Techno-feudalism

الحجة الماركسية لفرضية الإقطاع التكنولوجي

  • يتعيّن على الماركسيين التركيز على نوع جديد تماماً من رأس المال، إذ يلقي انتشاره بثقله على مهمتينا المتلازمتين: تفسير العالم وتغييره.
  • لا تكتفي شركات التكنولوجيا الكبرى بجمع بيانات المستهلكين لخدمة مصالح الشركات العملاقة، بل تستخدم سلطتها على تدفقات المعلومات لإنشاء مجالات للاستخلاص، يجد المستهلكون والرأسماليون، كلٌّ لأسبابه، أن الخروج منها باهظ الكلفة.

عندما صدر كتابي «الإقطاع التكنولوجي»، لم يخطر لي أن يحتفي به أمثال ستيف بانون، لكنني توقعت تماماً أن تنهال عليه انتقادات المفكرين الماركسيين، وخصوصاً بسبب عنوانه الفرعي الاستفزازي «ما الذي قتل الرأسمالية؟». صغت الكتاب بوصفه تحليلاً ماركسياً للحظة التاريخية الراهنة، لكنني كتبته لجمهور أوسع، لذلك ظل تقديم أطروحته في صيغة موجّهة خصيصاً إلى القرّاء الماركسيين وارداً منذ البداية. والآن، بعد ثلاثة أعوام وعدة مراجعات نقدية، بات ممكناً عرض الحجة الماركسية الداعمة لفرضية الإقطاع التكنولوجي.[1]

يقع تراكم رأس المال، بوصفه القوة المحرّكة للمجتمعات الحديثة، في صلب الاقتصاد الماركسي. تجاوز ماركس الإدانات الأخلاقية للرأسمالية وتصويرها نظاماً يقوم على الفساد والسرقة والظلم والقوة الغاشمة، واختار أن يدرسها في أنقى صورها. وصوّرها قوةً غريبة لها منطقها الخاص ونزوع شبه خارق إلى إعادة إنتاج نفسها من خلال تسليع كل شيء. لذلك ركّز على رأس المال وطبيعته وعملية تراكمه، والأهم من ذلك، قدرات الاستخلاص التي يمنحها لمالكيه في خضم صراع طبقي شرس. وأي تحليل يزعم اليوم أنه يواصل هذه المهمة لا بد أن يفعل الشيء نفسه.

وعلى هذا النهج، يتعيّن على الماركسيين التركيز على نوع جديد تماماً من رأس المال، إذ يلقي انتشاره بثقله على مهمتينا المتلازمتين: تفسير العالم وتغييره. أسميه «رأس المال السحابي»: آلات مترابطة شبكياً لا تنتج سلعاً، لكنها تولّد لمالكيها قدرات هائلة على استخلاص الريع، عبر تفاعلها المباشر معنا وخارج أي إطار يمكن وصفه، على نحو مفيد، بأنه سوق. ولا بد أن تقع دراسة هذا الشكل الجديد واللافت من رأس المال على عاتق كل ماركسي، سواء وافق على فرضيتي القائلة إن رأس المال السحابي حوّل الرأسمالية إلى ما أسميه «الإقطاع التكنولوجي» أم لم يوافق.

وللتعجيل بنقاش مثمر، أبدأ بتصحيح ثلاثة أوجه من سوء الفهم تتصل بأثر رأس المال السحابي وبفرضيتي عن الإقطاع التكنولوجي. أولاً، لا أقول إن ظهور رأس المال السحابي أعادنا إلى الإقطاع (القسم الأول). ثانياً، انتشار الريوع ليس جديداً على الرأسمالية (القسم الثاني). ثالثاً، أرفض أيضاً الاعتقاد بأن البيانات هي «الأرض» الجديدة التي تستمد منها طبقة إقطاعية تكنولوجية جديدة قدراتها على الاستخلاص، وأعدّه شكلاً غير مفيد من صنمية البيانات (القسم الثالث).

بعد تنحية هذه الأفكار المضلِّلة الثلاثة، ينفتح الطريق أمام تحليل ماركسي لرأس المال السحابي (القسم الرابع)، ولأثره المفضي إلى اضمحلال الأسواق (القسم الخامس)، ولاستخدامه المؤثرين والعمل غير المأجور (القسم السادس)، ولأثره في الدورات الاقتصادية والأزمات الطويلة الأمد (القسم السابع)، وللكيفية التي يعزّز بها الذكاء الاصطناعي نفوذ رأس المال السحابي النقدي والجيوسياسي والأيديولوجي (القسم الثامن)، وأخيراً لما يعنيه ذلك بالنسبة إلى السياسة الثورية. ولا أعود إلى مسألة التسمية إلا في الخاتمة، لأسأل: هل يفيد النظرية والسياسة الماركسيتين أن نسمّي النمط الاجتماعي والاقتصادي الراهن «رأسمالياً» أم «إقطاعياً تكنولوجياً»، أم يعيقهما؟

1. لا، لسنا عائدين إلى الإقطاع

خلافاً لتصور شائع، لا تقوم فرضية الإقطاع التكنولوجي على القول إن التاريخ ارتدّ إلى الوراء نحو صورة متقدمة تكنولوجياً من ماضينا في العصور الوسطى الذي انبثقت منه الرأسمالية. فالتاريخ يندفع إلى الأمام بفعل التراكم المنفلت لرأس المال الذي أنجب آلات مذهلة قادرة على التفاعل معنا تفاعلاً مباشراً وجدلياً. وهو يمضي نحو نمط اجتماعي اقتصادي جديد كلياً للإنتاج والتوزيع والتبادل والتواصل، تشتد فيه هيمنة رأس المال أكثر من أي وقت مضى. وهذا النمط هو ما أسميه «الإقطاع التكنولوجي».

ولا أذهب إلى أن الثروة تتراكم اليوم أساساً في صورة ريوع تُستخلص بلا عناء من امتلاك أصول خاملة كالأرض والوقود الأحفوري والملكية الفكرية أو حتى بياناتنا المسروقة، كما كان الحال في زمن الإقطاع. فالثروة تنمو نمواً أسياً في صورة عوائد استثمارات هائلة في أصول دينامية تتمثل في آلات استثنائية تنفق شركات التكنولوجيا الكبرى تريليونات الدولارات على تطويرها وتصنيعها وتركيبها وتحديثها. وبهذا المعنى، فإن الشركات العملاقة متعددة الأنشطة مثل «ألفابت» و«مايكروسوفت» و«ميتا» و«آبل» مؤسسات رأسمالية لا تقل ضراوة في اندفاعها عن إديسون ووستنغهاوس وفورد في الماضي.

فلماذا لا يكون ما نشهده مجرّد صورة من الرأسمالية الرقمية[2]، أو الرأسمالية المفرطة[3]، أو الرأسمالية المحوسبة[4]، أو الرأسمالية الريعية[5]، أو رأسمالية المنصات[6]، أو رأسمالية المراقبة[7]؟ وقبل الإجابة، يحسن أن نعود إلى الرؤى الثرية التي أتاحها تحليل علاقة الرأسمالية بالريع الاقتصادي والسعي إليه، وغيرهما من أشكال تراكم الثروة التي تقع خارج نطاق المنافسة السوقية الرأسمالية الخالصة.

2. الريوع متأصلة في الرأسمالية

لم توجد الرأسمالية تاريخياً بالصورة الخالصة التي تعرضها كتب الاقتصاد النيوكلاسيكي أو كتابات آدم سميث، ولم يكن وجودها بهذه الصورة ممكناً. فكما تعتمد أجسامنا في عملها على بقايا من الحمض النووي للثعابين، احتاج التركيب الوراثي للرأسمالية إلى بقايا الإقطاع لإعادة إنتاج نفسه. وقد حذّر ديفيد ريكاردو[8] منذ وقت مبكر من أن ريع الأرض يصمد أمام المسيرة الظافرة للربح مع اتساع الأسواق وتراكم رأس المال، وينمو بسرعة خطيرة ملتَهماً حصصاً متزايدة من الفائض الاقتصادي. ومع الوقت، ازداد حجم الريع وتفرّع وتكاثر حتى تولّدت منه أنواع مختلفة أصبحت جميعها جزءاً أصيلاً من المجال الرأسمالي المتوسع. وبذلك كانت الرأسمالية القائمة فعلاً منذ نشأتها رأسمالية ريعية.[9]

ومع دخول الرأسمالية طورها الاحتكاري في أعقاب تطور الكهرومغناطيسية، وما أفضى إليه ذلك من نشوء التكتلات الشبكية في مطلع القرن العشرين، طغى على ريع الأرض ما سمّاه بول باران وبول سويزي «الفائض الاحتكاري»[10]، وهو شكل من الريع يجنيه رأس المال الصناعي المتركّز. وعوضاً عن التحصيل المنتظم للريوع من أصول ساكنة كالأرض أو براءات الاختراع، كانت عملية توليد الأرباح برمتها لدى تكتلات مثل «فورد» و«جنرال إلكتريك» و«بوينغ» و«وولمارت» قد أضافت إلى استخلاص فائض القيمة منظومةً واسعة للسعي وراء الريع، تقوم على ثلاث قدرات هي تقييد الإنتاج، وتوليد طلب جديد من خلال التسويق والإعلان، أي ما يُسمّى «اقتصاد الانتباه»، وتجنيد جيش من البيروقراطيين والمسوّقين والعلماء والمهندسين الذين شكّلوا ما سمّاه غالبريث «البنية التقنية»[11].

نشأت هذه الطبقة المهنية الواسعة والعابرة للقطاعات في ظل اقتصاد الحرب واكتمل نموها في حقبة بريتون وودز، فأضعفت الحدود الفاصلة بين المسؤولين الحكوميين ومسؤولي الشركات. وتنقلت عبر «الباب الدوّار» لتنشئ شبكة تكافلية سخّرت سلطة الدولة من خلال عقود الدفاع واللوائح التنظيمية المواتية وقوانين الملكية الفكرية لحماية هيمنة الشركات العملاقة متعددة الأنشطة على الأسواق وتقديم الدعم المالي لها. وهكذا تجاوز تراكم الريوع الاحتكارية الضخمة فوق الأرباح الاقتصادية حدود الظاهرة السوقية، إذ نتج عن جهد مشترك ومخطط بين جناح «البنية التقنية» في الشركات وكوادرها البيروقراطية داخل جهاز الدولة.

لم توحِ فرضية الإقطاع التكنولوجي قطّ بأن التاريخ عكس مساره وراح يرتدّ نحو نسخة متقدمة تكنولوجياً من ماضينا في العصور الوسطى، الذي نشأت منه الرأسمالية

بالمعنى الماركسي، مكّنت البنية التقنية مع تطور اقتصاد الانتباه الشركات الكبرى من الاستحواذ على قدر كبير من فائض القيمة الذي تنتجه شركات أصغر في أنحاء أخرى من الاقتصاد. وكما يوضح ماركس في المجلد الثالث من رأس المال، تقيم القوة الاحتكارية حواجز تعترض التدفق الحر لرأس المال إلى نطاقها. وتتباين صور هذه الحواجز بين براءات الاختراع والملكية الفكرية وتأثيرات الشبكة والإعلان ومجرد وفورات الحجم. لكنها تنتهي جميعاً إلى الأثر نفسه، وهو استخلاص فائض لا يقابل القيمة التي تُنتج داخل منشآت الشركات المحتكرة.

في تحليل ماركس نفسه، يُعدّ هذا الإيراد الصافي الإضافي «تحويلاً» أو «اقتطاعاً» من مصدرين. أولهما فائض القيمة الذي يحققه رأسماليون آخرون يعملون في قطاعات أشدّ تنافسيةً ويضطرون بدورهم إلى دفع أسعار متضخمة لقاء مدخلات الإنتاج. والثاني خفض الأجور الحقيقية للعمّال حين تكون السلعة التي ينتجها المحتكر من الضروريات الاستهلاكية. وخلاصة الأمر أن الشركات الكبرى تسخّر قوتها السوقية للحيلولة دون تعادل معدل الربح على امتداد الاقتصاد، ولمراكمة فائض القيمة الذي يُنتج في مواقع أخرى، على حساب الرأسماليين الآخرين والطبقة العاملة معاً.[12]

بعد التخلي عن نظام بريتون وودز، وهو ما كان لا مفرّ منه بعدما تحوّلت الولايات المتحدة إلى اقتصاد يعاني العجز، غدت الأمولة حتميةً وظهرت النيوليبرالية غطاءً أيديولوجياً لها.[13] فتراكبت ريوع مالية هائلة على أشكال الريع القائمة سلفاً، من ريع الأرض إلى ريوع الملكية الفكرية والاحتكار وما إليها. ومع هذا التحول، غدا الحديث مشروعاً وملحاً عن نزع الملكية الذي يكاد يطغى على التراكم[14]، وعن طغيان ما عرّفه ماركس بـ«رأس المال الوهمي» على رأس المال المنتج[15]، وعن «لعنة التمويل»[16] و«استبداد مديري الأصول»[17]، وما إلى ذلك.

لكن إذا لم يكن نمو الريع وانتشاره وما يتركه من أثر عميق في طبيعة الرأسمالية وسماتها كافياً للنظر إلى ما وراء الرأسمالية لفهم العالم الذي نعيش فيه، فأي سبب قد يكون كافياً؟ يرى بعضهم أن بياناتنا غدت أرضاً جديدة مخصخصة ومسيّجة انبثقت منها سلطة إقطاعية جديدة. لكنني لا أشاركهم هذا الرأي.

3. البيانات ليست الأرض الجديدة!

استخدام المعلومات الداخلية والدعاية للإثراء على حساب الآخرين قديم قدم الإنسان العاقل. لكن الآلات المترابطة شبكياً لم تحوّل المعلومات إلى سلاح يضمن ريوعاً احتكارية إضافية إلا في المرحلة الاحتكارية من الرأسمالية. وكان البث الإذاعي والتلفزيوني المجاني أول من قلب عملية التسليع التقليدية: إذ نزع الطابع السلعي عن برامج أُنتجت بكلفة مرتفعة وقدّمها مجاناً، كي يسلّع انتباهنا، أي يضمن الوصول إلى أعيننا وآذاننا ثم يبيع هذا الوصول فوراً للمعلنين.

هدد ظهور التلفزيون الكبلي بتقويض هذا النموذج من خلال إحلال رسوم الاشتراك محل إيرادات الإعلانات. لكن خصخصة المشاع الأصلي للإنترنت في منتصف التسعينيات قلبت هذا المسار ومنحت سوق الانتباه دفعة هائلة. ومن هنا صعدت شركات التكنولوجيا إلى مصاف شركات التكنولوجيا الكبرى عبر انتقالها السريع من تسليع انتباه جمهور غير محدد الملامح وغير متجانس إلى تسليع تدفقات معلومات موجّهة تستند إلى بيانات فردية جمعتها مباشرة.

باتت شركات مثل «فيسبوك» و«غوغل» قادرة على تقديم ضمان شبه مؤكد للمعلنين بأن فئات محددة من الجمهور ستنجذب إلى سلع بعينها. كما أصبح بإمكانها تزويدهم بمعلومات آنية عن مشتريات المستخدمين وأوقات شرائها نهاراً أو ليلاً. وقد أتاحت المراقبة المكثفة لهذه الشركات أن تبيع للمؤسسات الأخرى القدرة على صناعة طلب مصمّم وفق احتياجاتها وأن توفر لها تدفقات معلومات آنية. وهكذا اكتسبت شركات التكنولوجيا الكبرى ما تتمتع به اليوم من قوة. وأتاحت هذه القوة بدورها للشركات العملاقة المتعددة الأنشطة فرصاً أوسع للاستحواذ على مزيد من فائض القيمة المنتَج في منشآت رأسماليين آخرين.

قامت تلك القوة الجديدة، وما ولّدته من ريوع، على قدرة شركات التكنولوجيا الكبرى على جمع البيانات الشخصية. وقد أفرغت هذه المراقبة المكثفة التصورات الليبرالية عن الاستقلالية الفردية من مضمونها. لذلك كان مفهوماً أن يحتج نقّاد ليبراليون[18] على انتهاك حقوقنا المتعارف عليها في بياناتنا، وأن يتحدثوا عن رأسمالية المراقبة. وذهب بعضهم أبعد من ذلك، محذّراً من عودة ما يشبه منطقاً إقطاعياً قائماً على نزع الملكية.[19]

لكن ثمة حقيقة لا خلاف عليها: تُجمع البيانات الشخصية خلسة، فيغدو تأثير الدعاية في تشكيل الطلب أشد فاعلية، وينتقل فائض القيمة بين القطاعات بعنف أكبر، ما يزيد عرقلة تعادل معدلات الربح. ومع ذلك، لا تشير هذه الحقيقة إلى أنماط جديدة لإنتاج القيمة، بل إلى «أنماط للمشاركة في كتلة فائض القيمة، بعضها ليس جديداً بوجه خاص».[20]

مهما بدت الاستراتيجيات التي أتاحتها التقنيات الرقمية لتعزيز الاستغلال جديدة ومذهلة، كان للماركسيين ما يبرر رفض القول إن الرأسمالية تبدلت في جوهرها لمجرد أن شركات مثل «غوغل» و«ميتا» تسرق بياناتنا بصورة منهجية لتوسيع نطاق إعلاناتها، أو أن «أوبر» و«إير بي إن بي» تفعلان ذلك لتوسيع أنشطة الوساطة. ويسخر يفغيني موروزوف بحق من نقد كهذا، على غرار ما تعرضه زوبوف في «عصر رأسمالية المراقبة»، لأنه يصوّر «ممارسات الاستخلاص المستمرة في الرأسمالية الرقمية المعاصرة بوصفها ظاهرة مرضية»[21] فيما يقدّم «بُعدها غير القائم على الاستخلاص بوصفه طبيعياً تماماً».

بعبارة أخرى، لو صدر تشريع يمنحنا حقوق ملكية كاملة على بياناتنا لاختفت رأسمالية المراقبة. وإذا كان التحول المزعوم في الرأسمالية يزول بمجرد أن تتجرأ الدولة البرجوازية على إقرار قانون للحقوق الرقمية، فكيف يمكن اعتباره تحولاً عميقاً؟[22] والخلاصة أن البيانات ليست الأرض الجديدة التي أوجدت سلطات شبيهة بالإقطاع، لأن رأس المال الاحتكاري امتلك هذه السلطات أصلاً منذ مطلع القرن العشرين. لكن التلاعب الخوارزمي بالبيانات المسروقة وتدفقات المعلومات ينشئ بالفعل سلطات جديدة لا يكفي مفهوم رأسمالية المراقبة ولا صنمية البيانات، أي الاعتقاد بأن البيانات هي الأرض الجديدة، لفهمها فهماً كاملاً.

لنتأمل المعلنين والمسوّقين التقليديين الذين عملوا وكلاء أو مقدمي خدمات لشركات مثل «كوكاكولا» و«ماكدونالدز» و«يونيليفر». كانت مصالحهم تتطابق تماماً مع مصالح رأس المال الاحتكاري. لكن الأمر يختلف مع «ألفابت» و«ميتا» وأشباههما. فمصالح شركات التكنولوجيا الكبرى، خلافاً لمصالح شركات الإعلان، لم تعد تتطابق مع مصالح الرأسماليين التقليديين الذين يستخلصون فائض القيمة في العالم غير الرقمي، حتى لو استخدموا هم أيضاً أدوات رقمية. ويوضح كوري دكتورو هذا الفرق جيداً.[23] فما إن نجد أنفسنا نحن المستخدمين محبوسين داخل إحدى منصاتها مثل «فيسبوك» و«يوتيوب» و«تيك توك»، وتُجمع بياناتنا وتُباع للبائعين الرأسماليين، حتى يزداد اعتماد هؤلاء على المنصة لتحقيق إيراداتهم. وحتى الشركات التي لا تحصل إلا على 10% من إيراداتها عبر «غوغل»، مثلاً، تكتشف أن كلفة الانتقال إلى منصة أخرى تفوق التصور. وتسارع «غوغل» إلى استغلال ذلك فتخفض ترتيبها في نتائج البحث وتطالبها بفدية مقابل رفعه مجدداً.

باختصار، لا تكتفي شركات التكنولوجيا الكبرى بجمع بيانات المستهلكين لخدمة مصالح الشركات العملاقة، بل تستخدم سلطتها على تدفقات المعلومات لإنشاء مجالات للاستخلاص يجد المستهلكون والرأسماليون، لأسباب مختلفة، أن الخروج منها باهظ الكلفة. وعلى خلاف شركات الإعلان التي كانت التكتلات الرأسمالية تدفع لها لتعزيز قوتها الاحتكارية، وجدت شركات التكنولوجيا الكبرى سبلاً لتعزيز القوة الاحتكارية لرأس المال التقليدي، فيما تبني لنفسها، في الوقت عينه، قوة احتكار شراء تمارسها عليه.

ويقرّبنا هذا الإدراك من تصوّر المنصات الرقمية بوصفها أشبه بإقطاعيات سحابية.[24] غير أن فولي محقّ في قوله إن فهم دور شركات التكنولوجيا الكبرى يقتضي «فهماً واضحاً لمنشأ القيمة في بذل العمل المنتج، ومنشأ فائض القيمة في استغلال العمل المنتج».[25] وخلاصة الأمر أن المطلوب إحراز تقدّم في التحليل الماركسي. وموروزوف محقّ بدوره في أن تقدّماً كهذا يقتضي «فهم الاقتصاد الرقمي، وتحديد ما يُنتَج فيه بالضبط وكيف يُنتَج».[26]

وهنا بيت القصيد. ففي الجملة التالية يكتب موروزوف «إذا اعتبرنا أن نشاط غوغل يقوم على إنتاج نتائج البحث بوصفها سلعاً، وهي عملية تستلزم استثمارات رأسمالية ضخمة، فلن يكون من الصعب اعتبارها شركة رأسمالية اعتيادية تمارس إنتاجاً رأسمالياً مألوفاً».

هذا صحيح، لولا أن نتائج بحث «غوغل» ومعظم المنتجات المهمة لشركات التكنولوجيا الكبرى ليست سلعاً.

4. رأس المال السحابي: غير مُنتِج، لكنه بالغ السطوة

يعرّف ماركس السلع بأنها بضائع أو خدمات تُنتج بغرض التبادل في السوق، وليس لاستخدام منتجيها لها أو إهدائها للآخرين (رأس المال، المجلد الأول، الفصل الأول). ووفق المنطق نفسه، تُعرّف السلع الرأسمالية بأنها «وسائل مُنتَجة لإنتاج السلع». أما الأسواق فهي مواقع لامركزية للتداول[27]، أو «مجالات للتداول» تتحول فيها قيم السلع إلى نقود[28]، ويتحول فائض القيمة، بعد دفع الريع والفائدة، إلى أرباح. وفي هذا السياق، يتعين على الماركسيين أن يسألوا: ما طبيعة نتيجة البحث في «غوغل»؟ وما نوع السلعة الرأسمالية الداخلة في إنتاجها؟ وهل يُعدّ «أمازون دوت كوم» سوقاً؟ وهل «أوبر» مجرد وسيط رأسمالي بين السائقين والركاب في سوق يسودها احتكار القلة من جانب المشترين؟

حين تدفع لـ«غوغل» مقابل مشاهدة فيلم على «يوتيوب»، أو تستأجر مساحة على خوادم «أمازون ويب سيرفيسز»، أو تشترك في «أوبن إيه آي» أو «نتفليكس»، تتصرف هذه الشركات كمورّدة للسلع وتستخدم آلاتها الرقمية المتطورة بوصفها «وسائل مُنتَجة لإنتاج السلع» بالمعنى المألوف. لكن تتغير الصورة حين تقدم لك الآلات نفسها نتيجة بحث في «غوغل»، أو يدعوك «يوتيوب» إلى رفع مقطعك مجاناً، أو تساعدك «أليكسا» التابعة لـ«أمازون» على اختيار كتاب أو دراجة كهربائية. هنا يحسم ماركس الأمر. مهما أرضتك هذه الخدمات، فهي ليست سلعاً.[29]

لكن إن لم تكن سلعاً، فما تكون؟ قد يبدو سهلاً أن نراها نسخة رقمية من قناة تلفزيونية مجانية تبث مباراة كرة قدم لتأسر انتباهنا وتبيعنا شطائر البرغر مثلاً. لكنه تصور خاطئ. فثمة فرق جوهري بين أن تقنعنا «ماكدونالدز» بشراء شطيرة برغر عبر إعلان تلفزيوني يظهر بين شوطي مباراة «سوبر بول»، وبين أن يقنعنا مساعد «غوغل» أو «أليكسا» التابعة لـ«أمازون» بشراء دراجة كهربائية بعينها.

حين لا تبيعنا آلات شركات التكنولوجيا الكبرى سلعاً أنتجتها هذه الشركات بنفسها، تفعل شيئاً جديداً جذرياً لم يكن في متناول قنوات التلفزيون المجانية في اقتصاد الانتباه الأول. فهي تفتح مع كل واحد منا حواراً فردياً ومتبادلاً وآنيّاً، وتؤتمت ما كان يتولاه العاملون في الدعاية والإعلان والتسويق من التأثير في رغباتنا وتعديل سلوكنا وتوجيه خياراتنا. وبهذه الصفة تغدو آلات جدلية لا تنتج شيئاً سوى قدرة مباشرة على تغيير سلوكنا.

لا شك في أن هذه الآلات تجمع المعلومات لتكتسب أفضلية علينا. لكن طموحاتها تتجاوز كثيراً سرقة بياناتنا لتوجيه الإعلانات بفاعلية أكبر أو فرض أسعار مختلفة علينا بحسب استعدادنا للدفع.[30] فما الغاية الأبعد التي طُوّرت آلات شركات التكنولوجيا الكبرى لتحقيقها؟ إنها كسب ثقتنا عبر حوار فردي لا ينتهي. فما إن تنجح في بناء علاقة جدلية تتشكل لحظة بلحظة مع كل واحد منا على حدة وتستند إلى روابط ثقة لا شعورية، حتى تكتسب قدرات غير مسبوقة على تعديل سلوكنا. وفجأة، تكف هذه الآلات عن كونها سلعاً رأسمالية تقليدية وتتجاوز نقطة اللاعودة لتصبح ما أسميه «رأس المال السحابي»، أي آلات تعمل بوصفها «وسائل مُنتَجة لتعديل السلوك».

لتوضيح ذلك، لنتأمل «أليكسا» التابعة لـ«أمازون» ومساعد «غوغل» و«سيري» التابعة لـ«آبل». نعاملها كأنها خدم ونأمرها بإطفاء الأنوار وشراء الحليب واقتراح فيلم جيد. لكن هذه الأجهزة، المرتبطة بشبكات هائلة من رأس المال السحابي، مهيأة للتعامل معنا على النحو الآتي. تدربنا أولاً على تدريبها كي تعرفنا على نحو أفضل، فتقدم لنا نصائح مفيدة وتكسب ثقتنا. وما إن تترسخ الثقة حتى توجّهنا إلى سلع بعينها وتعرض شراءها لنا بضغطة زر. وما إن نضغط الزر حتى يكون رأس المال السحابي قد باعنا، خارج أي سوق، سلعةً لم يؤدّ أي دور في إنتاجها، ويحصل مالكه، شخص مثل جيف بيزوس، على ما يصل إلى 40% من السعر الذي دفعناه. وهذه «العمولة» شكل واضح من الريع المطلق أسميه «الريع السحابي».[31]

يحلّ رأس المال السحابي محلّ الأسواق، ويستحوذ، في صورة ريع سحابي، على حصص كبيرة من فائض القيمة الذي يولّده العمل المأجور عبر تشغيل رأس المال التقليدي

علّمنا ماركس أن لرأس المال التقليدي طبيعة مزدوجة. فهو من جهة «وسائل مُنتَجة لإنتاج السلع»، ومن جهة أخرى سلطة اجتماعية يمارسها مالكوه على عمالهم المأجورين لاستخلاص فائض القيمة.[32] أما رأس المال السحابي فيتألف من آلات «جدلية» تُعدّ غير منتجة بالمعنى الماركسي لأنها لا تنتج سلعاً. لكنها تنتج ثلاثة أشكال جديدة من السلطة الاجتماعية، سلطة على المستهلكين أو المستخدمين، وأخرى على العمال المأجورين، وثالثة على المنتجين الرأسماليين التقليديين. وبتوظيف هذه السلطات، يحل رأس المال السحابي محل الأسواق ويستحوذ، في صورة ريع سحابي، على حصص كبيرة من فائض القيمة الذي ينتجه العمل المأجور عبر تشغيل رأس المال التقليدي. وهذا هو مفتاح فهم رأس المال السحابي بوصفه «وسائل مُنتَجة لتعديل السلوك».

لكنني أكاد أسمعكم تسألون: أليس موقع «أمازون» سوقاً؟ أليست «أوبر» وسيطاً رأسمالياً بين الركاب والسائقين المالكين لسياراتهم؟ أليست «إنستاكارت» تلك الآلة فائقة الكفاءة لاستخلاص فائض المستهلك التي يحلم بها كل رأسمالي؟ أليس صنّاع المحتوى على «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب» رواد أعمال يعملون لحسابهم الخاص؟ أليست «علي بابا» و«أمازون» شركتين رأسماليتين متنافستين؟ وألسنا أحراراً لا أقناناً سحابيين ما دمنا نستطيع الانتقال بحرية إلى منصة أخرى؟ ربما، ولكن ليس إذا نظرنا إلى هذه الظواهر من منظور ماركسي.

5. أسواق رقمية أم إقطاعيات سحابية؟

لنبدأ بتوضيح لماذا لا يُعد موقع «أمازون» سوقاً. كانت غوسبلان، وزارة تخطيط الدولة السوفياتية، نظاماً للتجارة والتبادل يوفّق بين ملايين المشترين والبائعين بأسعار موجّهة مركزياً، لكنها لم تكن سوقاً. كانت في الواقع نقيض السوق، أي منظومة تخطيط خوارزمية تُدار من أعلى إلى أسفل بغرض الحلول محل آلية السوق. وللسبب نفسه، لا يُعد موقع «أمازون» سوقاً.

الأسواق، بحكم تعريفها، أنظمة لا مركزية إلى حد بعيد يستطيع فيها المشترون والبائعون التفاعل مباشرة. وقد رأى ماركس أن هذه التفاعلات الفوضوية وغير المخططة ضرورية لتداول السلع، إذ تتحقق القيم المتولدة في مجال الإنتاج في صورة أسعار ويتحقق فائض القيمة في صورة ريوع وفوائد وأرباح. وحتى في سوق خاضعة لاحتكار كامل، يظل المشترون قادرين على التفاعل فيما بينهم. أما في غوسبلان وموقع أمازون، فلا يستطيع أحد التفاعل مع غيره ما لم تربط الخوارزمية الحاكمة المفروضة من أعلى بينهما صراحةً، وهي ترى كل شيء وتتحكم في كل شيء. ومن هذه الزاوية، يبدو موقع أمازون نسخة رقمية أكثر كفاءة من غوسبلان، مع فارق جوهري واحد. فهو لا يدّعي حتى السعي إلى تحقيق مصلحة عامة، إذ يملكه رجل واحد هو جيف بيزوس. وهذه هي العلامة الأولى على الإقطاع التكنولوجي، النظام الذي أنجبه رأس المال السحابي وأحلّ محل الأسواق فضاءات مختلفة تماماً، هي منصات رقمية أرى أن من المفيد تسميتها «إقطاعيات سحابية».

حتى حين يعترف منتقدو فرضيتي عن الإقطاع التكنولوجي بقوة رأس المال السحابي، يفترضون أن أثره هامشي وأن معظم النشاط الاقتصادي ما زال يجري في أسواق رأسمالية تقليدية شديدة التنافس. وفي نظرهم، تبدو الريوع السحابية مجرد فقاعات على سطح تيار مطّرد من الأرباح الرأسمالية. لكن يكشف الفحص عن قرب صورة مختلفة. فالربح الرأسمالي يتحول سريعاً إلى فقاعة على سطح دوامة من الريوع السحابية التي تتراكم داخل إقطاعيات سحابية مثل موقع أمازون، وعبر عدد لا يحصى من متاجر التجزئة الصغيرة التقليدية.[33]

تمثل «إنستاكارت» مثالاً واضحاً على ذلك. فهي شركة تنشر رأس مالها السحابي عبر آلاف متاجر التجزئة على اختلاف أحجامها ومواقعها، وتمارس من خلاله تمييزاً سعرياً متطرفاً إلى حدّ إلغاء أبسط خصائص السوق الرأسمالية.[34] ومن خلال تطبيق «التحسين المثالي للأسعار»، وهو نهج بات يعتمده جميع كبار تجار التجزئة في الولايات المتحدة وخارجها، تستخلص «إنستاكارت» ما يسميه الاقتصاديون «فائض المستهلك».[35] لكن الأهم بكثير أنها تجعل المنافسة السعرية شبه مستحيلة. فخوارزميتها تحتفظ بسجل كامل لسلوك كل مستهلك، وتعتمد نمطاً من التسعير يحول دون مقارنة الأسعار بين الأشخاص أو عبر الفترات الزمنية، سواء داخل المتجر أو المنصة الواحدة أو بين المتاجر والمنصات المختلفة. كذلك تتيح «إنستاكارت» لمتاجر التجزئة التقليدية والمنصات الرقمية أن تتواطأ، أحياناً من دون علم مديريها أنفسهم، بطرائق يتعذر على العين المجردة كشفها. فقد صُمّم هذا النظام ليظل خفياً مستعصياً على الرصد، وليكون قوةً لا تُقاوَم تذيب كل ما يمكن وصفه بأنه آلية سوقية.[36]

أما «أوبر»، فتبدو بالفعل بائعاً احتكارياً يعيد بيع عمل السائقين المالكين لسياراتهم وأصولهم الرأسمالية إلى الركاب، بعد أن احتكر شراءهما.[37] وإلى جانب التسعير وقت الذروة والتسعير المخصّص لكل زبون، على غرار «إنستاكارت»، تمارس «أوبر» تمييزاً آنياً في الأجور. فإذا تردّد السائقون في قبول الرحلات وفق التعرفة التي تحددها «أوبر»، عرضت عليهم أجوراً أعلى إلى أن يبدؤوا بقبولها. وسرعان ما يعتمدون على مزيج من الأجر الأعلى لكل ميل والتقييمات المرتفعة، أو النجوم، التي يحصدونها من الزبائن الذين يقدّرون خدمتهم. وعندها، بعدما يترسّخ اعتمادهم على تطبيق «أوبر»، تدخل معدلات أجورهم في دوامة هبوطية. ويمكنهم بالطبع التوقف عن العمل عبر التطبيق، لكن ذلك يعادل في عالم الشركات الاستقالة قبل استحقاق خيارات شراء الأسهم.

حتى الآن، يبدو الأمر شكلاً من الرأسمالية المفرطة، لكن هذه ليست القصة كاملة. فقبل أن تبدأ أجور السائقين بالانخفاض، تدفعهم الوعود بأجر أعلى لكل ميل وتقييمات أفضل من الزبائن إلى الاقتراض لاقتناء سيارات أفضل، وغالباً من جهات تمويل مرتبطة بـ«أوبر». وعندئذ تخفّض خوارزمية «أوبر» الأجور المعروضة تخفيضاً حاداً، فتثني السائقين المثقلين بالديون والحريصين على تجنّب المخاطرة عن تجربة منصة أخرى. فيعمدون بدلاً من ذلك إلى إطالة أيام عملهم، لكنهم يفاجأون بأن أجورهم تنخفض أكثر في الأيام التي تسبق استحقاق أقساط ديونهم الشهرية. وقد بات هذا الأسلوب شائعاً في كثير من التطبيقات الأخرى المخصّصة للعثور على عمل، التي تنتشر كالنار في الهشيم.

ويتجلّى هذا الأسلوب في تطبيقي «شيفت كي» و«شيفت ميد»، اللذين وصفهما كوري دكتورو بأنهما «أوبر للممرضين»، إذ يتتبّعان الالتزامات المالية للممرضين ليعرضا عليهم أجوراً أقل في الساعة قبل أيام قليلة من موعد دفع الإيجار أو استحقاق الدفعات الشهرية على بطاقاتهم الائتمانية. وينطبق الأمر نفسه على جحيم العمل في منصة «ميكانيكال ترك» التابعة لـ«أمازون»، حيث يعمل الملايين بنظام الأجر بالقطعة.[38] وباختصار، اندمج رأس المال السحابي والتمويل بالدَّين ليفرضا قبضةً مستحدثة على «بروليتاريا السحابة»، أي العمّال الذين تتيح الخوارزميات نفسها التي تعدّل سلوك المستهلكين استخلاص فائض قيمة متزايد منهم.

ولفهم كيف تدفع التطبيقات الشبيهة بـ«أوبر» العلاقات الاجتماعية للإنتاج والتبادل إلى تجاوز الخط الأحمر الرفيع والدخول في الإقطاع التكنولوجي، يكفي أن نتأمل بعداً خفياً آخر في الممارسات التجارية التي أتاحها رأس مال «أوبر» السحابي، وهو بُعد تشترك فيه مع «تسلا» وغيرها. فعندما تقود سيارة «تسلا» متصلة بالسحابة أو تستقل سيارة عبر «أوبر»، تسجّل خوارزمياتهما وجهاتك والموسيقى التي تستمع إليها في الطريق والمشتريات التي تجريها عبر موقع «أمازون» أو منصة «إنستاكارت» بعد وقت قصير من وصولك، فضلاً عن الأشخاص الذين تزورهم وموعد استحقاق دفعتك التالية لبطاقة الائتمان أو بدل الإيجار وغير ذلك. ثم تستخدم الشركات السحابوية هذه البيانات لتمكين «مساعداتها»، مثل «أليكسا» و«مساعد غوغل» و«مساعد عربة التسوق» لدى «إنستاكارت»، من استمالتك بكفاءة أكبر عبر نصائح وإرشادات «أفضل». وهكذا يتراكم مخزون رأس مالها السحابي، أي «وسائلها المُنتَجة لتعديل السلوك»، بفعل العمل المأجور الذي يؤديه البروليتاريون السحابيون، ومنهم سائقو «أوبر» والعاملون في «ميكانيكال ترك» و«شيفت ميد»، وكذلك بفعل عملنا جميعاً غير المأجور، نحن أقنان السحابة.

يعترض سنو قائلاً إن «المستهلكين من مستخدمي المنصات ليسوا أقناناً» لأنهم «يستطيعون فعلاً مغادرة المنصات ويفعلون ذلك باستمرار». وصحيح أننا نستطيع، إن شئنا، حذف أي تطبيق أو حذفها جميعاً، مثل «أوبر» و«إكس» و«أمازون» و«شيفت ميد» و«يوتيوب». ويمكننا الانضمام إلى منصات أخرى أو حتى اختيار الهواتف القلّابة التقليدية وسيارات البنزين والتعامل بالنقد. وهذه حجة ليبرالية مشروعة، فنحن نمتلك الحرية الشكلية لقول «لا» لرأس المال السحابي. لكن منذ متى تُبهر الحرية الشكلية الماركسيين؟ إذا كانت الحرية الشكلية للرأسمالية، كما علّمنا ماركس، تحجب وراءها انعداماً فعلياً أعمق للحرية يزداد تغلغلاً كلما بدا أكثر طوعية، فإن حريتنا المجردة في مغادرة واجهات رأس المال السحابي لا تثبت أننا لسنا أقناناً سحابيين.[39]

هذا أمر غير مسبوق. فنحن نعمل ونتفاعل مع آلات غير منتجة تحثنا على أن نعمل بفاعلية ومن دون أن ندري في تشييد أسوار تزداد ارتفاعاً من حولنا فتزيد كلفة خروجنا من فضائها السحابي. ومع كل مقطع فيديو ننشره أو سلعة نشتريها وكل تقييم نحصل عليه وكل ميل نقطعه بالسيارة، نسهم في تعلية تلك الأسوار ونمكّن رأس المال السحابي من التراكم ونساعد على تحويل المنصة الرقمية إلى إقطاعية سحابية. نعم، يمكننا مغادرتها، لكن بكلفة نزيدها نحن أنفسنا مع كل نقرة وكل إعجاب وكل رحلة وكل مراجعة وكل عملية شراء.[40]

إذا تأملنا الأمر من منظور أوسع للاقتصاد السياسي، وجدنا أن رأس المال السحابي يضمن أن نعمل، طوعاً بالطبع، على زيادة مخزونه الرأسمالي وتعزيز قدرته على استخلاص ريوع سحابية أكبر من كتلة فائض القيمة، على حساب الربح الرأسمالي. وهكذا يؤدي عملنا، غير المأجور في معظمه، دوراً لم تعرفه الرأسمالية من قبل: فهو يغذي تراكم رأس المال السحابي غير المنتج، فيفاقم ميل معدل الربح إلى الانخفاض ويعجّل به، ومن ثم يعجّل بالأزمة المقبلة.

6. المنافسة أم التنافس؟ مؤثرون مُمكَّنون أم أقنان سحابيون؟

يستند اعتراض آخر على فرضيتي إلى أن المنصات الرقمية لشركات التكنولوجيا الكبرى، خلافاً للإقطاعيات الأصلية، تنخرط في منافسة شرسة، كما هي الحال بين «تيك توك» و«إنستغرام» أو بين «أوبر» و«ليفت». ومع أن التنافس بينها شديد بلا شك، فهل يماثل المنافسة ضمن السوق، كما هي الحال بين «فورد» و«فولكسفاغن» أو «إيلاي ليلي» و«نوفو نورديسك»؟ هذا السؤال مهم، لأن الفرق بين المنافسة السوقية والتنافس الاقتصادي يسهل إغفاله مع أنه فارق حاسم.

سبق التنافس الاقتصادي الشرس الرأسمالية بقرون. فقد عقدت الأديرة البندكتية تحالفات لشنّ حرب اقتصادية على السادة الإقطاعيين غير الكنسيين.[41] واستمال السادة الإقطاعيون فلاحي الإقطاعيات المنافسة بعرض شروط اقتصادية أفضل.[42] وخاضت الرابطة الهانزية صراعاً للسيطرة على طرق التجارة المربحة ضد ملوك الدنمارك الإقطاعيين والأمراء السلافيين. وكانت أنماط التنافس الاقتصادي السابقة للرأسمالية صراعات صفرية شرسة وقاسية للسيطرة على عوامل الإنتاج ووسائل التوزيع في اقتصادات قائمة على الأرض. وشاع الصراع على الأرض والعمل وطرق التجارة والامتيازات القانونية. لكنه لم يكن منافسة سوقية.

المنافسة السوقية، في المنظور الماركسي على الأقل، ظاهرة خاصة بالرأسمالية. وهي ترتكز على تبدل الأسعار ومستويات الجودة وعلى شروط العمل وظروفه في أسواق العمل. أما صراع شركات التكنولوجيا الكبرى التي تسخّر رأس المال السحابي لاستخلاص الريوع السحابية فلا يشبه هذه المنافسة في شيء. فنجاح «تيك توك» في مواجهة «إنستغرام» لا يمت بصلة إلى انتصار «تويوتا» على «جنرال موتورز» بفضل أسعار أقل وجودة أعلى. وسأبيّن لاحقاً أن الزعم بأن المنصات تتنافس كما لو أنها تعمل في سوق ينهار عند الفحص الدقيق. 

ومع أننا لم نعد إلى الإقطاع (القسم الأول)، فإن تنافس الشركات السحابوية أقرب إلى التنافس الاقتصادي السابق للرأسمالية منه إلى المنافسة السوقية. فهي تخوض، سواء في فضاء التواصل الاجتماعي بين «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أو في التنافس على التحكم بالسلع المادية بين «إنستاكارت» و«أمازون» و«وولمارت»، سباقاً واحداً لاستقطاب المستخدمين والزبائن والعمّال والشركات الرأسمالية. ولا تسعى إلى استمالتنا بتخفيض الأسعار، إذ يصعب أصلاً مقارنتها بين منصة وأخرى، بل تحبسنا داخل منصاتها برأس مال سحابي بالغ الكفاءة يعدّل سلوكنا مباشرة. وما إن نقع في شباك هذه المنصات حتى يدفعنا رأس المال السحابي الذي استدرجنا إليها، من حيث لا ندري، إلى إعادة إنتاجه بعملنا غير المأجور، فيزيد إحكام قبضته علينا.

يؤدي عملنا، غير المأجور في معظمه، دوراً لم تعرفه الرأسمالية من قبل: فهو يغذّي تراكم رأس المال السحابي غير المنتج، ويفاقم ميل معدل الربح إلى الانخفاض، ومن ثم يعجّل بالأزمة المقبلة.

لكن ماذا عن المؤثرين الذين تغدق عليهم شركات التكنولوجيا الكبرى الأموال؟ ألا تتعارض الأموال الطائلة التي يجنيها كثيرون منهم مع وصفهم بالأقنان السحابيين؟ أليسوا رواد أعمال أتاحت لهم هذه الشركات إنتاج المحتوى بحرية بالاستعانة برأس مالها السحابي؟ وماذا يمكنني أن أقول لصانعة محتوى على «يوتيوب» تعتز بأنها «لا تخضع لأي شبكة إعلامية» وتقول بفخر وسعادة: «أنا الرئيسة التنفيذية ومديرة البرنامج ومقدمته ونجمته. أنا كل شيء»؟ شخصياً، أهنئها لأنها تمارس عملاً تحبه وتكسب المال منه. لكن الأمر يختلف من منظور التحليل الماركسي.

يبذل المؤثرون جهداً كبيراً، إذ يستلزم تكوين جمهور وفيّ وضمان عودته طلباً للمزيد عملاً فعلياً وشاقاً في كثير من الأحيان، إلى جانب الموهبة والمهارات. ومع ذلك، يُعد هذا العمل غير منتج من منظور الاقتصاد السياسي الماركسي، من دون أن يعني ذلك أنه عديم الجدوى. ويتضح الفرق إذا تأملنا اقتصاداً بسيطاً وبدائياً نسبياً يضم رأسماليين وبروليتاريين وينقسم إلى قطاعين. ينتج الأول الحبوب بالاعتماد على العمل الزراعي للبروليتاريين، بينما ينتج الثاني الذهب بالاعتماد على عملهم في التعدين. وتمثل الذرة سلعة استهلاكية تضمن معيشة البروليتاريين والرأسماليين، لكن بذورها تمثّل أيضاً السلعة الرأسمالية الوحيدة، أي «وسائل مُنتَجة لإنتاج السلع». أما الذهب فسلعة استهلاكية وحسب، لأنه لا يُستخدم في إنتاج الذهب أو الذرة.

ومع أن الذهب ينتجه عمّال مناجم بروليتاريون يؤدّون العمل المضني والخطر اللازم لاستخراجه من باطن الأرض، ومع أن الناس يرغبون فيه ويُعجبون به إلى حدّ استعدادهم لدفع أثمان باهظة لقاءه، فإن ماركس يعدّ عمل هؤلاء العمّال غير منتج. وليس هذا حكماً أخلاقياً أو معيارياً، وإنما حُجّة اقتصادية. فبعد أن صقل تعريف آدم سميث للعمل غير المنتج بوصفه عملاً يُبذل في قطاع لا يدخل ناتجه في إنتاج أي سلعة، يصرّح ماركس بوضوح في كتابه نظريات فائض القيمة: «لا يكون العمل المأجور منتجاً إلا إذا أنتج رأس المال».[43]

لنعد إلى المؤثرين. يولّد عملهم قيمة استعمالية أو منفعة، لكنه لا ينتج قيمة تبادلية جديدة ولا يدفع إلى إنتاج مزيد من رأس المال. لكن ألا ينتجون رأس المال السحابي ويعيدون إنتاجه ويزيدونه، خلافاً لعمّال مناجم الذهب الذين لا ينتج عملهم سلعاً رأسمالية؟ يفعلون ذلك بلا شك. لكن رأس المال السحابي نفسه غير منتج (القسم الرابع)! ولذلك يبقى عمل المؤثرين غير منتج، مهما حقّق لهم ولمساهمي شركات التكنولوجيا الكبرى من عوائد.

خلاصة الأمر أن تراكم رأس المال السحابي يؤجج صراعاً ضارياً بين المنصات التي يغذيها. وتخوض كل منصة، أو إقطاعية سحابية، سباقاً لاستقطاب أقنان سحابيين غير مأجورين وإبقائهم عالقين داخلها. وفي سبيل الفوز، تدفع شركات التكنولوجيا الكبرى مقابلاً مالياً لنسبة صغيرة من المستخدمين، هم المؤثرون الذين يساعد عملهم على جذب مزيد من المستخدمين غير المأجورين.[44] وما إن يصبح هؤلاء عالقين داخل الإقطاعية حتى يزيد عملهم غير المأجور رأس مالها السحابي ويعزز الأسوار المحيطة بها. وهكذا يستخلص مالكوها ريوعاً سحابية تتضخم ككرة الثلج وتقتطع حصصاً متزايدة من فائض القيمة الذي تنتجه قطاعات أخرى توظف العمل المنتج ورأس المال المنتج.

7. التقلّبات والأزمات في عصر الإقطاع التكنولوجي

لكن ما أثر ذلك في الاقتصاد الكلي؟ في الاقتصاد السياسي عند ماركس، يشكّل تراكم رأس المال القوة المحرّكة للدورات الاقتصادية وموجات الركود الدورية وانزلاق الرأسمالية إلى تراجع طويل الأمد في الربحية. وقبل ظهور رأس المال السحابي، كانت تدفقات رأس المال والعمل بين قطاعي السلع الاستهلاكية والآلات، أو السلع الرأسمالية، تحكمها قوتان دافعتان. أولاهما ميل رأس المال إلى الانتقال نحو القطاع ذي معدل الربح الأعلى، والثانية ميل العمل إلى الانتقال نحو القطاع الذي يكون فيه استغلال العمّال أقلّ حدةً نسبياً.

لنفترض أن إنتاج الآلات كان أكثر اعتماداً على رأس المال من صناعة السلع الاستهلاكية. عندئذ يرجّح أن يكون معدل الربح في قطاع السلع الاستهلاكية أعلى، فينتقل رأس المال من قطاع الآلات إليه. غير أن تدفق رأس المال إلى القطاع الأعلى ربحية يدفع معدلات الربح فيهما إلى التعادل. في المقابل، يتعرض عمّال قطاع السلع الاستهلاكية لاستغلال أشدّ من عمّال قطاع الآلات، فيميلون إلى الانتقال إلى هذا القطاع الأخير. وهكذا يعود الفارق بين معدلات الربح إلى الاتساع، فيتجدد انتقال رأس المال من قطاع الآلات إلى قطاع السلع الاستهلاكية. وتبقى حركة رأس المال والعمّال بين القطاعين الإنتاجيين الرئيسين في تدفق دائم (انظر.ي الملحق).

على مستوى الاقتصاد الكلي، يؤدي التوسع في مكننة الإنتاج في مختلف القطاعات إلى انخفاض متوسط معدل الربح. وتفلس الشركات الأقل كفاءة، فتدفع البطالة المتزايدة الطلب الكلي إلى التراجع وتنخفض معدلات الربح أكثر، فتدخل آلية تغذية راجعة سلبية تفاقم الركود حيّز العمل. وما إن تهبط أسعار المدخلات والأجور إلى مستويات أدنى من قيمتها، وتقضي حالات الإفلاس على عدد كبير من المنافسين، حتى ترتفع معدلات الربح لدى الرأسماليين الذين بقوا في السوق ارتفاعاً حاداً. ويشرعون في الاستثمار لترسيخ قوتهم السوقية المستجدة، فينطلق تعافٍ يتعزّز من تلقاء نفسه. لكن هذه الدفعة من النمو تحمل بدورها بذور الركود المقبل. ومع تجاوز كل ركود، يزداد استخدام رأس المال في مختلف أنحاء الاقتصاد وتتجه الربحية نحو الانخفاض، فيغرق النظام الرأسمالي أكثر في أزمته الدائمة.[45]

لنُدخل رأس المال السحابي الآن في التحليل. فالآلات التي يقوم عليها مزدوجة الاستخدام، إذ يمكنها، مع تعديلات طفيفة، أن تعمل كسلع رأسمالية تقليدية تُستخدم في الإنتاج، أو كسلع رأسمالية سحابية غير منتجة.[46] وبذلك ينقسم الاقتصاد إلى قسمين، قسم إنتاجي تُنتج فيه كل القيمة ويضم قطاعَي السلع الاستهلاكية والآلات، وقسم إقطاعي تكنولوجي لا تُنتج فيه قيمة جديدة، أي قيمة تبادلية، لكن رأس المال السحابي يمكّن مالكيه فيه من مراكمة الريع السحابي. وعندئذ يسهل نسبياً بيان أثر هذا القسم الإقطاعي التكنولوجي في الدورات الاقتصادية وفي نزعة الاقتصاد الطويلة الأمد نحو أزمات متزايدة العنف.

إذا صغنا العلاقة بين رأس المال المنتج ورأس المال السحابي على صورة فريسة ومفترس، برزت نتيجة أولى. فاستخلاص الريوع السحابية من قطاع السلع الاستهلاكية يجعل معدل الربح فيه أدنى من معدل العائد في بقية الاقتصاد. ومن هنا تنشأ عمليتا انتقال. الأولى هي حركة رأس المال والعمل ذهاباً وإياباً بين القطاعين الإنتاجيين، وهي تتوقف الآن أيضاً على حجم الريوع السحابية التي يستخلصها القسم الإقطاعي التكنولوجي، أما الثانية فتبلغ صميم فرضية الإقطاع التكنولوجي، إذ ينتقل رأس المال من القسم الإنتاجي إلى القسم الإقطاعي التكنولوجي (انظر.ي الملحق).

يكفي توسيع بسيط لنموذج ماركس ذي القطاعين لإلقاء الضوء على المسألة. فوفق افتراض ينسجم مع عمل ماركس الأصلي، يتسع القسم الإقطاعي التكنولوجي قياساً إلى القسم الإنتاجي كلما تجاوزت عوائد رأس المال السحابي، أي الريوع السحابية، عوائد رأس المال المنتج، أي الأرباح. والعكس صحيح. وانسجاماً أيضاً مع تحليل ماركس الأصلي، يفترض التحليل وجود علاقتين ديناميتين بين معدل الربح ومعدل استخلاص الريع السحابي (انظر.ي الملحق).

  • الدينامية الإقطاعية التكنولوجية: يؤدي ارتفاع الربحية فوق عتبة محددة π∗ إلى التراكم المفرط لرأس المال السحابي وانخفاض معدل استخلاص الريع السحابي.

  • الدينامية الإنتاجية: يؤدي انخفاض معدل استخلاص الريع السحابي دون عتبة محددة ρ∗ إلى تراكم رأس المال المنتج في القسم الإنتاجي، بما يخفض معدل الربح.

ومن تفاعل هاتين الديناميتين تتكشف أربع مراحل يمر بها الاقتصاد.

في المرحلة الأولى، ينمو القسم الإقطاعي التكنولوجي على حساب القسم الإنتاجي، مع ارتفاع معدل استخلاص الريع السحابي (ρ) وتراكم رأس المال السحابي، فيما تنخفض معدلات الربح في مختلف قطاعات القسم الإنتاجي. لكن حين يتجاوز معدل استخلاص الريع السحابي عتبةً معيّنة (ρ∗)، ينتقل النظام إلى المرحلة الثانية، حيث يتحول رأس المال المنتج إلى رأس مال سحابي، فيرتفع معدل الربح في القسم الإنتاجي.

وبعبارة موجزة، تمثّل المرحلة الثانية فترة ينمو فيها القسمان الإقطاعي التكنولوجي والإنتاجي معاً. لكن ما إن يتجاوز معدل الربح عتبته (π∗) حتى تبدأ المرحلة الثالثة.

في المرحلة الثالثة، يدفع التراكم المفرط لرأس المال السحابي معدل استخلاص الريع السحابي (ρ) إلى الانخفاض. وهي فترة تتضخم فيها تسرّبات الريع السحابي إلى حدّ يتراجع معه الطلب الكلي، فيلقى القسم الإقطاعي التكنولوجي مصير طفيليّ استنزف من عائله قدراً مفرطاً من الطاقة والغذاء. وهكذا يُكبح التوسع الإقطاعي التكنولوجي، ويستعيد القسم الإنتاجي بعضاً من موقعه الذي فقده. ويستمر ذلك إلى أن يهبط معدل استخلاص الريع السحابي، للمرة الأولى منذ المرحلة الأولى، إلى ما دون عتبته (ρ∗)، وعندها يدخل النظام المرحلة الرابعة.

في المرحلة الرابعة، يدخل القسمان الإنتاجي والإقطاعي التكنولوجي في حالة ركود مع تراجع معدلات الربح ومعدل استخلاص الريع السحابي. لكن ما إن تنخفض الربحية إلى ما دون عتبتها (π∗)، حتى يبدأ رأس المال السحابي بالتراكم من جديد، ويأخذ معدل استخلاص الريع السحابي في الارتفاع. وما إن يتجاوز هذا المعدل عتبته (ρ∗) حتى يعود النظام إلى المرحلة الأولى، حيث ينمو القسم الإقطاعي التكنولوجي على حساب القسم الإنتاجي. وهكذا تتكرر الدورة.

يتسق تحليل الصراع الدينامي بين القسمين الإقطاعي التكنولوجي والإنتاجي، الذي يشبه العلاقة بين المفترس والفريسة، مع التصور البديهي القائل إن نمو القسم الإقطاعي التكنولوجي يظل مقيداً بقدرة العمل المنتج في الاقتصاد على توليد القيم التي ينهبها رأس المال السحابي. لكن ما المسار الذي يتخذه هذا التفاعل على المدى الطويل؟ وهل الدورة الممتدة من المرحلة الأولى إلى الرابعة ثم العائدة إلى بدايتها مستقرة؟ وهل يستطيع القسم الإنتاجي الإفلات من قبضة نظيره الإقطاعي التكنولوجي؟ وهل يبلغ هذا الاقتصاد المنقسم حالة نهائية؟

مع أن التحليل لا يستطيع التنبؤ بتوقيت هذه الدورات أو بالمدة التي يحتاج إليها النظام للاقتراب من حالته النهائية، فإنه يشير إلى حالته النهائية الوحيدة، وهي انهيار معدل الربح ومعدل استخلاص الريع السحابي معاً. وهكذا يعمّم التحليل فرضية ماركس الأصلية بشأن ميل معدل الربح إلى الانخفاض لتشمل عالماً ينقسم فيه رأس المال بين رأس المال المنتج ورأس المال السحابي.

الفكرة التي يقوم عليها هذا التحليل واضحة. ففي تحليل ماركس الأصلي، يتولى تراكم رأس المال زمام الحركة فيرفع التركيب العضوي لرأس المال في الاقتصاد ويدفع معدل ربح الرأسماليين إلى الانخفاض. ويضيف صعود رأس المال السحابي عاملاً محركاً ثانياً هو ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال السحابي. ومع ازدياد نسبة الريوع السحابية إلى فاتورة أجور شركات التكنولوجيا الكبرى، بفضل قدرة رأس المال السحابي على التراكم باستقطاب قدر هائل من العمل غير المأجور خارج أي سوق للعمل أو للسلع[47]، يتجه مسارا معدل الربح π ومعدل استخلاص الريع السحابي ρ نحو الصفر.

في الختام، يفاقم تراكم رأس المال السحابي التقلب والتدهور طويل الأمد اللذين بيّن ماركس أنهما متأصلان في الرأسمالية، ويولّد أيضاً دوامة هلاك تنهار فيها الريوع السحابية والأرباح. وفي هذا السياق، يزيد الإقطاع التكنولوجي من حدّة المعضلة التي طرحتها روزا لوكسمبورغ من زنزانتها: الاشتراكية أو البربرية.

8. الذكاء الاصطناعي، وجدلية رأس المال السحابي، والنقود، والصراع الطبقي، والأيديولوجيا، والجغرافيا السياسية، والحرب

لم يكن ظهور رأس المال السحابي مشروطاً بتطور الذكاء الاصطناعي. فقد قامت الإقطاعيات السحابية التابعة لشركات التكنولوجيا الكبرى على خوارزميات التعلّم المعزز قبل أن يقتحم الذكاء الاصطناعي المشهد مع إطلاق «تشات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي». وقبل أن تتيح النماذج اللغوية الكبيرة تفاعلاً بين البشر والآلات يحاكي التفاعل البشري، كانت واجهات رأس المال السحابي، ومنها خوارزمية «أمازون» العاملة عبر الإنترنت و«أليكسا» ومساعد «غوغل»، قد منحت هذه الشركات القدرة على استخلاص ريوع سحابية مؤثرة في الاقتصاد الكلي. ويتمثل أثر الذكاء الاصطناعي في التعاظم الهائل لقدرات رأس المال السحابي على الاستخلاص وفي الانهيار النهائي لأي ادعاء بأن الإقطاعيات السحابية تتنافس ضمن إطار يشبه السوق.

والذكاء الاصطناعي أيضاً تقنية مزدوجة الاستخدام. فهو يشبه آلات «أمازون» التي تدرّ أرباحاً حين تبيع مساحات تخزين البيانات، وتستخلص ريعاً سحابياً حين تبيع حبوب إفطار أنتجها غيرها.[48] وفي استخدامه الأول، يتيح لشركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» تقديم سلعة اعتيادية إلى زبائن يدفعون ثمنها، أي خدمات اشتراك تساعدنا على كتابة التقارير والشيفرات والقصائد. وفي استخدامه الثاني، يمنح رأس المال السحابي القائم لدى شركات التكنولوجيا الكبرى قدرة أعلى بكثير على تعديل سلوكنا. وهذا الاستخدام الثاني هو الذي سيترك الأثر الأكبر.

عندما أحدثت الشركة الصينية الناشئة «ديب سيك» اضطراباً في سوق سلع الذكاء الاصطناعي عبر خدمة مجانية كانت كلفة إنتاجها أقل بكثير ولم تكن أسوأ من «تشات جي بي تي»، أدركت شركات التكنولوجيا الكبرى أن فرصها في تحقيق الأرباح بصفتها مورّدة لسلع قائمة على الذكاء الاصطناعي، أو لخدمات الاشتراك، توشك على الانتهاء. وبدأ السباق لنقل رأس المال السحابي المدعوم بالذكاء الاصطناعي من القسم الإنتاجي في الاقتصاد إلى قسمه الإقطاعي التكنولوجي. ولم يكن ممكناً أن يحدث غير ذلك. فعند الاختيار بين أرباح هشة تستطيع أي شركة ناشئة مثل «ديب سيك» محوها بين ليلة وضحاها، وريوع سحابية تضمنها الآلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي على المدى الطويل، تختار شركات التكنولوجيا الكبرى الخيار الثاني. وأي شركة تواصل اليوم محاولة تحقيق أرباح من تقديم سلع قائمة على الذكاء الاصطناعي سيكون عليها إما التحول إلى استخلاص الريوع السحابية في القسم الإقطاعي التكنولوجي أو مواجهة الزوال.[49] والسبب واضح لأي شخص تعامل ولو للحظات مع أحد أحدث الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لن يطول الوقت حتى تتمكن نسخة من «أليكسا» تعمل بالذكاء الاصطناعي، أو روبوت مماثل، من معرفتك معرفةً تامة والتحدث إليك بطريقة يستحيل تمييزها من كلام البشر.[50] وخلف ما تبديه من أُنسٍ شبيه بأُنس البشر، ستنمّي فيك تدريجياً اعتماداً عليها يجعلها ضرورةً لنفسك. وستتذكر، عائدةً سنوات إلى الوراء، كل تفصيل قلته أو فعلته أو تمنّيته. وستتعلم كيف تدفعك إلى أقصى حدود احتمالِك، كي تستخلص أكبر قدر ممكن من الريع منك ومن البائعين الذين يبيعون لك، من دون أن تتجاوز خطوطك الحمراء. وستتذكر بدقة أهواءك وذائقتك الموسيقية وعاداتك الشرائية وخيباتك، وتؤنسك في أوقات الرخاء والضيق، وتتنبأ متى ستثير إحدى توصياتها نفورك. وما إن تنشأ بينك وبين روبوت الذكاء الاصطناعي علاقة كهذه حتى يغدو الانتقال إلى روبوت بديل يقدمه أحد المنافسين أمراً يكاد لا يُتصوّر، وأقرب إلى طلاق يعتصر القلب منه إلى العثور على متجر إلكتروني آخر تشتري منه ما تريد.[51]

صوّر ماركس وإنجلز التاريخ بوصفه حصيلة صراع جدلي متواصل بين «علاقات الإنتاج الاجتماعية» المتأخرة و«الوسائل المُنتَجة لإنتاج السلع» الآخذة في التطور. ويضيف رأس المال السحابي إلى ذلك تناقضاً جدلياً آخر تتسارع وتيرته وتشتد قوته بفعل الذكاء الاصطناعي. فمن جهة، تنشأ «علاقات اجتماعية اصطناعية للاستهلاك» بين البشر ورأس المال السحابي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، أي «الوسائل المُنتَجة لتعديل السلوك»، ومن جهة أخرى تقف هذه الوسائل نفسها وقد باتت مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وكلما تطورت الأخيرة بوتيرة أسرع من الأولى، تعرّض مجالنا المشترك لضغوط غير مسبوقة، وتكررت التصدعات وازدادت عمقاً.

يبقى العمل البشري القوة الوحيدة المُنتِجة للقيمة، غير أن العلاقات الاجتماعية للإنتاج، وللاستهلاك الآن أيضاً، تقع على نحو متزايد تحت هيمنة آلات غير منتجة، هي «رأس المال السحابي المدعوم بالذكاء الاصطناعي». ويقود تطورها على المدى الطويل إلى تقلّص الأرباح والريوع السحابية معاً.[52] فكيف يستجيب رأس المال لأزمات تحقق القيمة الآخذة في الاحتدام؟

بعد أن أتم ماركس تحليله للأسباب التي تجعل الرأسمالية في صورتها الأكثر تجريداً ونقاءً مثقلة بالتناقضات وعرضة للأزمات، اتجه خلفاؤه بعد وقت قصير إلى بحث الدلالات العملية لهذا التحليل. كيف استجابت الرأسمالية لتناقضاتها البنيوية؟ رأوا أن استجابتها اتخذت ثلاثة مسارات هي صعود رأس المال المالي وأمولة المجتمع[53]، والإمبريالية[54]، وأيديولوجيات ملائمة مثل النيوليبرالية التي تضفي الشرعية على تحركات الطبقة الحاكمة العنيفة لاستعادة ما فقدته من مواقع.[55]

كان لصعود رأس المال السحابي واشتداد التناقضات التي أحدثها أثرٌ عميق بالفعل في التمويل والجيوسياسة والحرب والأيديولوجيا. ومع اندماج رأس المال السحابي بالتمويل التقليدي في ما أسميه «التمويل السحابي»، أشعل الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، مما جعل الإمبريالية تتخذ منحىً جديداً.[56] وفي الآونة الأخيرة، غدا التمويل السحابي، مدفوعاً بـ«قانون جينيوس» الذي تبنّاه دونالد ترامب، محورياً في الخصخصة التدريجية للدولار من خلال العملات المستقرة التي تمنح شركات التكنولوجيا الكبرى سلطات كانت حكراً على البنوك المركزية.[57]

في ساحات القتال أيضاً، يراكم رأس المال السحابي قدرات جديدة، فيما تتعلم خوارزمياته فهم البشر والتلاعب بهم بسرعة خاطفة.[58] فأنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي بلغت بالموت والدمار في غزة أقصى مداهما تصقل قدرة «أمازون» و«غوغل» و«ميتا» على دفعنا إلى الشراء وتسميم نقاشاتنا على منصة «إكس» وإحكام السيطرة على البروليتاريين الذين يتزايد تجريدهم من ممتلكاتهم وعلى الممرضين والسائقين وعمّال المستودعات. وهي تعزز كذلك رأس المال السحابي الذي تبيعه «بالانتير» و«أوراكل» لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

وعلى الجبهة الأيديولوجية، يولّد رأس المال السحابي، مثلما ولّدت الأمولة النيوليبرالية، عقيدةً جديدة هي «مذهب أسياد التكنولوجيا» (Techlordism). وهو تحوّر من النزعة العابرة للإنسانية يزيح «الإنسان الاقتصادي» من قلب النيوليبرالية، ليحلّ محلّه متصلٌ بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أطلقت عليه اسم «الإنساصطناعي» (HumAIn)[59]. وينتج من ذلك غطاء أيديولوجي يغلّف المجال المتوسّع لرأس المال السحابي من ثلاثة أوجه. أولاً، يبرّر هذا المذهب الإحلال الشامل للآلات التي تستخلص الريع السحابي محلّ العمل البشري المنتج للقيمة. ثانياً، يمهّد للاندماج الكامل لشركات التكنولوجيا الكبرى في مؤسسات الدولة، من البنتاغون وصولاً إلى آخر وكالة اتحادية أو تابعة لإحدى الولايات.[60] ثالثاً، يقدّم للتمويل السحابي سرديةً تسند مشروعه للسيطرة على البنوك المركزية.

من الواضح أن التطورات الموصوفة آنفاً ستمنح النظام الإقطاعي التكنولوجي الجديد فسحةً من الوقت، مثلما خفّفت الإمبريالية والحروب والأمولة والنيوليبرالية من حدّة تناقضات الرأسمالية الداخلية وأكسبتها قرناً من الهيمنة، على الرغم من الأزمات الحادة التي استشرفها ماركس ببصيرة نافذة. لكن مثلما منحت أمولة الثمانينيات والتسعينيات الرأسمالية بضعة عقود من النمو السريع، وكان ثمن ذلك زلزال عام 2008، تمنح هذه التطورات، من التمويل السحابي والحرب الباردة الجديدة إلى مذهب أسياد التكنولوجيا وغيرها، هذا النظام الجديد مزيداً من الوقت، بثمن أزمات مقبلة يتعاظم حجمها أُسياً مع كل توسّع في مجال رأس المال السحابي.

وفي انتظار أن تتّضح مآلات هذه القوى، ليس من السابق لأوانه تبيّن ظاهرة بالغة الأهمية لنا، نحن الذين نفهم العالم من منظور المادية التاريخية. ويولي التحليل الماركسي أهميةً كبيرة للكيفية التي فصل بها تراكم رأس المال، في إطار نمط الإنتاج البرجوازي، السلطة السياسية عن السلطة الاقتصادية (Wood, 1999, 2003)[61]. وفي أعقاب موجة الأمولة التي أطلقتها صدمة نيكسون في أوائل السبعينيات[62]، انقسم مجال السلطة الاقتصادية نفسه إلى مجالين منفصلين، أحدهما صناعي والآخر مالي. فماذا يحدث الآن؟

من اللافت أن رأس المال السحابي يعيد الآن دمج المجالات الثلاثة جميعاً، ويضمّ إليها مجال سلطة الدولة. وقد أخذ ما وصفه غالبريث[63] بـ«البنية التقنية»، أي الطبقة المهنية الموحّدة التي تدير الدولة و«وول ستريت» ورأس المال الاحتكاري في آن واحد، يتوارى أمام طبقة حاكمة سحابوية، أو إقطاعية تكنولوجية، تتعاظم هيمنتها وتجمع في أيدي مالكي رأس المال السحابي السلطات المالية والصناعية والسياسية والثقافية وسلطة الدولة. غير أن التناقض الجدلي المركزي لطبقتنا الحاكمة الجديدة يكمن في أنها كلما نجحت في تركيز كل سلطة ذات شأن بين يديها، قوّضت نفسها أكثر على المدى الطويل، مطلقةً بذلك دينامية تنذر بانهيار النظام.

9. ما وراء النظرية: كيف نغيّر العالم؟

يرى منتقدو فرضيتي عن الإقطاع التكنولوجي أن ماركس كان سيلقي نظرة واحدة على شركات التكنولوجيا الكبرى ويدرك فوراً أنها شركات رأسمالية. وبالطبع كان سيفعل، كما نفعل جميعاً! لكنه كان سيميز أيضاً خصوصية حاسمة لهذه الشركات، هي قوة جديدة ناشئة من تحوّر رأس المال إلى رأس مال سحابي غير منتِج وفق مصطلحات التحليل الماركسي. ومع ذلك، فهو بالغ القوة إلى حد يمنح مالكيه قدرة غير مسبوقة على تحقيق الحلم الأسمى لكل رأسمالي، أي إحلال إقطاعيات يملكونها بالكامل محل الأسواق، وحبس الرأسماليين الآخرين والمستهلكين داخلها، وفرض ريوع سحابية عليهم جميعاً.[64]

هذا هو التناقض المادي الجدلي الكامن في صميم فرضية الإقطاع التكنولوجي. فمن خلال تمكين حفنة صغيرة من الرأسماليين من استبدال الأسواق بإقطاعيات سحابية شبيهة بالأسواق، وامتصاص الأرباح في صورة ريوع سحابية، يهدم تحوّر رأس المال ركيزتي الرأسمالية: الأسواق والأرباح. وإلى جانب هيمنته على علاقات الإنتاج الاجتماعية، بات رأس المال يهيمن أيضاً على العلاقات الاجتماعية لأوقات الفراغ والاستهلاك بطرائق تقوّض ما افترضنا أن الرأسمالية تمثله[65]: نمط إنتاج تشكّل فيه الأرباح المحرّك الرئيس لتراكم الثروة، ويمر فيه النشاط الاقتصادي كله عبر الأسواق. والنتيجة ليست ارتداداً إلى النمط الاجتماعي والاقتصادي الذي نشأت منه الرأسمالية، أي الإقطاع، بل عالماً عالي التقنية يتخلى فيه رأس المال عن الأسواق ويفرّط في الأرباح كي يحقق سلطة استبدادية لا يحدّ منها سوى أثرها المثبّط في توليد فائض القيمة.

اعترض بعض النقاد بأنني حين أقول إن ما هو أسوأ من الرأسمالية بات يحيط بنا، أبرّئ الرأسمالية وأخدم أجندة الدعائيين البرجوازيين الذين يروّجون للعودة إلى رأسمالية خالصة متخيّلة.[66] وهذا خوف مفهوم، لكنه في غير محله. فكما تبين الصفحات السابقة، ترتكز فرضية الإقطاع التكنولوجي على التقليد الماركسي الذي يصوّر الرأسمالية بوصفها نظاماً بالغ اللاعقلانية، ومن ثم ظالماً، حتى في أنقى صورها. وإضافة إلى ذلك، يظهر رأس المال السحابي بوصفه تحوّراً تنبع أسبابه ومنطقه من داخل الرأسمالية، لا انحرافاً عن رأسمالية خالصة كان يمكن تجنبه بطريقة ما أو التراجع عن استحداثه أو عكس مساره.

يؤدي عملنا، غير المأجور في معظمه، دوراً لم تعرفه الرأسمالية من قبل: فهو يغذّي تراكم رأس المال السحابي غير المنتج، ويفاقم ميل معدل الربح إلى الانخفاض، ومن ثم يعجّل بالأزمة المقبلة

وكما أن البطالة والركود والأزمات المدمرة ليست أعطالاً في الرأسمالية، بل خصائص مدمجة في تصميمها، فقد أدّى ظهور القسم الإقطاعي التكنولوجي، المبين في الأقسام من الرابع إلى السابع، وظيفةً لصالح الرأسمالية. ولم يكن من الممكن منع ظهوره إلا بالتحول الاشتراكي للمجتمع، وهو التحول الذي استخدمت القوى الرأسمالية أقصى درجات العنف لإحباطه.[67] ومن هذا المنظور، لا تضلّل فرضية الإقطاع التكنولوجي اليسار الماركسي استراتيجياً، بل تقدم لنا حججاً جديدة وقوية تؤيد التحول الاشتراكي، وهو البديل الوحيد للانهيار المجتمعي والبيئي.

تتمثل إحدى هذه الحجج في أن رأس المال الخاص بات يتعارض مع الملكية الخاصة، باستثناء ملكية حفنة صغيرة من أسياد التكنولوجيا. فبعد قرنين من التخويف بأن الاشتراكية تسعى إلى تحويل ما تبقّى للطبقة الوسطى من ممتلكات إلى ملكية جماعية، بات رأس المال السحابي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يحوّل كل ما تنتجه عقولنا، حتى هوياتنا السمعية والبصرية، إلى ملكية جماعية واقعة تحت سيطرته. ومع تزايد الأدلة على عجز الدولة البرجوازية عن تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى بفاعلية، بات الدفاع عن حجتنا الماركسية الراسخة أسهل من أي وقت مضى، وهي أن إعادة مواءمة قدراتنا التكنولوجية مع مصلحة نوعنا البشري تقتضي إخضاع وسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل والتواصل للملكية الاجتماعية، أي مخزون المجتمع من رأس المال التقليدي والسحابي معاً.

مع ذلك، أتفهّم مدى تعارض فرضية الإقطاع التكنولوجي مع طريقة تفكير كثير من الماركسيين. وكان أكثر الاعتراضات تأثيراً فيّ ما قاله لي، في حديث خاص، اقتصادي ماركسي رفض أن يتخلى عن فكرة أن أمثالنا جاؤوا إلى هذا العالم لإسقاط الرأسمالية. وسألني بابتسامة مريرة: «إذا كان رأس المال قد فعل ذلك من دوننا، فما غايتنا في الحياة؟». تعاطفت معه، فأنا أيضاً نشأت على أمل أن ننال، نحن اليسار، شرف إسقاط الرأسمالية، وأن يكون النمط الاجتماعي الاقتصادي التالي نمطاً اشتراكياً نبنيه نحن، لا نمطاً إقطاعياً تكنولوجياً فرضته شركات التكنولوجيا الكبرى. لكنني تذكرت عندئذ صياغة روزا لوكسمبورغ الحاسمة: «الاشتراكية أو البربرية».[68] فبطرحها هذا البديل، كانت تحذّرنا من أن الاشتراكية ليست حتمية، وأن البربرية احتمال آخر وارد فعلاً. وفي زمنها، سادت البربرية متجسدةً في الفاشية. أما فاشية اليوم فتستمد زخمها من الإقطاع التكنولوجي ومن أيديولوجيا «مذهب أسياد التكنولوجيا» التي تتبناها شركات التكنولوجيا الكبرى.

وحين ننتقل من «تفسير العالم» إلى ما ينبغي فعله لتغييره[69]، يظهر اعتراض آخر على قولي إن تنظيم عمّال صناعة السيارات والممرضين والمعلمين وعمّال المناجم لم يعد كافياً في عصر الإقطاع التكنولوجي، وأن من الضروري تشكيل جبهة موحدة تضم البروليتاريين التقليديين والبروليتاريين السحابيين والأقنان السحابيين، وحتى بعض الرأسماليين الصغار التابعين المهددين بالإفلاس تحت هيمنة رأس المال السحابي.[70] وهذا، بالطبع، اقتراح خلافي ينبغي للماركسيين تمحيصه. لكن القضية قطعاً ليست جديدة، فقد ناقش الثوريون بحماسة منذ زمن ماركس أفضل تحالف ممكن بين العمّال المأجورين والفلاحين والبرجوازية الصغيرة.[71]

إذا كانت النقاشات السابقة حول التحالفات الأقدر على خدمة هدف إسقاط طغيان رأس المال قد جرت ضمن الإطار الماركسي، فإن البحث اليوم في إمكان تنظيم الأقنان السحابيين أو ضرورة ذلك، وكذلك في ضرورة استمالة الرأسماليين التابعين، ينبغي أن يجري ضمن الإطار نفسه. وخلاصة القول إن التعامي عن المنعطف الإقطاعي التكنولوجي في تراكم رأس المال والسلطة السياسية يؤدي إلى تقويض التقليد الماركسي، لا إلى صونه.[72]

10. الخاتمة: ما أهمية الكلمة؟

منذ نشأة الرأسمالية، ارتكزت على عمل مأجور ينتج في مواقع العمل قيمة تتجاوز الأجور المدفوعة للعمّال، فينشأ عن الفارق فائض القيمة. وكان العمل المنزلي غير المأجور بدوره أساسياً في دعم تراكم رأس المال بصورة غير مباشرة.[73] ومن خلال إبرازها دوراً جديداً للعمل غير المأجور خارج مواقع العمل التقليدية، تكشف فرضية الإقطاع التكنولوجي تحولاً جوهرياً في علاقات الإنتاج والاستهلاك الاجتماعية، إذ بات العمل غير المأجور خارج مواقع العمل التقليدية يعيد مباشرة إنتاج رأس المال السحابي. وهذا شكل من رأس المال لا يولّد أرباحاً، بل قوة تتيح استخلاص الريوع من فائض القيمة.

يجنّد رأس المال السحابي جماهير من مختلف الطبقات لتعمل «طوعاً» على توسيع قدرته على استخلاص ريوع سحابية تتضخم على حساب الأرباح الرأسمالية وأجور العمّال. ويرفع عملنا غير المأجور داخل الإقطاعيات السحابية لشركات التكنولوجيا الكبرى الكلفة الاقتصادية للانتقال إلى منصات أخرى، ويزيد كلفته العاطفية باطراد، فتعلو الأسوار من حولنا أكثر فأكثر. ومع تراكم هذا الرأس المال السحابي المستحدث وغير المنتِج، يعجّل عملنا غير المأجور بانخفاض معدل الربح ويفاقم في الوقت نفسه أزمة النظام.

سواء اعتبرنا هذا التحول قطيعة جذرية مع الرأسمالية أو امتداداً لمجالها، فتلك مسألة تقدير لا حساب. أما ما لا خلاف عليه فهو أن واجب التحليل الماركسي أن يأخذ هذا التطور الجذري مأخذ الجد. وهنا أصل إلى السؤال الأخير: ما أهمية الكلمة؟ هل نظل نسمي هذا النظام رأسمالية، أم ينبغي للماركسيين أن يطلقوا عليه اسماً آخر مثل «السحابوية» أو «الإقطاع التكنولوجي»؟ وهل يهم حقاً أي اسم نطلقه عليه؟

لا بد أن يتفق الماركسيون على أننا نشهد تحولاً جديداً وخطيراً. أما ما إذا كان هذا التحول يجري داخل الرأسمالية، كما يقول منتقديّ[74]، أو يتجاوزها، كما أزعم، فتلك مسألة أخرى. وقبل البت فيها، أو حتى الاتفاق على الاختلاف بشأنها، يحسن بنا أن نتذكر أن الرأسمالية اشتملت دائماً على قسم غير رأسمالي يستخلص الريع (القسم الثاني).

يصبح السؤال إذاً: هل عالم رأس المال السحابي، أي القسم الإقطاعي التكنولوجي الوارد في القسم السابع، مجرد ملحق بالمكوّن الإقطاعي الموجود أصلاً في الرأسمالية؟ أم أنه أخضع القسم الرأسمالي في الاقتصاد إلى حد يبرر القول إن الطفيلي استولى على عائله؟[75] وهل ظهرت في ركاب رأس المال السحابي طبقة حاكمة جديدة، هي السحابويون أو أسياد التكنولوجيا، وفرضت هيمنتها؟ وهل ريوعها السحابية مجرد فقاعات عديمة الأثر في الاقتصاد الكلي تطفو على سيل من الأرباح الرأسمالية، أم أن الأرباح الرأسمالية تتحول باطراد إلى فقاعات من الزبد فوق دوامة من الريوع السحابية؟

تنطوي هذه الأسئلة على بُعد تجريبي وآخر تحليلي. ويصعب حسم الأول، إذ تعذّر منذ بدايات الرأسمالية فصل الأرباح عن الريوع في البيانات الفعلية. ويزداد ذلك صعوبة اليوم بالنظر إلى الطبيعة المزدوجة للتقنيات الرقمية المعنية.[76] ومع ذلك، قد لا يكون البعد التجريبي هو ما يحسم المسألة.

في سبعينيات القرن الثامن عشر، احتفى آدم سميث بميلاد المجتمع التجاري ورأى فيه «نظام الحرية الطبيعية»، وهما تعبيران استخدمهما للدلالة على الرأسمالية. وكان القطاع الإقطاعي آنذاك يطغى على القطاع الرأسمالي المحدود نسبياً في بريطانيا، لكن ذلك لم يمنع سميث من إعلان تحول عظيم. وحتى في أربعينيات القرن التاسع عشر وخمسينياته، حين كان ماركس وإنجلز يكتبان، ظل ممكناً القول إن القطاع الرأسمالي أصغر من القطاع الإقطاعي، ولا سيما إذا نظرنا إلى أوروبا كلها حيث لم تكن الرأسمالية قد ضربت جذورها بعد. وفي هذا المعنى، كان يمكن لسميث وريكاردو وماركس وإنجلز أن يسموا العصر الجديد، على نحو يمكن الدفاع عنه، «إقطاعاً صناعياً» أو «إقطاعاً سوقياً». لكن اختيارهم اسم الرأسمالية هو ما أتاح لمعاصريهم أن يدركوا اتساع التحول الذي كان يتشكل أمامهم.[77]

إذاً، للكلمات شأنها. الخيار الأكثر أماناً اليوم هو أن نواصل اعتبار التحول السحابوي تحولاً داخل الرأسمالية. ويمكننا أن نختار الخيار الأكثر إثارة للخلاف، فنهزّ مخيلتنا الجمعية بمصطلح جديد مثل «السحابوية» أو «الإقطاع التكنولوجي» يبرز جذرية التحول الجاري.[78] ولكل من الخيارين سند داخل التقليد الماركسي، ولا يستحق أي منهما أن يتحول إلى ذريعة لعداء لا لزوم له.[79] فالمنظوران، في الحقيقة، يهيئان أرضاً خصبة لتركيب جدلي ينهض بالتحليل والممارسة الماركسية.[80]

ينطلق الجدل من إدراك أن الواقع لا يتسم بالانسجام أو التجانس، وإنما يتأسس على التناقض. وكما أوضح برتولت بريخت[81]، لا يكمن جوهر الدراما الحقيقية في نزاع بين أشخاص يختلفون حول مسائل معينة، وإنما في تعايش شيئين يُفترض ألا يتمكنا من الوجود معاً. وينطبق الأمر نفسه على نمط الإنتاج البرجوازي الراهن، إذ يجمع بين الرأسمالية والإقطاع التكنولوجي، كما جمع في زمن التحول الكبير الأول بين الإقطاع والرأسمالية.[82]

جوهر الجدل الماركسي أن نبصر هذا التعايش المحيّر والعصي على الفهم، وأن نلمح فيه إمكان تجاوز هذا التناقض جذرياً بالتحول الاشتراكي. لكن لا بد أولاً من رؤية التناقض والاعتراف به. وحين نفعل، تغدو الإمكانات التحررية والثورية الكامنة في حلّه بلا حدود.

 الملحق

الديناميات المتشابكة لتراكم رأس المال ورأس المال السحابي. فرضية ماركس عن ميل معدل الربح إلى الانخفاض، بعد أن أضيفت إليها فرضية ميل معدل استخلاص الريع السحابي إلى الانخفاض

في كل قطاع ‎i‎، يُعرَّف معدل الربح بـ ‎πi = Πi/(Ci+Vi)‎، ويُعرَّف معدل استغلال العمل بـ ‎εi = Si/Vi‎، حيث:

— ‎Πi‎ تمثل إجمالي الأرباح في القطاع ‎i‎،

— ‎Ci‎ هو الإنفاق على السلع الرأسمالية في القطاع ‎i‎، أي الاستثمار في الآلات المنتجة،

— ‎Vi‎ هو إنفاقه على العمل، أي فاتورة الأجور، و

— ‎Si‎ هو فائض القيمة، بعد خصم مدفوعات الريع والفائدة، المستخلص من العمل في القطاع ‎i‎، وينشأ من دفع أجر للعمّال لقاء قيمة وقتهم ومهاراتهم، لا لقاء القيمة التي يضيفونها فعلاً، بعملهم، إلى السلعة النهائية.

يمكن الآن أن نبيّن ببساطة أن:

‎πi = εi μi = εi(1 − ki) … (1)‎

— ‎μi‎ هي نسبة الإنفاق على الأجور إلى إجمالي الإنفاق على الآلات والعمل [‎μi = Vi/(Ci+Vi)‎]، و

— ‎ki‎ هو تعريف ماركس للتركيب العضوي لرأس المال في القطاع، وهو مقياس لكثافة رأس المال يُحتسب بوصفه نسبة الإنفاق على الآلات المنتجة، أي السلع الرأسمالية، إلى إجمالي الإنفاق على الآلات والعمل [‎ki = Ci/(Ci+Vi)‎].

برهان المعادلة (1): بافتراض، كما يفعل ماركس، أن المنافسة تحصر إجمالي الأرباح (‎Πi‎) في إجمالي فائض القيمة المتبقي للرأسماليين بعد سداد الريع والفائدة، تُستنتج المعادلة (1) على النحو الآتي:

‎πi = Πi/(Ci+Vi) = Si/(Ci+Vi) = (Si/Vi) × (Vi/(Ci+Vi)) = (Si/Vi) × [1 − (Ci/(Ci+Vi))]‎

مشكلة التحويل وحلّها

افترض ماركس في البداية، في المجلد الأول من رأس المال، أن معدلات الربح ومعدلات استغلال العمل ينبغي أن تتعادل، كلتاهما، في جميع قطاعات الاقتصاد الرأسمالي، أي ‎πi = πj‎ و‎εi = εj‎. لكن حين يختلف التركيب العضوي لرأس المال ‎ki‎، أي كثافة رأس المال، بين القطاعات، فإن معدلات الربح ‎πi‎ أو معدلات الاستغلال ‎εi‎ هي التي تتعادل، لا الاثنتان معاً. وقد أفضت هذه الملاحظة إلى «مشكلة التحويل» الشهيرة.

غير أنها لا تُعدّ مشكلة، كما يبيّن المجلد الثالث من رأس المال، إذا قبلنا إما بأن فائض القيمة المتولد في قطاع يستولي عليه قطاع آخر، كما يحدث مثلاً بفعل القوة الاحتكارية أو، في تحليلي، عبر الريوع السحابية التي يستخلصها رأس المال السحابي، أو بأن عمليتي التعادل تعملان جنباً إلى جنب فيما يظل النظام في حركة دائمة، كما سنرى أدناه. ولمزيد من البحث في مشكلة التحويل، انظر.ي الفصل الخامس من كتابنا الاقتصاد السياسي الحديث.[83]

برهان على الانتقال الدائم للعمل ورأس المال

إذا كان قطاع الآلات أكثر اعتماداً على رأس المال من قطاع السلع الاستهلاكية، أي ‎kM > kC‎، وكان معدل الاستغلال متماثلاً في القطاعين، أي ‎εM = εC‎، فإن معدل الربح يكون أدنى في قطاع الآلات، ولذلك ينتقل رأس المال من قطاع الآلات إلى قطاع السلع الاستهلاكية. لكن لأن هذا الانتقال الرأسمالي يميل إلى تعادل معدلات الربح، تتباعد معدلات الاستغلال، مع تزايد استغلال العمل في قطاع الآلات.

ونتيجةً لذلك، ينتقل العمل الآن إلى قطاع السلع الاستهلاكية. لكن مع انتقاله، ينخفض معدل الاستغلال في هذا القطاع، وينخفض معه، وفق المعادلة (1)، معدل الربح في قطاع السلع الاستهلاكية، مما يدفع رأس المال إلى العودة إلى قطاع الآلات. وهكذا دواليك.

ينطلق التحليل هنا من النموذج الماركسي الأصلي المبين أعلاه، قبل إدخال فرضية الإقطاع التكنولوجي القائلة إن رأس المال السحابي يمكّن مالكيه من استخلاص ريوع سحابية ‎R‎ من فائض القيمة في قطاع السلع الاستهلاكية. وبذلك تصبح المعادلة (1):

‎πC = (εC − r)(1 − kC) … (2)‎

حيث إن ‎r = R/VC‎ هي نسبة الريوع السحابية إلى إجمالي أجور العمّال في قطاع السلع الاستهلاكية.

وفي الوقت نفسه، يبقى معدل الربح في قطاع الآلات كما هو:

‎πM = εM(1 − kM) … (3)‎

وبافتراض، مرة أخرى، أن قطاع الآلات أكثر اعتماداً على رأس المال من قطاع السلع الاستهلاكية، أي ‎kM>kC‎، ينتقل رأس المال من قطاع السلع الاستهلاكية إلى قطاع الآلات، فيدفع ‎πM‎ و‎πC‎ إلى الاقتراب من بعضهما. وبمساواة المعادلتين (2) و(3)، وحلّها لإيجاد ‎r‎، نجد مستوى ‎r‎، ولنسمّه ‎r*‎، الذي تتعادل عنده معدلات الربح داخل القسم الإنتاجي:

‎r* = [εC(1 − kC) − εM(1 − kM)]/(1 − kC) … (4)‎

لكن مع ارتفاع ‎r‎ واقترابه من ذلك المستوى، أي ‎r*‎، يتجاوز معدل الاستغلال في قطاع السلع الاستهلاكية نظيره في قطاع الآلات، ولذلك يميل العمل إلى مغادرة هذا القطاع الأخير إلى القطاع الأول.

ويخلّ انتقال العمل هذا بتعادل معدلات الربح، فيدفع الربحية في قطاع السلع الاستهلاكية إلى ما دون مستواها في قطاع الآلات، ويؤدي مرة أخرى إلى انتقال رأس المال نحو قطاع الآلات. وهكذا دواليك.

التحليل الدينامي

يستعير التحليل الآتي من غودوين[84] فكرة استخدام منظومة من معادلتين تفاضليتين لالتقاط تحليل ماركس الدينامي.

لنفترض أن معدل استخلاص الريع السحابي ‎ρ‎ يُعرَّف بوصفه نسبة إجمالي الريوع السحابية إلى إجمالي الإنفاق في القسم الإقطاعي التكنولوجي، أي ‎ρ = R/(CT+VT)‎، حيث يمثّل ‎CT‎ و‎VT‎، على التوالي، الإنفاق على رأس المال السحابي والعمل المأجور في القسم الإقطاعي التكنولوجي. ولنفترض الآن أن ‎ρ*‎ تمثل عتبة معدل استخلاص الريع السحابي، بحيث ترتفع الربحية ‎π‎ في القسم الإنتاجي عندما يتجاوز ‎ρ‎ هذه العتبة. عندئذ تُصاغ الدينامية الإقطاعية التكنولوجية على النحو الآتي:

— إذا كان ‎ρ > ρ*‎، فإن ‎π‎ يرتفع، والعكس صحيح.

ويمكن التعبير عن هذه الدينامية بأبسط صورة في المعادلة التفاضلية الخطية الآتية:

‎dπ/dt = α(ρ − ρ*) … (5)‎

حيث إن ‎α‎ ثابت موجب يعبّر عن سرعة استجابة الربحية في القسم الإنتاجي للتغيرات في معدل استخلاص الريع السحابي في القسم الإقطاعي التكنولوجي.

ولنفترض الآن أنه حين تتجاوز الربحية ‎π‎ عتبةً معينة، هي ‎π*‎، ينخفض معدل استخلاص الريع السحابي ‎ρ‎، أي نسبة إجمالي الريوع السحابية إلى إجمالي الإنفاق في القسم الإقطاعي التكنولوجي. وباختصار:

— إذا كان ‎π> π*‎، فإن ‎ρ‎ ينخفض، والعكس صحيح.

وتُصاغ هذه الدينامية الثانية في المعادلة التفاضلية الخطية الآتية، أي المعادلة (6):

‎dρ/dt = β(π* − π) … (6)‎

حيث إن ‎β‎ ثابت موجب يعبّر عن سرعة استجابة معدل استخلاص الريع السحابي في القسم الإقطاعي التكنولوجي للتغيرات في ربحية القسم الإنتاجي.

ولمعرفة كيف تفضي هذه المنظومة إلى المراحل الأربع المبينة في المتن، نرسم المعادلتين (5) و(6) على المستوى ‎(ρ، π)‎. ونلاحظ أن معدل استخلاص الريع السحابي ‎ρ‎ ينخفض عندما يتجاوز معدل الربح ‎π‎ عتبته ‎π*‎، ويرتفع حين يهبط دونه، فيما ينخفض معدل الربح ‎π‎ عندما يكون ‎ρ‎ أدنى من عتبته ‎ρ*‎. وتنتج من هاتين النزعتين، أي الدينامية الإقطاعية التكنولوجية والدينامية الإنتاجية، خريطة المراحل في الشكل الآتي.

Techno-feudalism

 ينبغي هنا تسجيل تحفّظ مهم. فبينما يستطيع رأس المال الانتقال بقدر كبير من الحرية بين القطاعات المختلفة للقسم الإنتاجي في الاقتصاد، لا يصحّ الأمر نفسه بالضرورة في الانتقال بين القسم الإنتاجي والقسم الإقطاعي التكنولوجي. وبفعل تأثيرات الشبكة والحاجة إلى استقطاب ملايين المستخدمين بوصفهم أقناناً سحابيين، تفوق التكاليف الثابتة لبناء الإقطاعيات السحابية بأشواط ما كانت تتطلبه حتى إقامة شبكة كهرباء. وبعبارة أخرى، قد يجد الداخلون الثاني والثالث إلى هذا المجال أنهم مضطرون إلى استثمار مبالغ تفوق، مرات عدة، ما استثمره المبادرون الأوائل قبل أن يتمكنوا من جني ريوع سحابية كبيرة. ولهذا كان إيلون ماسك حريصاً على شراء «تويتر» بدلاً من محاولة بناء إقطاعية سحابية من الصفر، (انظر.ي الفصل الخامس من كتابي «الإقطاع التكنولوجي»).

انخفاض معدل استخلاص الريع السحابي

مع تراكم رأس المال السحابي وانخفاض الإنفاق على العمل المأجور في القسم الإقطاعي التكنولوجي في الوقت نفسه، بفعل الغلبة المتزايدة للعمل غير المأجور الذي يستقطبه رأس المال السحابي، تنخفض العتبتان ‎ρ*‎ و‎π*‎ في المعادلتين (5) و(6). ومع انخفاضهما، تتحرك دورات النظام نحو الأسفل، متجهةً إلى نقطة الأصل في الشكل التالي. وعليه، لا يتسق هذا التحليل مع فرضية ماركس الأصلية القائلة إن معدل الربح يميل إلى الانخفاض فحسب، بل يشير أيضاً إلى انخفاض طويل الأمد في معدل استخلاص الريع السحابي.

الفرضية الأولى: مع تراكم رأس المال السحابي، تنخفض أيضاً عتبة معدل الربح (‎π*‎) التي يبدأ معدل استخلاص الريع (‎ρ‎) بالانخفاض عند تجاوزها.

Techno-feudalism

يكون معدل استخلاص الريع السحابي ‎ρ‎ دالةً متزايدة في مخزون رأس المال السحابي في القسم الإقطاعي التكنولوجي (‎CT‎) إذا، وفقط إذا، كان التركيب العضوي لرأس المال السحابي (‎γ‎) أقلّ من استجابة إجمالي الريوع السحابية للتغيرات في مخزون رأس المال السحابي (‎η‎). ومع تراكم رأس المال السحابي، أي مع ارتفاع ‎CT‎، تنخفض العتبة ‎ρ*‎.

البرهان: يُعرَّف معدل استخلاص الريع السحابي على النحو الآتي:

‎ρ = R/(CT+VT)‎

ويُحدَّد معدل تغيره بالمعادلة (7):

‎∂ρ/∂CT = [((CT+VT) × ∂R/∂CT) − R]/(CT+VT)² … (7)‎

ويسهل الآن بيان أن شرط ‎∂ρ/∂CT>0‎ هو أن ‎γ<η‎، حيث:

— ‎γ=CT/(CT+VT)‎ هو التركيب العضوي لرأس المال السحابي، أي نسبة الإنفاق على رأس المال السحابي إلى مجموع الإنفاق في القسم الإقطاعي التكنولوجي،

— ‎η=(∂R×CT/(∂CT×R))‎ هي نسبة معدل التغير النسبي في إجمالي الريوع السحابية إلى معدل التغير النسبي في مخزون رأس المال السحابي.

وبعبارة أخرى، فإن استقرار معدل استخلاص الريع السحابي، أي ‎π=π*‎، يقتضي أن ‎γ=η‎. غير أن طبيعة رأس المال السحابي تقتضي أن ينخفض إنفاق مالكيه على العمل المأجور، أي ‎VT‎، مع نمو مخزونه، أي ارتفاع ‎CT‎، عند أي مستوى معيّن من الريوع السحابية (‎R‎). وهذا يعني أن ‎γ‎ و‎η‎ ترتفعان معاً على المدى الطويل استجابةً للانخفاض طويل الأمد في ‎VT‎. ونتيجةً لذلك، لا بد أن تنخفض عتبة الربحية التي يستقر عندها ‎ρ‎، أي ‎π*‎. وهذا ما أردنا إثباته.

التفسير: مع تراكم رأس المال السحابي (‎CT‎)، يرتفع تركيبه العضوي (‎γ‎). وعندما تكون الربحية منخفضة، أي ‎π<π*‎، يكون ‎γ<η‎، ولذلك يرتفع ‎ρ‎ مع تراكم رأس المال السحابي. لكن عندما تتجاوز الربحية مستوىً معيناً في القسم الإنتاجي للاقتصاد، يصبح ‎γ>η‎: أي إن التركيب العضوي لرأس المال السحابي يتجاوز استجابة إجمالي الريوع السحابية للزيادات في مخزونه. وعندئذ يؤدي تراكم رأس المال السحابي إلى انخفاض ‎ρ‎، أي معدل استخلاص الريع السحابي. وهذه هي النقطة التي تتساوى عندها الربحية في القسم الإنتاجي مع عتبتها ‎π*‎. ومع تراكم رأس المال السحابي ونمو ‎γ‎ و‎η‎ معاً، لا بد أن تنخفض عتبة الربحية ‎π*‎ التي يستقر عندها معدل استخلاص الريع السحابي، أي حين يكون ‎dρ/dt=0‎.

الفرضية الثانية: تنخفض أيضاً، مع تراكم رأس المال السحابي، عتبة معدل استخلاص الريع (‎ρ*‎) التي يبدأ معدل الربح بالارتفاع عند تجاوزها.

مع ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال المنتج (‎kC‎ و‎kM‎) على المدى الطويل، وعند كل مستوى من الإنفاق على رأس المال السحابي (‎CT‎)، لا بد أن تنخفض عتبة معدل استخلاص الريع السحابي التي تبدأ الربحية بالارتفاع عند تجاوزها، أي ‎ρ*‎. وبعبارة أخرى، فإن عتبة معدل استخلاص الريع السحابي ‎ρ*‎، التي إذا تجاوزها المعدل ارتفعت الربحية في القسم الإنتاجي وتسارع من ثم تراكم رأس المال المنتج، تنخفض كلما تراكم رأس المال السحابي. وهذا ما أردنا إثباته.

أتوجّه بالشكر إلى جوليان أسانج وتوني أسبرومورغوس وكوري دوكتورو على ملاحظاتهم المفيدة. أما جميع الأخطاء، بطبيعة الحال، فمسؤوليتي.

نُشِر هذا المقال في 28 تموز/يوليو 2026 في Transform Review، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب. 

  • 1

     See, for example, Henry Snow, ‘We’re Still Living Under Capitalism, Not “Techno-Feudalism”’, Jacobin, 2023, available at: https://jacobin.com/2023/10/cloud-capitalism-technofeudalism-serfs-cloud-big-data-yanis-varoufakis; David Addison and Merle Eisenberg, ‘Capitalism Is Changing, but Not Into “Neofeudalism”’, Jacobin, 2025, available athttps://jacobin.com/2025/05/capitalism-neofeudalism-tech-medieval-history; Evgeny Morozov, ‘Le numérique nous ramène-t-il au Moyen Âge?’, Le Monde Diplomatique, August 2025, pp. 1, 8–9.

  • 2

    Daniel Schiller, Digital Capitalism, Cambridge, MA: MIT: 1999.

  • 3

    hilip Graham, ‘Hypercapitalism: A Political Economy of Informational Idealism’, New Media and Society, Vol.2, Issue 2, 2000, available at:https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/14614440022225742

  • 4

     Nicholas Gane, ‘Computerized Capitalism: The Media Theory of Jean-François Lyotard’, Information, Communication and Society, 6, 3, 2003, pp. 430–50.

  • 5

    Guy Standing The Corruption of Capitalism: Why Rentiers Thrive and Work Does Not Pay,Hull: Biteback Publishing, 2016.

  • 6

    Nick Srnicek, Platform Capitalism, Oxford: Blackwell, 2016.

  • 7

    Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, New York: Profile Books, 2024.

  • 8

     David Ricardo, On the Principles of Political Economy and Taxation, edited by Piero Sraffa, Cambridge: Cambridge University Press, 1951 [1817].

  • 9

     يعرّف الاقتصاد السائد، أو النيوكلاسيكي، الريع الاقتصادي بأنه أي مبلغ يُدفع لقاء سلعة ويتجاوز تكلفة الفرصة البديلة لتوفيرها. أما عند ديفيد ريكاردو وكارل ماركس، فيُفهم الريع المطلق، خلافاً للريع التفاضلي، بوصفه المبلغ المدفوع إلى مالكي الأراضي لقاء مجرد السماح باستعمال الأرض، والناشئ من حقوق ملكيتهم الحصرية لها. وقد رأى ماركس، على وجه الخصوص، أن ريع الأرض المطلق ينبع من أن الزراعة ذات تركيب عضوي لرأس المال أدنى من الصناعة (انظر.ي الملحق) مما يتيح بيع المنتجات الزراعية فوق سعر إنتاجها ولكن بقيمتها. ويستولي مالك الأرض على الفرق بين القيمة وسعر الإنتاج في صورة ريع. وينبثق مفهوم الريع السحابي الذي أقدمه أدناه من هذا التصور لريع الأرض المطلق، بعد تكييفه مع عالم تُفرض فيه ريوع سحابية مطلقة، خلافاً لريوع الأرض، على كل من يرغب في الدخول إلى إقطاعيات رقمية أو سحابية، مثل أمازون.

  • 10

    Paul Baran and Paul Sweezy, Monopoly Capital: An Essay on the American Economic and Social Order, New York: Modern Reader, 2016.

  • 11

    John K. Galbraith, The New Industrial State, Boston: Houghton Mifflin, 1967.

  • 12

    «لن يؤدي سعر الاحتكار لبعض السلع إلا إلى تحويل جزء من ربح منتجي السلع الآخرين إلى السلع ذات سعر الاحتكار… وفي هذه الحالة، يُدفع سعر الاحتكار باقتطاع من الأجور الحقيقية، أي كمية القيم الاستعمالية التي يتلقاها العامل لقاء كمية العمل نفسها، ومن أرباح الرأسماليين الآخرين»: كارل ماركس، «رأس المال»، المجلد الثالث، الفصل الخمسون.

  • 13

    Yanis Varoufakis, The Global Minotaur: America, Europe and the Future of the World Economy, London: Zed Books, 2011.

  • 14

     David Harvey, The New Imperialism, Oxford, Oxford University Press, 2003.

  • 15

     Robert Brenner, The Economics of Global Turbulence, London: Verso, 2006; Cédric Durand, Fictitious Capital: How Finance Is Appropriating Our Future. London: Verso, 2017.

  • 16

    Nicholas Shaxson, The Finance Curse: How Global Finance Is Making Us All Poorer, London: Bodley Head, 2018.

  • 17

    Brett Christophers, Our Lives in Their Portfolios: Why Asset Managers Own the World, London: Verso, 2023.

  • 18

    Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, op. cit.

  • 19

    Cédric Durand, How Silicon Valley Unleashed Techno-feudalism: The Making of the Digital Economy, London: Verso, 2024 (original French version in 2020); Joel Kotkin, The Coming of Neo Feudalism: A Warning to the Global Middle Class, New York: Encounter Books, 2020.

  • 20

     Duncan Foley, ‘Rethinking Financial Capitalism and the “Information” Economy’, Review of Radical Political Economics, 45: 257, 2013, available athttps://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0486613413487154.

  • 21

    .Evgeny Morozov, ‘Critique of Techno-Feudal Reason’, New Left Review, 133/134, 2022

  • 22

    يقدّم كوري دوكتورو، في مراسلات خاصة بيننا، اعتراضاً حاسماً على التصوّر البرجوازي لحقوق الملكية الفردية في البيانات الخاصة: «أظن أن هذا إطار سيئ جداً. البيانات ذات قيمة، لكنها ليست ملكية، فالناس ذوو قيمة أيضاً، ومع ذلك لسنا ملكية. من يملك حقيقة أن والدك هو والدك؟ أنت؟ هو؟ أنا؟ إذا كان والدك مسيئاً وأراد منعك من نشر حقيقة أنه والدك، فهل يملك حقاً في تقرير إمكان كشف تلك الحقيقة؟ وهل يحق لأطفالك أن يعطوا نصف حمضك النووي إلى شركة 23andMe؟ “الملكية” إطار سيئ جداً لتنظيم البيانات، والأفضل بكثير وضع حقوق البيانات ضمن أطر مثل العمل والخصوصية وما إلى ذلك».

  • 23

    Cory Doctorow, Enshittification: Why Everything Suddenly Got Worse and What To Do About It, London: Verso, 2025.

  • 24

    Yanis Varoufakis, Technofeudalism: What Killed Capitalism?, London: Bodley Head, 2023.

  • 25

    Foley, ‘Rethinking Financial Capitalism and the “Information” Economy’, art. cit.

  • 26

    Morozov, ‘Critique of Techno-Feudal Reason’, art. cit.

  • 27

    قد تكون الأسواق أقل أو أكثر تنافسية، أو احتكارية القلة، أي تضم عدداً قليلاً من البائعين وكثيراً من المشترين، أو احتكارية القلة في الشراء، أي تضم كثيراً من البائعين وعدداً قليلاً من المشترين، وقد تميل في حدّها الأقصى إلى الاحتكار، أي بائع واحد وكثير من المشترين، أو إلى احتكار الشراء، أي مشترٍ واحد وكثير من البائعين. غير أن الأسواق تذوي حين يتقلص عدد المشترين والبائعين معاً، إلى أن يقترب من واحد في كل جانب، فتغدو الحالة تفاوضاً بين طرفين أو احتكاراً ثنائياً يجمع الاحتكار واحتكار الشراء.

  • 28

    الأسواق جزء لا يتجزأ من إعادة الإنتاج الرأسمالي، فهي حلقات أساسية في دورة رأس المال، حيث تشتري النقود Mالسلع C، أي قوة العمل والسلع الرأسمالية، لتشغيل إنتاج سلع إضافية C’ يؤدي بيعها إلى مزيد من النقود M’، وهكذا دواليك: (M→C...P...C’→M’).

  • 29

    «لكي ينتج [السلع]، لا يكفي أن ينتج قيماً استعمالية، بل يجب أن ينتج قيماً استعمالية للآخرين… وليس للآخرين وحسب. فقد كان الفلاح في العصور الوسطى ينتج ريعاً من الحبوب للسيد الإقطاعي وعشراً من الحبوب للكاهن، لكن لا ريع الحبوب ولا عشر الحبوب غدا سلعة لمجرد أنه أُنتج للآخرين. ولكي يصبح المنتج سلعة، يجب أن يُنقل إلى شخص آخر… بوساطة التبادل». كارل ماركس، «رأس المال»، المجلد الأول، الفصل الأول.

  • 30

    التمييز السعري قديم قِدم أي سوق، فهو محاولة البائع استخلاص ما يُسمّى «فائض المستهلك»، أي الفرق بين أقصى سعر يكون المستهلك مستعداً لدفعه لقاء سلعة والسعر الفعلي لها. ولهذه الغاية، يسعى البائعون إلى عزل الزبائن بعضهم عن بعض كي يفرضوا على كل واحد منهم أقصى سعر يقبل بدفعه، وهي مهمة تقتضي استحالة إعادة المشترين بيع السلع بعضهم لبعض. ومن الطبيعي أن تؤدي الآلات الخوارزمية هذه المهمة أفضل من أي جهاز أو أسلوب تماثلي سابق.

  • 31

    يعترض منتقدو فرضية الإقطاع التكنولوجي على الأهمية الاقتصادية لـ«أليكسا» أو حتى «واتساب» بحجة أن تحقيق الدخل منهما لم ينجح. فسنو، مثلاً، يكتب أن «أليكسا، بعيداً عن كونها أصلاً، كانت شطباً محاسبياً بمليارات الدولارات». لكن ذلك وهم محاسبي. تدعم «أمازون» أجهزة «أليكسا» دعماً هائلاً، وتختار بيعها بأقل من كلفة تصنيعها. وتقدم «آبل» «سيري» مجاناً، وكذلك تفعل «إنستاكارت» بمساعدها. ومع ذلك، تمثل هذه المساعدات استثمارات ممتازة. فـ«أليكسا» تتيح لـ«أمازون» استخلاص ريوع سحابية لا يعزوها محاسبوها إلى «أليكسا»، ولا يستطيعون ذلك. ويثير ذلك سؤالاً تجريبياً مهماً عن كيفية قياس الريوع السحابية وتمييزها من الأرباح. وهذه المشكلة ليست جديدة، بالطبع. فعندما أدخل ريكاردو، في «مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب»، التمييز بين الأرباح والريوع، وأدخل باران وسويزي، في «رأس المال الاحتكاري»، التمييز بين الأرباح الاحتكارية والفائض الاحتكاري، لم تُبدِ مهنة المحاسبة اهتماماً أو قدرة على احتساب هذه الأمور كلّاً على حدة. وما زالت الريوع والأرباح تُدرج إلى اليوم في الخانة نفسها. لكن لا عذر للماركسيين في الإخفاق في رسم هذا التمييز، وبالتالي الوقوع في فخ استنتاج أن «أليكسا» و«واتساب» خاسرتان لمجرد أن المحاسبين لا مصلحة لهم ولا قدرة على احتساب الريوع التي تؤمّنها لأمثال جيف بيزوس ومارك زوكربيرغ.

  • 32

    «إن وسائل الإنتاج ووسائل المعيشة، ما دامت ملكاً للمنتج المباشر، لا تكون رأس مال. ولا تصبح رأس مال إلا في الظروف التي تخدم فيها، في الوقت نفسه، بوصفها وسائل لاستغلال العامل والسيطرة عليه» [التشديد مضاف]: كارل ماركس، «رأس المال»، المجلد الأول، الفصل الثالث والثلاثون.

  • 33

    يصف تقرير صادر عن «المركز المعني بالبحوث حول الشركات متعددة الجنسيات» (SOMO) نموذج شركات التكنولوجيا الكبرى بأنه «آلة ذاتية التعزيز لاستخلاص الريع».

  • 34

    انظر.ي الفيلم الوثائقي عن «إنستاكارت» الذي أعدّته «A More Perfect Union»، والمتاح علىhttps://www.youtube.com/watch?v=osxr7xSxsGo

  • 35

    فائض المستهلك هو مجموع الفروق بين السعر الذي تُباع به أي وحدة من أي سلعة وأقصى سعر يكون بعض المستهلكين مستعدين لدفعه لقاءها، لو اضطروا إلى ذلك.

  • 36

    أدّت جائحة كوفيد-19 دوراً أيضاً. فعندما انهارت سلاسل الإمداد وانطلقت الأسعار صعوداً، تحطّم توازن الأسعار التواطئي القائم من قبل. وأدخل التضخم السعري الناتج قدراً من التشويش، وازدهر التسعير الخوارزمي خلفه لإلغاء المنافسة السعرية.

  • 37

    تكون الشركة محتكرة للشراء إذا كانت الوحيدة التي تشتري سلعة معينة. فإذا كانت شركة مثل «أوبر» المشتري الوحيد لقوة عمل مجموعة من السائقين، كانت محتكرة لشراء العمل.

  • 38

    يحلل ماركس الأجر بالقطعة في الفصل الحادي والعشرين من «رأس المال»، المجلد الأول. والفرق المهم في تطبيق «أمازون» للأجر بالقطعة هو أن رأس مالها السحابي مبرمج لتعديل استعداد العمال لقبول أجور أقل بالقطعة وفق ظروفهم الخاصة، وفي الزمن الحقيقي.

  • 39

    في الغروندريسه، انظر.ي الدفتر السادس، كانون الأول/ديسمبر 1857 إلى كانون الثاني/يناير 1858، قسم «باستيا وكاري»، ينتقد ماركس الاقتصاديين الليبراليين باستيا وكاري لنظرتهم المتناغمة واللاتاريخية إلى الرأسمالية. ويقابل بين أشكال الاستغلال السابقة، السُّخرة والعبودية، التي كانت شفافة، والاستغلال الرأسمالي الذي يخفيه عقد الأجر. وهذا الإخفاء مصدر قوة أيديولوجية للنظام الرأسمالي، إذ يخلق مظهر تبادل «حرّ وعادل». وبالمثل، لا يصح القول إنه لا يمكن أن يكون المرء قنّاً سحابياً لـ«أوبر» أو «أمازون» لمجرد أن في وسعه دائماً الانسحاب.

  • 40

    ينطبق أمر مماثل على الشركات الناشئة. ففي خطابه السيّئ الصيت «المنافسة للخاسرين»، دعا بيتر ثيل إلى أهمية استقطاب المستخدمين وحبسهم داخل «حظائر» رقمية، أو إقطاعيات سحابية كما أسميها. ورأى أن الإخفاق في ذلك يعني الإفلاس، مستشهداً بانفجار فقاعة شركات الإنترنت مثالاً على ما يحدث حين تعجز شركات التكنولوجيا الكبرى عن حبس المستخدمين في إقطاعيات سحابية. ومن دون هذا «الحبس»، تابع، لا يمكن لتكتلات التكنولوجيا توقع أرباح فائقة، ومن ثم لا ضخّ لرأس المال المغامر. ومن دون ضخّ رأس المال المغامر، لا تستطيع أي شركة ناشئة النمو بسرعة تكفي لمنافسة الشركات الناشئة التي تتلقى هذا التمويل.

    وتدعم حجة ثيل فرضية الإقطاع التكنولوجي، إذ إن إيجاد سبل لحبس المستخدمين داخل حظائر رقمية ينشئها رأس المال السحابي لشركات التكنولوجيا الكبرى هو سبيلها إلى قوة هائلة على الاستخلاص. وإضافة إلى ذلك، لا تستطيع أي شركة ناشئة تسعى إلى النجاح الإفلات من «واجب» حبس المستخدمين داخل إقطاعيات سحابية يملكون حرية شكلية في مغادرتها، ولكن بكلفة باهظة. انظر.ي: Peter Thiel, ‘Competition Is For Losers’, Wall Street Journal, 12 September 2014, available at:https://www.csun.edu/~vcact00f/497CapStone/Peter%20Thiel_%20Competition%20Is%20for%20Losers%20-%20WSJ.pdf.

  • 41

    Constance Hoffman Bernan, The Cistercian Evolution: The Invention of a Religious Order in Twelfth-Century Europe, Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2000.

  • 42

    M.M. Postan, The Medieval Economy and Society, London: Penguin Books, 1975. وقدّم أدلة على أن الموت الأسود أحدث نقصاً في اليد العاملة أدى إلى مزايدة تنافسية على العمال، مما قوّض التشريعات التي كانت تربطهم بالأرض.

  • 43

    «العمل المنتج، في معناه بالنسبة إلى الإنتاج الرأسمالي، هو العمل المأجور الذي، في تبادله مع الجزء المتغير من رأس المال، أي الجزء من رأس المال المنفق على الأجور، لا يعيد إنتاج هذا الجزء من رأس المال وحده، أي قيمة قوة عمله، بل ينتج فوق ذلك فائض قيمة للرأسمالي. وبهذا وحده تتحول السلعة أو النقود إلى رأس مال، وتُنتج بوصفها رأس مالاً. وحده العمل المأجور الذي ينتج رأس مالاً هو عمل منتج» [التشديد مضاف]: كارل ماركس، «نظريات فائض القيمة»، الجزء الأول، الفصل الرابع، London: Lawrence and Wishart, 1987.

  • 44

    فعلى كل حال، كان مأمورو المقاطعات والقساوسة ومهرجو البلاط يتقاضون مكافآت أيضاً، وكانوا يعيشون في كثير من الأحيان عيشة مرفهة في ظل الإقطاع. أما في الإقطاع التكنولوجي، فيقرّر رأس المال السحابي نفسه، الذي يستقطب سائرنا إلى الإقطاعيات السحابية، هذه المكافآت ويقسّمها تلقائياً.

  • 45

    تنعكس فرضية ماركس المعروفة باسم «ميل معدل الربح إلى الانخفاض» في المعادلة (1) في الملحق. فمع ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال (k)، ينخفض معدل الربح. وإذا تكرر ذلك في الاقتصاد برمته وعلى نحو منهجي، تعمقت أزمة الربحية طويلة الأمد للرأسمالية كلما تراكم رأس المال.

  • 46

    تستضيف خوادم «أمازون»، على سبيل المثال، أ) رأس المال التقليدي، مثل تشغيل برمجيات الروبوتات الصناعية التي تصنّع الإلكترونيات والسيارات وما إلى ذلك، وب) رأس المال السحابي الخالص، مثل «أليكسا» الخاصة بـ«أمازون» وواجهة «أمازون دوت كوم»، وج) رأس المال السحابي للغير، مثل «أوبر». كما تستضيف تطبيقات برمجية عسكرية، مثل «بالانتير».

  • 47

    لا يمكن تصنيع الجرارات ومولدات الكهرباء والروبوتات الصناعية إلا بتشغيل عمّال بروليتاريين. في المقابل، يتراكم رأس المال السحابي مع كل منشور أو فيديو أو تعليق أو إعجاب نرفعه، من دون أجر، على «إنستغرام» مثلاً. ومع كل منشور لنا، ترتفع كلفة انتقالنا من «إنستغرام» إلى منصة أخرى. وهكذا، ومن دون أن تفعل شيئاً، ترى «ميتا» رأس مالها السحابي، أي قدرتها على إبقائنا منخرطين كي تعدّل سلوكنا، يتراكم بتناسب طردي مع العمل غير المأجور لمستخدميها، الذي يزيد، من دون قصد، كلفة انتقالهم ومن ثم قبضة المنصة عليهم. ولهذا تكون فاتورة أجور شركات التكنولوجيا الكبرى، كنسبة من إيراداتها وقيمتها الرأسمالية، صغيرة جداً بالمقارنة مع التكتلات التي تستخدم رأس مال منتج، إذ يعيد مستخدموها إنتاج جزء كبير من رأس مالها السحابي بعملهم المجاني.

  • 48

    تكون الآلات الرقمية منتجة حين تُستخدم في إنتاج السلع، لكنها لا تكون كذلك حين تُعدّ رأس مال سحابياً. ورفض فرضية الإقطاع التكنولوجي لأن هذه الآلات المتصلة شبكياً، مثل «خدمات أمازون ويب» (AWS)، تُستخدم أيضاً في سياق إنتاج السلع الاعتيادي، كما كانت حال الآلات في الرأسمالية دائماً، يشبه القول إن الرأسمالية لم تختلف نوعياً عن الإقطاع لأن السلع الرأسمالية كانت تستخدم كذلك في الإقطاعيات الإقطاعية. ويعزز انقطاع خدمات أمازون ويب في عام 2025 هذه الحجة، إذ تأثرت بالانقطاع منصات منها «سيغنال» و«سناب تشات» و«روبلوكس» و«دولينغو»، إلى جانب خدمات مثل المواقع المصرفية وشركة أجراس الأبواب «رينغ». ووفقاً لموقع «داون ديتكتور»، الذي يرصد أعطال الإنترنت، كانت هذه بعضاً من ألفي شركة تأثرت، وتلقّى أكثر من 8.1 مليون بلاغ من مستخدمين في أنحاء العالم عن أعطال في رأس المال السحابي. وثمة الآن أدلة واضحة على التقييمات المفرطة للشركات التي تبيع اشتراكات الذكاء الاصطناعي، مثل «أوبن إيه آي». وكما يبيّن إلدر (2025)، تتزايد كلفة النماذج اللغوية الكبيرة أُسياً بينما ترتفع إيرادات الاشتراكات المتوقعة على نحو خطي تقريباً. أما حين يُدمج الذكاء الاصطناعي في «أليكسا» الخاصة بـ«أمازون» أو مساعد «غوغل» أو «جيميناي»، فإن قدرته على تحقيق ريوع سحابية لمصلحة مالكيه عبر تعديل سلوكنا، مستهلكين ومنتجين معاً، لا تعرف حدوداً.

  • 49

    ثمة الآن أدلة واضحة على التقييمات المفرطة للشركات التي تبيع اشتراكات الذكاء الاصطناعي، مثل «أوبن إيه آي». وكما يبيّن إلدر (2025)، تتزايد كلفة النماذج اللغوية الكبيرة أُسياً بينما ترتفع إيرادات الاشتراكات المتوقعة على نحو خطي تقريباً. أما حين يُدمج الذكاء الاصطناعي في «أليكسا» الخاصة بـ«أمازون» أو مساعد «غوغل» أو «جيميناي»، فإن قدرته على تحقيق ريوع سحابية لمصلحة مالكيه عبر تعديل سلوكنا، مستهلكين ومنتجين معاً، لا تعرف حدوداً.

  • 50

    علّق جوليان أسانج، في مراسلات خاصة بيننا، على هذه النقطة قائلاً: «لقد تجاوزنا بكثير رأسمالية المراقبة، التي تقوم على التجسس وفائض السلوك. وستظل مدخلات أجهزة الاستشعار، من الأقمار الاصطناعية والراديو والرادار ومحطات الطقس والمركبات والطائرات المسيّرة والروبوتات والهواتف والبيانات الزلزالية، فضلاً عن البيانات المالية، مهمة. لكن ما ينشره الناس على “فيسبوك” أو يبحثون عنه محدود الحجم ومليء بالتشويش، كما أن التعلّم الاستجوابي، وهو أرقى منه، يلوح في الأفق. وهذا يحاكي تطور الشطرنج، إذ ظل شطرنج الحاسوب طوال أربعين عاماً يتدرّب على مباريات الشطرنج البشرية، قبل أن يبدأ “ألفا تشيس” (AlphaChess)، منذ نحو ثماني سنوات، من صفحة بيضاء ويلعب ضد نفسه، فيعيد اكتشاف ثلاثة آلاف عام من الشطرنج البشري ثم يتجاوزها في غضون أربع وعشرين ساعة. صحيح أن الشطرنج عالم ألعاب منفصل، مكتمل المعلومات، لكن تدريب الروبوتات الحديثة يعتمد على التدريب أولاً ضمن محاكاة فيزيائية، وهي سريعة جداً، ثم على إعادة التدريب في العالم الحقيقي، وهي عملية بطيئة».

  • 51

    تختلف شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي عن قصص النجاح السابقة في تقليد شركات التكنولوجيا الكبرى لأنها أشد كثافةً في رأس المال بكثير. فعمالقة مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«ميتا» تحقق إيرادات كبيرة من نموذج أعمالها القائم على استخلاص الريع السحابي، ولذلك تستطيع إنفاق مبالغ على الذكاء الاصطناعي تفوق ما تستطيع المؤسسات الرأسمالية التقليدية إنفاقه. أما المطورون، مثل «أوبن إيه آي»، الذين يحاولون تحقيق الأرباح ببيع السلع التي ينشئها الذكاء الاصطناعي، فسينفد مالهم ما لم ينتقلوا من إنتاج السلع إلى النمط الإقطاعي التكنولوجي، أي إلى نشاط تعديل السلوك.

  • 52

    ولئلا يبقى أدنى شك في أن رأس المال السحابي أشد تمركزاً مما كان عليه رأس المال التقليدي في أي وقت، يكفي النظر إلى الآتي: وفقاً لمجموعة «سينرجي» البحثية، تسيطر «خدمات أمازون ويب» و«أزور» التابعة لـ«مايكروسوفت» و«غوغل كلاود» مجتمعةً على نحو ثلثي القدرة العالمية في الخدمات السحابية. وقد ردّت الصين بتراكم رأس مالها السحابي الخاص. أما أوروبا فلا تملك، على النقيض، إلا القليل جداً من رأس المال السحابي. وتهيمن «خدمات أمازون ويب» على أوروبا بما تسميه «السحابة السيادية الأوروبية»، التي تديرها وحدات مسجلة في أوروبا وفريق إداري مؤلف من مواطني الاتحاد الأوروبي المقيمين فيه. ومع ذلك، يظل «قانون السحابة الأميركي» (US Cloud Act)، الذي يمنح الحكومة الأميركية سلطات واسعة على مزوّدي البيانات، نافذاً في نطاق اختصاصات الاتحاد الأوروبي.

  • 53

    Rudolf Hilferding, Finance Capital: A Study of the Latest Phase of Capitalist Development, London: Routledge & Kegan Paul, 1981 [1910].

  • 54

    Rosa Luxemburg, The Accumulation of Capital, London, Routledge and Kegan Paul, 1951 [1913]; Vladimir Ilyich Lenin, Imperialism, the Highest Stage of Capitalism [1917], in Selected Works, Vol. 1, Moscow: Progress Publishers, 1963.

  • 55

    Philip Mirowski, Never Let a Serious Crisis Go to Waste: How Neoliberalism Survived the Financial Meltdown, London: Verso, 2013.

  • 56

    انظر.ي، في الفصل السادس من Varoufakis, Technofeudalism: What Killed Capitalism?, op. cit.، القسم المعنون ‘Technofeudalism’s global impact: the New Cold War’.

  • 57

    Yanis Varoufakis, ‘Defusing the Stablecoin Time Bomb’, Project Syndicate, 2 July 2025, available at https://www.project-syndicate.org/commentary/private-stablecoins-are-a-formula-for-financial-crisis-by-yanis-varoufakis-2025-07.

  • 58

    Yanis Varoufakis, ‘Technofeudalism Is War’s Handmaiden’, Project Syndicate, 6 February 2025, available at https://www.project-syndicate.org/commentary/rise-of-cloud-capital-makes-war-more-likely-by-yanis-varoufakis-2025-02.

  • 59

    Yanis Varoufakis, ‘Trump and the Triumph of the Technolords’, Project Syndicate, 30 April 2025, available at https://www.project-syndicate.org/commentary/technofeudalist-ideology-emerging-from-neoliberal-rubble-by-yanis-varoufakis-2025-04.

  • 60

    يقلب صعود رأس المال السحابي فكرة «الدولة الريادية» رأساً على عقب. فقد ولّى الزمن الذي كانت فيه التقنيات الجديدة تُبتكر في المختبرات الحكومية أو الجامعات، ثم يطوّرها رأس المال الخاص ويحوّلها إلى مصدر للربح. أما الابتكارات المتقدمة اليوم فتجري داخل شركات التكنولوجيا الكبرى.

  • 61

    Ellen Meiksins Wood, The Origin of Capitalism, London: Verso, 1999; Empire of Capital, London: Verso, 2003.

  • 62

    Yanis Varoufakis, Joseph Halevi, and Nicholas Theocarakis, Modern Political Economics, London and New York: Routledge, 2011.

  • 63

    Galbraith, The New Industrial State, op. cit.

  • 64

    هنا أفترق عن ماكنزي وورك، في Capital Is Dead: Is this something worse?, London: Verso, 2019، إذ تجادل بأن «رأس المال مات» بفعل ناقل جديد لتدفقات المعلومات. ونتفق في أننا نواجه نمط إنتاج جديداً لا يحكمه مالكو وسائل الإنتاج المُنتَجة، أي السلع الرأسمالية التقليدية. لكن وورك ترى أن الطبقة الحاكمة الجديدة مؤلفة من الذين يملكون «نواقل المعلومات» ويسيطرون عليها، فيما تقول فرضيتي إن التحكم بالمعلومات ليس إلا جزءاً صغيراً من قصة السلطة في المجتمع المعاصر. فرأس المال حيّ يرزق وقد تحوّر إلى شكل جديد، هو رأس المال السحابي، وأفضى تراكمه إلى نمط إنتاج جديد تحكمه طبقة حاكمة جديدة مؤلفة من مالكي هذا الشكل الجديد من رأس المال غير المنتج، أو السحابويين اختصاراً.

  • 65

    على خلاف من يركزون على المراقبة واستخلاص البيانات، تنظر فرضيتي عن الإقطاع التكنولوجي إلى «أليكسا» و«مساعد غوغل» وسائر واجهات شركات التكنولوجيا الكبرى بوصفها أدوات لزرع الرغبات وتجاوز الأسواق، لا مجرد أدوات لحصاد البيانات.

  • 66

    تُرفَض فرضية الإقطاع التكنولوجي، حين تُصوَّر بوصفها «مرثية للرأسمالية»، بحجة أنها مربكة استراتيجياً ومريحة سياسياً لمن يفضّلون مناقشة حصاد البيانات بدلاً من مصدر السلطة الرأسمالية، وبذلك تخدم سياسة ليبرالية حنينية لا سياسة ثورية. وكتب جيف مان، مثلاً، أن فرضيتي عن الإقطاع التكنولوجي «… تبرئ الرأسمالية. فإذا كانت الرأسمالية قد ماتت بالفعل، فلا نستطيع تحميلها مسؤولية البؤس الذي تواصل إنتاجه… وهذه هدية للرأسمالي، إذ بات في وسعه أن يقول: لا تنظروا إليّ، فأنا ضحية مثلكم تماماً». وأضاف ناقد ماركسي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «يقدّم فاروفاكيس تحليلاً “راديكالياً” مستساغاً للطبقة المهنية الإدارية، التي تشعر بالضيق من بيزوس لكنها منغمسة بعمق في نظام 401(k). إنه نقد يؤدي وظيفة صمام الأمان».

  • 67

    من الأمثلة الجيدة طريقة توظيف علم التحكم الآلي، وهو الاسم الذي كان يُطلق على الذكاء الاصطناعي قبل أن تستولي عليه شركات التكنولوجيا الكبرى، توظيفاً مثمراً في حكومة أليندي في تشيلي قبل انقلاب وكالة الاستخبارات المركزية في 11 أيلول/سبتمبر 1973. انظر.ي: Eden Medina, Cybernetic Revolutionaries: Technology and Politics in Allende’s Chile, Cambridge, MA: MIT Press, 2014

  • 68

    Rosa Luxemburg, The Junius Pamphlet: The Crisis in German Social Democracy, 1915 translated by Dave Hollis, available at https://www.marx-ists.org/archive/luxemburg/1915/junius/index.htm.

  • 69

    «لم يفعل الفلاسفة حتى الآن سوى تفسير العالم بطرائق شتى، لكن المهم هو تغييره». هذه هي أطروحة كارل ماركس الحادية عشرة عن فويرباخ، الصادرة عام 1845 والمنشورة بالإنكليزية عام 1938 في "الأيديولوجيا الألمانية".

  • 70

    Varoufakis, Technofeudalism: What Killed Capitalism?, op. cit., Chapter Seven.

  • 71

    فعلى سبيل المثال، بينما رأى غيورغي بليخانوف وروزا لوكسمبورغ أن قيادة الثورة ينبغي أن تقتصر على البروليتاريا، اقترح لينين تحالفاً بين العمال والفلاحين، هو «السميتشكا» (Smychka). ورأى ليون تروتسكي أن البروليتاريا ينبغي أن تقود، ولكن بعد كسب تأييد الفلاحين. أما ماو تسي تونغ فقد قدّم جواباً مختلفاً عن «المسألة الزراعية»، إذ رأى أن الفلاحين، في السياقات الاستعمارية، ينبغي أن يصبحوا القوة الرئيسية للثورة وأن يقودوا تحالفاً يضم حتى «البرجوازية الوطنية» ضد الإمبريالية. وفي غضون ذلك، اقترح غيورغي ديميتروف، الأمين العام للأممية الشيوعية، أو «الكومنترن» (Comintern)، على مؤتمرها العالمي السابع عام 1935 جبهة شعبية من البروليتاريين والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، أي الرأسماليين الذين كان رأس المال الاحتكاري الكبير يدمّرهم أيضاً، مثل الرأسماليين التابعين في الإقطاع التكنولوجي، لمواجهة الخطر الفوري للفاشية، التي وصفها بأنها «الدكتاتورية الإرهابية العلنية لأشد عناصر رأس المال المالي رجعية…».

  • 72

    للاطلاع على عرض مفصل للتحالفات التي أعتقد أنها قد تثبت ثورية بالفعل، وكذلك للكيفية التي ينبغي أن يبدو بها إخضاع رأس المال ورأس المال السحابي والأرض والتمويل للملكية الاجتماعية، انظر.ي كتابي Another Now, London: The Bodley Head, 2020، وهو رواية خيال علمي.

  • 73

    [74] يشرح ماركس، في المجلد الأول من رأس المال، أن فائض القيمة المستخلص في مواقع العمل يشبه، بصورة غير مباشرة، العمل غير المأجور الذي تؤديه النساء في المنزل، إذ يسهم مباشرة في إعادة إنتاج قوة العمل، وهي السلعة المتداولة في أسواق العمل. فمن خلال إنتاج القيم الاستعمالية، مثل الوجبات والملابس النظيفة ورعاية الأطفال، التي كان سيتعين شراؤها من الأجور لولا ذلك، يخفض العمل المنزلي غير المأجور كلفة إعادة إنتاج الطبقة العاملة. انظر.ي أيضاً: Friedrich Engels, The Origin of the Family, Private Property and the State, Moscow: Progress Publishers, 1972 [1884]، وMargaret Benston, The Political Economy of Women’s LiberationMonthly Review, 21, no. 4, 1969, pp. 13–27

  • 74

    انظر.ي Snow, ‘We’re Still Living Under Capitalism’, art. cit.; Addison and Eisenberg, ‘Capitalism Is Changing, but Not Into “Neofeudalism”’, art. cit

  • 75

    أجادل في كتابي بأن طبقة حاكمة جديدة، لا تملك رأس مال منتجاً، تعيش كطفيلي متضخم على حساب القسم الرأسمالي. ولذلك أصبح القسم الرأسمالي، بالنسبة إلى مالكي رأس المال السحابي، بمنزلة البشر للآلات في فيلم «ذا ماتريكس»، أي ضرورياً لكنه خاضع خضوعاً تاماً.

  • 76

     يزعم موروزوف، في ‘Le numérique nous ramène-t-il au Moyen Âge?’، art. cit.، أن «خدمات أمازون ويب» تحقق معظم أموال بيزوس بتقديم خدمات رأسمالية إلى تكتلات كبرى أخرى. وهذا صحيح. لكن لأي غرض تستخدم هذه التكتلات وصولها إلى تلك الآلات مزدوجة الاستخدام؟ تذكّر القسم الرابع. تستأجر «أوبر» و«إير بي إن بي» و«ميتا» و«بالانتير» خوادم «خدمات أمازون ويب» لا لتقديم سلع رأسمالية، بل لتشغيل رأس مالها السحابي الخاص. وهذا، في جوهره، مشروع مشترك لرأس المال السحابي بين «خدمات أمازون ويب» وشركات سحابوية أخرى، لا سوق رأسمالية للخدمات بين الشركات (B2B)

  • 77

    نادراً ما استخدم ماركس كلمة «الرأسمالية»، أو kapitalismus. وكان مصطلحه المفضّل هو «نمط الإنتاج البرجوازي» أو «نظام رأس المال». وهو يشير، في مؤلفه «نظريات فائض القيمة» (Theories of Surplus Value)الصادر بين 1861 و1863، إلى «نمط الإنتاج الرأسمالي، أو الرأسمالية» (die kapitalistische Produktionsweise, oder das Kapitalismus). لكن أسلوبه يوحي بأنه كان يشبه باحثاً في العلوم السياسية يدرس النظم البرجوازية للحكم الديمقراطي، وإن كان لا يتحدث عن الديمقراطية إلا بتحفّظ.

  • 78

    والحجة المضادة هنا هي أن الإقطاع التكنولوجي، خلافاً للرأسمالية التي مثّلت قطيعة حادة مع الإقطاع القائم على الأرض، ما زال يعتمد على رأس المال، وإن يكن رأس مالاً سحابياً. لكن رأس المال السحابي يشكل، من جهة أخرى، قطيعة مع جوهر الرأسمالية، أي نظام يدفع إلى تسليع كل شيء عبر الأسواق. فتراكم رأس المال السحابي يولّد، على النقيض، سلطةً تُمارَس خارج الأسواق (انظر.ي القسم الخامس).

  • 79

    يتهم موروزوف، في ‘Le numérique nous ramène-t-il au Moyen Âge?’, art. cit.، بأنني، في «حرصي على تقليد كارل ماركس»، «انتهيت إلى نسخ تشارلز ديكنز، أي ميلودراما فيكتورية متنكرة في هيئة نظرية اجتماعية». ومثل هذه الاتهامات غير مفيدة، وتذكّرنا بمواقف تقسّم اليسار الماركسي بلا داعٍ.

  • 80

    سواء تبنّى المرء فرضية الإقطاع التكنولوجي أم لم يتبنّها، يحسن تذكّر أن الاقتصاد الماركسي من دون جدل يتحول إلى شكل جامد من الريكاردية.

  • 81

    Bertolt Brecht, A Short Organum for the Theatre: The Development of the Aesthetic, New York: Hill & Wang, 1949.

  • 82

    يكتمل المسار الجدلي بالعودة إلى النقطة الواردة في القسم الأول، وهي أن فرضية الإقطاع التكنولوجي لا تفترض عودة إلى الإقطاع. فالحجة، بالأحرى، هي أن التطور الهائل لرأس المال أعاد جوانب من الإقطاع، لا الإقطاع نفسه، على نحو يشبه كون الدستور الأميركي مختلفاً تماماً عن الديمقراطية الأثينية القديمة، مع أنه أداة أوليغارشية تحيل إليها.

  • 83

    Varoufakis, Halevi, and Theocarakis, Modern Political Economics, op. cit.

  • 84

    R.M. Goodwin, ‘A Growth Cycle’, in C.H. Feinstein (ed), SocialismCapitalism and Economic Growth, Cambridge: Cambridge University Press, 1967.

يانيس فاروفاكيس

اقتصادي، ووزير المالية اليوناني الأسبق، له مؤلفات وكتب عديدة أجدها «Another Now: Dispatches from an Alternative present». 

سري أبو المنى

أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة