ماذا فعل القطاع الخاص بالشباب والرياضة؟
تسليع الرياضة في مصر
شهد عام 2012 مذبحة استاد بورسعيد، التي راح ضحيتها 74 شهيداً وعشرات المصابين، لتشكّل نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ كرة القدم المصرية. وفي عام 2015 وقعت أحداث استاد الدفاع الجوي، التي أسفرت عن استشهاد 22 متفرجاً، وهو ما دفع السلطات لاحقاً إلى اتخاذ قرار بإقامة مباريات كرة القدم، بوصفها اللعبة الأكثر شعبية في مصر، من دون حضور جماهيري. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، إذ برز في خلال السنوات الأخيرة توجّه جديد تمثّل في نقل بعض المباريات «الحساسة» إلى دول خليجية. ففي 20 شباط/فبراير 2020، أُقيمت مباراة كأس السوبر المصري بين الأهلي والزمالك في أبو ظبي، وانتهت بالتعادل السلبي (0–0)، قبل أن يفوز الزمالك بركلات الترجيح بنتيجة 4–3. وتواصل هذا النهج في السنوات التالية، إذ أُقيم نهائي كأس مصر في آذار/مارس 2024 بين الأهلي والزمالك على استاد الرياض في السعودية. كما استضاف استاد الرياض أيضاً مباراة كأس السوبر الأفريقي 2024 بين الفريقين يوم 27 أيلول/سبتمبر 2024، والتي انتهت بالتعادل (1–1)، قبل أن يحسم الزمالك اللقب بركلات الترجيح بنتيجة 4–3.
وفي خضم هذه التطورات، بات جمهور الرياضة، ولا سيما كرة القدم، يُبدي في الفترة الأخيرة حالة متزايدة من عدم الرضا عن نتائج وأداء المنتخب المصري. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ودّع منتخب الناشئين بطولة كأس العالم تحت 17 سنة، التي أُقيمت في قطر، عقب خسارته أمام منتخب سويسرا بنتيجة 3–1 في دور الـ32. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، عاد منتخب مصر الأول من قطر بعد خروج مخيّب للآمال من دور المجموعات لبطولة كأس العرب، حيث خسر بثلاثية نظيفة أمام المنتخب الأردني في مباراة حسمت خروجه مبكراً من البطولة، ما أثار موجة غضب واسعة في الشارع المصري، ترافق معها تصاعد المطالب بإجراء مراجعة شاملة لأوضاع المنتخب.
ولم تكن هذه الإخفاقات استثناءً أو خسائر عابرة، بل تأتي في سياق سلسلة طويلة من النتائج السلبية التي مُني بها منتخب كرة القدم. فقد سبق ذلك خسارتان في نهائي كأس الأمم الأفريقية (أمام السنغال عام 2022، وأمام الجزائر عام 2021)، إلى جانب الإخفاق في مباريات تصفيات كأس العالم 2018، بالخسارة أمام كل من الأوروغواي وروسيا والسعودية. كما تكبّد المنتخب هزائم ودية لافتة، من بينها الخسارة 4–2 أمام كرواتيا في نهائي كأس العاصمة 2024، والهزيمة أمام أوزبكستان بنتيجة 2–0 في عام 2025، فضلاً عن خسائر متفرقة في تصفيات كأس العالم 2026 أمام منتخبات مثل إثيوبيا وبوركينا فاسو في عام 2023.
في ضوء هذا المسار المتراجع، يبرز تساؤل جوهري عن أوضاع الرياضة في مصر عموماً، في ظل تصاعد سياسات تسليع الرياضة وخصخصتها، وهي سياسات تعمّقت منذ تولي وزير الرياضة الحالي منصبه عام 2018، ومشاركته في إصدار وتشريع قوانين أسهمت في إعادة تشكيل القطاع الرياضي وفق منطق السوق. وتبدو نتائج هذه السياسات واضحة ليس فقط في تراجع أداء منتخب كرة القدم كنموذج بارز، بل أيضاً في حوادث مأساوية، من بينها وفاة السباح الشاب يوسف محمد خلال بطولة الجمهورية للسباحة في استاد القاهرة.
انطلاقاً من ذلك، تأتي محاولة متابعة تطورات الرياضة المصرية ورصد أبرز محطاتها، في إطار السعي إلى فهم أعمق للأزمة البنيوية التي باتت تعانيها الرياضة في مصر.
مراحل تطوّر الرياضة في مصر
مرّت الرياضة في مصر بمراحل متباينة، ارتبطت على نحو وثيق بطبيعة النظامين الاقتصادي والسياسي السائدين في كل مرحلة تاريخية. ففي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، بدأت تتبلور فكرة مراكز الشباب في أواخر العهد الملكي، حيث كانت تُعرف آنذاك باسم أندية أو مراكز الشباب والناشئة. وقد أُنشئت هذه المراكز تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية، مستهدفةً استيعاب الشباب خارج إطار التعليم النظامي، وشغل أوقات الفراغ، ونشر الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، إلى جانب الحد من مظاهر الانحراف والجريمة بين الشباب. ونُظّم عمل هذه الأندية بموجب القانون رقم 152 لسنة 1949.
مع قيام ثورة 23 يوليو 1952، شهدت السياسة تجاه الشباب تحولاً جذرياً، إذ جرى النظر إليهم باعتبارهم ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقوة اجتماعية وسياسية فاعلة. وفي هذا السياق، توسّع الاهتمام المؤسسي بدور الشباب، وانعكس ذلك في الانتشار الواسع لمراكز الشباب في الريف والحضر، وربطها بمشروعات التنمية الاجتماعية، وبناء «المواطن الصالح»، وخدمة المجتمع المحلي.
وتعزز هذا التوجه عبر سلسلة من الأطر القانونية والتنظيمية، من بينها صدور القانون رقم 197 لسنة 1956 بإنشاء المجلس الأعلى لرعاية الشباب، وقرار رئيس الجمهورية رقم 1773 لسنة 1959 بشأن اللجنة الأوليمبية في الجمهورية العربية المتحدة. وفي عام 1964، جرى إنشاء وزارة الشباب، التي تحولت لاحقاً إلى وزارة الشباب والرياضة، بما عكس مركزية ملف الشباب والرياضة ضمن مشروع الدولة.
في هذه المرحلة، اعتُبرت مراكز الشباب أداة أساسية لبناء «الإنسان الجديد»، وقناة لدمج الشباب في المشروع القومي للدولة، وهو ما تجسّد في توسعها القوي داخل القرى والمناطق العمالية والأحياء الشعبية. كما تنوّعت أنشطتها لتشمل مجالات متعددة، من بينها الأنشطة الرياضية (مثل كرة القدم والألعاب الجماعية)، والأنشطة الثقافية (كالمكتبات والمحاضرات)، إلى جانب الأنشطة الكشفية وخدمة المجتمع، وبرامج محو الأمية، ومعسكرات العمل القومية، بما جعلها فضاءً جامعاً للتنشئة الاجتماعية والسياسية للشباب.
اعتُبرت مراكز الشباب أداة أساسية لبناء «الإنسان الجديد»، وقناة لدمج الشباب في المشروع القومي للدولة، وهو ما تجسّد في توسعها القوي داخل القرى والمناطق العمالية والأحياء الشعبية
أمّا مراكز الشباب في الريف المصري، فقد لعبت دوراً محورياً في القرى المحرومة من وجود الأندية الرياضية، وأسهمت في دمج الفلاحين الشباب في النشاط العام. وفي كثير من الحالات، كانت تمثّل المؤسسة العامة الوحيدة في القرية بعد المدرسة والوحدة الصحية، ما منحها وزناً اجتماعياً وتنموياً كبيراً. وقد ساهمت هذه المراكز في نشر الرياضة، ومحو الأمية، وتنظيم العمل الجماعي، وتعزيز روح المشاركة المجتمعية. ودعمت الدولة هذا الدور عبر تشريعات متعددة، من بينها قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة رقم 129 لسنة 1963 بشأن اللجنة الأوليمبية واتحادات الألعاب الرياضية بجمهورية مصر العربية، ثم القانون رقم 26 لسنة 1965 بشأن الهيئات الخاصة العاملة في ميدان رعاية الشباب.
غير أنّ نهاية المشروع الناصري وصعود أنور السادات إلى السلطة مثّلا نقطة تحوّل في النظرة إلى الشباب ودورهم المجتمعي. فمع تبنّي رؤية رأسمالية اعتباراً من عام 1971، بدأت تحولات جوهرية في سياسات الشباب والرياضة، تمثّلت في تراجع تمويل الدولة، وتغليب النشاط الرياضي على النشاط الثقافي، إلى جانب تصاعد التدخلات الإدارية والأمنية، وما رافق ذلك من إضعاف للمشاركة الحقيقية للشباب في إدارة مؤسساتهم.
وفي هذا السياق، جرى التركيز بشكل متزايد على البطولات الرياضية والمبادرات القومية ذات الطابع الاستعراضي، مقابل تراجع الدور التنموي والثقافي لمراكز الشباب مقارنة بمرحلة التأسيس. كما صدرت عدة تشريعات أسهمت في إعادة تعريف مفهوم الشباب والرياضة، من أبرزها القانون رقم 41 لسنة 1972 بتعديل أحكام القانون رقم 26 لسنة 1965 بشأن الهيئات العاملة في ميدان رعاية الشباب، والقانون رقم 77 لسنة 1975 بإصدار قانون الهيئات الأهلية لرعاية الشباب والرياضة، ثم القانون رقم 51 لسنة 1978 بشأن الهيئات الخاصة للشباب والرياضة، الذي مهّد لتقليص النشاط الرياضي داخل الشركات والمصانع.
ومع هذه التحولات، ازداد التدخل في شؤون الهيئات الرياضية، وبرز الاهتمام بحسابات المكسب والخسارة والتقييم الاقتصادي للأداء، وهو اتجاه أخذ في التصاعد منذ تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الوضع الراهن، حيث بات منطق السوق عنصراً حاكماً في إدارة المجال الرياضي على حساب أدواره الاجتماعية والثقافية.
شهدت مراكز الشباب في مصر تحوّلاً تدريجياً من مؤسسات تنموية شاملة، استهدفت في مراحل سابقة بناء الإنسان ودمج الشباب اجتماعياً واقتصادياً، إلى كيانات يغلب عليها الطابع الرياضي والإداري، مع تراجع واضح في أدوارها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ويعود هذا التدهور إلى اختلالات بنيوية في الفلسفة الحاكمة لهذه المراكز، وأنماط تمويلها، وآليات الحوكمة، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي.
وعلى الرغم من الانتشار العددي الواسع لمراكز الشباب على مستوى الجمهورية، فإن أثرها الاجتماعي والتنموي بات محدوداً، لا سيما في مجالات مكافحة بطالة الشباب، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وبناء المهارات غير الرسمية، واحتواء الشباب في المناطق الفقيرة والريفية. فقد جرى الانتقال من مفهوم التنمية الاجتماعية الشاملة إلى منطق إدارة الأنشطة، واختُزل دور الشباب في كونه «ممارساً للرياضة» لا فاعلاً اجتماعياً قادراً على المبادرة والتأثير.
في هذا السياق، أصبح الاعتماد شبه الكامل على التمويل الحكومي المركزي سمة أساسية، مع ضعف الموارد الذاتية وعدم تشجيع المبادرات المحلية، وتوجيه جانب كبير من الإنفاق إلى إنشاء الملاعب والمنشآت على حساب البرامج والأنشطة. كما تراجعت استقلالية مجالس الإدارات، وتقلّص التمثيل الحقيقي للشباب في مواقع صنع القرار، بالتوازي مع تصاعد التدخلات الإدارية والأمنية، وهو ما حدّ من فرص المبادرة والابتكار داخل هذه المراكز. وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين مراكز الشباب واحتياجات القرى والأحياء التي تعمل فيها، وتراجع الشراكات مع المدارس، والجمعيات الأهلية، والنقابات المهنية، ما انعكس في ضعف الانتماء والمشاركة العامة، وارتفاع قابلية بعض الشباب للانحراف أو الهجرة غير النظامية، إلى جانب انتشار ظواهر التطرف والإدمان.
وفي خلال العقدين الأخيرين، صدرت مجموعة من التشريعات التي أسهمت في إحكام السيطرة الأمنية على قطاع الشباب والرياضة، وركّزت على البنية التحتية والمباني أكثر من تركيزها على البرامج والمضامين. وفي السياق نفسه، تسارعت وتيرة تسليع النشاط الرياضي، وتزايد الحديث عن التقييم الاقتصادي ودور القطاع الخاص.
وفي هذا الإطار، شهد المشهد الرياضي تحولاً لافتاً في خريطة الأندية، فبعد أن كانت أندية مثل إسكوا، والترسانة، وغزل المحلة، والبلاستيك، وغزل شبين تمثّل شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام، برزت أندية تابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية، مثل طلائع الجيش، وحرس الحدود، والداخلية، والإنتاج الحربي، إلى جانب أندية مملوكة لشركات خاصة، مثل سيراميكا كليوباترا، وإنبي، وفاركو، وبترول أسيوط، والجونة، ومودرن سبورت، وبتروجيت.
وأمام هذا التحول، يبرز تساؤل مركزي: هل نجح القطاع الخاص في تطوير الرياضة المصرية فعلاً؟ وهل أسهمت سياسات الدولة ونظرتها إلى الشباب والرياضة، القائمة على تسليع النشاط الرياضي، في تحقيق تنمية رياضية حقيقية، أم أدت إلى مزيد من الانحسار والخسائر المتتالية؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، سنلجأ إلى البيانات والأرقام الصادرة عن نشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بشأن النشاط الرياضي في المنشآت الرياضية، عبر مقارنة مؤشرات عامي 2010 و2023، وهي أحدث نشرة صادرة عن الجهاز. ويكتسب هذا التحليل أهمية إضافية في ظل ارتفاع عدد سكان مصر من 78.6 مليون نسمة عام 2010 إلى 104.5 مليون نسمة عام 2023، فضلاً عن بلوغ عدد سكان الريف المصري نحو 59.6 مليون نسمة، بما يمثل 57.1% من إجمالي السكان. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ارتفع عدد ممارسي الرياضة في مصر بما يتناسب مع النمو السكاني، أم بقيت الفجوة قائمة بل واتسعت؟
الأندية الرياضية في مصر
تنقسم الأندية الرياضية في مصر إلى ثلاثة أنماط رئيسية: الأندية الحكومية، وأندية القطاع العام وقطاع الأعمال العام، وأندية القطاع الخاص. ويكشف تتبّع تطورها خلال الفترة ما بين 2010 و2023 عن تحولات هيكلية لافتة في خريطة الرياضة المصرية.
شهدت الأندية الحكومية تراجعاً حاداً خلال الفترة محل المقارنة، إذ انخفض عددها من 138 نادياً عام 2010 إلى 77 نادياً فقط عام 2023. وترافق ذلك مع تراجع عدد الأعضاء من 483.9 ألف عضو إلى 318.5 ألف عضو. كما انخفض عدد الفرق الرياضية من 2,793 فرقة إلى 2,498 فرقة، وتراجع عدد اللاعبين من 22.5 ألف لاعب إلى 15.3 ألف لاعب. وانعكس هذا التراجع أيضاً على النشاط التنافسي، حيث انخفض عدد المباريات من 9،658 مباراة إلى 6،079 مباراة.
برز الاهتمام بحسابات المكسب والخسارة والتقييم الاقتصادي للأداء، وهو اتجاه أخذ في التصاعد منذ تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الوضع الراهن، حيث بات منطق السوق عنصراً حاكماً في إدارة المجال الرياضي
انخفض عدد أندية القطاع العام وقطاع الأعمال العام من 151 نادياً إلى 113 نادياً خلال الفترة نفسها، كما تراجع عدد الأعضاء من 417 ألف عضو إلى 363 ألف عضو، وعدد الفرق الرياضية من 1،937 فرقة إلى 1،719 فرقة. وعلى الرغم من ذلك، ارتفع عدد اللاعبين من 25.1 ألف لاعب إلى 28.7 ألف لاعب، إلا أن هذا الارتفاع لم ينعكس على حجم النشاط الفعلي، إذ انخفض عدد المباريات من 11.6 ألف مباراة إلى 8.9 ألف مباراة فقط.
في المقابل، شهدت أندية القطاع الخاص توسعاً عددياً ملحوظاً، إذ ارتفع عددها من 570 نادياً عام 2010 إلى 627 نادياً عام 2023. كما قفز عدد الأعضاء من 2.2 مليون عضو إلى 5.1 مليون عضو. ومع ذلك، لم يشهد عدد الفرق الرياضية سوى زيادة محدودة، من 14.3 ألف فرقة إلى 15.6 ألف فرقة. وفي المقابل، ارتفع عدد اللاعبين من 162.7 ألف لاعب إلى 216.2 ألف لاعب، وازداد عدد المباريات من 59.3 ألف مباراة إلى 73.4 ألف مباراة خلال الفترة نفسها.
تكشف هذه المؤشرات أن نمو أندية القطاع الخاص، سواء من حيث العدد أو العضوية أو عدد اللاعبين، لم يواكبه تحسن ملموس في الأداء الرياضي العام لمصر، إذ تراجع الحضور والنتائج في الدورات الأوليمبية والبطولات الإقليمية والدولية، ما يطرح تساؤلات عن طبيعة هذا النمو وجدواه التنموية والرياضية. وفي ضوء ذلك، يبرز سؤال مكمّل لا يقل أهمية: كيف تطورت أوضاع مراكز الشباب في المدن والقرى، بوصفها القاعدة الأوسع لممارسة الرياضة واحتواء الشباب، مقارنة بما جرى في قطاع الأندية؟
تطوّر مراكز الشباب في مصر
ارتفع عدد مراكز الشباب في مصر من 4،127 مركزاً عام 2010 إلى 4،552 مركزاً عام 2023، بزيادة قدرها 425 مركزاً خلال 13 عاماً. غير أنّ هذا التوسع العددي لا يعكس بالضرورة تحسناً في الأداء أو الفاعلية، وهو ما يتضح عند تتبّع المؤشرات الكمية والنوعية لأداء مراكز الشباب، التي شكّلت تاريخياً «المصنع الأول» لاكتشاف اللاعبين الموهوبين في المدن والريف على حد سواء.
شهدت مراكز شباب المدن توسعاً عددياً واضحاً، إذ ارتفع عددها من 362 مركزاً إلى 527 مركز شباب، كما ارتفع عدد الأعضاء من 734.2 ألف عضو إلى نحو 1.3 مليون عضو. وسجّلت عضوية النساء نمواً ملحوظاً، من 199.9 ألف عضوة إلى 451.6 ألف عضوة. غير أنّ هذا النمو في العضوية لم ينعكس على النشاط الرياضي الفعلي، إذ انخفض عدد الفرق الرياضية للذكور من 7,978 فرقة إلى 4,861 فرقة، وتراجع عدد فرق الإناث من 1,680 فرقة إلى 1,338 فرقة. كما شهد النشاط التنافسي تراجعاً حاداً، حيث انخفض عدد المباريات المحلية من 25.9 ألف مباراة إلى 10.9 ألف مباراة، وعدد المباريات الإقليمية من 3,891 مباراة إلى 954 مباراة.
والأكثر خطورة أنّه، على الرغم من الاستثمارات الضخمة التي أُنفقت على قطاع الرياضة خلال العقدين الأخيرين، انخفض عدد الملاعب في مراكز شباب المدن من 336 ملعباً إلى 290 ملعباً، كما تراجعت سعة المدرجات من 189.7 ألف متفرج إلى 101.9 ألف متفرج. وفي المقابل، ارتفع عدد الملاعب من دون مدرجات من 1,661 ملعباً إلى 2,411 ملعباً.
وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي، توقّف الدور التنموي والاجتماعي لمراكز الشباب في المدن إلى حدٍّ كبير. أما النشاط الثقافي، فعلى الرغم من تسجيله زيادة طفيفة، ظل محدوداً؛ إذ ارتفع عدد المسارح من 103 مسارح إلى 113 مسرحاً فقط خلال 13 عاماً، كما زاد عدد المكتبات من 350 مكتبة إلى 454 مكتبة. ويعني ذلك أنّ 414 مركز شباب في المدن لا تضم مسرحاً، و73 مركزاً تفتقر إلى مكتبة. وتزامن ذلك مع فرض رسوم على استخدام الملاعب والمرافق الرياضية وغرف الملابس، ما قيّد وصول الفئات الأفقر إلى هذه الخدمات.
إلى ذلك، بلغ عدد سكان الريف المصري عام 2023 نحو 59.6 مليون نسمة، بما يمثل 57.1% من إجمالي السكان، وهو ما يمنح مراكز الشباب الريفية أهمية خاصة بوصفها القاعدة الأوسع لممارسة الرياضة واكتشاف المواهب. في خلال الفترة محل المقارنة، ارتفع عدد مراكز الشباب في القرى من 3,765 مركزاً عام 2010 إلى 4,025 مركزاً عام 2023، بزيادة قدرها 260 مركزاً فقط خلال 13 عاماً. وعلى الرغم من هذا الارتفاع المحدود، انخفض عدد الأعضاء من 2.8 مليون عضو إلى 2.6 مليون عضو، في مفارقة تعكس تراجع الجاذبية المجتمعية لهذه المراكز، على الرغم من الزيادة السكانية في الريف. وفي المقابل، ارتفع عدد العضويات النسائية من 598.1 ألف عضوة إلى 643.9 ألف عضوة.
وسجّلت مراكز الشباب الريفية تراجعاً حاداً في النشاط الرياضي، إذ انخفض عدد فرق الذكور من 69.7 ألف فرقة إلى 13.1 ألف فرقة، كما تراجع عدد الفرق النسائية من 3.8 ألف فرقة إلى 1.8 ألف فرقة. ورافق ذلك انخفاض في عدد المباريات المحلية من 250.6 ألف مباراة إلى 30.9 ألف مباراة، وتراجع عدد المباريات الإقليمية من 26.1 ألف مباراة إلى نحو ألفي مباراة فقط في عام 2023. كما شهدت البنية التحتية تدهوراً ملحوظاً، إذ انخفض عدد الملاعب في مراكز شباب القرى من 125 ملعباً إلى 103 ملاعب، وتراجعت سعة المدرجات من 78.7 ألف متفرج إلى 25.3 ألف متفرج فقط. كما انخفض عدد الملاعب من دون مدرجات من 8.6 ألف ملعب إلى 7.7 ألف ملعب.
جرى الانتقال من مفهوم التنمية الاجتماعية الشاملة إلى منطق إدارة الأنشطة، واختُزل دور الشباب في كونه «ممارساً للرياضة» لا فاعلاً اجتماعياً قادراً على المبادرة والتأثير
وعلى المستوى الثقافي، تراجع عدد المسارح من 147 مسرحاً إلى 113 مسرحاً، في حين ارتفع عدد المكتبات من 3052 مكتبة إلى 3302 مكتبة، ما يعني أنّ 723 مركز شباب في الريف لا تضم مكتبة واحدة.
إذا كانت الأندية الحكومية، وأندية القطاع العام، والقطاع الخاص تؤدّي أدواراً متفاوتة في التنمية الرياضية داخل المدن، فإن مراكز الشباب في القرى شكّلت تاريخياً «مصنع النجوم» ومصدراً رئيسياً لإمداد مصر بالأبطال واللاعبين الموهوبين في مختلف الألعاب. غير أنّ التدهور البنيوي والوظيفي الذي شهدته هذه المراكز خلال العقدين الأخيرين أسهم بشكل مباشر في تراجع قدرتها على أداء هذا الدور، وهو ما انعكس في انخفاض قاعدة الممارسين، وتراجع إنتاج الأبطال، وتآكل أحد أهم روافد الرياضة المصرية.
خصخصة وتسليع الرياضة في مصر
لكي يتحقق التحول البنيوي في منظومة الرياضة المصرية، القائم على تقليص دور الدولة وفتح المجال أمام القطاع الخاص، كان لا بد من توفير إطار تشريعي متكامل يضع القواعد الناظمة لهذا الانتقال. وفي هذا السياق، صدرت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من القوانين والقرارات التي شكّلت ما يمكن وصفه بـ«الترسانة التشريعية» لتسليع النشاط الرياضي وإعادة تنظيمه وفق منطق السوق.
في عام 2017، صدر القانون رقم 71، المعروف بقانون الرياضة، والذي مثّل نقطة مفصلية في هذا المسار. فقد نصّ القانون صراحة على الاستثمار الرياضي، وأجاز إنشاء الأندية الخاصة في صورة شركات مساهمة، كما تناول تنظيم عمل اللجنة الأوليمبية، واتحادات الألعاب الرياضية، والأندية الرياضية. وامتد نطاق القانون ليشمل النشاط الرياضي داخل الشركات والمصانع، وكذلك في المدارس والمعاهد والجامعات، بل أفرد فصلاً كاملاً لاكتشاف ورعاية الموهوبين. إلى جانب ذلك، نظّم القانون عمل شركات الخدمات الرياضية، وحدد آليات الإشراف والرقابة عليها، بما أرسى أساساً قانونياً لتحويل الرياضة إلى مجال استثماري مفتوح.
وفي الإطار نفسه، صدر القانون رقم 218 لسنة 2017 بشأن تنظيم الهيئات الشبابية، والذي شمل مراكز الشباب، وجمعية بيوت الشباب، والاتحاد العام للكشافة والمرشدات، واتحادات المعسكرات والرحلات. وحدد هذا القانون موارد الهيئات الشبابية على نحو يعكس بوضوح التوجه الربحي، إذ شملت هذه الموارد إيرادات الحفلات والمباريات، وعقود الرعاية والإعلانات والبث، وعوائد الأنشطة المختلفة، فضلاً عن حصيلة إيجار الملاعب والمحلات والقاعات والمنشآت التابعة، وتسويق اسم وشعار الهيئة والزي الخاص بها، وعائد استثمار أموال الهيئات الشبابية.
وبذلك، جرى تقنين تحويل الهيئات الشبابية من مؤسسات ذات طابع اجتماعي وتنموي إلى تنظيمات تسعى إلى تعظيم مواردها المالية بمختلف الوسائل، وهو ما أسهم في تقليص دور الدولة في الدعم والرعاية، وزيادة خضوع هذه الهيئات لمنطق السوق ولسيطرة القطاع الخاص ورجال الأعمال.
وتواصل هذا المسار عبر قرارات تنظيمية لاحقة، من بينها قرار وزارة الشباب والرياضة رقم 23 لسنة 2021 بتعديل لائحة النظام الأساسي لمراكز التنمية الشبابية، وقرار وزارة الشباب والرياضة رقم 210 لسنة 2022 بطرح لائحة النظام الأساسي لمراكز التنمية الشبابية. كما صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2711 لسنة 2022 بشأن تنظيم وزارة الشباب والرياضة، في إطار إعادة هيكلة الجهاز الإداري المشرف على القطاع. وفي عام 2025، صدر القانون رقم 171 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 71 لسنة 2017 بإصدار قانون الرياضة والقانون المرافق له، ليعزز الاتجاهات نفسها، ويُحكم الأطر القانونية المنظمة للاستثمار والحوكمة الرياضية.
وتشكّل هذه التشريعات مجتمعة نماذج دالّة على التحولات العميقة التي شهدتها الرياضة المصرية خلال السنوات الأخيرة، حيث جرى ترسيخ مسار الخصخصة وتسليع النشاط الرياضي، على حساب أدواره الاجتماعية والتنموية، وبما أعاد صياغة علاقة الدولة بالرياضة والشباب وفق منطق اقتصادي بالدرجة الأولى.
التحولات على الصعيد المؤسسي
شهد العقد الأخير تحولات مؤسسية واسعة في القطاع الرياضي المصري، في إطار سياسة عامة تقوم على انسحاب الدولة التدريجي من التمويل والدعم المباشر، وإطلاق يد الاستثمار الخاص، وتحويل الرياضة إلى مجال اقتصادي ربحي منظم. وقد تجسّدت هذه التحولات في صعود كيانات جديدة، وتغيّر أنماط الإدارة والتمويل، وإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص.
من أبرز هذه التحولات مجموعة أندية «سيتي كلوب»، وهي واحدة من أحدث شبكات الأندية الرياضية–الاجتماعية–الترفيهية في مصر، إذ تضم 16 نادياً موزعين على 16 مدينة مختلفة. وتقدّم هذه الأندية أكاديميات رياضية في نحو 20 لعبة فردية وجماعية، تحت إشراف أبطال عالميين وأوليمبيين من نجوم الرياضة المصرية، إلى جانب حزمة من الخدمات الاجتماعية والإدارية، ما يعكس نموذجاً متكاملاً للأندية الاستثمارية متعددة الوظائف.
وفي السياق ذاته، برزت سلسلة أندية «النادي»، التي أطلقتها وزارة الشباب والرياضة بالشراكة مع القطاع الخاص، بهدف سد الفجوة بين شرائح واسعة من المصريين غير القادرين على الاشتراك في الأندية التقليدية مرتفعة التكاليف. وتسعى هذه السلسلة إلى تقديم خدمة رياضية واجتماعية «متكاملة» من حيث الجودة ورسوم الاشتراك، وقد نجحت الوزارة حتى الآن في إنشاء ثلاثة فروع رئيسة في كل من مدينة السادس من أكتوبر، وشيراتون، والعاصمة الإدارية الجديدة.
جرى تقنين تحويل الهيئات الشبابية من مؤسسات ذات طابع اجتماعي وتنموي إلى تنظيمات تسعى إلى تعظيم مواردها المالية بمختلف الوسائل، وهو ما أسهم في تقليص دور الدولة في الدعم والرعاية، وزيادة خضوع هذه الهيئات لمنطق السوق
كما أدّت شركة استادات للاستثمار الرياضي دوراً محورياً في هذا التحول المؤسسي. فقد تأسست الشركة في الأصل لإدارة وتنظيم المنشآت الرياضية، ثم وسّعت نطاق نشاطها تماشياً مع التحولات الاقتصادية والرياضية في مصر، لتشمل الاستثمار الرياضي، وإدارة الأندية والمنشآت، وتنظيم الفعاليات الكبرى، وتقديم الاستشارات داخل مصر وخارجها، ولا سيما في الدول العربية والأفريقية. وتقدّم الشركة خدماتها عبر فرق متخصصة في التسويق الرياضي، وإدارة المنشآت، وبالاستعانة بنجوم وأبطال عالميين، بما يرسّخ نموذج الرياضة بوصفها صناعة اقتصادية ذات معايير دولية.
وفي بُعد آخر لا يقل أهمية، تأسست شركة «تذكرتي» عام 2016، كإحدى شركات «المتحدة» المعروفة بارتباطها بأجهزة الدولة، لتتولى تنظيم سوق بيع التذاكر للأحداث الرياضية والترفيهية والمؤتمرات. وتقدّم الشركة خدمات حجز وبيع التذاكر، وتنظيم وإدارة الفعاليات، وإدارة دخول الجماهير باستخدام تقنيات رقمية متقدمة، بما يضمن السيطرة الكاملة على حركة الجمهور. وقد أدّى ذلك عملياً إلى إحكام السيطرة الأمنية على المباريات، وإنهاء ظاهرة روابط «الألتراس» بعد الصدامات الدامية في استاد بورسعيد عام 2012 واستاد الدفاع الجوي عام 2015، حيث أصبح كل متفرج معروف الهوية والموقع داخل المدرجات، بما يضمن منع الهتافات الجماعية غير المرغوب فيها.
وهكذا، جرى تحويل الرياضة تدريجياً إلى القطاع الخاص، في مسار تناولته عشرات الدراسات والأبحاث. من بينها دراسة الدكتورة جيهان عبد السلام (2021) بعنوان «هل تنجح تجربة شركات المساهمة الرياضية في مصر؟»، والتي أشارت إلى أن صناعة الرياضة في مصر تمثل نحو 25% من حجم الاستثمار الرياضي في الوطن العربي، وتسهم بنسبة 2.7% من إجمالي الاستثمارات داخل مصر. وتؤكد الدراسة أن الدولة اتخذت خطوات لتطوير هذه الصناعة، من أبرزها إنشاء شركة استادات الوطنية لإدارة الملاعب والمنشآت، وتحويلها إلى مؤسسات رياضية–اجتماعية–اقتصادية شاملة وفق معايير عالمية.
وتتناول الدراسة كذلك نماذج لشركات استثمار رياضي، مثل «المقاصة سبورت» برأسمال 54 مليون جنيه، وشركة وادي دجلة القابضة، التي تُعد أول شركة متخصصة في الإدارة الرياضية في مصر منذ عام 2002، وتعمل في مجالات متنوعة تشمل الإنشاءات، والتسويق، والتعليم، والعلاج، والإعلام، والسياحة الرياضية، إضافة إلى امتلاكها أكاديميات لكرة القدم داخل مصر وخارجها. كما تشير الدراسة إلى شركات مساهمة تمتلك أندية بالفعل، مثل مصر للمقاصة والجونة، فضلاً عن إعلان الأهلي والزمالك مؤخراً تأسيس شركتي كرة قدم لكل منهما، من دون الكشف عن تفاصيل واضحة.
ومن زاوية أخرى، تناولت دراسة يوسف ورداني، مساعد وزير الشباب والرياضة للشؤون الشبابية (2019)، التحولات التي أحدثها قانون الرياضة الصادر عام 2017، موضحة أنه أعاد توزيع الأدوار داخل المنظومة الرياضية، ومنح وزارة الشباب والرياضة سلطات فنية وتنظيمية أوسع، وأعاد هيكلة القطاع عبر تقنين أوضاع هيئات قائمة، واستحداث كيانات جديدة مثل الاتحاد المصري للرياضة المدرسية، والمنظمة المصرية لمكافحة المنشطات، ومركز التسوية والتحكيم الرياضي. كما أبرزت الدراسة تنامي أدوار فاعلين آخرين، مثل لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، والإعلام الرياضي، وشركات القطاع الخاص.
وتشير الدراسة إلى أن قانون الرياضة مثّل قطيعة مع «فلسفة التوجيه» التي سادت منذ ثورة 23 يوليو، وقصر دور الوزارة على الإشراف المالي والرقابي، مع إعادة رياضة البطولة إلى الإطار الدولي للجنة الأوليمبية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص ليؤدي دوراً أكبر، سواء من خلال الرعاية أو توريد الخدمات الرياضية، في إطار ما يُقدَّم بوصفه «مسؤولية مجتمعية».
في ضوء هذه التحولات، يبرز السؤال الجوهري: هل نجح القطاع الخاص في النهوض بالرياضة المصرية؟ فمن تراجع نتائج منتخب كرة القدم، إلى الحوادث المأساوية مثل غرق السباح الشاب يوسف محمد خلال بطولة الجمهورية للسباحة، تتبدّى ملامح أزمة أعمق، تعكس اتجاه الرياضة في مصر في ظل منطق التسليع، وانسحاب الدولة، وتحويل المجال الرياضي من حق اجتماعي وتنموي إلى نشاط اقتصادي محكوم بحسابات الربح والخسارة.