جينيالوجيا نقدية للتنمية في المنطقة العربية: الملكية والتكنولوجيا والإيكولوجيا
إذا أردتَ الوصول إلى مركز البحوث والتعليم الزراعي (AREC) التابع للجامعة الأميركية في بيروت (AUB) في سهل البقاع، فالأجدى أن تسأل عنه باسم «النقطة الرابعة». يستعيد بقاء هذا الاسم شبحاً من زمن الحرب الباردة، يوم تحوّل برنامج المساعدة التقنية للرئيس الأميركي ترومان، المسمّى على اسم النقطة الرابعة من خطابه التنصيبي، إلى لغةٍ جديدة للتنمية العالمية، شملت البنى التحتية والإرشاد الزراعي والتعليم والصحة، بدلاً من «مهمة التمدين» الاستعمارية القديمة (Rist, 1997). بوصفه جزءاً من سياسة الاحتواء، جرى تأطير التدخل التكنولوجي في زمن الحرب الباردة ضمن نظرية التحديث الشاملة لدى و.و. روستو (1960)، التي تفترض مساراً خطياً نحو الحداثة، مع الاستهلاك الجماهيري وفق النموذج الأميركي بوصفه نقطة النهاية القصوى. تحوّل عمل روستو، المعنون صراحةً «مراحل النمو الاقتصادي: بيان غير شيوعي»، إلى أداة أيديولوجية للتدخل الغربي، تهدف إلى انتشال الدول من حالتها «التقليدية» ودفعها نحو حالة «حديثة»، مع إبعادها عن الشيوعية. يتردد صدى ذلك في عمل ديانا ك. ديفيس (2007) حول قيام السلطات الاستعمارية الفرنسية ببناء سردية منهجية عن تدهور بيئي محلي ناجم عن إدارة «تقليدية» وبائدة، استخدمت لتبرير الحاجة إلى تدخل غربي «مستنير». يواصل الخطاب السياسي والاقتصادي السائد اليوم إعادة إنتاج هذه الرؤية، عبر تقديم تحديات المنطقة بوصفها نتائج حتمية للحدود الطبيعية وسوء الحوكمة، بما يستدعي سياسات التكيّف الهيكلي ذات الطابع المالي الانضباطي، فيما يُحجب في الوقت نفسه الدور التاريخي للسلطة في إنتاج الندرة واللامساواة وسوء الإدارة بصورة نشطة ومنهجية.
تتوفر دراسات نقدية عن التنمية في المنطقة، لكنها تبقى متفرقة، في حين تبرز الحاجة إلى مدوّنة معرفية مشتركة تعترف صراحةً بالحقل والمنهج، لمواجهة إنتاج المعرفة المهيمن وعلاقات السلطة الراسخة والمفروضة، المتخفية تحت مسمّى «التنمية». يُظهر الاستناد إلى الاقتصاد السياسي والإيكولوجيا السياسية ودراسات ما بعد الاستعمار كيف تعمل التفسيرات السائدة بوصفها سرديات مهيمنة صُمّمت لـ«تطبيع اللامساواة»، وتعزيز اختلالات القوة العالمية، وإضفاء الشرعية على التدخل الخارجي (Escobar, 1995; Said, 1978). تجادل هذه القراءة بأن «التنمية» في إقليم جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا لم تكن يوماً عملية محايدة للتحديث، بل آلية للضبط، تكيفت فيها أنماط التراكم والتنظيم عبر الحقب التاريخية المختلفة لخدمة الرأسمالية.
عبر المراحل الإمبريالية–الاستعمارية (1830–1960)، والتنموية ما بعد الفوردية (1950–1970)، والنيوليبرالية (–1970الوقت الحاضر)، اشتغلت التنمية بصورة متسقة لا بوصفها مساراً إحسانياً للتحديث، بل كآلية قوية لتعزيز الضبط، ونزع ملكية الجماعات، ومحو الفاعلية المحلية والأنساق المعرفية (Rist, 1997; Shiva, 1993; Riachi and Martiniello, 2023). يسعى هذا النص من خلال فحص أداتين رأسماليتين محوريتين، هما الملكية الخاصة والتكنولوجيا، عبر عدسات التنمية النقدية، إلى إبراز العنف الكامن في فكرة «التنمية» ذاتها، وكشف الكيفية التي عمّقت بها كل مرحلة تاريخية الكوارث الإيكولوجية ونزع وسائل العيش لدى المجتمعات المحلية.
الملكية الخاصة كنزع للملكية قانونياً
شكّل فرض الملكية الخاصة الغربية أساساً تاريخياً لإدماج إقليم جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا في النظام-العالمي الرأسمالي. وبينما صاغ كارل ماركس هذه العملية أصلاً تحت مفهوم «التراكم البدائي»، وعمد ديفيد هارفي (2003) لاحقاً إلى تنقيحها بمفهوم «التراكم عبر السلب»، ترى روزا لوكسمبورغ (1952) أنّ الرأسمالية تعتمد، في جوهرها، على الاستيلاء العنيف على التشكيلات الاجتماعية غير الرأسمالية عبر ترسيخ مؤسسات الملكية الخاصة وقوانينها. وكما يجادل فرشاد أراغي (2012)، فإنّ هذه العملية من خصخصة الأراضي تمثّل لحظة ضرورية في إعادة الإنتاج الموسّع لرأس المال، وتنطوي على مصادرة عنيفة للحقوق والعادات المشاعية المرتبطة بالأراضي والمياه. ويُظهر تحليل مايك ديفيس (2001) في كتاب «محارق العصر الفيكتوري المتأخر» أنّ مجاعات أواخر القرن التاسع عشر لم تكن «كوارث طبيعية»، بل «كوارث إمبريالية»، إذ يبيّن ديفيس كيف أدّى الإدماج القسري لاقتصادات الفلاحين في السوق الرأسمالية العالمية إلى إنتاج هشاشة اجتماعية على نحو منهجي، بما أتاح لأزمات مناخية، مثل تذبذب النينو الجنوبي، أن تفضي إلى مجاعة واسعة النطاق.
«التنمية» في إقليم جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا لم تكن يوماً عملية محايدة للتحديث، بل آلية للضبط، تكيفت فيها أنماط التراكم والتنظيم عبر الحقب التاريخية المختلفة لخدمة الرأسمالية
مثّل التراكم الاستعماري على نطاق عالمي اعتداءً ممنهجاً على علاقات الملكية المشاعية المتنوّعة في المنطقة، مستهدفاً على نحو خاص نظام المشاع في بلاد الشام وأراضي العرش في شمال أفريقيا. كانت الآثار الاجتماعية–الإيكولوجية لهذا نموذج الملكية الخاصة عميقة؛ إذ حُوّل الإنتاج من زراعة معيشيّة متنوّعة إلى أحاديات المحصول الموجّهة للتصدير من محاصيل صناعية، ولا سيما القطن والحرير والتبغ، المخصّصة للصناعات الأوروبية. ففي الجزائر الخاضعة للاستعمار الفرنسي، عمل مرسوم مجلس الشيوخ الفرنسي (Sénatus-consulte) للعام 1863 وقانون وارني للعام 1873 على تفكيك أراضي العرش المشاعية بصورة منهجية، حيث نقلت السلطات الاستعمارية نحو 2.5 مليون هكتار إلى مستوطنين أوروبيين بحلول العام 1900 (Ruedy, 1992). أساء الإطار القانوني عن عمد توصيف أنظمة الحيازة المشاعية بوصفها أراضي «شاغرة» أو «غير كفوءة»، بما سهّل نزع ملكيتها. وفي تونس، يناقش لويس (2013) مراسيم استعمارية في ثمانينيات القرن التاسع عشر أنشأت إيجارات دائمة (إنزال)، ونقلت السيطرة على أكثر الأراضي خصوبة إلى مستوطنين أوروبيين. أتاح هذا التلاعب القانوني المتقن بعملية تسييج الأراضي للسلطات الاستعمارية تقديم نزع الملكية على أنّه تحديث لا غزو.
في بلاد الشام، أطلق قانون الأراضي العثماني للعام 1858، المنبثق عن ضغوط إمبريالية كتلك التي رافقت اتفاقية بلطة ليمان، تحوّلاً موازياً. أتاح إنشاء إطار قانوني هجين حنفي–نابليوني عبر مجلة الأحكام العدلية للعام 1877 تسجيلاً منهجياً للأراضي المشاعية بموجب سندات ملكية خاصة. وعلى الرغم من تأطير هذه العملية بوصفها تحديثاً، فإنها خدمت في جوهرها تركيز ملكية الأراضي في أيدي الأعيان المحليين (الزعامات) والمصالح الأجنبية، مع نزع ملكية الفلاحين. كانت النتائج مُدمِّرة بصورة خاصة في فلسطين، حيث يُظهر الخالديلي (2017) أنّ خصخصة أراضي المشاع غدت أداةً محورية في المشروع الصهيوني للاستحواذ الإقليمي. ظلّت أراضي المشاع تمثّل 70% من فلسطين في ثلاثينيات القرن العشرين (Issawi 1988 p. 286). أُقيمت المستوطنات الصهيونية أساساً على أراضي المشاع المنزوعة الملكية، التي جرى شراؤها من السلطات البريطانية عبر المجلس الصهيوني المشترك وجمعية الاستيطان اليهودي، ولاحقاً الصندوق القومي اليهودي.
أعاد نموذج التصنيع لاستبدال الواردات (ISI) في الحقبة التنموية تشكيل أنظمة حيازة الأراضي في إقليم جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا على نحو جذري، مُنتجاً أشكالاً جديدة من الرأسمالية بقيادة الدولة. وغالباً ما خدمت إصلاحات الأراضي بعد الاستقلال الطبقات الريفية العليا والوسطى، مع تكريس سيطرة الدولة على الفائض الزراعي. في مصر، ترافقت إصلاحات الأراضي الناصرية مع سياسات فضّلت المزارعين التجاريين الكبار القادرين على إنتاج محاصيل نقدية بكفاءة لتأمين عوائد التصدير (Beinin 2001; Bush and Ayeb 2012). وبالمثل، يوثّق بطاطو (1999) في سوريا كيف عزّزت إعادة توزيع الأراضي البعثية نفوذ الأعيان الريفيين عبر بيروقراطية موسّعة لزراعة المحاصيل النقدية، ولا سيما القطن، بدل تمكين الفلاحين. وهكذا، غدت الدولة التنموية، على الرغم من خطابها حول الإنصاف، المديرَ الأساسي لمشروع زراعي رأسمالي-دولتي. قُدِّم توزيع الأراضي بوصفه أداة للتحرّر، بينما كان في الواقع آليةً لضبط الريف واستيعابه، وتفكيك المقاومة المشاعية، وتعميق إدماجه في دوائر السوق العالمية.
تمثّل الظاهرة المعاصرة المتمثّلة في «الاستيلاء على الأراضي» جبهةً جديدة من التراكم عبر نزع ملكية الأراضي. وكما يجادل فرانكو وبوراس (2013)، تُعيد هذه الصفقات إنتاج أنماط استعمارية للاستحواذ على الموارد، مع توظيف لغة الاستثمار والتنمية تحت مسمّى الاستثمار الأجنبي المباشر. شهد ما يسمّيه مكمايكل (2013) «مركنتيلية الأمن الغذائي» استحواذ صناديق الثروة السيادية الخليجية وشركات الأعمال الزراعية على ملايين الهكتارات في السودان ومصر وإثيوبيا وغيرها من البلدان التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي. لا يقتصر ذلك على حيازة الأراضي فحسب، بل ينطوي على إنشاء سلاسل غذائية مؤسسية متكاملة تُعزّز هيمنة رأس المال الخليجي على النظام الغذائي الإقليمي (Hanieh, 2018). تعكس النتائج أنماطاً تاريخية من نزع الملكية: يُهجّر صغار الحائزين، وتُعاد هيكلة النظم الإيكولوجية لصالح إنتاج موجّه للتصدير، وتُلغى حقوق الأراضي التقليدية عبر صفقات تتوسّطها الدولة.
التكنولوجيا بوصفها أداةً للهيمنة
غدت القوة المالية والتكنولوجية الأوروبية في القرن التاسع عشر أدواتٍ أساسية لممارسة الضبط على الإمبراطورية العثمانية الهشّة سياسياً ومالياً. ومع تفاقم الديون، باشر الباب العالي بـ«التنظيمات»، غير أنّ هذه الإصلاحات استلزمت في الغالب قروضاً خارجية، ما أفضى إلى نشوء حلقة من التبعية والاستدانة (Quataert, 2005). توّج ذلك بإنشاء إدارة الدين العام العثماني في العام 1881، وهي مؤسسة خاضعة للسيطرة الأوروبية عملت فعلياً على استعمار قطاعات أساسية من مالية الدولة العثمانية. اكتمل نموذج التنمية عبر الضبط المالي في مصر في عهد الخديوي إسماعيل، من خلال حملة تحديث شرسة ممولة بالديون. بعد الإفلاس، خضعت مصر لسلطة لجان ديون تُدار أوروبياً، مثل صندوق الدين العام (Caisse de la Dette Publique)، التي امتلكت حق النقض على إيرادات الدولة (Hunter, 1999). وقد ضمن نموذج الامتيازات للبنى التحتية سداد الديون، وتيسّر ذلك عبر الاستيلاء على النظامين المالي والإداري في مصر، وهو مسار قوّض السيادة العثمانية بصورة عميقة، وأدّى مباشرةً إلى الاحتلال العسكري البريطاني لمصر في العام 1882(Owen, 1981). وفي إطار الامتيازات المالية والتكنولوجية هذا، أُطلقت مشاريع مبكرة مثل سكة حديد الإسكندرية–القاهرة في العام 1856 وقناة السويس في العام 1858. وبالتوازي، جرى هندسة هيدرولوجيا النيل باتجاه ريّ دائم ذي ضبط مركزي، ما أعاد تشكيل استخدامات الأراضي لصالح زراعة مكثفة لمحاصيل نقدية، ولا سيما القطن، مع تهجير السكان المحليين، وطمس الممارسات التقليدية، وربط الاقتصادات المحلية على نحو محكم بالصناعات الأوروبية ورأس المال الأوروبي (Mitchell, 2002).
هذه العملية من خصخصة الأراضي تمثّل لحظة ضرورية في إعادة الإنتاج الموسّع لرأس المال، وتنطوي على مصادرة عنيفة للحقوق والعادات المشاعية المرتبطة بالأراضي والمياه
في إطار نظام الامتيازات القائم هذا، أسقطت الإمبراطورية الألمانية الموحَّدة حديثاً طموحاتها في سكة حديد برلين–بغداد. وقد شكّل هذا الامتياز الضخم إعلاناً عن مكانة ألمانيا بوصفها قوة عالمية، متحدّياً مباشرةً الهيمنة الراسخة لبريطانيا وفرنسا، ومطالباً بما سمّته ألمانيا «مكانها تحت الشمس» (Özyüksel, 2016). نظر رجال الدولة البريطانيون والفرنسيون إلى ذلك بوصفه تهديداً جيوسياسياً عميقاً (McMurray, 2001)، إذ يقوّض التفوّق البحري البريطاني على طريق آسيا والخليج الفارسي، ويطعن في الوقت نفسه الصدارة المالية والسياسية الفرنسية في بلاد الشام. وخدمت السكة الحديد أداةً بيد الدولة لتوسيع الضبط على القبائل والمناطق ذاتية الحكم (Rogan, 1999). وفي مطلع القرن العشرين، أعادت بريطانيا إنتاج هذا المنطق عبر ترسيخ نفوذها من خلال معاهدات سياسية، ولا سيما مراسلات مكماهون–حسين، في مواجهة نداء الجهاد العثماني ضد قوى الوفاق، المدعوم من الرايخ الألماني؛ وقد مهّد ذلك الطريق أمام امتيازات النفط البريطانية مع مشايخ الخليج. وبعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت هذه الوصاية الخارجية إلى الولايات المتحدة، حيث رسّخت شركات النفط الأميركية وشراكتها الوثيقة مع الملكية السعودية شكلاً جديداً ودائماً من النفوذ عبر تأسيس شركة الزيت العربية الأميركية (أرامكو) (Vitalis, 2007).
بعد الحرب العالمية الثانية، أدخلت الحقبة التنموية بقيادة الولايات المتحدة مخططات بنى تحتية حداثوية عليا، استُلهمت من نموذج هيئة وادي تنيسي (Tennessee Valley Authority) (Ekbladh, 2002). بلغ هذا التوجّه ذروته في مشاريع السدود العملاقة التي تحوّلت إلى كاتدرائيات للفخر القومي والقوة التكنو-سياسة في زمن الحرب الباردة. فقد رُوّج لكلّ من السد العالي في أسوان في مصر وسدّ الطبقة في سوريا، المموَّلين من الاتحاد السوفياتي، إلى جانب مشروع الليطاني في لبنان ومشاريع الري في الأردن المموَّلة عبر برنامج النقطة الرابعة، بوصفها رموزاً للاستقلال والحداثة. غير أنّ سدّ أسوان أطلق سلسلة متتابعة من الأزمات الإيكولوجية، من تآكل السواحل وتملّح التربة إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه (Mitchell, 2002). في سوريا، أغرق سدّ الطبقة مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، من دون أن يحقّق أهداف الري التي وُعد بها (Hinnebusch and Zintl, 2012). استندت هذه المشاريع إلى سردية مفادها أنّ المياه تهدر في البحر وتحتاج إلى الترويض والتحديث، في حين أسهمت عملياً في إنتاج أشكال جديدة من اللامساواة المائية وكوارث إيكولوجية، مع تهميش منهجي للفلاحين والنساء وتعزيز التراتبيات الاجتماعية.
أدّى التحوّل النيوليبرالي منذ سبعينيات القرن العشرين إلى تفكيك دعم الدولة وفتح الأسواق، ناقلاً مركز الثقل التكنولوجي من التنمية الوطنية إلى نظام تراكم نيوليبرالي يتّسم بالأموَلة وتحرير القيود وعولمة سلاسل الإنتاج (Harvey, 2005). وقد فُرض نمط التنظيم الموافق لذلك، والمعروف على نحو سيّئ الصيت بوصفات «إجماع واشنطن»، عبر برامج التكيّف الهيكلي (SAPs) التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. أنتج هذا الإطار على نحو منهجي تبعيّات عميقة، حبست الدول داخل حلقة مفرغة من الدَّين والتنمية. وغدت الدولرة عارضاً لهذه التبعية، إذ قوضت السيادة النقدية وربطت الاستقرار الاقتصادي الوطني بقيود خارجية. كما عزّزت المساعدة الإنمائية الرسمية (ODA) والقروض الأجنبية هذه الحلقة. أدّت المعونات وقروض التنمية المشروطة بمزيد من التحرير إلى خلق فخّ تنموي عبر زيادة التبعية للاستيراد والهشاشة أمام الصدمات، ما قاد إلى أزمات ميزان المدفوعات استدعت مزيداً من الدَّين وتقشّفاً أعمق للحفاظ على الملاءة. بلغ هذا المسار ذروته مع الانهيار النقدي في لبنان، حيث جعلت عقود من تحرير النظام المصرفي والاقتراض الخارجي ونموّ قائم على الاستيراد الاقتصادَ عاجزاً عن الاستمرار في نظامه النقدي. تدفع ضغوط مماثلة اليوم مصر وتونس إلى حافة أزمات قابلة للمقارنة، مع ارتفاع فواتير الاستيراد وتخفيضات العملة وتراكم الدين الخارجي.
بفضل عائدات النفط، ربما تكون دول الخليج قد تجنّبت من جهة التقشف الذي فرضه صندوق النقد الدولي، لكن من جهة أخرى، استوعبت الرأسمالية القائمة على الوقود الأحفوري منطق التنمية النيوليبرالية من خلال توجيه عائدات النفط إلى الأسواق المالية العالمية، والمجمعات الصناعية العسكرية، وأمن استيراد الغذاء، والاستيلاء على الأراضي في أفريقيا عبر برامج الاستثمار الأجنبي المباشر، وصناديق الثروة السيادية، ومشاريع المدن العملاقة المستقبلية، والاستثمارات الضخمة في سوق أسهم الذكاء الاصطناعي. وقد أصبحت تقنية الذكاء الاصطناعي محورية في هذا النموذج، حيث تستخدمها حكومات دول مجلس التعاون الخليجي كأداة سياسية تضفي الشرعية على رؤى الدولة للكفاءة الفائقة، ومستقبل ما بعد النفط. وتُرسّخ الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي، وبنى المدن الذكية، وصفقات تقنية الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ومشاريع مثل نيوم السعودية ومناطق دبي للابتكار في الإمارات، المنطقة بعمق في دوائر التكنولوجيا العالمية الكبرى، مما يعزز الاعتماد على الخبرات الأجنبية، والمنصات الاحتكارية، وبنى البيانات العابرة للحدود.
التنمية بوصفها عملية نزع ملكية
تمثّل الشواطئ غير المتكافئة للبحر الأبيض المتوسط نتاجاً تاريخياً لعلاقات اقتصادية عالمية تشكّلت عبر تدفّقات رأس المال والأيديولوجيات والمؤسسات القمعيّة. وعلى مدى قرنين، وُظفت الملكية والتكنولوجيا بصورة منهجية من أجل إدماج إقليم جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا وضبطه واستخراج موارده، ونزع ملكية العمل والفلاحين فيه، في مسارٍ تكيّف من الفتح الاستعماري إلى الحكم النيوليبرالي. وفّرت الملكية الخاصة الوسائل القانونية والمؤسسية لخصخصة الأراضي المشاعية، وإعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتوجيه الثروة نحو الطبقات المهيمنة، في حين مكّنت البنى التحتية التكنولوجية من تغلغل أعمق لرأس المال الخارجي، وفرض تدابير التقشّف المالي، وتوسيع أشكال سلطة الدولة النيوليبرالية السلطوية. ومن ثمّ، لا تحكي قصة التنمية عن تحديث أو تقدّم لم يكتمل، بل عن نجاحات في نزع الملكية والاستخراج، فُرضت عبر الهيمنة العالمية وسهّلتها قوة النخب المحلية الآخذة في الترسّخ، سواء كانت ملكيات أو زعامات طائفية أو أنظمة ديكتاتورية.
من ملف «التفكير الاجتماعي في أزمنة التحوّلات الكبرى». أعدّ هذا الملف من قبل برنامج «مقاربات نقدية للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرت النسخة العربية منه في «صفر».
المراجع
Alkhalili, N. (2017). Enclosures from below: The Mushaa’in contemporary Palestine. Antipode, 49(5), 1103-1124.
Araghi, F. (2012). The invisible hand and the visible foot: peasants, dispossession and globalization. In Peasants and globalization (pp. 111-147). Routledge.
Batatu, H. (1999). Syria's Peasantry, the Descendants of Its Lesser Rural Notables, and Their Politics. Princeton University Press.
Beinin, J. (2001). Workers and Peasants in the Modern Middle East. Cambridge University Press.
Bush, R. (2007). Poverty and Neoliberalism: Persistence and Reproduction in the Global South. Pluto Press.
Bush, R., and Ayeb, H. (Eds.). (2012). Marginality and Exclusion in Egypt. Zed Books.
Davis, D.K. (2007). Resurrecting the Granary of Rome: Environmental History and French Colonial Expansion in North Africa. Ohio University Press.
Davis, M. (2001). Late Victorian Holocausts: El Niño Famines and the Making of the Third World. Verso.
Ekbladh, D. (2002). "Mr. TVA": Grass-Roots Development, David Lilienthal, and the Rise and Fall of the Tennessee Valley Authority as a Symbol for U.S. Overseas Development, 1933-1973. Diplomatic History, 26(3), 335–374.
Escobar, A. (1995). Encountering Development: The Making and Unmaking of the Third World. Princeton University Press.
Borras Jr, S. M., and Franco, J. C. (2013). Global land grabbing and political reactions ‘from below’. Third World Quarterly, 34(9), 1723-1747.
Hanieh, A. (2018). Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East. Cambridge University Press.
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Harvey, D. (2005). A Brief History of Neoliberalism. Oxford University Press.
Hinnebusch, R., and Zintl, T. (2014). Syria from reform to revolt: political economy and international relations. Syracuse university press.
Hunter, F.R. (1999). Egypt Under the Khedives, 1805-1879. University of Pittsburgh Press.
Issawi, C. (1988). The Fertile Crescent, 1800-1914: A Documentary Economic History. Oxford University Press.
Lewis, M. D. (2013). Divided rule: Sovereignty and empire in French Tunisia, 1881-1938. Univ of California Press.
Luxemburg, R. (1952). The Accumulation of Capital. Routledge.
McMichael, P. (2013). Food Regimes and Agrarian Questions. Fernwood Publishing.
McMurray, J.S. (2001). Distant Ties: Germany, the Ottoman Empire, and the Construction of the Baghdad Railway. Praeger.
Mitchell, T. (2002). Rule of Experts: Egypt, Techno-Politics, Modernity. University of California Press.
Owen, R. (1981). The Middle East in the World Economy, 1800-1914. Methuen
Özyüksel, M. (2016). The Berlin-Baghdad Railway and the Ottoman Empire: Industrialization, Imperial Germany and the Middle East. Bloomsbury Publishing..
Quataert, D. (2005). The Ottoman Empire, 1700-1922. Cambridge University Press.
Riachi, R., and Martiniello, G. (2023). Manufactured regional crises: The Middle East and North Africa under global food regimes. Journal of Agrarian Change, 23(4), 792-810.
Rist, G. (1997). The History of Development: From Western Origins to Global Faith. Zed Books.
Rogan, E.L. (1999). Frontiers of the State in the Late Ottoman Empire: Transjordan, 1850-1921. Cambridge University Press.
Rostow, W.W. (1960). The Stages of Economic Growth: A Non-Communist Manifesto. Cambridge University Press.
Ruedy, J. (1992). Modern Algeria: The Origins and Development of a Nation. Indiana University Press.
Said, E.W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
Shiva, V. (1993). Monocultures of the Mind: Perspectives on Biodiversity and Biotechnology. Zed Books.
Vitalis, R. (2007). America's Kingdom: Mythmaking on the Saudi Oil Frontier. Stanford University Press.