقداً بما يكفي ليجعل التحكم المركزي مستحيلاً، ومن ثم فإن الحل يكمن في تمكين الأفراد والمجتمعات المحلية من إدارة ذواتهم. لكن هذا «التمكين» في حقيقته هو شكل من التطويع، إذ يجعل الأفراد أدوات في نظام يتحكم فيهم عبر تحميلهم مسؤولية فشل السياسات الكونية. 

الأسس النظرية التي تستند إليها فكرة الصمود ترتبط إذن بالعقلانية النيوليبرالية التي شرحها داردو ولافال (Dardot & Laval, 2009): عقلانية تجعل من السوق نموذجاً لكل تنظيم اجتماعي، وتحوّل المواطن إلى مشروع فردي يسعى للبقاء والتكيّف في عالم مليء بالمخاطر. في هذا الإطار، يصبح «الصمود» التعبير الأخلاقي عن هذه الفردنة الجديدة: أن تكون فاعلاً يعني أن تتحمل، وأن تستمر في العمل على الرغم من الأزمات. وبهذا، يُعاد تعريف السياسة باعتبارها إدارة للحياة اليومية، لا صراعاً من أجل العدالة. 

لكن هذا التحول في الخطاب لم يقتصر على اللغة؛ بل أصبح آلية لتوجيه التمويل الدولي والسياسات العمومية. فقد تبنت الأمم المتحدة، منذ منتصف العقد الثاني من الألفية، خطاب «تعزيز الصمود» ضمن برامجها لمكافحة التطرف العنيف (UNDP, 2016). غير أنّ هذا الدمج بين التنمية والأمن يخفي مفارقة عميقة: فبينما يُقدّم الصمود كأداة للتحرر من التبعية والعنف، يُستعمل في الممارسة كوسيلة لإدامة السيطرة الخارجية عبر مؤشرات وإجراءات تمويلية تُخضع المحلي للمعايير الأممية. فالصمود هنا لا يعني مقاومة العنف، بل إدارة آثاره في ظل نظام عالمي يرفض مساءلة نفسه (Bigo, 2008; Fassin & Pandolfi, 2010).

من هذا المنظور، تصبح «هندسة الصمود» تعبيراً عن تطور الدولة النيوليبرالية إلى نمط إداري كوني، حيث تُحكم المجتمعات من خلال التعاون والتمويل لا من خلال الاحتلال أو القسر. إنها ما يسميه بيغو «البان-أوبتيكون المنفي» (ban-opticon) — نظام مراقبة واحتواء عابر للحدود، يعمل باسم «الاستقرار العالمي» (Bigo, 2008). فالمجتمعات التي كانت تُعتبر «مناطق تهديد» في الحرب الباردة، أصبحت الآن «مناطق هشاشة»، يُدار استقرارها عبر أدوات التنمية لا عبر الجيوش. وهكذا تمت إعادة تعريف الجنوب العالمي كحقل تجريبي لتقنيات الحكم المرنة التي تمزج بين الأمن الإنساني والاقتصاد السياسي للتبعية (Duffield, 2018).

على المستوى السوسيولوجي، يمكن قراءة هذا التحول كعملية نزع سياسي للمعاناة (depoliticization of suffering)، على حد تعبير جيمس فيرغسون (Ferguson, 1990)، حيث تُحوّل الأزمات البنيوية إلى مشاكل تقنية تتطلّب حلولاً إدارية. أما أنثروبولوجياً، فقد بين ديدييه فاسان وباندولفي (Fassin & Pandolfi, 2010) كيف أصبح الخطاب الإنساني ذاته جزءاً من منظومة السيطرة، إذ يُعيد إنتاج الحدود بين «المجتمعات القادرة» و«المجتمعات المهدّدة»، تحت غطاء الرحمة والمسؤولية الدولية.

وهكذا، فإنّ فكرة الصمود ليست مجرد استراتيجية للتكيف مع العنف، بل تعبير عن تحول في فهم «الإنسان» ذاته داخل الفكر السياسي المعاصر. فالفرد في خطاب الصمود ليس مواطناً ذا حقوق، بل كائن قابل للإدارة، تُقاس قيمته بقدرته على البقاء والتكيف. في هذا السياق، لا يعود العنف مسألة سياسية تتطلب العدالة والمحاسبة، بل ظاهرة طبيعية يجب إدارتها، تماماً كما تُدار الكوارث المناخية.

من هنا يمكن فهم الرهانات العميقة لمفهوم résilience: إنه يحوّل السياسة إلى أخلاق، والمجتمع إلى مختبر للتأقلم. فعبر برامج «مكافحة التطرف العنيف» و«تعزيز الصمود المحلي»، تعيد الأمم المتحدة وبنوك التنمية تشكيل الخيال الاجتماعي للشعوب، بحيث تصبح إدارة الخوف والصدمة بديلاً عن التغيير الجذري. وفي الوقت الذي يُسوَّق فيه الصمود بوصفه مشروعاً للتحرر، فإنه يعمل في العمق كأداة لإدامة الحالة الاستثنائية الدائمة (Agamben, 2005)، أي حالة الأزمات التي تبرّر استمرار التدخل الدولي والرقابة المعيارية على السياسات الوطنية.

إنّ فهم هذا السياق لا يعني نفي أهمية مقاومة العنف أو دعم المجتمعات، بل يتطلب إدراك أن اللغة التي تُدار بها الأزمات ليست محايدة. فالصمود، في صورته الأممية، هو «الاسم الجديد للطاعة» — على حدّ تعبير نيقولاوس نيوكليوس (Neocleous, 2013) — أي القدرة على الاستمرار داخل نظام غير عادل، لا تغييره. إنه دعوة لأن «نتكيف» بدل أن «نثور»، وأن «نصمد» بدل أن «نغيّر». وهنا يكمن جوهر المفارقة التي تؤسس لخطاب التنمية الأمنية: فبينما يُقدَّم الصمود كأفق للتحرر، يُستخدم في الواقع لتدبير الخضوع وتبرير استمرار اللاتكافؤ في النظام العالمي.

من «المجتمع الصامد» إلى «المواطن الآمن» 

في صمتٍ لغوي دقيق، تُعيد الأمم المتحدة عبر خطاب «الصمود» و«الوقاية المجتمعية» ترتيب العلاقة بين الأخلاق والسياسة. فحين تتحدث الوثائق الأممية عن «تمكين الأفراد» و«تعزيز المجتمعات المحلية»، فإنها لا تقترح مشروعاً للتحرر بقدر ما تنشئ أفقاً جديداً للطاعة الأخلاقية، حيث يُصبح الامتثال معياراً للفضيلة، والامتناع عن الاحتجاج دليلاً على النضج المدني (Foucault, 2007; Rose, 1999). هكذا يتحول الخير إلى تقنية، والأخلاق إلى أداة للحكم.

ما يبدو للوهلة الأولى كخطاب وقائي إنساني يخفي منطقاً لغوياً دقيقاً: نقل السياسة إلى قاموس العلاج. فبدل أن تُقرأ الظواهر الاجتماعية في ضوء صراعات المصالح والقوة، تُعاد صياغتها كعلامات «اختلال» تستدعي الإصلاح النفسي والسلوكي. هذا التحويل من السياسي إلى العلاجي — من الصراع إلى العَرَض — هو أحد أكثر أشكال السلطة خفاءً في خطاب الأمم المتحدة، حيث تُدار المجتمعات كما تُدار الأجساد، عبر مؤشرات «الصحة الاجتماعية» و«المناعة القيمية» (Dean, 2010; Fassin, 2012).

في هذا الأفق، لا يعود المواطن شريكاً في القرار بل موضوعاً للرعاية. يُخاطَب لا باعتباره فاعلاً سياسياً، بل مريضاً مُحتملاً، يجب وقايته من «عدوى التطرف» أو «الهشاشة». فالخطر، في اللغة الأممية، لا يُواجَه بل يُراقَب، ولا يُحلّ جذرياً بل يُدار إدارياً. وبهذا، يتحول الأمن إلى طبّ اجتماعي، وتتحول التنمية إلى نوع من «العلاج الوقائي» الذي لا يهدف إلى التغيير بل إلى منع الأعراض من التفاقم (Bigo, 2002; Lakoff, 2015).

تتحدث الوثائق الأممية عن «تمكين الأفراد» و«تعزيز المجتمعات المحلية»، فإنها لا تقترح مشروعاً للتحرر بقدر ما تنشئ أفقاً جديداً للطاعة الأخلاقية، حيث يُصبح الامتثال معياراً للفضيلة، والامتناع عن الاحتجاج دليلاً على النضج المدني 

يكشف هذا التبدّل في معنى الأمن عن مفارقة عميقة: فالمؤسسات التي تتحدث باسم «الإنسانية» هي ذاتها التي تُعيد تعريف الإنسان من زاوية قابليته للإدارة. فالمواطنة لا تُقاس بالحقوق أو بالمشاركة، بل بقدرة الأفراد على الانضباط لمعايير «الاستقرار». وبهذا، يُولد ما يمكن تسميته بالمواطن الآمن أي كائن إداريّ تُختصر قيمته في التزامه بالنظام، وفي توازنه النفسي أكثر من وعيه السياسي (Agamben, 2005; O’Malley, 2004).

لكن هذا «الاستقرار الأخلاقي» لا يقوم على القسر، بل على ما يسميه فوكو «الطاعة الطوعية» (Foucault, 2004). فالمواطن الآمن لا يُجبر على الامتثال؛ إنه يُقنع نفسه بأنّ الامتثال هو خياره. وهنا يظهر الوجه الجديد للسلطة: سلطة تُمارس باسم المسؤولية، لا باسم الإلزام. فحين يتبنى الأفراد خطابات «التسامح»، و«التماسك»، و«الصمود»، فإنهم لا يردّدون مفردات إنسانية فحسب، بل يُعيدون إنتاج اللغة التي تحدّد سلفاً حدود ما يمكن قوله وفِعله (Bourdieu, 1991).

الخطاب الأممي، إذاً، لا يُسيطر فقط عبر ما يقوله، بل عبر ما يجعل قوله مستحيلاً. فحين يَصوغ مفاهيم مثل «المجتمعات الهشّة» أو «المناطق المعرضة للتطرف»، فإنه لا يصف الواقع فحسب، بل يُعيد خلقه لغوياً. فالبلدان والمناطق لا تُعرّف من خلال تاريخها أو حركتها الاجتماعية، بل من خلال قابليتها للتهديد. وهكذا، يُعاد توزيع الخطر عبر خريطة رمزية تقسم العالم إلى مناعة ومَرض، إلى «مجتمعات فاعلة» و«مجتمعات خطرة» (Chandler, 2014; Fassin & Pandolfi, 2010).

في هذا التقسيم الهادئ تكمن سلطة كبرى: سلطة التسمية. فحين تُسمّي الأمم المتحدة مجتمعاً ما بأنه «هشّ» أو «في حاجة إلى بناء صمود»، فهي لا تقدّم توصيفاً موضوعياً، بل تصدر حكماً سياسياً يُعيد ترتيب موقعه في النظام الدولي. إنّها لغة تفترض الهيمنة في صيغة المساعدة، وتخفي السيطرة خلف واجهة «الاهتمام الإنساني». وكما لاحظ دافيلد (Duffield, 2018)، فإنّ المساعدات في هذا السياق لا تنقل الموارد، بل تنقل القيم والمعايير، وتؤسس لشكل جديد من التبعية الأخلاقية.

يتجلى التناقض الأشد في الطريقة التي تُعرِّف بها الأمم المتحدة الفاعلية الإنسانية نفسها. فبينما ترفع شعار «تمكين الأفراد»، فإنها تُحوّل هذا التمكين إلى شكل من الامتثال الذاتي. فالفرد المُمكَّن هو من ينجح في ضبط ذاته، لا من يغيّر محيطه. والمجتمع الناجح هو من يقلّل مخاطره، لا من يواجه أسبابها. هنا يفقد «التمكين» معناه التحرري ويغدو مرادفاً للمراقبة الأخلاقية (Joseph, 2018; Neocleous, 2013).

أخطر ما في هذا التحول أنه يُنتج معرفة جديدة عن الإنسان نفسه: الإنسان بوصفه كياناً قابلاً للقياس، يُختزل في مؤشرات الكفاءة النفسية والقدرة على التحمل. في هذه الصيغة، لا يعود «الإنسان» مفهوماً أخلاقياً أو فلسفياً، بل متغيراً ضمن نموذج إداري عالمي. وهذا ما يشير إليه ديفيد تشاندلر (Chandler, 2014) حين يرى أن خطاب الصمود يمثل لحظة انتقال من السياسات الكبرى إلى «الميكرو-إدارة للذات»، حيث تُختزل الحرية في مهارة التأقلم، ويُلغى السياسي داخل اليومي.

هذه اللغة التقنية، بلاغة «القدرات» و«المهارات» و«التحصين»، هي ما يمنح الخطاب الأممي قوته. فهي تجعل السيطرة ممكنة من دون إعلانها، وتحوّل التدخل إلى مساعدة. فبينما كانت الهيمنة الكلاسيكية تحتاج إلى مبررات سياسية، فإن الهيمنة الجديدة تُمارس باسم الرعاية. فالرعاية الإنسانية تصبح امتداداً للحكم، تماماً كما تصبح الشفافية وسيلة للمراقبة (Li, 2007; Walters, 2012).

على المستوى الأنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الأمم المتحدة لا تتدخل في «تنمية» المجتمعات بقدر ما تتدخل في خيالها عن ذاتها. فهي تعيد كتابة سرديات المجتمعات حول الخطر والنجاة والكرامة، وتحوّلها إلى سيناريوهات تدريب وتمويل. وهكذا، يُستبدل التاريخ بالمشروع، والذاكرة بالمؤشر، والهوية بالتقرير الدوري. وبذلك يتحول الخطاب الأممي إلى نوع من الأسطرة الحديثة: يُقدّم نفسه كمصدر للمعنى والنجاة في عالم مضطرب، لكنه يفعل ذلك بثمن إلغاء الفعل السياسي الجماعي (Ferguson, 1990; Escobar, 1995).

إنّ «المواطن الآمن» الذي ينتجه هذا الخطاب ليس مجرد كائن يخضع للمراقبة، بل ذاتٌ تتماهى مع مراقبتها، وتجد في الانضباط خلاصها. إنه نموذج الإنسان الذي يطلب الأمن أكثر مما يطلب العدالة، ويجد في الاستقرار النفسي بديلاً عن التغيير الاجتماعي. ولعلّ هذه هي المفارقة الكبرى التي تُنهي مشروع التنوير باسم الإنسانية ذاتها: أن يصبح التحرر مرادفاً للوقاية، وأن يتحول النقد إلى علاج، وأن يُقاس الوعي بقدرته على الصمت.

في هذا المعنى، لا يعود خطاب الأمم المتحدة مشروعاً للتنمية، بل أفقاً معرفياً لإدارة الوجود. فهو يقدّم للعالم ما يشبه ديانة مدنية جديدة، تُقدّس الاستقرار وتُعيد تعريف الخير في صورة القابلية للإدارة. بذلك، يغدو «الصمود» ليس استراتيجية مواجهة، بل نظاماً رمزياً لترويض المستقبل، حيث يُطلَب من البشر أن يعيشوا داخل الخطر بسلام، لا أن يتجاوزوه. وهكذا يتحقق ما وصفه نيوكليوس (Neocleous, 2008) بـ«الأمن كإلغاء للسياسة»: حين يُختزل الإنسان في كائنٍ يُدار باسم إنسانيته.

التطرف العنيف: من الظاهرة إلى الخطاب

منذ إدراج مفهوم «التطرف العنيف» (Violent Extremism) في وثائق الأمم المتحدة منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدا أن ثمة تحولاً عميقاً في طريقة تعريف العنف وفهم أسبابه. فبدل أن يُنظر إليه بوصفه نتاجاً لعلاقات سياسية واقتصادية غير متكافئة، صار يُفهم كلحظة خلل أخلاقي وسلوكي، أي كـ«انحراف عن الاعتدال». بهذا النقل اللغوي، تُحوّل الأمم المتحدة العنف من قضية سياسية إلى مسألة نفسية، ومن سياقٍ تاريخي إلى ملفّ إداري، بحيث يُصبح المطلوب ليس تغيير البُنى التي تولّد العنف، بل تعديل أنماط التفكير لدى الأفراد (Bigo, 2005; Fassin, 2012).

تبدأ المفارقة من هنا: فبينما تُعلن الأمم المتحدة أن هدفها «الوقاية من التطرف العنيف»، فإنها في الواقع تُنشئ من خلال هذا الخطاب نظاماً عالمياً لتصنيف السلوك والمعنى. فـ«التطرف» لا يُحدَّد بمعيار موضوعي، بل يُعرَّف انطلاقاً من ما تراه المؤسسات الدولية خطراً على «الاستقرار العالمي». وهكذا يصبح التطرف ليس هو العنف ذاته، بل كل ما يُهدد منطق الحكم القائم. إنها عملية إنتاج رمزي للتهديد (Buzan et al., 1998) تتيح للأمم المتحدة ومموليها صياغة خريطة جديدة للمجتمعات: مجتمعات «مهددة» ينبغي احتواؤها، وأخرى «مُحصَّنة» يُحتذى بها.

في الوقت الذي يُسوَّق فيه الصمود بوصفه مشروعاً للتحرر، فإنه يعمل في العمق كأداة لإدامة الحالة الاستثنائية الدائمة أي حالة الأزمات التي تبرّر استمرار التدخل الدولي والرقابة المعيارية على السياسات الوطنية

هذا التصنيف لا يعمل بمعزل عن البنية النيوليبرالية التي تشكل الإطار الحاكم لخطاب التنمية منذ التسعينات. فالتطرف العنيف يُقدَّم كخطر ناشئ عن ضعف «القدرات الفردية» أو «غياب المهارات الحياتية»، أي كخلل في الذات لا في البنية. في المقابل، تُطرح الحلول في شكل برامج «تمكين الشباب»، «تعزيز المرونة النفسية»، و«تدريب القادة المحليين»، أي في شكل مقاربة سلوكية للسياسة (Joseph, 2013). وبهذا، يُعاد تحويل الصراع الاجتماعي إلى عملية تعديل سلوك جماعية، ويتحوّل الميدان السياسي إلى فضاء للعلاج النفسي والإرشاد القيمي.

لكن الخطورة لا تكمن في التبسيط فحسب، بل في ما يمكن تسميته بنزع الطابع السياسي عن العنف. فحين يُفهم «التطرف» كمشكلة ثقافية أو معرفية، يُلغى أي احتمال لفهمه كنتاج للعنف البنيوي، أو كاحتجاج ضد أنظمة إقصاء واستغلال. هنا يُستبدل سؤال العدالة بسؤال الاعتدال، ويُعاد تعريف السياسة كحقل للانضباط لا للمطالبة. وهذا ما يجعل خطاب PVE امتداداً للحوكمة الأمنية بوسائل رمزية، أو ما يسميه مارك دافيلد «الحكم عبر التنمية» (Duffield, 2007).

في هذا السياق، يتخذ الخطاب الأممي بعداً معرفياً مزدوجاً: فهو من جهة يدّعي الحياد العلمي، مستنداً إلى دراسات السلوك والتحليل النفسي والاجتماعي، لكنه من جهة أخرى يُعيد إنتاج القيم السياسية ذاتها التي يُفترض أن يكون محايداً إزاءها. فحين تصدر تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP, 2016) توصيات حول «إعادة دمج الأفراد المتطرفين»، فهي لا تنطلق من نقد للسياسات التي همّشتهم، بل من افتراض أنهم خرجوا عن المسار الطبيعي للتنمية، وأن العلاج يكمن في «إعادة تأهيلهم». إنها بلاغة العلاج كبديل عن المساءلة.

التحول اللغوي من «العنف السياسي» إلى «التطرف العنيف» ليس تفصيلاً بل انقلاب معرفي. فالمفهوم الجديد يُفرغ العنف من سياقه التاريخي، ويُعيد تأطيره ضمن خطاب أخلاقي يُدين الفعل من دون أن يُسائل النظام الذي أنتجه. فيصبح «التطرف» سلوكاً فردياً لا بنيةً اجتماعية، وتُختزل المقاومة في الخطر، والمطالبة في تهديد. بهذه الطريقة، يُعاد احتواء المجال السياسي في قوالب تربوية وأخلاقية

على المستوى العملي، أنتج هذا المنطق موجة من المشاريع التنموية التي تُموَّل تحت عنوان «الوقاية من التطرف العنيف». في تونس، النيجر، ولبنان، مثلاً، انتشرت برامج التدريب على «المواطنة الإيجابية» و«الوساطة المجتمعية»، وغالباً ما نُفّذت بالشراكة مع وزارات الداخلية. المفارقة أن هذه المشاريع التي تتحدث عن تمكين المجتمعات منعت النقاش عن عنف الدولة أو الفساد السياسي. فـ«الوقاية» أصبحت غطاءً لإعادة دمج المجتمع في منطق الدولة الأمنية نفسها، مع الحفاظ على صورة الخطاب كخطاب إنساني (UNDP, 2017; Fassin & Pandolfi, 2010).

هكذا يظهر «التطرف العنيف» كفكرة منتجة للسياسات أكثر من كظاهرة واقعية. فهو يوفّر مبرراً أخلاقياً لتوسيع آليات الرقابة والتدخل في المجتمعات الهشّة، ويجعل من إدارة السلوك الاجتماعي بديلاً عن معالجة الظلم الاجتماعي. بل إنّ «الاعتدال» ذاته يُصبح أداة للضبط: الاعتدال في الخطاب، في المطالب، في الاحتجاج، وحتى في الحلم. وهو ما يجعل الخطاب الأممي أداةً لإعادة إنتاج النظام الدولي في صورته الأخلاقية لا العسكرية (Neocleous, 2008; O’Malley, 2004).

أما على المستوى السوسيولوجي، فإنّ ما يسمّى بـ«الوقاية من التطرف العنيف» يعيد إنتاج ما سمّاه فوكو بـ«مجتمعات المراقبة» (Foucault, 2007)، لكن بوسائل ناعمة. فالمؤشرات النفسية والسلوكية تحل محل الكاميرات والجدران. والمدارس، الجمعيات، والبلديات تصبح جميعها نقاط مراقبة أخلاقية. يتعلّم الأفراد أن يراقبوا أنفسهم، وأن يبلّغوا عن «الانحرافات»، لا بوصفها مخالفات قانونية، بل كعلامات خطر تحتاج إلى تدخل تربوي. وهكذا، يُعاد تشكيل الحقل الاجتماعي كله كمنظومة إنذار مبكر، يعمل فيها المواطن بوصفه مستشعراً دائماً للتهديد (Bigo, 2008; Walters, 2012).

في خلفية هذا النظام اللغوي، يمكن تمييز ثلاث عمليات متداخلة: أولاً، تجريم الغضب — إذ يُعاد تعريف الغضب الاجتماعي كعلامة تطرف، لا كاستجابة للعنف البنيوي؛ ثانياً، تأميم الوعي — حيث تتدخل المؤسسات الأممية في صياغة المخيال الجمعي حول العنف؛ وثالثاً، تقديس الاستقرار — حيث يُصبح الهدوء قيمة أخلاقية في ذاته، بصرف النظر عن عدالة النظام القائم. هذه العمليات مجتمعة تجعل من خطاب الأمم المتحدة ليس مشروع سلام بل مشروع ترويض رمزي للعالم.

وبذلك، يمكن القول إنّ «التطرف العنيف» ليس مفهوماً تحليلياً بقدر ما هو أداة خطابية تؤدي وظيفة مزدوجة: تبرير تدخل المؤسسات الأممية في السياسات المحلية، وتحصين النظام الدولي من أي مساءلة سياسية. فالعنف يُعرَّف دائماً بوصفه «مشكلتهم»، أي مشكلة المجتمعات التي لم تتعلم بعد كيف تصمد، لا مشكلة النظام الذي ينتج هشاشتها. إنها إعادة تدوير رمزية للعنف في لغة أخلاقية تُحيل إلى علاج لا إلى عدالة، وإلى وقاية لا إلى تحرر.

وهنا تتكشف المفارقة النهائية: فبينما تُعلن الأمم المتحدة حرباً رمزية على «التطرف العنيف»، فإنها تكرّس شكلاً آخر من التطرف — تطرف في الاعتدال ذاته، حيث يُصبح الخضوع مقياساً للفضيلة، والامتثال شرطاً للتمويل، والصمت دليلاً على «الاستقرار». بهذا المعنى، لا يقضي خطاب الوقاية على التطرف، بل يُعيد إنتاجه في صورة معكوسة: تطرف النظام في طلب الطاعة، وتطرف اللغة في ادعاء الحياد (Neocleous, 2013; Duffield, 2018).

هندسة «الوقاية»

منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أصبح «التطرف العنيف» المدخل المفاهيمي الأبرز الذي من خلاله تُعيد الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي صياغة تدخلاتهما التنموية والأمنية، لا سيما في أفريقيا والشرق الأوسط. فبعد فشل المقاربات العسكرية في تحقيق «الاستقرار»، انتقلت الأجهزة الأممية والأوروبية إلى تبني مقاربة جديدة تُعرف بـ«الوقاية من التطرف العنيف» — PVE/CVE — التي تمزج بين الخطاب الإنساني والممارسة الأمنية. غير أن هذه النقلة التي تبدو أخلاقية في ظاهرها تخفي خلفها تحولاً في منطق الحكم العالمي: من السيطرة بالقوة إلى السيطرة بالمشاريع (Duffield, 2007; Chandler, 2014).

يُقدَّم المشروع التنموي المموَّل على أنه «شراكة» لتعزيز قدرات المجتمعات المحلية على مواجهة العنف، لكن في بنيته التقنية يُعيد إنتاج علاقات الوصاية نفسها، التي شكّلت منطق التنمية الكولونيالية (Ferguson, 1990; Escobar, 1995).فـ«المجتمع المحلي» لا يُعامل كفاعل يمتلك مشروعه الخاص، بل كفضاء هشّ يحتاج إلى «التقوية»، أي إلى إعادة صياغة ذاته ضمن منطق المانح. وهكذا تتحول مفاهيم المشاركة والتمكين إلى قنوات لنقل المعايير الدولية، حيث يُعاد تعريف المشكلة من الخارج ثم يُطلب من المحلي تنفيذ حلول صُمِّمت مسبقاً في بروكسل أو نيويورك (Li, 2007; Fassin & Pandolfi, 2010).

من الناحية الخطابية، تربط تقارير الأمم المتحدة بين «التطرف العنيف» و«الهشاشة الاجتماعية» (UNDP, 2016; UNDP, 2017)، معتبرة أن ضعف التعليم، البطالة، وانعدام الثقة في المؤسسات هي عوامل خطر تدفع الأفراد نحو التطرف. هذا التفسير «الاجتماعي التقني» يتجاهل عمداً الأسباب البنيوية: الإقصاء السياسي، التفاوت الاقتصادي، والعنف الرمزي الذي تمارسه الدولة. فهو لا يرى في العنف سوى انحراف عن الاعتدال، لا ردّ فعل على الظلم. لذلك، تتحول الوقاية إلى إدارة للسلوك، لا إصلاحاً للسياسات (Joseph, 2013; Heath-Kelly, 2017).

في مستوى الممارسة، تُنفّذ هذه المشاريع عبر شبكات من المنظمات غير الحكومية، البلديات، والجامعات، تموّلها بعثات الاتحاد الأوروبي وبرامج الأمم المتحدة الإنمائية. في تونس والمغرب والنيجر مثلاً، وُضعت مشاريع بعنوان «تعزيز الصمود المجتمعي ضد التطرف العنيف» أو «تمكين الشباب في مواجهة التطرف»، بتمويل من الاتحاد الأوروبي أو الوكالة الأميركية للتنمية، وغالباً ما أُنجزت بالشراكة مع وزارات الداخلية. المفارقة أن منظومة الأمن نفسها التي تُمارس الإقصاء تُقدَّم بوصفها شريكاً في الوقاية. فبدل أن تُسائل هذه المشاريع الدولة، تدمجها في نموذج الشراكة، لتصبح الوقاية وسيلة لتلميع أجهزة السيطرة نفسها (Ragazzi, 2017; Aradau & Van Munster, 2009).

إنّ منطق «المشروع» هنا يقوم على المأسسة القصيرة الأجل: دورات تدريبية، ورش، حملات تواصل، ومؤشرات أداء. لكن هذه الممارسات تشتغل في إطار زمني ضيّق يُقاس بالنتائج القابلة للتقرير، لا بالأثر السياسي. يُطلب من المنفذين إثبات «الأثر» من خلال استبيانات تُقيس تغيّر المواقف أو «تحسّن الإدماج»، أي عبر معايير سلوكية لا بنيوية (OECD, 2016; European Court of Auditors, 2018). وهكذا يُختزل التغيير الاجتماعي في نموذج «قابل للقياس»، ويُحوَّل الفعل السياسي إلى أرقام.

هذا المنطق الإنتاجي يُنتج ما يمكن تسميته باقتصاد التأثير الإنساني، حيث يتحوّل التمويل إلى محفز لإعادة إنتاج الخطاب ذاته الذي يُفترض نقده. فكل مشروع يحتاج إلى سردية خطر ليبرر وجوده، وكل تقييم يحتاج إلى مؤشرات لتحسين التمويل المقبل. بذلك، يصبح «التطرف العنيف» مورداً رمزياً واقتصادياً في آن، يولّد مشاريع، وظائف، وخبرات، لكنه لا يولّد معرفة نقدية. فالعنف الذي يُفترض مقاومته يتحول إلى رأسمال تنموي متجدد (Bourdieu, 1991; Dardot & Laval, 2009).

على الصعيد السوسيولوجي، تُنتج هذه المشاريع نخباً هجينة — «الخبير المحلي في الوقاية من التطرف» — الذي يتحرك بين الجامعة والمنظمة، يجمع بين الخطاب الأكاديمي واللغة المانحة، ويعيد إنتاج «المعرفة المشروطة» (Li, 2007; Bonelli & Carrié, 2018). هذه النخب تُمثّل السلطة الأممية في الفضاء المحلي، لا العكس؛ فهي تتحدث بلسان «الفاعلية» لكنها تعمل ضمن حدود دفتر الشروط. والجامعة، حين تنخرط في هذه الشبكة التمويلية، تتحول إلى حقل تطبيقي للسياسة الدولية، حيث يُختزل البحث في إنتاج «المؤشرات السلوكية» أو «قصص النجاح» المطلوبة لتقارير المانحين (Heath-Kelly et al., 2017; Joseph, 2018).

تتكرّس المفارقة حين تُعلن تقارير الاتحاد الأوروبي أن «الملكية المحلية» شرط أساسي للنجاح (European Commission, 2016)، بينما يحدَّد «المحلّي» وفقاً لمعايير المانح. فـ«القيادة المجتمعية» تعني في الغالب شبكات من المنظمات التي تتلقى التمويل وتعيد تدوير الخطاب ذاته بلغة محلية. هنا تتحوّل «المشاركة» إلى تمثيل رمزي، لا إلى تفاوض على السياسات. إنها لامركزية بلا سيادة، تُوزّع المهام لا السلطة، وتحوّل الحوكمة إلى سلسلة من المقاولات الأخلاقية الصغيرة (OECD, 2016; UNDP, 2019).

في جوهرها، تنقل هذه المشاريع منطق الحرب على الإرهاب إلى مستوى رمزي: من قتال الأجساد إلى إدارة العقول. فهي لا تفرض الأمن بالقسر، بل بالتدريب على الطاعة. ويُقاس نجاحها ليس بوقف العنف، بل بتراجع «المشاعر السلبية» تجاه الدولة. هكذا يتجسد ما يسميه تشاندلر (Chandler, 2014) بـ«حوكمة التعقيد»، حيث يُطلب من الأفراد أن يتولّوا إدارة ذواتهم. وبدل أن يكون الأمن وظيفة سياسية، يصبح مهارة حياتية تُدرَّب عليها المجتمعات كما تُدرَّب على الإسعافات الأولية.

ما يجعل هذه المقاربة خطرة هو غياب الذاكرة التاريخية فيها. فهي تتعامل مع المجتمعات كما لو أنها تبدأ من الصفر بعد كل مشروع. كل دورة تدريبية تمحو السابقة، وكل تقرير نجاح يُعلن ميلاد «جيل جديد من الفاعلين»، من دون أي تراكم معرفي أو مؤسسي. إنها زمنية مشاريع بلا تاريخ، تخلق استمرارية شكلية عبر التمويل لا عبر الفعل. وبذلك تتحول «الوقاية» إلى شكل من أشكال النسيان المنظَّم (Fassin, 2012; Duffield, 2018).

الخطاب الذي وُلد تحت عنوان الوقاية من العنف، أعاد في الجوهر إنتاج المنطق ذاته الذي يغذّيه: منطق النيوليبرالية الأمنية الذي يجعل الأفراد والمجتمعات وحدهم مسؤولين عن التعامل مع الخطر

وفي النهاية، تكشف هذه البرامج عن مفارقة عميقة: فبينما تدّعي حماية المجتمعات من العنف، فإنها تُعيد إنتاج شروط العنف الرمزي عبر تثبيت التبعية المعرفية والتمويلية. فالمعرفة لا تُنتج لفهم الظاهرة، بل لضبطها؛ والمجتمع لا يُدعى إلى المشاركة إلا ليُقاس أداؤه؛ والخبير لا يُستشار إلا بقدر ما يُترجم خطاب المانح إلى لغة محلية. وبهذا، يتحول خطاب الوقاية إلى أداة لضبط المعنى ذاته، حيث يُعرَّف الأمن كغياب للاحتجاج، والتنمية كقدرة على الامتثال (Neocleous, 2008; Foucault, 2007; Baker-Beall, 2016).

إنّ مشاريع PVE/CVE المموَّلة من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ليست مجرد تدخلات ضد «التطرف»، بل معامل رمزية لإنتاج الإنسان القابل للإدارة — الإنسان الذي يتعلم كيف يراقب ذاته، وكيف يصمد ضمن شروط الخطر بدل أن يغيّرها. إنها الحداثة الإدارية وقد بلغت أقصى اتساعها: تحكم باسم الشراكة، وتضبط باسم الوقاية، وتُنتج الطاعة في صورة مشاركة.

خاتمة: من إدارة الخطر إلى إدارة المعنى

في النهاية، يتّضح أنّ خطاب التنمية الأمنية الذي صاغته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال العقدين الأخيرين ليس مجرّد منظومة سياسات أو أدوات إجرائية، بل نظام رمزي لإنتاج العالم. إنّه لا يكتفي بإدارة العنف والهشاشة، بل يعيد تعريفهما ويصوغهما في قوالب مفهومية تبدو إنسانية، لكنها تؤدي عملياً وظيفة سياسية دقيقة: ضبط الممكن الاجتماعي تحت شعار «الاستقرار» و«الوقاية». فالمفاهيم التي شغلت هذا المقال ، «الصمود»، «التطرف العنيف»، «الشراكة»، و«التمكين»، ليست ألفاظاً بريئة، بل مفاتيح لتشكيل عقل سياسي عالمي جديد، عقلٍ يتحدث لغة الأخلاق والتعاون، لكنه يتحرك داخل منطق السيطرة والإدارة.

لقد تحوّل «الصمود» إلى مرآة للعصر النيوليبرالي: يعكس رغبته في تحويل السياسة إلى إدارة، والعنف إلى خلل تقني، والمواطنة إلى مهارة سلوكية. فبدل أن يكون التحرر مشروعاً جماعياً لتغيير الشروط البنيوية التي تولّد العنف، أصبح مجرّد تدريب على التكيّف معه. ومع هذا التحول، يتوارى المعنى الجذري للسياسة بوصفها صراعاً حول العدالة والسلطة، لتُختزل في مفاهيم الوقاية والاستدامة والكفاءة. إنّها سياسة بلا صراع، تنمية بلا تغيير، وأمن بلا مساءلة.

الخطاب الأممي، في هذا السياق، لا يشتغل فقط عبر المؤسسات، بل عبر اللغة ذاتها. فحين تُدار المجتمعات بلغة «التمكين» و«الشمول»، يُعاد إنتاج منطق الهيمنة في صورة تعاطف. وحين تُعرَّف الأزمات بمفردات «الهشاشة» و«ضعف القدرات»، يُمحى بعدها السياسي ويُستبدل بعيبٍ إداري. بذلك، يتحول الخطر من حدث يمكن مقاومته إلى حالة دائمة يجب التعايش معها، ويغدو «الاستقرار» قيمة عليا تفوق العدالة. وهنا تكمن السلطة الرمزية لخطاب التنمية الأمنية: فهو لا يفرض الطاعة بالقوة، بل يُقنع بها من خلال اللغة، ويجعل السيطرة مقبولة لأنها تتحدث بلسان الأخلاق والمساعدة.

في الجنوب العالمي، ولا سيما في الفضاء العربي والأفريقي، تأخذ هذه العملية بُعداً أكثر تعقيداً. فالمجتمعات الخارجة من أزمات أو تحوّلات سياسية تجد نفسها غارقة في مشاريع «الصمود» و«الوقاية من التطرف»، التي تُموَّل باسم إعادة البناء لكنها تُدار بروحٍ محاسبية. تتحوّل التنمية إلى شرطٍ للتمويل، والتمويل إلى أداةٍ للتطويع، والجامعة إلى منصةٍ للتنفيذ. في هذا الإطار، يتكوّن مجتمع الخبراء الذي يتحدث باسم المعرفة، لكنه يعمل ضمن حدود المانحين. وهكذا، يتكرّس نوعٌ جديد من التبعية: تبعية معرفية وأخلاقية، تجعل الجنوب يستهلك مفاهيم تُعرِّفه من الخارج، ويقيس تقدّمه بمؤشرات لم يضعها بنفسه.

ما تكشفه هذه الدينامية هو أنّ السلطة في زمن النيوليبرالية الأمنية لم تعد تُمارس بالقهر، بل بالإقناع الإداري. فبدل الجيش أو الشرطة، هناك المشروع المموَّل، والورشة التدريبية، والاستشارة التقنية. وبدل خطاب الطاعة، هناك خطاب «المسؤولية المشتركة». لكن النتيجة واحدة: مجتمعات تُدرَّب على التكيّف لا على المقاومة، وعلى الصمود داخل الأزمات لا على تجاوزها. في هذه المفارقة يتجلّى جوهر الحكم المعاصر: إدارة الخطر بدل إزالته، وإدامة الأزمة باسم حلّها.

غير أنّ ما يجعل هذا النظام أكثر رسوخاً هو تواطؤ المعرفة معه. فالحقل الأكاديمي الذي يُفترض أن يمارس النقد أصبح جزءاً من آلية التمويل نفسها. الباحث لم يعد يكتب ليُسائل، بل ليُنجز؛ ولم يعد ينتج معرفة، بل «مخرجات» قابلة للقياس. إنّها حالة ما بعد البحث، حيث تُختزل الحقيقة في الاستبيان، والجدل في التقرير، والنظرية في ملخص المشروع. ومع تكرار هذه الدورات، تفقد الجامعة استقلالها الرمزي وتتحول إلى مقاول معرفي يُعيد إنتاج اللغة ذاتها التي كان من المفترض أن يحللها نقدياً.

في المقابل، يظلّ الخطر الأكبر في أنّ هذه اللغة الجديدة تُعيد تشكيل خيال المجتمعات عن ذاتها. فحين يُقال لها إنّ خلاصها في «تعزيز الصمود» أو في «مكافحة التطرف العنيف»، تُصبح ترى ذاتها من خلال عين الآخر، وتتعلم أن تقيس أمنها بمعايير خارجية. وبدل أن تطرح أسئلة العدالة، تُغرق في تدريبات التكيّف. بهذا، يتحول الخيال السياسي إلى خيال إداري: يُدار المستقبل كما تُدار الميزانية، وتُختزل الحرية في القدرة على الاستمرار ضمن ما هو قائم.

لكن ما يواجهه الجنوب ليس قدَراً محتوماً. فالمسافة بين «الصمود» و«المقاومة» لم تُغلق بعد. في قلب هذا الخطاب نفسه تتسلّل إمكانيات للمراجعة وإعادة التملك. فاللغة، وإن كانت أداة للهيمنة، تبقى مجالاً للمناورة. يمكن للمجتمعات والباحثين أن يعيدوا تعريف المفاهيم، أن يُدخلوا إلى «الصمود» بعداً نقدياً وسياسياً يُعيد له معناه الأصلي كقدرة على الرفض، لا كفنّ للبقاء داخل الأزمة. ويمكن للجامعة، إن استعادت استقلالها الرمزي، أن تحوّل المشروع المموَّل إلى منصة تفكير بدل أن تكون ورشة تنفيذ.

إنّ تفكيك خطاب التنمية الأمنية لا يهدف إلى إنكار الحاجة إلى التنمية أو الأمن، بل إلى تحريرهما من هيمنة التقنية والتمويل. فالأمن بلا عدالة ليس أمناً، والتنمية بلا حرية ليست تنمية. وما دام الخطاب الأممي والأوروبي يربط الاستقرار بالامتثال، فإنّ مهمة النقد هي إعادة وصل الأمن بالسياسة، والسياسة بالمعنى، والمعنى بالإنسان. فالرهان في النهاية ليس فقط على كيفية إدارة الأزمات، بل على قدرة المجتمعات على أن تُعيد تعريف ذاتها خارج منطق الأزمات ذاته.

بهذا المعنى، لا يكتمل نقد «خطاب التنمية الأمنية» إلا إذا تجاوز تحليل السياسات إلى تحليل المخيال الذي ينتجها: كيف تفكر الأمم المتحدة في العالم؟ كيف يُصاغ الإنسان داخل وثائقها؟ وأيّ مستقبل تُريد أن تُدرّبه على احتماله؟ إنّ الجواب عن هذه الأسئلة هو الخطوة الأولى لاستعادة المجال السياسي بوصفه فضاءً للتفكير الحر، لا للتكيّف المحسوب. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست بين الأمن والعنف، بل بين الحرية والإدارة؛ بين من يريد أن يعيش بأمان، ومن يريد أن يعيش بمعنى.