شرط الحرية أن تنزل جماهير مصر إلى الشارع:
محوريةُ مصر في النضال الفلسطيني
- ما زالت ثمة نسخة محددة من العروبة باقية: نسخة الثورة المضادة والرجعية، التي تسعى إلى بدء حقبة «ما بعد الجماهير» المصطفة مع لامبالاة الطبقة الحاكمة العالمية بالرأي العام.
- إن الصراع خارج غزة وفي المنطقة هو انعكاس لما حدث داخل غزة. لابد أن تختار المجتمعات بين أن تصبح مجتمعات مستسلمة أو أن تصبح مجتمعات جديدة مقاومة وقادرة على المواجهة.
- ليس من العادل أن تتحمل غزة عبء الواقع القاسي في حين تقف الدول العربية ومعها مصر في موقع المُستقبِل لما يطرأ من أحداث. إن مصير شعوب المنطقة مرتبط ومترابط، سواء أقرت الشعوب ذلك أم لا.
يا رَب…
ما تحبِبْني في الناس الملاح ثانى
يا رَب
ما ترجعني أعشق
ضحكة إخواني
يا رَب
كرهني في أوطاني
- «الله يجازيك يا عم عبد الناصر»، قصيدة لعبد الرحمن الأبنودي.
***
اللي شبكنا يخلصنا
- «جانا الهوى»، أغنية لعبد الحليم حافظ.
***
«لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»
- شعار صكّه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
***
عاد إلى الصدارة مؤخراً شعار ناصر الشهير «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» مع أحداث الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة التي بدلّت أحوال العالم. يعكس الشعار مشاعر لحظة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، إشارة إلى أن نضال التحرر الوطني، والتخلص من الاستعمار في الشرق الأوسط (باستثناء فلسطين)، كان يجب أن تكون له الأولوية على القضايا الأخرى المُلحّة مثل تنظيم المجتمع والدولة والاقتصاد. كانت حينئذ أسئلة التحرّر الوطني محورية في نظر اليسار العربي، محورية للمشاريع الراديكالية والتقدمية، في تقدير القوميين والاشتراكيين والشيوعيين بل وحتى الليبراليين العرب. وكان الجِدال دائر حول موقع التحرر الوطني وترتيبه كأولوية في مواجهة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المُلحّة، لكن سرعان ما تبين أن إنشاء المستوطنة الصهيونية في فلسطين هو شوكة في ظهر هذه المشروعات الناشئة. وفي محاولة هذه القوى السياسية لتثبيت أقدامها في عصر التحرر من الاستعمار، سرعان ما اضطرت إلى فهم ذاك المشروع بصفته مشروعاً استعمارياً كلاسيكياً قديماً يقف ضد مطامح شعوب المنطقة نحو التحرر.
حتى قبل عنف مرحلة تأسيس الدولة الصهيونية في عام 1948، رفض الفلسطينيون – والعرب بشكل عام – هذا المشروع الاستعماري السافر، والعنصرية العرقية، الذي كان يُزرع في أرضهم، ليس لأن العرب ضد الهجرة اليهودية في حد ذاتها – كما تدّعي السردية الغربية – لكن لأنهم رأوا أن الصهيونيةَ مشروعٌ استعماريٌ عنصريٌ مُعَادٍ من شأنه إيقاف وإحباط المشروعات التقدمية التي تَصورُّوها للمنطقة. حتى قبل المذابح وجرائم التطهير العرقي المرافقة للنكبة، وإنشاء إسرائيل على أرض فلسطين، أدرك الفلسطينيون والعرب حقيقة هذا المشروع الاستعماري الإقصائي الذي اختارت بريطانيا دعمَه وتمكينَه من دون مشاورة أصحاب الأرض الحقيقيين. وكان هذا واضحاً في الثورة العربية عام 1936، انتفاضة الفلاحين والطبقة العاملة الوطنية الفلسطينيين والعرب ضد الحكم الاستعماري البريطاني وتمدد الاستيطان الصهيوني في فلسطين تحت رعاية الانتداب البريطاني.
عند إنشاء إسرائيل، ظهرت الحاجة لتغيّر الظروف المادية لشعوب المنطقة حتى تستوعب الحقيقة الجديدة لهذا المشروع الاستعماري-الاستيطاني الذي ظهر وسطهم. من ثم، أصبحت أولوية أي مشروع يساري أو تقدمي أو تنموي هي التحرر الوطني أولاً وقبل كل شيء. وكان القول المتكرر حينئذ هو أن المسائل الاقتصادية والاجتماعية يجب أن تُخلي مساحة الأولوية التي تحتلها هذه الحقيقة الجديدة، أو على الأقل تُجاورها في الأولوية، ما أضاف تحدياً جديداً واجه شعوب المنطقة. وكانت شواغل اليسار المتفق عليها، مثل التخطيط الاقتصادي وتنظيم النقابات والديمقراطية ومعالجة القضايا الاجتماعية، هي شواغل مهمة لكنها احتلت المقعد الخلفي وراء قضية التحرر الوطني، أو جاورَتها، أو أعيد تقييمها على ضوء السياق الجديد. وقت كانت المطامح الاشتراكية والشيوعية في أقصاها ربما، وعندما كان الناس في مناطق العالم الأخرى يَقدرون على الاعتماد على الأيديولوجيات اليسارية المنتشرة للدفع بمكاسب تقدمية، كانت شعوب المنطقة تفتقر إلى ترف تكريس نضالاتها حصراً لتلك الأسئلة، إذ كانت مضطرة إلى النظر في كيف ستؤثر هذه المستعمرة الصهيونية الجديدة على مشاريعهم الإنمائية والتحديثية.
لا مستقبل للمنطقة، ناهيك عن تحقيق الرفاه الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والحقوق الفردية، طالما شعبها مجبر على التعايش مع الإبادة والاعتداء السافر
في هذا السياق، اتسم اليسار العربي برفضه لفصل الحريات الاجتماعية والسياسية عن قضية التحرر الوطني. جرى الترحيب بالأفكار والتساؤلات حول ما إذا كانت هذه القضية وتلك – التحرر الوطني، والتنمية الاجتماعية والسياسية – متجاورتان، لكن كان من الواضح أن التحرر الوطني جزء لا يتجزأ من طابع دولة ما بعد الاستعمار. واتّضح هذا في صعود شعبية جمال عبد الناصر والعقيدة البعثية، وهي الأيديولوجية القومية العربية التي خرجت من سوريا والعراق، وقد أعلت الناصرية والبعثية أولوية التحرر الوطني.
مثّل شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» هذا النزوع عند اليسار العربي. وترى التحليلات الكريمة المتعاطفة فيه تجسيداً للواقع المادي في سياق الحروب المتوالية مع إسرائيل. أما التحليلات الأكثر انتقاداً فترى فيه نهجاً لا يخلو من السلبية لجأت إليه مصر (ودول أخرى بالمنطقة) لإسكات الانتقاد وضرب المعارضة وإرجاء أو تجنب التعامل مع القضايا الخاصة بالديمقراطية والحريات الشخصية. وبغض النظر عن موقفك من هذا النقاش حول كيف استُخدم ذاك الشعار، فجوهر المعضلة لم يُحلّ أبداً: إسرائيل – وكيلة الولايات المتحدة بامتياز – مسلحة بأقوى وأحدث تكنولوجيات القتل في العالم، وهي مستمرة في شنّ حرب لا هوادة فيها على شعوب المنطقة، بينما الجماهير في مختلف البلدان العربية في أوضاع مأساوية، تعاني من السلطوية والفساد والإفقار.
ومنتقدو النهج الذي أوضحناه لاستعمال شعار جمال عبد الناصر في حينه، ثم استخدام القادة العرب له في الوقت الراهن (وأغلبهم لا يعلون أولوية التحرر الوطني أو القضايا الاجتماعية والسياسية المُلحّة) يتجاهلون دائماً بطريقة ما التناقض الرئيسي: إسرائيل. إذا كان المراقبون لا يحبون هذا النهج ويعتبرون العدالة الاجتماعية والاقتصادية هي مناط الأولوية الرئيسي، وأنها تسمو فوق قضية التحرر الوطني أو السيادة الوطنية، فعليهم أن يقدموا حلولاً تقرّ بأن استمرار إسرائيل في المنطقة – التجسيد الأساسي للإمبريالية الأميركية – هو أحد أسباب ضعف التنمية فيها وتخلّفها. إن أحداث العامين الماضيين (إن لم نرجع بالتحليل إلى بدايات «الحرب على الإرهاب» وغزو العراق عام 2003)، أظهرت أن الإخفاق في الإقرار بهذا الواقع يعني المخاطرة بالتعامل مع الأعراض، لا العلّة.
حتى بعد خسارة 1967 الفادحة، وتراجُع شعبية جمال عبد الناصر، وصعود ما يُسمى بـ «اليسار الجديد» في مصر في السبعينيات – ممثلاً في تحول الحركة الطلابية المصرية نحو حركات مقاومة العالم الثالث بحثاً عن الإلهام (مثل حرب فيتنام والفيت-كونغ وتشي غيفارا في كوبا)، ظل التركيز منصباً على «السؤال الوطني مع إهمال السؤال الاجتماعي، كما فعل الجيل السابق من اليساريين، الذي ادعى اليسار الجديد أنه ينأى بنفسه عنه»، كما قال المؤرخ جينارو جيرفاسيو.1 أضاف جيرفاسيو موضحاً: «كان هذا مفهوماً نظراً للاحتلال الإسرائيلي لسيناء، لكن التركيز الحصري تقريباً على المسألة الوطنية والقومية العربية كان عائقاً – على المدى البعيد – لانتشار الماركسية في أوساط الشعب».
التحليل هنا هدفه تحديد المسؤولية على اليسار الذي أخفق في التعلم من أخطائه التي تصوّر وقوعها، لكن السؤال الأهم هو لماذا استمر عبْر المنطقة تبني فكرة أن المسألة الوطنية مركزية. وبالقدر نفسه من الأهمية، ثمة ضرورة للنظر في أسباب اختلاف طريقة النظر إلى الوطنية عبر بلدان الجنوب العالمي، ونحن هنا نتحدث عن منطقة ابتُليَت باستعمار استيطاني دأب على القتل والدمار وإخضاع كل من حوله. السؤال الوطني في هذا السياق هو سؤال السيادة على الأرض والموارد والمصير.
خصوصية السياق الإقليمي كبيرة، تشمل الموقع الجغرافي، ووجود نقاط «اختناق» محتملة للتجارة العالمية (مثل قناة السويس ومضيق هرمز ومضيق تيران)، ومواردها الكبيرة (مثل النفط والغاز) وملايين الناس الذين يتشاركون في اللغة والثقافة والروابط الاجتماعية والتاريخية. هذه الخصوصية بأوجهها المختلفة تعني أن أية محاولة لتحقيق السيادة – حتى وإن لم تكن اشتراكية الطابع وبغض النظر عمّا إذا كان يقف ورائها جهد جماعي أو فردي، ديمقراطي أو سلطوي – سوف تُعتبر بمثابة تهديد للرأسمالية العالمية والإمبراطورية. الإقرار بهذا الواقع الإقليمي لا يعني «غسيل سمعة السلطوية» أو حلّ النظم القمعية بالمنطقة من جرائمها. التقييم السليم لموقع المنطقة العالمي والإقليمي – والنظر إلى تاريخها بإمعان – قد أثبت صحة هذه النظرة مراراً وتكراراً على مدار عقود.2
الإثبات المؤسف على الإخفاق الجماعي في التقييم السليم والتعامل الجاد مع جذور هذه المشكلة، هو أن استمرار وجود إسرائيل في المنطقة قد أدى منطقياً إلى تنفيذ الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، وصاحَب هذا التطور تبديل شعار جمال عبد الناصر ليصبح «لا صوت يعلو فوق صوت الإبادة الجماعية». ببساطة، لا مستقبل للمنطقة – ناهيك عن تحقيق الرفاه الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والحقوق الفردية – طالما شعبها مجبر على التعايش مع الإبادة والاعتداء السافر. كما ظهر من محاولات سابقة – مثل اتفاقات كامب ديفيد واتفاقات أوسلو – لا يمكن لأي قدر من التطبيع الجبري باسم «السلام» أو تسوية القضية أو الاستسلام أن يقدّم حلاً نهائياً لهذه المشكلة.
إن تحوّل إسرائيل باتجاه النزعات الدينية المتطرّفة، دفع بمصر أكثر نحو التيّارات الإسلامية التي ترى أن الكرامة لن تستعاد إلا بالعودة إلى الدين
قبل إنشاء دولة إسرائيل، أعيقت محاولات العرب للانضمام إلى المنظومة الرأسمالية العالمية. أشهر مثال على هذه العرقلة هو مصير مشروع طلعت حرب للرأسمالية الوطنية في مصر. طلعت حرب (1867-1941) المعروف بلقب أبو الرأسمالية المصرية، حاول بناء طبقة رأسمالية وطنية مستقلة قادرة على منافسة الاقتصاد الأجنبي المهيمن في مطلع القرن العشرين. كان يهيمن على الاقتصاد المصري حينئذ البنوك والشركات والاستثمارات البريطانية والفرنسية، التي اضطر الرأسماليون المصريون للاعتماد عليها في رأس المال.3بدأ مشروع طلعت حرب للرأسمالية الوطنية بإنشاء بنك مصر، أول مصرف مصري وطني، وأصبح مملوكاً لحملة أسهم مصريين حصراً، من دون ملكية أجنبية. بعد ذلك، شكّل البنك شبكة من الشركات المصرية عبر قطاعات عدة (الغزل والنسيج، والشحن، والتأمين، والخطوط الجوية، والسينما، إلخ) بهدف استمرار تدوير رأس المال المصري داخل مصر. سرعان ما رأت فيه بريطانيا محاولةً لتأميم الصناعات الرأسمالية، وخطراً داهماً على نموذجها الاقتصادي الاستعماري. أرادت لمصر أن تبقى في مكانها الذي قدّرته لها في سلاسل الإمداد العالمية، كسوق للسلع البريطانية، لا أن تصبح منافساً صناعياً. من ثم تحرّكت بريطانيا لإفشال مبادرة طلعت حرب فحركت خيوط هيمنتها المالية، وحرّكت الملك ضد المشروع وأعوانها الاستعماريين داخل الدولة.4 وفي النهاية، واجه بنك مصر مشكلات مالية جسيمة أثناء فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات، وعزلت الحكومة المصرية (تحت النفوذ الأجنبي) طلعت حرب من قيادة البنك.5
يمكننا هنا تطبيق نظرية التبعية، التي أعدها منظّرو «النظام العالمي»، ومنهم الاقتصادي المصري سمير أمين. طبقاً لهذه النظرية، تواجه دول الهامش العالمي قيوداً هيكلية تجعل التنمية المستقلة مسألة صعبة أشد الصعوبة. على النقيض من الدول الصناعية الغربية، فالاقتصادات في الهامش تخضع لمنظومة رأسمالية عالمية، تنقل موارد دول الهامش إلى دول المركز، وتَحد من نمو وتطور رأس المال الوطني المستقل. وبالنسبة لدول الهامش، يُعَد التحوّل الصناعي خطوة مهمة نحو تقليل التبعية وبناء سيادة اقتصادية حقيقية.6
تطبيق نظرية التبعية – على سبيل المثال – على مبادرة طلعت حرب في مصر مطلع القرن العشرين تفيد بأن طلعت حرب والرأسمالية الوطنية المصرية واجها الصعوبات ليس بالأساس بسبب مشكلات داخلية، بل لأن هيكل التبعية جعل التنمية الرأسمالية المستقلة مسألة بالغة الصعوبة في الهامش تحت نير الإمبريالية. واجهت محاولة طلعت حرب بنى وهياكل اقتصادية متجذرة وإرث نظم استخراجية استغلالية مصمّمة خصيصاً لتعميق التخلف عن التنمية. مهّدت هذه التجربة الطريق لاشتراكية الدولة الناصرية في الخمسينيات، التي ومع إقرارها بأن الرأسمالية الوطنية (القطاع الخاص الوطني) وحدها لا يمكنها التعامل مع الهيمنة الإمبريالية، اتجهت إلى سلطة الدولة والتأميم كاستراتيجية لتحقيق الاستقلالية الاقتصادية. كما تثبت تجربة طلعت حرب أن دول المنطقة لا تحتاج لأن تكون اشتراكية حتى تراها الرأسمالية العالمية مصدراً للتهديد: أيّ محاولةٍ لتحقيق السيادة الوطنية عبر مشروعات رأسمالية وطنية تُعتبر هجوماً على المعمار الاقتصادي للإمبريالية، وهو واقع أصبح أوضح وأبرز بعد غرس ممثل الإمبريالية ومراقبها الشرس في المنطقة، أي إسرائيل.
في الخمسينيات والستينيات، تبنت مصر مشروعات إقليمية تقدمية مثل القومية العربية والاصطفاف مع العالم الثالث وعدم الانحياز، مع سعيها إلى رسم طريق جديد نحو السيادة تحت أعين القوى العالمية المتنافسة في الحرب الباردة. وهي في مسعاها ذاك، كانت مضطرة للتعامل مع حقيقة أن أي مشروع سيادي طامح للنجاح في المنطقة عليه هزيمة القوى الرجعية المعارضة للسيادة العربية والتنمية. سواء آمنّا أو لم نؤمن بأن جمال عبد الناصر كان صادقاً في موقف مصر كزعيم للعالم العربي يعمل على تحقيق مصالح الشعوب العربية، تبقى حقيقة أن أفكار ومشروعات التحرر الوطني والسيادة الاقتصادية والقومية العربية كانت تعتمل في المنطقة على مدار عقود قبل عهده وقيادته. كما أن المشروع الناصري لمصر والمنطقة قد تمتّع بشعبية كبيرة وإقبال واسع على تبنيه، ليس في مصر فقط، بل أيضاً عبر العالم العربي وعند البلدان المحررة حديثاً من الاستعمار على مستوى العالم. وعلى الرغم من أن البعض يرون أن هذا الدعم كان نتيجة خليط من القمع والبروباغاندا، فهذه المزاعم اختزالية، لا ترى الملايين الذين دعموا المشروع ومن تبنوا أفكاره حتى قبل تأسيس الجمهورية في مصر. وممن تبنوا هذه الأفكار بعض المثقفين الذين سجنهم جمال عبد الناصر، وظلوا داعمين للمشروع من داخل السجون وبعد إطلاق سراحهم.
من هؤلاء المثقفين المفكر الماركسي أنور عبد الملك، والروائي المصري الشهير الراحل عن عالمنا مؤخراً صنع الله إبراهيم، الذي وثق المرحلة الناصرية في رواياته. رفض صنع الله نشر انتقاداته للمجتمع المصري (في رواية 67) فور وفاة ناصر خشية أن تُستخدم في تلويث سمعة اليسار في وقت كان فيه أنور السادات يفك ارتباط النظام بالمشروع الناصري ويستهدف الناصريين واليسار الجديد على السواء. في مقابلة لصنع الله مع بي بي سي في 2017 تحدث عن هذا التناقض وقال إنه نظراً لسياق التحرر من الاستعمار، تمكّن جيله من قراءة الموقف بشكل «موضوعي»، ففصل في تحليلاته تجربة سجن الشيوعيين وانتقاداتهم الشخصية لحكومة جمال عبد الناصر عمّا كانت مصر تواجهه: «كان ذلك قبل 1967 بعشر سنوات، وقت أن كانت مصر ذات سيادة كاملة، عندما كادت العدالة الاجتماعية أن تتحقق، وكانت هناك محاولة لتحقيق الديمقراطية الاجتماعية الحقيقية». كذلك تحدث صنع الله عمّا استجد بعد هذه المرحلة، من صعود للطائفية بين السنة والشيعة والعداء لإيران، وتعمّق التطبيع مع إسرائيل. ذكر صنع الله في المقابلة أن تفكيره في مآلات العراق وليبيا وسوريا واليمن قد زاد من تقديره للحقبة الناصرية.
ليس هذا بالأساس إعلان تقدير لجمال عبد الناصر الذي أخفق في نهاية المطاف في تحقيق رسالته لأسباب عدّة، ومنها عدم ثقته في الجماهير. إنما يبدو أن صنع الله لم يرَ تناقضاً بين مشاعره التي عبّر عنها في مقابلة بي بي سي وأعماله الأدبية شديدة الانتقاد لناصر والمجتمع المصري في عهده، وهي الأعمال التي أنجزها أثناء المرحلة الناصرية. بينما يتجاهل هذا التمييز عادة الأعمال التاريخية التقليدية، فقد كان أغلب المصريين على استعداد لبذل الجهود كاملة لإنجاح المشروع، الذي كان مشروع الشعب بقدر ما كان مشروع ناصر. لكن للأسف لم يثق جمال عبد الناصر بالقدر الكافي في الشعب ليسمح له بدفع هذا المشروع للأمام.
الغاية من هذا الحديث عن المشروع الناصري هنا هي توضيح لماذا تعتبر مصر في عهد جمال عبد الناصر هي اللحظة المهيمنة (بالمعنى الغرامشي) الحقيقية الوحيدة في تاريخ مصر الحديث، على الرغم من عدم قدرة المشروع على تحقيق رؤيته. لقد كانت الحكومة المصرية الوحيدة في تاريخ مصر ما بعد الاستعمار التي آمن بها الشعب حقاً بغض النظر عن وجوهها المستبدة الإكراهية، في حين أخفقت النظم التالية في تحقيق القدر نفسه من الثقة والدعم الشعبيين.7
هذا السياق التاريخي مهم لأن بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، تجدّدت النقاشات بشأن المرحلة الناصرية في المنطقة العربية، وتصاعدت مرة أخرى شعبية جمال عبد الناصر في أوساط الشباب المصري. هذه الظاهرة تدل عليها زيادة الإقبال على العضوية في حزب الكرامة الناصري في مصر، وقد اختار الشباب العمل من خلاله لدى تنظيم الفعاليات السياسية. على سبيل المثال، أتاح الحزب مقراته للنشطاء في فلوتيلا الصمود العالمية (وقد حظرت الحكومة المصرية هذه الحملة) واستخدم مبنى الحزب في عقد فعالية لم الشمل العائلي للمعتقلين السياسيين الفلسطينيين. يرى الأعضاء والنشطاء الأكبر سناً في هذه الفعاليات مجرد مرحلة عابرة، أو رومانسية وتمجيد لمثل سامية. لكن من يكيلون هذه الانتقادات لم يبحثوا في الأسباب التي تجعل الأجيال الشابة أكثر انجذاباً لفكرة السيادة مقارنة بالإطار الحقوقي المناوئ للسلطوية الذي روجت له الأجيال الأكبر سناً، في وقت يعاد فيه تشكيل المنطقة وتظهر فيه قلة الحيلة وعدم القدرة على وقف الإبادة الإسرائيلية في غزة. الإطار الحقوقي المناوئ للسلطوية يُنظر إليه حالياً بصفته إطار فشل في تقديم الحل، سواء في الحاضر أو أثناء صعود ذلك الإطار قبل وأثناء ثورة يناير 2011 في مصر.
وبالمثل، يرفض بعض المراقبين تصاعد الإعجاب برموز المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ويفضلون اتخاذ مواقف «متزنة» – أو تطهرية. يعكس هذا اتساع الهوة نتيجة لتصاعد التناقضات: فالإبادة في فلسطين كشفت عن هزلية «النظام العالمي القائم على القواعد» بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا، وعرّى أيضاً من كانوا يستخدمون الولايات المتحدة ومؤسساتها كهراوة لضرب النظم العربية أو كنموذج يُحتذى. هذه المؤسسات هي المؤسسات نفسها التي وفّرت الغطاء للإبادة الإسرائيلية، وقد أوضح هذا تماماً الفجوة الكبيرة بين الولايات المتحدة والحلفاء من النظم العربية على جانب، والشعوب التي تحكمها هذه النظم على الجانب الآخر.
استحالة الخلاص الفردي
يجب لأي تحليل جاد للشرق الأوسط الحديث أن يتعاطى مع تشكيل ذلك الكيان الاستعماري المعسّكر المسمى إسرائيل، بصفته متصل اتصالاً مباشراً بتطور المنطقة في القرنين العشرين والحادي والعشرين. كان الرفض الأولّي من الدول العربية لإسرائيل إقراراً بأن وجود تلك المستعمرة سيعيق المشاريع السياسية الجماعية العربية، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويحول دون ظهور دول عربية قوية، مع مساعدة الولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهما في حماية استغلالهم لقناة السويس والطُرق إلى العراق والهند. أبطأت إسرائيل – ثم أوقفت وعكست مسار – مشروع التحديث العربي، وكان هدفه السيادة والتنمية في مرحلة ما بعد الاستعمار. كانت إسرائيل هي «الدعامة الحقيقية ضد الهمجية العربية» في وصف تيودور هرتزل. هدفها كان مناوئة (ولو حتى بشكل ثانوي) والعمل كبديل للتيارات الشيوعية الثورية التي تواجدت في المنطقة حينئذ، كما قال وينستون تشرشل في مقال له نُشر عام 1920 بعنوان «الصهيونية ضد البلشفية: الكفاح من أجل روح الشعب اليهودي». في هذا السياق شدد المثقف الفلسطيني منير شفيق على البُعد العربي للقضية الفلسطينية، فقال ما مفاده أن: «تجربة بريطانيا مع محمد علي الكبير في مصر (1805-1840) قادتها إلى ضرورة إنشاء كيان ينتمي للمشروع الاستعماري في فلسطين لمنع مصر من توحيد العرب أو النهوض والتحول إلى دولة كبرى قادرة على المنافسة، على شاكلة ما حققه محمد علي (الذي جعل الجيش المصري هو الخامس في العالم حينئذ). زُرع الكيان الصهيوني في فلسطين ليس لأن فلسطين كانت الهدف، إنما كوسيلة لتحقيق هدف السيطرة على مصر ومنع اتحاد مشرق ومغرب العالم العربي».8
دعونا نمحّص مقولة أنه بغض النظر عن فلسطين، كان لتواجد إسرائيل على حدود مصر دور محوري في إيقاف التنمية فيها. بصفتها من أقدم دول المنطقة من حيث مشروعات التحديث وبناء المؤسسات، ونظراً لأن فيها 35% إلى 40% من الشعب العربي نظراً للتعداد السكاني، كانت مصر تاريخياً مرشحة لقيادة المنطقة. في الخمسينيات والستينيات، في العهد الناصري، بذلت محاولة جادة للعب هذا الدور، بمباركة ودعم من أغلب الشعوب العربية. بعد 1948، حتى قبل وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة، تابعت الصحافة والشعوب العربية (لا سيما في سوريا، وكانت بدورها قوة إقليمية كبيرة) الأحداث في مصر عن كثب، بما يشمل كفاحها ضد الاستعمار الإنكليزي. على سبيل المثال، في أكتوبر 1951 ورد في صحيفة البعث تعليقاً على إلغاء المعاهدة بين مصر وبريطانيا العظمى أن: «الشعب العربي يلتف حول مصر».9
لكن ثمة عوامل عدة عرقلت هذه المطامح. فتجربة الشعب والدولة في مصر والبلدان العربية لم تتطابق مع واقع قدرات مصر كجمهورية خرجت لتوها من الاستعمار، وكانت تحاول أن تنهض على قدميها في عالم سريع التغير، مع محاولة فك ارتباط اقتصادها عن الغرب. أصبحت محاولات مصر لقيادة المشروع القومي العربي سبباً لاستنزاف اقتصادها، لا سيما مع تورطها في حروب عدة في تلك الفترة، أهمها ربما حرب اليمن ضد السعودية والمملكة المتحدة، فضلاً عن تقديمها الدعم لمشاريع التحرر العربي الأخرى كالجزائر. وفي الوقت نفسه، كانت مصر تحاول تحقيق السيادة الاقتصادية، ومن ثم لم تكن مستعدة للاعتماد على الكتلة الغربية. في تلك المرحلة، استفادت مصر من دعم الاتحاد السوفياتي لمختلف نضالات التحرّر في المنطقة العربية وأفريقيا، وكذلك استفادت من تقاربها مع حركة عدم الانحياز. لكنها لم تحظ بمستوى الدعم نفسه الذي قدمته بريطانيا ثم أميركا لإسرائيل.
يظهر من رواية هنري كيسنجر أن السادات لم يرغب سوى في توغل عسكري محسوب لتحقيق أهداف سياسية، بدلاً من اعتبار الحرب غاية نهائية يتحقّق من خلالها النصر
حتى في الفترة السابقة على مؤتمر باندونغ (1955)، وقت كانت مصر لا تزال صديقة للولايات المتحدة، كانت نقطة الخلاف الرئيسة بين النظام الناصري والولايات المتحدة هو موقف الأخيرة من إسرائيل. ثم بعد المؤتمر (الذي انطلقت فيه حركة عدم الانحياز والالتفاف حول العالم الثالث)، تفاقمت التوترات عندما انضم ناصر إلى كتلة عدم الانحياز ونأى بنفسه عن المعسكر الغربي. رأى أن أفضل طريق لمصر هو أن تضع لها مساراً مستقلاً إقليمياً ودولياً. بعد هذه التحركات بدأت الولايات المتحدة تعطي الدعم الكامل والشامل لمستعمرتها الجديدة إسرائيل. لكن مصر تمكنت من المناورة في العالم متعدد الأقطاب، محققة بذلك أهدافها، فأممت قناة السويس عام 1956 ثم انتقلت إلى طموحات أكبر، مثل إعلان الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا في عام 1958. وكان إنشاء الجمهورية العربية المتحدة تغيراً جيوستراتيجياً هاماً في المنطقة. فسوريا التي تعد من أقوى الكيانات السياسية في المنطقة وكانت تحدوها من قبل آمالُ تأسيس سوريا الكبرى وتوحيد المشرق، تنازلت طوعاً عن وجودها السياسي المستقل لصالح كيان سياسي إقليمي من أجل الوحدة العربية، بدعم هائل من سكان البلدين ومن العالم العربي. كان هذا ولا يزال حدثاً لم يتكرر في العلاقات الدولية، وقد أشّر للعالم بجدية فكرة القومية العربية، وهدد بانتشار الفكرة عبر المنطقة. في الواقع، فإن دول مثل اليمن والعراق كانت على وشك الانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة، ما كان ليمثل ضربة موجعة للقوى الإمبريالية والنظم العربية الرجعية، ممثلة في المملكة الهاشمية الأردنية والسعودية.
دامت الجمهورية العربية المتحدة ثلاث سنوات فقط، بسبب عوامل داخلية. لكن السعي للاستقلال والسيادة استمر. بسبب نضالها ضد إسرائيل، وجدت مصر نفسها تقترب أكثر من المعسكر السوفياتي في سعيها لإحداث التوازن في مواجهة الدعم الأميركي المتزايد لإسرائيل. لكن كما سبق الذكر، لم يقترب مستوى الدعم السوفياتي يوماً من مستوى الدعم الأميركي لإسرائيل، لا سيما بعد أن أثبتت إسرائيل قدرتها على خوض معارك الحرب الباردة لصالح أميركا، فلم تقتصر على هزيمة جيوش عربية عدة في 1967، بل أيضاً أفسدت مشاريع الوحدة العربية والاشتراكية في المنطقة، والتي أصبحت في نظر الكثيرين من العرب مشاريع مشوبة بلون الهزيمة. وبعد انتصارها في 1967، أصبحت إسرائيل كياناً إمبريالياً بشكل رسمي، وكلب حراسة ووكيل للولايات المتحدة. وعلى هذا المسار، تلقت دعماً بلا حد من الأسلحة من طرف الولايات المتحدة: بينما حصلت في الستينيات على 834.8 مليون دولار مساعدات أميركية (30% منها مساعدات عسكرية)، ففي السبعينيات تلقت 16.3 مليار دولار (70% منها مساعدات عسكرية).10
واقترنت عملية منح الوكالة لإسرائيل بتمكين القوى الرجعية في المنطقة، ممثلة في النظم الحاكمة الغنية بالنفط: السعودية والإمارات والكويت وقطر. منذ تأسست، تداخلت هذه النظم بقوة مع المصالح الإمبريالية والرأسمالية، وشكلت معارضة طبيعية للاشتراكية العربية والمشاريع التقدمية. لكنها شاركت واستفادت من ما تبين لاحقاً أنه التجسيد الأخير للوحدة العربية: حصار النفط أثناء حرب أكتوبر 1973.
وكما دفع الصراع مع إسرائيل بمصر في اتجاه الاتحاد السوفياتي، فإن الصراع نفسه – بأشكال ضغوطه المختلفة – دفع مصر إلى الانتقال بالكامل إلى المعسكر الأميركي في 1978، لتخرج بشكل رسمي من عهد جمهورية يوليو الناصرية وتدخل حقبة جديدة مختلفة تماماً، ربما ما زلنا نعيش فيها. إذن لا يمكن تفسير واقع مصر السياسي الراهن من دون فهم تأثير إسرائيل على رحلتها كجمهورية حديثة في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو ما تستعرضه الفقرات التالية.
أولاً، أدى العنف الإسرائيلي المؤسس للكيان وهزيمة الجيوش العربية في 1948 – إضافة إلى خسارة فلسطين – إلى ضمان تحول المؤسسة العسكرية إلى فاعل سياسي رئيسي في مصر (من دون أن تكون الطرف السياسي الوحيد). مع نيلها الشرعية من التهديد الأمني الوجودي على حدود البلاد الشرقية، أصبحت المؤسسة العسكرية المصرية مكوناً رئيساً في الدولة. بالمقابل، كان لهذه العسكرة تبعات على الحياة السياسية والحريات. كما سبق الذكر، فإن فكرة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» كان معناها أن تتخذ القضية الوطنية الأولوية والأسبقية على القضايا الاجتماعية والسياسية. تَعزز هذا المنطق على مدار الحروب الكبرى ضد إسرائيل على امتداد ثلاثة عقود، العدوان الثلاثي في 1956، ثم نكسة 1967 ثم حرب استنزاف 1967-1970، وحرب أكتوبر 1973، ما دعم مشروعية المؤسسة العسكرية وبرر المطالبات المستمرة بتعزيزها.
ثانياً، كان لوجود إسرائيل التأثير على تصاعد تيارات الإسلام السياسي وانتشار الطائفية ومعاداة اليسار في مصر وعبر العالم العربي. من المعروف أنه بعد هزيمة مصر وسوريا المهينة التي غيّرت مسار الأحداث، على يد إسرائيل، في 1967، دعا الشيخ محمد متولي الشعراوي يشكر الله على أن مصر لم تهزم إسرائيل إذ أن النصر كان ليُعزى إلى الاشتراكية العلمانية على حساب الإسلام السياسي.11 وتزامن مع الهزيمة تحرك أنور السادات لإضعاف اليسار والناصرية، إذ مكّن نزعات الإسلام السياسي، وخصوصاً الإخوان المسلمين، وكذلك إرسال العمالة المصرية إلى الخليج، ما أدى في نهاية المطاف إلى انتشار الفكر الوهابي المتطرف في مصر.12 كذلك دفع تحول إسرائيل نحو اليمين باتجاه النزعات الدينية المتطرفة بمصر أكثر نحو التيارات الإسلامية التي قالت بأن الكرامة لن تستعاد إلا بالعودة إلى الدين. ولقد ظهر هذا الموقف عبر عدد من الكتابات. ففي «النبي والفرعون» يحاجج جايلز كيبل بأن إخفاق القومية العربية العلمانية في مقابل تصاعد إسرائيل الدينية والتوسعية عزز من الجاذبية الأيديولوجية للجماعات الإسلامية التي أطّرت الصراع بمسميات دينية. بالمثل، فإن رايموند ويليامز بيكر في «إسلام بلا خوف: مصر والإسلاميون الجدد» قال إن صعود الليكود وتجذر العقيدة الاستيطانية الوطنية الدينية في إسرائيل عزز مقولات الإسلاميين بأن الدول العلمانية غير قادرة على الدفاع عن الكرامة العربية وأن العودة إلى صحيح الإسلام فقط هي الكفيلة بالتمكين من مواجهة العسكرة الدينية الإسرائيلية المتنامية. وفي «العدو البعيد: لماذا أصبح الجهاد عالمياً»، يجادل فواز جرجس بأن توسع اليمين الديني الإسرائيلي – لا سيما بعد 1977 – شكّل الخطاب الإسلامي في مصر حيث صوّر الإسلاميون التحول اليميني لإسرائيل كإثبات على أن الصراع العربي الإسرائيلي قد أصبح صراعاً وجودياً ودينياً. يرى جرجس أن هذه السردية عززت صفوف الإخوان المسلمين بالأعضاء الجدد وكذا الأمر بالنسبة للجماعات الأكثر تطرفاً إلى يمين الإخوان.
في سياق هذا النقاش المرتبط بالتحول نحو التيارات الدينية والطائفية، من المهم توضيح أن وجود إسرائيل خلق أيضاً ثنائية العرب واليهود، على الرغم من أن اليهود العرب عاشوا في المنطقة لقرون، ولعبوا دوراً كبيراً في إنشاء الأحزاب الشيوعية في مختلف البلدان العربية منذ مطلع القرن العشرين. في الواقع، كرّس الموساد الإسرائيلي أكثر لهذا الانقسام الطائفي وشجّع على هجرة اليهود العرب إلى خارج المنطقة العربية عبر بث دعايا التخويف، بما يشمل ترتيب هجمات إرهابية على المعابد اليهودية، كما ورد في بحوث أجراها آفي شلايم. في لبنان، تعد مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 مثالاً صارخاً على إلهاب إسرائيل واستغلالها في آن للطائفية، التي جرت هندستها وتخليقها في المنطقة تزامناً مع هذا الانقسام الطائفي (لفائدة الاستعمار البريطاني والفرنسي) تحت لواء اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916.بانتقالها إلى المعسكر الأميركي، غيّرت مصر المعادلة الإقليمية: فقد أعادت تشكيل دورها إقليمياً ودولياً، وقلّصت نفوذها، وقلّلت إمكاناتها للدرجة التي نحن شهود عليها اليوم
وهناك تأثير ثالث لإسرائيل على تاريخ مصر الحديث، يتصل بالمعضلة الناشئة عن أن مصر – وفيها أكبر جيش وأكبر تعداد سكاني في المنطقة العربية – حتى مع الحصول على دعم البلدان العربية، لم تتمكّن بعد من تحقيق نصر حاسم أو تسوية نهائية لمشكلة إسرائيل، على الرغم من التباينات الواضحة في الحجم والتاريخ والحضارة. أدى هذا إلى إحساس مقيم بالهزيمة والارتباك في المجتمع المصري، وهو إحساس يفاقم منه طول مدة النزاع واستمرار العدوان الإسرائيلي على المنطقة العربية. هذا الانهزام المادي المستمر له آثار إضافية على طبيعة الشخصية السياسية العربية، إذ يؤثر على جميع التيارات السياسية وعلى قدرة الأفراد بالمنطقة ورؤيتهم لأنفسهم كأطراف فاعلة في التاريخ. ويظهر هذا الأمر في المجال المحلي في مصر. فمع إرجاء مرحلة حسم النزاع لأجل غير مسمّى، تؤدي صعوبة تصوّر حل حاسم إلى الاحتياج المستمر إلى تفسير لماذا لم يجْر التوصل بعد إلى حل نهائي، ولماذا لا يبدو أن مصر تتقدم بدرجة تقدم إسرائيل. أدى هذا إلى انتشار نظريات المؤامرة والتفسيرات المرتبطة بها، بما يشمل مقولات وحجج عن الخيانات الداخلية والطابور الخامس (الاستعانة بتفسيرات وتحليلات ثقافوية وثقافية الطابع)، بل حتى اللجوء إلى تفسيرات ما ورائية وتقديم نظريات مؤامرة تاريخية.
أدى هذا المنطق إلى خلق قطاع من المجتمع يعقلن ويهضم البروباغاندا الغربية القائلة بأن إسرائيل ناجحة ومستمرة، بسبب ممارساتها وتكريسها لقيم الغرب. إذن فالصهيونية من هذا المنظور هي أكثر من عقيدة استعمار استيطاني: لقد قدّمتها القوى الغربية كأسلوب حياة.
وهكذا يمكن تطبيق المقولة الشهيرة «من الأسهل تخيّل نهاية العالم على تخيّل نهاية الرأسمالية» على وجود إسرائيل: لقد أصبح من المستحيل تخيّل المنطقة من دون وجود إسرائيل فيها، على الرغم من تاريخها القصير نسبياً. إذن أصبح السؤال هو كيف نتعامل مع هذه «الحقائق على الأرض». على ضوء هذه المقاربة، بدلاً من محاولة تحقيق السيادة الحقيقية، تتنافس دول المنطقة حالياً على من يمكنه تحقيق أعلى تصنيف من حيث التقارب مع الولايات المتحدة. رأينا هذا مؤخراً عندما ابتهج داعمو الدولة المصرية لأن مصر (وليست قطر) سوف تستضيف محادثات وقف إطلاق النار وما سُمى بـ «مؤتمر السلام» على صلة بالإبادة في غزة، في حضور ترامب. في غياب الحلول، أو مع عدم الاستعداد للعثور عليها، أصبح سقف الطموح هو كيف تتعامل الدولة في عهد الهيمنة الأميركية والإسرائيلية هذا على المنطقة.
ونظراً للفجوة الكبيرة بين إمكانات مصر وتاريخها، وواقعها الراهن – وكذلك في ظل تشكّل الوطنية المصرية بمرحلة ما بعد الاستعمار في سياق معاداة إسرائيل – فليس من المبالغة القول بأن غياب الحل الفعال للمسألة الإسرائيلية قد خلق أزمة ثقة في مصر، تؤثر على جميع مجالات الحياة. كما قال الكاتب الماركسي المصري محمد نعيم: «ينسى البعض أو يتناسى أن الأصل في الإشكال الصهيوني بالنسبة لنا هو وجوده في ذاته، وليست المآسي المترتبة على هذا الوجود»، ويضيف: «مشكلة إسرائيل هي وجودها وليس ما تمارسه في المنطقة بسبب وجودها». الحقيقة المزعجة إذن هي أن مصير الشعب المصري – والمنطقة ككل – ليس مصيراً مشتركاً فحسب مع مصير إسرائيل، بل هو مرتبط به كل الارتباط.
تدرك الجماهير المصرية تماماً التباعد بين إمكانات مصر وثقافتها وتاريخها وخطاب الدولة الذي يعظّم من هذه المقومات، على جانب، وتدرك على الجانب الآخر الواقع الراهن والإخفاق في التوصل لحل حاسم للمعضلة الإسرائيلية. منذ توقيع «اتفاق السلام» مع إسرائيل في صورة اتفاقات كامب ديفيد عام 1978، ثم التطبيع مع المستعمرة الصهيونية على مستوى الدولة، أصبح القمع المتزايد مطلوباً لإعادة رسم وتنسيق صورة مشوهة للدولة.
انقطعت هذه الصورة المشوهة مؤقتاً في الفترة من 2011 إلى 2013 (مع الثورة المصرية) لكن جرى استردادها عبر إخضاع أغلب السكان لأحد أشد النظم قمعاً في التاريخ الحديث، مع فرض إجراءات تأديبية في الحياة اليومية، وعقاب وإفقار، لضمان استمرار شروط وظروف الهزيمة واللاحيلة.
ليس استخدام القمع في مصر بالأمر الجديد. ففي أعقاب كامب ديفيد، بدأ السادات حملة قمعية موسعة فاعتقل 1,600 مثقف وسياسي وناشط باستخدام آليات الدولة الضبطية، وتشمل قوانين تقييدية للتجمهر والتعبير، فضلاً عن العمل على تحسين شبكات المراقبة. بعد اغتيال السادات في 6 أكتوبر 1981 – أثناء موكب عسكري لإحياء ذكرى اتفاقات كامب ديفيد – انتقلت السلطة إلى نظام حسني مبارك. نُظر إلى ذلك النظام بصفته امتداداً لما بدأه السادات، بما يشمل استمراره في المسارات المفتقدة للشعبية الخاصة بالتحول النيوليبرالي في الاقتصاد وتعميق التطبيع مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه العمل على زيادة قدرة الدولة على القمع من خلال تفعيل حالة الطوارئ الدائمة، وتعزيز جهاز الأمن وتوسيع شبكة الخاضعين للاحتجاز التعسفي والتعذيب في السجون. هذه العوامل أدت إلى انطلاق انتفاضة 2011، وتلتها ثورة مضادة وعودة عنف الدولة الذي بدأه السادات، مع المزيد من العنف والقمع والإفقار.13
يوضح علي قادري العملية التي جرى استعراضها في الفقرات السابقة على النحو التالي: «من خلال بث إحساس بالحتمية وقلة الحيلة، يساعد العنف في الحفاظ على الهيمنة الرأسمالية. من دون العنف، لن تستمع الجماهير إلى منطق رأس المال. فوجودها كجماهير وإنتاجها لذاتها يعتمدان على العنف المناوئ الذي تفعّله المقاومة لعنف الرأسمالية». للتصدي لسوء سمعة المستوطنة الاستعمارية الصهيونية في المنطقة، تحولت الطبقات الحاكمة العربية (بما يشمل مصر) إلى شرطي مهمته تأديب السكان، ما سمح لها بالمقابل بتعزيز قوتها والدفع بمصالحها. إن نزعات المقاومة والتحرر تضر بشكل مباشر بمصالح الطبقات الحاكمة العربية: إذا جرى تفكيك دولة إسرائيل، فسوف يؤدي هذا إلى تغيير شامل في المنطقة، مع تجريد هذه الطبقات من قوتها والسماح بظهور بنى سياسية جديدة.
هزيمة لم تُحسَم؟
قيل الكثير عن تبعات هزيمة 1967 العسكرية التي كان ما بعدها غيْر ما قبلها، أو «النكسة». خضعت الهزيمة للتحليل في شتى أرجاء المنطقة وحول العالم، وظهرت بقوة في السينما والأدب والموسيقى حتى وقت أن حدثت، وما زال تأثيرها مستمرّاً إلى اليوم، يتحدى بشكل دائم حلم العظمة والكرامة الذي وعد به جمال عبد الناصر ولم يتحقق. بالنسبة للكثيرين، تنتهي هذه القصة هنا، بموت ناصر الذي انتهت معه أحلام الوحدة العربية والاشتراكية والعالم-ثالثية غير المحققة. من هذا المنظور، ألغت الهزيمة أي إنجازات ربما حققها ناصر. «خذلتَ نفسك وخذلتَنا، ثم ذهبتَ، وذهبَت معك مُقدَّرات الأمة وآمالها … إلى حين!»، هكذا لخص صنع الله إبراهيم هذه الرؤية في روايته «1970»، وهي مرثية ناقدة ورقيقة في الوقت نفسه للرجل الذي سجنه، وإن كان قد دعم مشروعه – ولو بشكل ناقد – حتى النهاية.
لكن ما لا تذكره هذه السردية هو ما حدث في العقد الواقع بين هزيمة 1967 وزيارة السادات سيئة السمعة إلى الكنيست بعد 10 سنوات. وكأنه لا يوجد سيناريو أسوأ للعسكرية المصرية مما تحقق في النكسة: دُمرت القوات الجوية بشكل شبه كامل، واحتُلت سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان. لكن التنازلات لم تحدث إلا عام 1978. قال موشيه ديان القائد العسكري الإسرائيلي ووزير الدفاع إنه انتظر مكالمة هاتفية من ناصر والعرب في أعقاب خسارة 1967 مباشرة، للإقرار بالهزيمة وطلب التسوية، لكن لم تأتِ المكالمة. بدلاً منها، وفي أعقاب خطاب تنحي جمال عبد الناصر الشهير بعد النكسة، خرج الآلاف إلى الشوارع يرفضون استقالته ويطالبونه بالبقاء في السلطة. تُصوّر بعض الروايات المتظاهرين حينئذ بأنهم كانوا يعانون من غسيل الدماغ، أو أن الخيارات لم تكن كثيرة، أو قيل إنهم كانوا عناصر مزروعة. في الواقع، كانت المظاهرات خياراً واعياً للأغلبية من الشعب المصري الذي كان يعرف أن خليفة ناصر المختار، خالد محيي الدين، يرغب في التحالف مع أميركا، فأعلنوا رفضهم للاستسلام.14 ومن خلال التظاهر، فرضوا على ناصر أن يستمر في الكفاح ضد إسرائيل وأعلنوا استعدادهم للاستمرار في التضحية من أجل التحرر.
أطاع ناصر، وبعد قليل صدرت الدعوة بعقد القمة العربية في آب/أغسطس 1967 في الخرطوم، حيث أعلنت اللاءات الثلاث الشهيرة: «لا للسلام مع إسرائيل، لا للاعتراف بإسرائيل، لا للتفاوض مع إسرائيل».
ومنذ تلك اللحظة، احتشدت الدولة والمجتمع في مصر معاً للإسهام في مجهود الحرب ضد إسرائيل. انطلقت عملاقة الموسيقى المصرية والعربية أم كثلوم في جولة وطنية وإقليمية ثم دولية للمجهود الحربي. وكانت ذروة جولتها في حفل مسرح الأولمبيا الأسطوري في باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 1967 عندما نفدت تذاكر الحفلين اللذين عقدتهما هناك، وقد نُظمت تلك الحفلات لجمع المال للمجهود الحربي. قدمت أم كلثوم كل أجرها للقوات المسلحة المصرية.15 أما الشعار الشهير لناصر الذي أطلقه في خطبته الأخيرة قبل الوفاة – «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» – فقد هضمه المجتمع المصري واعتبره شعار اللحظة، وفيه تأكيد على التزام الناس بالكفاح المسلح ضد إسرائيل.
وخلال تلك الفترة، بعد إعادة هيكلة موسعة، بدأ الجيش المصري في إعادة بناء قدراته الدفاعية، بمساعدة من الاتحاد السوفياتي، واحتشد على قناة السويس وبدأ في مواجهة دامت ثلاث سنوات مع إسرائيل عُرفت بـ «حرب الاستنزاف». ولم يكن هدف هذه العمليات العسكرية هو استرداد الأرض العربية بشكل مباشر، إنما إعادة بناء الجيش المصري، واسترداد ثقته في القدرة على القتال، واستنزاف القدرات الإسرائيلية. وكان أيضاً رسالة لإسرائيل بأنه لن يُسمح لها بالتمتع بمغانم 1967 في هدوء. وشاركت منظمة التحرير الفلسطينية التي تشكلت في تلك الفترة في حرب الاستنزاف، وأشهر مشاركة كانت معركة كرامة في الأردن بين إسرائيل والفدائيين في عام 1968، حيث تكبدت إسرائيل خسائر ثقيلة على الرغم من تدميرها لقاعدة الفدائيين. وأُعلنت هدنة بين مصر وإسرائيل في آب/أغسطس 1970، من دون رابح واضح. لكن لم يكن هذا مهماً لأن مصر حققت هدفها العسكري بكسر سلسلة النصر الإسرائيلي الممتدة بلا توقف، فكبدت الجيش الإسرائيلي مئات – إن لم يكن آلاف – الخسائر البشرية وتسببت في تدمير بين 24 و30 طائرة حربية إسرائيلية. وكانت الخسائر المصرية كبيرة أيضاً بطبيعة الحال – فالخسائر البشرية من إصابات ووفيات بلغت عشرات الآلاف، فضلاً عن دمار بنى تحتية مثل مدرسة بحر البقر الابتدائية ومصنع أبي زعبل، لكن شهدت حرب الاستنزاف استعادة الجيش والشعب المصري الثقة في قدرتهم على مواجهة إسرائيل.16
بين أكتوبرين
كان ذلك الجيش الجديد الواثق هو الذي فاجأ إسرائيل في 6 أكتوبر 1973، إذ عبر بجسارة خط برليف الدفاعي. وكان ذاك الخط الدفاعي في نظر الجيش الإسرائيلي سداً منيعاً غير قابل للاختراق، لكنه سقط في أقل من ساعتين على يد الجيش المصري، بقيادة بطل الحرب سعد الدين الشاذلي. بدأت «العملية بدر» حرب أكتوبر، ومثلت أول مرة يذيق فيها جيش عربي هزيمة حاسمة للجيش الإسرائيلي في المعركة، فحطمت أسطورة إسرائيل التي لا تُهزَم. لكن بعد مرحلة النصر الأولى، نشب خلاف في الاستراتيجية العسكرية بين الشاذلي وبعض كبار القادة العسكريين على جانب، والسادات على الجانب الآخر، ما سمح للجيش الإسرائيلي بإعادة تنظيم الصفوف والتقدم مرة أخرى بعد أيام قليلة. اضطر الشاذلي إلى الالتزام بأوامر السادات بتطوير الهجوم على الرغم من تفضيله لتحصين المواقع الجديدة المكتسبة. أدى هذا إلى ما عُرف بـ «الثغرة»، وهي مسافة في خطوط المعركة المصرية بين الجيشين الثاني والثالث في قطاع سيناء أثناء المرحلة التالية من الحرب، في أواسط أكتوبر 1973. استغلت القوات الإسرائيلية هذه الثغرة وعبرت من الضفة الشرقية لقناة السويس إلى الضفة الغربية، ما مكّنها من الاختراق عميقاً وراء المواقع المصرية المتقدمة وحصار الجيش الثالث في نهاية المطاف. قال الشاذلي وآخرون في ما بعد – في أقوال ذهبت ضد السردية الرسمية للدولة – إن القوات المسلحة المصرية كانت قادرة على اكتساب مواقع جديدة لولا هذا الأمر من السادات، وشكك كثيرون في دوافع السادات كونها كانت تحقيق مكاسب عسكرية معقولة يمكن البناء عليها في التفاوض.17 في الحالتين، قال البعض إن إعلاء أولوية الدبلوماسية على العمل العسكري كانت تعني أن سياسة السادات «خذلت السلاح»، أي قوّضت النجاح الذي حققه الجيش المصري وتقديراته الميدانية للمعركة. وقال آخرون بأنه حتى لو كان الجيش المصري تقدم أكثر وحقق نصراً أكبر، كان ما زال ليفتقر للقدرات اللازمة لتحقيق نصر حاسم يؤدي إلى نهاية دائمة للنزاع، لكن كان ليحقق نتائج عسكرية أكبر مما تحققت في سياق تدخلات السادات وتجاوزه لتقديرات القيادات العسكرية للموقف.
أصبحت الجماهير بصدد واقع قبيح: خيارها الوحيد هو تحمّل الإكراه والعنف. لا تُعرض عليها «جزرة»، إذ لا توجد سوى العصا، وأحياناً الرصاصة!
ولأن الأرشيف المصري غير متاح للجمهور أو للباحثين، فمن شبه المستحيل الاطلاع على الرواية الرسمية المصرية لحرب 1973. يتعين على المؤرخين الاعتماد على المذكرات وعلى الروايات الغربية والإسرائيلية للحرب، لمحاولة تجميع صورة ما حدث. الشاذلي – الذي يُعتبر بطل الحرب في مصر والعالم العربي – حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات وقد قضى نصف المدة، بتهمة كشف أسرار عسكرية، في عهد حسني مبارك، الذي خدم كطيار في جيش الشاذلي في حرب أكتوبر. ويعزو الناصريون النصر المصري في 1973 لجمال عبد الناصر، إذ يرون أنه هو من أعاد بناء الجيش وأن قياداته العسكرية التي اكتسبت الخبرة أثناء حرب الاستنزاف وتحديه لخطة روجرز (مع تحريك حائط الصواريخ أقرب لقناة السويس؛ منظومة مصر للدفاع الجوي التي شُيدت قبل وأثناء حرب الاستنزاف وتوسعت خلال الحرب فحيّدت التفوق الجوي الإسرائيلي، وهو أحد أكبر منجزات مصر الاستراتيجية في الحرب) هو ما أعد الجيش للمواجهة. ونسب آخرون النصر إلى الشعب المصري، مع تسليط الضوء على رفضه الاستسلام بعد 1967 واستعداده لتحمل عبء حالة الحرب الدائمة. الحق أن بعد 1967 أصبحت الدولة أكثر اعتماداً على الجماهير المصرية، على صلة بإعادة بناء الجيش ودعم المجهود الحربي. هذا الوعي والهوية الوطنية ووجود الغاية والهدف لطبقة كاملة، تشكّلت في بوتقة النزاع العسكري مع إسرائيل، دفع الشعب ثمن هزيمة 1967 بثلاثة أشكال على الأقل. أولاً، تكبد الهزيمة الوطنية وعانى منها في صورة خسارة هائلة على يد عدو مُحتَقر، من دون وجود سيناريوهات جاهزة لحظة الهزيمة لعمل هجوم مضاد. ثانياً، تحمل الشعب العبء الاقتصادي للإنفاق على الحرب وما ترتب عليه من قصور في السلع والإمدادات. ثالثاً، وجدت الطبقات التي استفادت من امتيازات التعليم المجاني الشامل نفسها عالقة في خدمة عسكرية بلا أجل مسمى. إذن، بعد 1967، تاق الناس إلى المطالبة بحل حاسم للنزاع. لهذا السبب واجه السادات لدى توليه الرئاسة في 1970 بعد موت ناصر، ضغوطاً هائلة من الشعب للاستمرار في الحرب حتى تحرير الأرض المحتلة. يرى بعض المؤرخين أن الضغوط من الحركة الطلابية – التي بلغت أشدها في 1972 – لعبت دوراً كبيراً في قرار إطلاق هجوم أكتوبر 1973. الحق أن المظاهرات الطلابية كانت قوية للغاية لدرجة لجوء السادات إلى قوات الشرطة والبلطجية والغاز المسيل للدموع لصدها.
وعلى الرغم من هذا الدعم لشن الحرب على إسرائيل، سعى السادات قبل 1973 إلى التفاوض عبر الولايات المتحدة. لكن مساعيه لم تجد آذاناً مصغية، فإسرائيل لم تكن مهتمة بالتفاوض من موقع اعتبرته موقع المنتصر.18 ويرى حازم قنديل أنه بسبب الرفض الإسرائيلي للتفاوض أحس السادات بأن عليه أن يلجأ للحرب. لكن الواضح من شهادات القيادات العسكرية مثل سعد الدين الشاذلي ومحمد عبد الغني الجمسي أن السادات لم يهدف إلى تحقيق النصر في 1973، إنما كان يأمل في استغلال الحرب لإجبار إسرائيل على الجلوس لطاولة التفاوض. يظهر من رواية هنري كيسنجر لتلك الفترة (التي تسجل دهشته من إهدار السادات للمكاسب المصرية) ومعاملة السادات اللاحقة لجيل 1973 (إذ جرد القادة من سلطتهم ومنعهم من رواية شهاداتهم) وقراره بزيادة قوة الشرطة لموازنة شعبية الجيش بعد الحرب، أن السادات – على النقيض من الشعب والجيش المصريين – لم يرغب سوى في توغل عسكري محسوب لتحقيق أهداف سياسية، بدلاً من اعتبار الحرب غاية نهائية يتحقق من خلالها النصر. عُرفت في ما بعد حرب 1973 بأنها النصر الذي أهدرته السياسة.19 لقد جعلت الدولة المصرية – التي اعتبرت حرب 1973 نصراً لها – يوم 6 أكتوبر عطلة رسمية في مصر، ثم بعد ذلك اتجهت نحو حل مختلف للمشكلة الإسرائيلية: التسوية السلمية. (يجدر بالذكر هنا أن سردية الدولة حول الحرب غاب عنها الدور الذي لعبه المواطنون والمقاومة الشعبية في مدن القناة، التي أوقفت بجسارة الزحف الإسرائيلي على القاهرة).
وبين عبور الجيش المصري لقناة السويس وتدميره خط بارليف في تشرين الأول/أكتوبر 1973 على جانب، وعبور الفلسطينيين في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 للجدار الحديدي المحيط بغزة وتدميرهم للقاعدة العسكرية الإسرائيلية في غزة (نحال عوز) بعد 50 عاماً على الجانب الآخر، وقعت أحداث كثيرة واستجدت موازنات ومعادلات جديدة أعادت تشكيل الكفاح ضد إسرائيل. لكن المقاومة في غزة – على الرغم من تطبيع مصر – اختارت الذكرى السنوية لعبور قناة السويس لكي تُطلق عمليتها. فعّل هذا الاختيار مفهوم «التراكم» الذي تتبناه المقاومة الفلسطينية، وبموجبه يمكن هزيمة إسرائيل عبر سلسلة من الانتصارات الأصغر بدلاً من الانتصار عليها في معركة واحدة حاسمة. يذكر توقيت هجوم 7 أكتوبر الجيش الإسرائيلي بالمرة الأولى لسقوط أسطورة أنه جيش لا يُقهر، ولقد حطمت أحداث ذلك اليوم هذه الأسطورة مرة أخرى. أكد هذا التوازي بين اللحظتين على البُعد العربي للقضية الفلسطينية، وسلّط الضوء أيضاً على أوجه التشابه بين تحطيم أسوار أكبر سجن مفتوح في العالم (غزة) وعبورها إلى فلسطين المحتلة، وعبور المصريين قناة السويس قبل عقود.20
«يا خوفي من يوم النصر: ترجع سينا وتروح مصر»21
ما كان ليتحقق نصر 1973 لولا التضامن العربي. لم تحارب مصر وسوريا وحدهما؛ فكافة الدول العربية تقريباً أسهمت في المجهود الحربي بشكل أو بآخر، حتى ولو اقتصر ذلك على تقديم العون المالي.22, 23 على وجه التحديد، كان حصار النفط الذي ضُرب على الغرب في 1973 لحظة فارقة لم تتكرر.24 في ما بعد، وضع هنري كيسنجر استراتيجية جديدة للمنطقة، كان هدفها الأساسي هو حل «أزمة الشرق الأوسط» عن طريق عزل الدول بعضها عن بعض والتعامل معها فرادى، بدلاً من التعامل مع الدول العربية جماعياً.25
عندما تسعى المعارضة إلى فهم جذور القمع الشديد الذي يشهده المصريون حالياً، عادة ما ترجع بالتحليل التاريخي إلى ثورة يوليو 1952 التي جلبت الضباط الأحرار وناصر إلى السلطة، وتقدّم سردية تُسقط الحاضر على التاريخ، تربط بين الجيش المصري في الخمسينيات والستينيات والجيش المصري الراهن. وتعزز الدولة هذه السردية عبر ما تبثه من تاريخ رسمي، بمساهمات من المؤرخين المرتبطين بالدولة والمقررات المدرسية والبرامج المتلفزة. على النقيض، فإن السرديات المناوئة تقول بأن هذه رواية مبسطة بشكل مبالغ فيه، وترى أن جمهورية يوليو انتهت بتوقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1978، لتبدأ جمهورية كامب ديفيد المستمرة إلى اليوم (بعد لحظة اضطراب وجيزة بين 2011 و2013). هذا الرأي الثاني زاد انتشاراً في العامين الأخيرين، رداً على اختيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء الإبادة في غزة، وقد كشفت القصور في تأكيد السيادة المصرية وتكلفة الانحياز إلى الولايات المتحدة والنظم الملكية الخليجية. وكما أوضحت هذه الفترة طبيعة الغرب وما يُسمى بـ «النظام الدولي القائم على القواعد»، فهي كشفت أيضاً عن الدور الكمبرادوري للنظم العربية. كما سلطت الضوء على الفجوة الآخذة في الاتساع بين الحكام والمحكومين، وأظهرت مدى استعداد هذه الدول للاستعانة بالقمع لشعوبها في خدمة الإمبريالية ومصالحها الخاصة. ما زال بالإمكان سماع شعار «تسقط كامب ديفيد» الذي تردد في الشوارع المصرية أثناء المظاهرات، وهو مستمر في الظهور على مواقع التواصل، على لسان مصريين من مختلف الخلفيات السياسية. هذا الشعار يتجاوز انتقاد «اتفاقية السلام» في حد ذاتها، فهو يعبر أيضاً عن معارضة التحول الكامل في السياسة والجمهورية الجديدة التي جاءت به.
على مدار العامين الأخيرين، توصّل المحللون إلى حالات عدة لخرق إسرائيل – حسب التقارير – للمعاهدة مع مصر، مثل احتلال ممر فيلادلفيا والسيطرة على معبر رفح الحدودي. لكن لا يهم حقاً إذا كانت إسرائيل قد دخلت المناطق منزوعة السلاح (مناطق أ، ب، ج) في المنطقة العازلة بسيناء أم لا، فمن البداية كان الهدف الأعرض للمعاهدة أهم من أحكامها التفصيلية. تعكس المعاهدة الإرادة السياسية للدولة المصرية في عهد أنور السادات، بالتخلي عن استخدام القوة المسلحة في النزاع مع إسرائيل والانتقال قِدماً نحو تسوية سلمية. إذا لم تتواجد الإرادة السياسية للحرب مع إسرائيل، فلا أهمية تُذكر للتفاصيل الدقيقة للاتفاق، أي لا يهم إذا كانت إسرائيل تخرق بعض أحكامها. ربما لهذا لم يناقش السادات بجديّة أحكام المعاهدة التفصيلية، إذ نُقل عنه قوله: «سأوقع على أي شيء يقترحه الرئيس كارتر من دون قراءته»، بحسب مذكرات محمد إبراهيم كامل، وزير الخارجية المصري وقتئذ، والذي استقال من منصبه احتجاجاً على اتفاق كامب ديفيد.26 كما سبقت الإشارة، فإن كامب ديفيد مثّلت أكثر من مجرد معاهدة: لقد مثلت محور مشروع سياسي أكبر، يؤشر ببداية جمهورية كامب ديفيد. نص الاتفاق على التطبيع مع العدو، وهيأ الساحة لسياسة الانفتاح النيوليبرالية في مصر، وكانت تلك قطيعة مع الاقتصاد المخطط للمرحلة الناصرية. شهد ذلك المشروع انتقال مصر من التأميم نحو الخصخصة، ومن التحول الصناعي الطَّموح والإنتاج الوطني نحو اقتصاد خدمي يركز على الاستيراد. شهدت تلك الفترة أيضاً تدخلات مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مصحوبة باشتراطات قاسية. في واقع الأمر، فإن انتفاضة يناير الأقل شهرة كانت هي «انتفاضة الخبز» في 1977، حين خرج آلاف المصريين إلى الشوارع احتجاجاً على قرار السادات بإلغاء دعم الخبز ضمن حزمة اشتراطات قروض الصندوق. ولقد نشر السادات قوات الجيش لإخماد المظاهرات، ما أدى إلى عشرات الوفيات ومئات الإصابات. لكنه تراجع عن قرار إلغاء الدعم. في هذا السياق المذكور – مع خوف السادات من أن تقوض تلك الأحداث شرعيته – سعى إلى تسريع المفاوضات مع إسرائيل، جزئياً لكي يحصل على الدعم الأميركي الذي رآه ضامناً لاستمراره في الحكم. وبلغ ذلك المسار ذروته عندما أعلن عن زيارته المفاجئة إلى الكنيست في نوفمبر من نفس العام، ما صدم الجماهير المصرية والعربية على السواء.
على مدار تاريخ المنطقة، كان الاستسلام والتطبيع نتيجة دائمة لتراجع قوّة الردع وانحسار القدرة على مقاومة العدوان الإسرائيلي
وكان أخطر بند في كامب ديفيد هو قطع مصر العلاقات مع الاتحاد السوفياتي والانضمام إلى المعسكر الأميركي، وهي نتيجة رآها هنري كيسنجر الإنجاز الأهم للاتفاق. وكان قبول مصر لهذا الشرط نتيجة لتحولات عالمية وإقليمية، منها تراجع قوة الاتحاد السوفياتي وعدم استعداده أو قدرته على إمداد مصر بالدعم بقدر ما كانت إسرائيل تلقى الدعم من الولايات المتحدة (باستثناء منظومة الصواريخ الدفاعية التي حصل عليها جمال عبد الناصر من السوفييت تحت تهديده بالاستقالة، وقد ساعدت في بناء الجيش أثناء حرب الاستنزاف وكانت ضرورية لحرب أكتوبر 1973). في هذا السياق كان قطاع ليس بالهين في الدولة المصرية والجيش حريصاً على الابتعاد عن المعسكر السوفياتي.
وفي السياق العالمي، مثلت كامب ديفيد تحولاً ملحوظاً في العلاقات الدولية: فمصر كانت من أولى الدول – وأول دولة كبيرة – تنتقل من المعسكر السوفياتي إلى المعسكر الأميركي في غضون سنوات قليلة. من ثم كانت حالة اختبار للسياسات التي سرت في ما بعد على الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية. بينما قال البعض بأن تحولاً مشابهاً قد وقع في إندونيسيا في أواخر الستينيات (مصحوباً بدرجة عالية من العنف)، فالتحول في مصر كان الأهم.27 كانت مصر في قلب العالم العربي، وفي صدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وبانتقالها إلى المعسكر الأميركي، غيّرت المعادلة الإقليمية تماماً: فقد أعادت تشكيل الدور المصري إقليمياً ودولياً، وقلّصت من نفوذها، وقلّلت إمكاناتها للدرجة التي نحن شهود عليها في الوقت الحالي. كما سبق الذكر، كانت كامب ديفيد أيضاً محاولة كيسنجر الأولى للتعامل دبلوماسياً مع الدول العربية فرادى، بدلاً من التعاطي مع البلدان العربية مجتمعة. ولقد اختار أن يبدأ بدولة عربية كانت حتى ذلك الوقت هي التهديد الأكبر – أو حتى التهديد الوجودي – لإسرائيل. مع تحييد مصر وإخراجها من المعادلة، مُهّد الطريق للولايات المتحدة لكي تصبح القوة الدولية المهيمنة. بهذه الطريقة، يسّرت اتفاقات كامب ديفيد الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية، وأضرت كثيراً بالمعسكر الثوري العربي، وشدّت من عزم النظم الملكية الخليجية الموالية لأميركا، وضمنت اصطفاف الثروات النفطية العربية مع الاستراتيجية الأميركية. ولقد أدت كامب ديفيد أيضاً إلى اتفاقات أوسلو، التي خلقت السلطة الفلسطينية وقد أصبحت وظيفتها هي التصرف كأول خط دفاع عن إسرائيل من مقاومة الشعب الفلسطيني. وبدورها مهّدت أوسلو الطريق للاتفاقات الإبراهيمية وما ارتبط بها من إجراءات تطبيع عربية-إسرائيلية، مضت وتقدّمت حتى اعترضتها لحظة المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر. ومن الواضح في المجمل أن توقيع العرب على اتفاقات «السلام» المتتالية لم يحقق بعد السلام والرفاه الذي وعدت به تلك الاتفاقات.
غروب شمس كامب ديفيد
لقد مر من الوقت ما يكفي لأن نقول بقدر كبير من اليقين إن مقامرة كامب ديفيد فشلت فشلاً ذريعاً بالنسبة إلى مصر، ومثلت في الوقت نفسه أحد أهم نجاحات إسرائيل الإستراتيجية. فالرفاه الاقتصادي الموعود الذي كان السادات يأمل فيه لم يتحقق، ولم تنهض مصر كنسخة عربية من قصة النهوض اليابانية. كما لم تتحقق خطة السادات لأن تحل مصر محل إسرائيل بصفتها الحليف الأساسي للولايات المتحدة في المنطقة. الحق أنه لم تتحقق مكتسبات هامة من هذا السلام المفروض من أعلى: فالنتاج الحقيقي الوحيد كان هو التطبيع. مصر التي كانت حتى ذلك التوقيت أكبر تهديد وجودي لإسرائيل، ومن أهم جبهات النزاع، جرى تحييدها. وكان أول تصرف لإسرائيل بعد توقيع اتفاق «السلام» هو غزو لبنان في 1982. أشّر هذا الغزو للعالم العربي – ولمصر تحديداً – بأن الاتفاق سيبقى أحادي الجانب، وأن الجبهة المصرية التي كانت أكبر تهديد لإسرائيل قد حُيّدت، ما يمكّن إسرائيل من المضي في استهداف المقاومة العربية أينما وُجدت حتى يتحقق لها استسلام أعدائها. وفي الوقت نفسه، اختبر الغزو مدى التزام مصر بشروط المعاهدة.
بعد كامب ديفيد، خسرت مصر سيادتها تدريجياً، وأصبحت تابعة اقتصادياً للولايات المتحدة والنظم الملكية الخليجية. في الوقت نفسه، زادت قدراتها الشُّرطية لقمع الخصوم السياسيين للدولة ومعهم الطبقات العاملة المصرية، الذين تُركوا في هذا الظرف الجديد بلا شبكات تحفظ الكرامة أو تضمن الأمان الاجتماعي.
لم تكن مفاجأة إذن أن أكبر الأسباب المذكورة لانتفاضة يناير 2011 كانت كلمات مثل «الفساد» و«السلطوية» و«الحريات الشخصية» و«الديمقراطية». لكن الشهادات والرؤى لتلك اللحظة التي تركّز على هذه القضايا وحدها تُغفل أن الانتفاضة كانت نتيجة تراكم من المظالم. لقد بُني زخمها على مر الزمن تراكمياً: من إضرابات العمال في المحلة الكبرى، إلى الاحتجاجات الداعمة للانتفاضات الفلسطينية ومعارضة التطبيع المصري مع إسرائيل، وحتى الاحتجاجات على قسوة الشرطة التي استهدفت الطبقة العاملة. تجمعت هذه العوامل في صورة الرفض الجماعي لجمهورية كامب ديفيد وكل ما تمثله. في هذا السياق أيضاً، أثناء أحداث 2011، تكرّر استهداف المصريين للسفارة الإسرائيلية، فاقتحموا مقرها وتسلقوا جدرانها لتمزيق العلم الإسرائيلي. وتوفي ما لا يقل عن ثلاثة متظاهرين في احتجاجات السفارة.28
الذين عبروا والذين «نهبوا»
بعد ثورة 2011، نجحت الثورة المضادة بقيادة النظام المصري الراهن، وبدعم من النظم الملكية الخليجية، في إطلاق قمع غير مسبوق لاسترداد جمهورية كامب ديفيد بالقوة، لكنها عادت بسمات جديدة. زادت هذه العملية من ترسيخ علاقة مصر بإسرائيل وأسهمت في زيادة التطبيع. في 2013، مكّن انقلاب بدعم من ملايين المصريين الجيش من خلع رئيس الإخوان المسلمين محمد مرسي (وهو لم ينحرف عن مسار جمهورية كامب ديفيد). اتسمت هذه العملية بسلسلة من الفظائع برعاية الدولة وحملات قمع عنيفة، اشتملت على مذبحة ارتكبت أثناء فضّ جموع الداعمين للإخوان من مسجد رابعة العدوية. وفي هذا الحدث المميت بدا أن العنف الذي استخدمته الدولة ضد مختلف قطاعات السكان – بما يشمل فض اعتصام الأقباط في ماسبيرو في أكتوبر 2011، ومذبحة بورسعيد التي استهدفت ألتراس نادي الأهلي في فبراير 2012، ومواجهات عنيفة أخرى كثيرة بين الشرطة والمتظاهرين في شارع محمد محمود في القاهرة – قد اجتمع لإظهار لأي مدى قد تذهب قوات الأمن لإنهاء المعارضة بشكل حاسم. غيّرت هذه الأحداث العنيفة معاً من دور الجيش المصري، وأعادت تشكيل تصوراته وأفكاره عن مشروعيته. بينما كان الجيش يبرر في ما سبق ضخامة أعداد قواته انطلاقاً من التهديد الوجودي الذي تفرضه إسرائيل على حدود البلد وإمكانية تجدد النزاع المسلح معها، فقد التفَتَ الآن إلى الداخل مبرراً دوره في سحق الثورة وقتل مواطنين بالإشارة إلى «حماية الجمهورية وضمان استقرارها»، مع تصوير مصر بصفتها قلعة حصينة يجب حمايتها في خضم الاضطرابات والحروب الأهلية الإقليمية، والأهم، حمايتها من التهديدات الداخلية. العدو الرئيسي لهذه الجمهورية أصبح بعضَ المصريين أنفسهم، والتهديد الأساسي أصبح أيَّ شكل من أشكال التنظيم الجماعي، سياسي أو غير سياسي. وأصبحت مهمة الدولة الرئيسية – بدعم من الجيش – هي تفكيك أي تنظيم بغض النظر عن الشكل الذي يتخذه.
في حين أجبر النظام الجديد المصريين على التخلي عن آمال 2011، فهو يعيش في خوف دائم من تجدد الثورة، من هَبَّة ثورية أخرى أو «ثورة جياع». مع عزلته عن الناس، يحتل النظام قلاعاً صحراوية كما كان يفعل المماليك تاريخياً، ويتفاعل مع المجتمع فقط من خلال القمع وممارسات الاستلاب.29
ولقد أدت عملية طوفان الأقصى والإبادة الجارية للفلسطينيين إلى إبراز دور الدولة المصرية الجديد. فمن خلال تحركاته وما يحجم عن اتخاذه من تصرفات، أظهر النظام افتقاره للإرادة السياسية اللازمة لاتخاذ أي فعل (مثل دعم الفلسطينيين) من شأنه المخاطرة بعلاقته بالولايات المتحدة، أو أن يُظهر من الإرادة السيادية مجرد محاولة مثل هذه التصرفات. إنما هو يرحب بتضاؤل دوره في المنطقة، من قيادة العالم العربي ومركز الفعل السياسي للعالم الثالث إلى دولة تحكمها الكومبرادورية الأميركية بشكل يضمن سلامة إسرائيل، و حماية حدود أوروبا من المنطقة (حمايتها من الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا)، وهو غير قادر على التعاطي مع الأسئلة الدبلوماسية الأفريقية (مثل قضية سد النهضة وما فيه من مواجهة مع أثيوبيا). بدلاً من الإقرار بالتهديد الوطني الذي تمثله حملة إسرائيل الجارية – وتتسم بالإبادة والتوسع في حروب إقليمية – على مصر والمنطقة بأسرها، تُعلي الدولة المصرية أولوية التعامل مع التهديدات الداخلية، لا سيما تلك التي تهدّد شرعيتها. خلال العامين الماضيين، أدى هذا إلى حملة قمعية على مستوى البلد جُرّمت خلالها أبسط تحركات التضامن مع فلسطين، مثل المظاهرات. تعرضت نساء – بل وحتى أطفال – للسجن على مخالفات مثل حمل لافتات احتجاجية وتشكيل جماعات طلابية من أجل فلسطين، والخروج على خط المظاهرات الذي سمحت به الدولة، وجمع أموال ومساعدات لبنك طعام فلسطيني، أو الدعوة للتظاهر على مواقع التواصل الاجتماعي. ما زال نحو 200 شخص وراء القضبان على خلفية تلك الحملة. ومؤخراً، أطلق النظام حملة دبلوماسية صغيرة ضد الدول الأوروبية التي سمحت بمظاهرات لدعم غزة أمام سفارات مصر بالخارج.
من مظاهر تواطؤ النظام المصري مع الإبادة الإسرائيلية ما أثار الغضب الدولي، على الأخص الاستعانة بجهة متعاقدة مع الدولة، مجموعة العرجاني، لجمع رسوم باهظة على السلع الواردة إلى غزة وعلى الفلسطينيين الذين يفرون من جرائم الحرب. يثير هذا الموقف التساؤلات حول لماذا تمارس هذه الشركة – التي تدير ميليشيات نقلت التقارير أنها تسيطر على شمال سيناء – سلطتها على الجانب المصري من معبر رفح. وقد أثيرت تساؤلات حول سيادة سيناء والاعتماد على ميليشيات مسلحة في السيطرة عليها، وحملة الإخلاءات القسرية الأخيرة وهدم المنازل في شمال سيناء التي عرضت السكان للنزوح وحولت المنطقة إلى منطقة عازلة غير مأهولة. باستثناء المدن السياحية في جنوب سيناء (حيث ما زال المصريون يخضعون لنقاط تفتيش عديدة) يبقى شمال سيناء غير متاحٍ للمصريين، ولا ينال أدنى قدر من التغطية الصحية والإعلامية الوطنية.
جميع هذه الإجراءات – فضلاً عن رفض النظام السماح للوفود المصرية أو العربية أو الأجنبية بممارسة الضغط على إسرائيل من داخل مصر، مثل حملة يونيو 2025 للمسير إلى غزة التي رُفض إصدار تصاريح لها لتنظيم مسيرة في سيناء – تسلط الضوء ليس فقط على عنف النظام، بل أيضاً على قِصر نظره. ويثير هذا التساؤلات حول إلى متى يمكن حُكم بلد به هذا التعداد السكاني الكبير بهذه الطريقة. بينما استعانت جمهورية كامب ديفيد في عهد السادات بالوطنية اليمينية ممثلة في شعار «مصر أولاً» لتؤكد على أن مصالح المصريين ليست كمصالح العالم العربي، فالنظام الحالي لا يحاول مثل هذا الفعل حتى. إنما هو مصطف مع نخبة صغيرة تعيش في مجتمعات سكانية مغلقة بعيداً عن أغلب المصريين. أما الناس العادية فأمامها خيارات قليلة: إما العيش كمواطنين درجة ثانية في بلدهم وتقديم قوة العمل بأقل الأجور لزيادة أرباح رأس المال الأجنبي (بالأساس رأس المال الخليجي)، من دون حقوق سياسية أو اجتماعية، ومن دون توفر المساحات العامة أو النقابات أو حتى القدرة على تشكيل مجموعات تشجيع فرق كرة القدم، أو يخسرون حياتهم في محاولات الهجرة غير الشرعية والغرق على سواحل ليبيا أثناء العبور إلى أوروبا.
في ظل هذا الواقع الظالم، ثمة تناقض رئيسي ما زال بلا حل: على الرغم من أن مصر هي أول بلد عربي يُطبّع العلاقات مع إسرائيل، فلم تتمكن إرادة التطبيع يوماً من الوصول إلى صفوف السكان. فالجيش – نصف مليون جندي ويُعرف نفسه تاريخياً بخصومته مع إسرائيل بعد أن خاض أربع حروب ضدها وقدمت خلالها أجيال من المصريين التضحيات – يتوجه إلى الداخل الآن، ضد شعبه. هذا السبب الجديد للوجود يخدم في الوقت نفسه مصالح إسرائيل: إذا رأى الجيش أن أي تهديد لشرعيته سيأتي من الداخل، بدلاً من أن يأتي من الحدود الشرقية (كما فهمت أجيال من المصريين)، فلن يكون جاهزاً لأي مواجهة في المستقبل مع إسرائيل.
هذا التناقض بين استمرار الخصومة الشعبية مع إسرائيل على جانب، وسياسات الدولة تجاهها على الجانب الآخر، يؤدي إلى مواقف مثل موقف يونيو 2023، عندما قام جندي مصري على الحدود عمره 22 سنة بإطلاق النار على جنود إسرائيليين وقتل ثلاثة منهم، وأصاب اثنين آخرين، ثم قتل نفسه. منعت السلطات المصرية إقامة جنازة للجندي الشاب. مع العلم بأن الجنازة سوف تجذب الآلاف لتكريم ذكرى الشهيد، أصرت على أن تدفنه أسرته بشكل عاجل وعلى نطاق ضيق. هناك حادث آخر مشابه وقع يومَ 8 أكتوبر 2023، عندما أطلق شرطي مصري النار على سائحين إسرائيليين في الإسكندرية وقتلهما. ليست هذه حالات معزولة. ففي 1986 قتل الجندي المصري سليمان خاطر سبعة سائحين إسرائيليين في سيناء. وأطلقت النار على رجل أعمال إسرائيلي في الإسكندرية في مايو 2024، وأصدرت مجموعة تسمى حراس الحرية مقطع فيديو تعلن فيه المسؤولية عن الاغتيال وأهدته إلى أطفال غزة. هذه الوقائع قابلة للتكرار في غياب سلام حقيقي بين مصر وإسرائيل، ويبقى هذا السلام غير قابل للتحقق لأسباب تاريخية ومنطقية وموضوعية ووجودية.
بين العصا والرصاصة
أدت الإبادة الإسرائيلية إلى نهوض عالم جديد من العدوان السافر وضم الأراضي السيادية والمذابح بحق السكان المدنيين بمعدلات غير مسبوقة، ولم يعد هناك في هكذا أعمال مراعاة أو خوف من الرأي العام (وهو معارض بقوة للجرائم الإسرائيلية). مُثل الديمقراطية والحريات الفردية – التي كانت تُعتبر المعايير الأهم في نظر الكثيرين في المنطقة العربية – ثبت أنها مجرد واجهة تجميلية. مع اشتداد وطأة العسكرة وتقنيات المراقبة المتقدمة وأساليب القمع التي زادت تطرفاً وغرابة، أصبحت الجماهير بصدد واقع قبيح: خيارها الوحيد هو تحمّل الإكراه والعنف. لا تُعرض عليها «جزرة»، إذ لا توجد سوى العصا (وأحياناً الرصاصة). مصر مثال واضح على هذه الرؤية الإمبريالية للمنطقة: التنازل لم يعد كافياً، فالولايات المتحدة ووكيلتها المسعورة تطالبان الآن بالخضوع التام، مع الإصرار على تحمل شعوب المنطقة لحالة الهزيمة المستمرة والذاتية.
إن الطبيعة السافرة والواضحة للإبادة في غزة – والدعم بلا خجل لها من إدارتين أميركيتين بتواطؤ من بريطانيا والاتحاد الأوروبي – تؤشر بشروق عصر جديد. في هذا العصر، تُقتل النساء والرجال والأطفال بأبشع الطرق، ويُضرب بقوانين الحرب عرض الحائط، ويتخفى الإرهابيون في صورة جنود يتباهون على الملأ بجرائم الحرب. وتُمارَس تكتيكات إرهابية – مثل هجوم أجهزة البيجر في لبنان في أيلول/سبتمبر 2024 – وتصادف هذه الأساليب الإشادة على دقتها، مع استهداف القيادات العسكرية والسياسية في دول أخرى ذات سيادة وتبرير تلك الاعتداءات. في الوقت نفسه تسعى دولة إسرائيل الإبادية – وهي في خضم ارتكاب عملية إبادة بشعة – وراء حرب إقليمية أوسع، مع تصعيد عنفها الاستيطاني في الضفة الغربية واعتداءاتها المتكررة لكل من لبنان واليمن وسوريا والعراق وإيران، وانتقال قواتها إلى لبنان وسوريا. هذه الدولة مِعول هدم ودمار وقتل في المنطقة، وهي تسعى لتحقيق الإخضاع الإقليمي التام، بدعم عسكري وغطاء دبلوماسي من الولايات المتحدة.
ومع مواجهة المقاومة اللبنانية لضغوط متزايدة بتسليم سلاحها، من المهم تبين أنه على مدار تاريخ المنطقة، كان الاستسلام والتطبيع نتيجة دائمة لتراجع قوة الردع وانحسار القدرة على مقاومة العدوان الإسرائيلي. في الواقع، ليس من المبالغة القول بأن أسُس الفظائع البشعة التي نشهدها اليوم وُضعت في عام 1978، عندما قامت أكبر دولة عربية بأكبر جيش وتعداد سكاني بالانسحاب من الصراع. مثلما رسمت الفصائل الفلسطينية خطاً بين عام 1973 و2023 باختيارها يوم 7 أكتوبر يوم طوفان الأقصى، فهناك صلة مباشرة أيضاً بين توقيع اتفاقات كامب ديفيد وقدرة إسرائيل على ارتكاب الإبادة في غزة.
من هنا نفهم لماذا قام الثوري جورج عبد الله إبان عودته إلى لبنان بعد أن قضى حكماً بالسجن 40 عاماً في فرنسا بتسليط الضوء على دور مصر المحوري في المنطقة، إذ قال:
شرط الحرية هو دعوة الجماهير العربية للنزول للشارع، شرط الحرية أن تنزل جماهير مصر للشارع.
التحرر العربي من الاحتلال العربي
على مرّ السنين، راحت القضية الفلسطينية يضيق مداها وتتضاءل إلى درجة تأطير العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية وكأنه قضية منفصلة عمّا سُمي بحرب «إسرائيل وغزة»، وحيث حرب إسرائيل على لبنان تُعامل وكأنها نزاع منفصل واحتلال سوريا قضية مستقلة ترتبط بالجوار. لقد جُردت القضية الفلسطينية تماماً من البُعد العربي للصراع.
إن غزة كانت – وما زالت – تستحق «الصحوة العربية» التي طال انتظارها والتي وكأنها من عداد المستحيل. حتى أسوأ الخيالات وأكثر التصورات تشاؤماً ستجد صعوبة في تصوّر فظائع أسوأ مما تحملت غزة آخر عامين. لكن بدلاً من الارتقاء لمستوى اللحظة ومواجهة هذه الفظائع أو على الأقل التخفيف منها، أخفقت الدول العربية في التصرف. هذا التخاذل يمكن تفسيره من واقع أن أول أركان هذه الجريمة وضع قبل عقود: فقد هُندست المنطقة على مدار عقود لضمان أن تمر كارثة بهذا الحجم دون التفاف وغضب جماعي حولها من أجل وضع نهاية لها، أو حتى التخفيف من آثارها. إنه هذا التاريخ، هو ما يفسر لماذا تُركت غزة وحدها في خضم أقسى وأبشع صورة للإمبريالية، وحدها تماماً تقريباً. على مر التاريخ لم تكن هناك لحظة محورية واحدة (وإن كانت اتفاقات كامب ديفيد في 1978 قد اقتربت) بهذه القوة، بل تم التحول تدريجياً عبر عقود من التطبيع... إنها لحظة أن قرر العالم العربي أن يُخرج نفسه من المعادلة ويحوِّل مسؤولية القضية الفلسطينية حصراً إلى الشعب الفلسطيني. وجرى تأطير هذا التحول في صورة تمكين أصحاب الحق من القضية وأن يقودها، مع استيعاب وإعادة تدوير سرديات تقول بأن الحلول الفردية متاحة لما هو في حقيقة الأمر مشكلة مشتركة وجماعية.
بينما كان الجيش يبرر ضخامة أعداد قوّاته انطلاقاً من التهديد الوجودي الذي تفرضه إسرائيل، التفَتَ الآن إلى الداخل مبرّراً دوره في سحق الثورة وقتل مواطنين
مع انشغال كل من الدول العربية بخصوصيات سياقاتها المحلية، أصبحت فلسطين وحدها بصدد حمل عبء مواجهة كيان وُضع استراتيجياً في المنطقة لتعميق وترسيخ مخططات الإخضاع وتعطيل التنمية وقمع الجماهير، التي وضعتها الإمبريالية. في هذا السياق، كثيراً ما يُرفع الفلسطينيون إلى صورة الأبطال وكأنهم خارقون للطبيعة بصفتهم «أمة الجبارين»، «أمة لا تُقهر» و«شعب عنيد»، ما يعطي شعوب البلدان العربية الرخصة للتخلي عن مسؤوليتها التاريخية الخاصة بتشارك هذا العبء. من خلال الربط بين الفلسطينيين والاستشهاد كمصير محتوم، نتجنب الإقرار بأن التضحية ضرورية ومطلوبة منّا جميعاً. وبتسليم إدارةَ ما كان تاريخياً – مادياً ووجودياً – نضالاً جماعيّاً، وضعت الدول العربية عبئاً هائلاً يخص تحرير المنطقة والعالم من أحد أكثر الفاعلين فيه همجية، على أكتاف الفلسطينيين، الذين يتكبدون أثقل الخسائر (فضلاً عن المقاومة اللبنانية والمقاومة اليمنية).
هذه العقلية – التي تتسم بالعدمية والمشاهدة السلبية – تعكس الظرف الداخلي للبلدان العربية. إنها تكشف كيف يرى العرب أنفسهم في سياق نضالاتهم الخاصة بهم: قلة حيلة وغياب تنظيم وانفصال عن موازين القوة. رفع صورة الفلسطيني المؤسطر تجعل من العرب متفرجين، بدلاً من كونهم فاعلين في التاريخ، وهو الدور الذي صودر وسُلم إلى الغير.
في الواقع، ما زالت ثمة نسخة محددة من العروبة باقية: نسخة الثورة المضادة والرجعية، التي تسعى إلى بدء حقبة «ما بعد الجماهير» المصطفة مع لامبالاة الطبقة الحاكمة العالمية بالرأي العام. إن النظم العربية الرجعية التي تروج لهذه النسخة من العروبة لطالما كانت من أشد خصوم المشروع العربي الاشتراكي الوحدوي: فقد عززت سلطتها وتحالفت مع الإمبريالية لهزيمة هذا المشروع. ثانياً، تماماً كما أن ما يُسمى «الربيع العربي» كان ظاهرة عربية، كذلك كانت الثورة المضادة التي خرجت ضده. وأخيراً، فالتنسيق الأمني بين النظم الكومبرادورية العربية يدور الآن على مستوى ممنهج: على سبيل المثال إذا رُحل فلسطيني أو مُنع من دخول الأردن، لن يتمكن من دخول مصر. في الوقت نفسه إذا قُبض على معارض مصري في سوريا، فربما يُسلم إلى الإمارات ويجري حبسه فيها. بحماية من هذا التنسيق الأمني، وبدعم من الإعلام العربي الرجعي الموحد الصوت، يتدفق رأس المال العربي خارجاً ويتراكم عبر سلب الجماهير العربية.
لكن كما توجد الرجعية العربية، فهناك أيضاً الطبقات المظلومة من الجماهير العربية عبر المنطقة، التي تتشارك المصير نفسه عبر مختلف الدول، والتي تتعارض مصالحها تماماً مع مصالح الطبقات الحاكمة في دولها. الإقرار بهذا المصير المشترك يستدعي التحليل المدقق (بدلاً من السخرية أو الأحكام العامة والإدانات المطلقة لشعوب بأكملها) عندما لا يُترجم الإحباط الشعبي والوعي السياسي الجماهيري في المنطقة إلى حراك جماعي أو احتشاد ظاهر في الشوارع. تاريخياً، في لحظات الحراك الكبير أو المواجهة المباشرة مع الدولة عندما تتمكن الجماهير من فرض إرادتها أو إسقاط حكوماتها – كما حدث في تونس ومصر في 2011 وفي الأردن عام 1956 إبان الانتفاضة ضد ميثاق بغداد في الحلقات الأولى للعهد الاستعماري وعهد التحرر الوطني العربي، وفي الثورة الإيرانية عام 1979 – تكون القوة المحركة دائماً محلية وفورية ومباشرة في اتصالها بالأزمة. في هكذا لحظات، تضعف النظم وتنقسم أو تعاني الفوضى، ما يفتح ثغرات يمكن للناس العادية استغلالها. إن تسريح الجماهير بدلاً من احتشادها هو ما يعكس الجمود الحالي، نتيجة للسمات والملابسات الراهنة لا نتيجة لعمليات تاريخية أدت إلى هذه النتيجة.
تختلف هذه الدينامية بقوة عن السياقات الغربية، حيث الاحتجاج (حتى عندما يُواجه بالقمع) يحدث في ظروف سياسية مختلفة تماماً. في تلك السياقات، يُحتفى بالاحتجاج عادة، وفي الوقت نفسه تعرض العرب على مدار العامين الماضيين بشكل غير مباشر – أو صريح أحياناً – للتوبيخ بسبب عدم الاحتجاج مثل نظرائهم في الدول الغربية، حتى وهم يواجهون أشكال أشد قسوة بكثير من عنف وقمع الدولة، مع نسيان تاريخ الانتفاضات. يثير هذا سؤالاً أعمق: لماذا أغلب الدول العربية محكومة بمستويات متطرفة من القمع ولماذا القادة المتحالفون مع الغرب لا يدينون الطغاة إنما يمدونهم بأحدث الأسلحة ومعدات وتقنيات المراقبة والتدريب مع تمكينهم من إنفاذ قمعهم؟ هل السبب حقاً أن الجماهير العربية خانعة وجبانة؟ إذا كان العرب بطبعهم يعانون من قلة الحيلة، لن تكون هذه النظم الهائلة من الإكراه والمؤسسات التأديبية والأجهزة الأمنية مطلوبة لإبقائهم في حالة شلل سياسي. إن معدل القمع نفسه دليل على العكس: أن هناك انتفاضة شعبية، تعبر عن الإرادة الديمقراطية للناس في المنطقة، وتفرض خطراً على المصالح الأميركية الإمبريالية. وتحقيق هذه الإرادة الديمقراطية من شأنه إطلاق أزمة عميقة على السياسة العالمية والنظام الاقتصادي العالمي.
«فات الكتير يا بلدنا مبقاش إلا القليل»30
مع انحسار وتضاؤل مدى القضية الفلسطينية بانتظام، زاد تعريف «العرب» و«الفلسطينيين» على خطوط هوياتية وعرقية وإثنية، بدلاً من النظر للكلمتين كمفاهيم سياسية. لكن يبقى ظاهراً أن تاريخ العالم العربي أثناء ما سُمي بحقبة الحداثة كان أيضاً تاريخ القضية الفلسطينية. المقاومة التاريخية للصهيونية كانت سمة عربية بالأساس، بما يشمل ما يتعلق بأبعادها الإسلامية. ليس من الممكن فصل التاريخ العربي عن سياق استعمار فلسطين والمشروع الصهيوني الإمبريالي لأن العرب – في ذلك حالهم كحال الفلسطينيين – مستهدفون بهذا المشروع.
إن الصراع خارج غزة وفي المنطقة هو انعكاس لما حدث داخل غزة. لابد أن تختار المجتمعات بين أن تصبح مجتمعات مستسلمة أو أن تصبح مجتمعات جديدة مقاومة وقادرة على المواجهة. ليس من العادل أن تتحمل غزة عبء الواقع القاسي في حين تقف الدول العربية ومعها مصر في موقع المُستقبِل لما يطرأ من أحداث. إن مصير شعوب المنطقة مرتبط ومترابط، سواء أقرت الشعوب ذلك أم لا. في القلب مما يحدث حالياً صراع طبقي، يحدث داخل إطار الاستعمار الاستيطاني والإبادة. في حين تعد فلسطين قضية عالمية لكل أحرار العالم والمسلمين والمعذبين في الأرض ولكل من يرفض قبول هذا العالم المتوحش الذي تستمر فيه الفظائع ضد إرادة الأغلبية، فهي أيضاً في جوهرها وبطبيعتها تبقى قضية عربية مادياً ووجودياً.
نُشِر هذا المقال في 22 كانون الثاني/يناير 2026 على موقع المعهد العابر للقوميات (TNI)، ونُشِرت النسخة العربية منه على موقع «صفر» بموجب شراكة مع الجهة الناشرة.
- 1
انظر.ي: «اليسار العربي: تاريخ ومآلات، الخمسينيات إلى السبعينيات»: Guirguis, L. (ed.) (2020) The Arab Lefts: Histories and Legacies, 1950s–1970s. Edinburgh: Edinburgh University Press. p.152.
- 2
بشكل عام، سلسلة «الثورة» على «ديج راديو – جاكوبين»: https://thedigradio.com/Thawra/
- 3
جاد وآخرون (2021)، «ماذا جرى لمشروع طلعت حرب؟ مصر والنظام المالي العالمي في مائة عام». القاهرة: المرايا.
- 4
السابق.
- 5
السابق.
- 6
سمير أمين (1990): Amin, S. (1990) Delinking: Towards a Polycentric World. London: Zed Books.
- 7
سلمى سالم (2020): Salem, S. (2020) Anticolonial Afterlives in Egypt: The Politics of Hegemony. The Global Middle East, vol. 14. Cambridge: Cambridge University Press.
- 8
منير شفيق (2016) «الصراع بين اتجاهي التجزئة والوحدة»، إذاعة صوت الأقصى: https://alaqsavoice.ps/post/168144/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B2%D8%A6%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9
- 9
انظر.ي: Guirguis, The Arab Lefts. p. 66.
- 10
انظر.ي: فينجر (1990) «المساعدات الأمريكية لإسرائيل»: Wenger, M. (1990) ‘US Aid to Israel’, Middle East Research and Information Project.
- 11
علاء عبد الرازق، «في ذكرى وفاة الشعراوي... حقيقة سجوده بعد نكسة يونيو».
- 12
انظر.ي: هـ. قنديل (2012) «جنود وجواسيس ودول: طريق مصر إلى الثورة»:
Kandil, H. (2012) Soldiers, Spies, and States: Egypt’s Road to Revolt. London: Verso.
- 13
السابق: العفو الدولية 2020: Amnesty International (2020) ‘Hosni Mubarak: A living legacy of mass torture and arbitrary detention
- 14
كما أورد عدد من المؤرخين، منهم خالد فهمي وحازم قنديل.
- 15
جمال، ك. (2022)، «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي»، القاهرة: تنمية.
- 16
خالد فهمي (محرر) (2024)، «خمسون عاماً على حرب أكتوبر»، القاهرة: المرايا.
- 17
الشاذلي (1980) «عبور قناة السويس». مركز بحوث ميدإيست الأميركي.
- 18
خالد فهمي، خمسون عاماً على حرب أكتوبر.
- 19
قنديل، «جنود وجواسيس ودول».
- 20
مروان طوباسي، «المقاومة الفلسطينية بين التراكم التاريخي ووحدة المصير الوطني»، مسار؛ مروان طوباسي، «المقاومة الفلسطينية الصادمة والثابتة تراكم إنجازاتها»، الميادين.
- 21
أحمد فؤاد نجم، 1974.
- 22
اركر (محرر) (2001) «حرب أكتوبر»:
- 23
باركر (محرر) (2001) «حرب أكتوبر»:
Parker, R.B. (ed.) (2001) The October War: A Retrospective. Gainesville, FL: University Press of Florida.
- 24
آدم هنية (2024) «رأسمالية النفط»:
Hanieh, A. (2024) Crude Capitalism: Oil, Corporate Power, and the Making of the World Market. Verso Books.
- 25
كما ذكر محمد حسنين هيكل، الصحفي الذي كان مقرباً من جمال عبد الناصر وكان يكتب خطبه، في كتابه «أكتوبر 73: السلاح والسياسة».
- 26
محمد إبراهيم كامل، «شهادة على اتفاق كامب ديفيد»:
Kamel, Mohamed Ibrahim. The Camp David Accords: A Testimony. London: KPI; Boston: Routledge & Kegan Paul, 1986
- 27
روزا ج. (2025) «المذابح ضد الشيوعية في فترة 1965-66 في إندونيسيا»:
Roosa, J. (2025) ‘The anticommunist massacres of 1965–66 in Indonesia’, Oxford Research Encyclopedia of Politics.https://doi.org/10.1093/acrefore/9780190228637.013.2202
- 28
أبو الفضل (2012) «الطريق إلى القدس يمر بميدان التحرير»:
Abou-El-Fadl, R. (2012) ‘The road to Jerusalem through Tahrir Square: Anti-Zionism and Palestine in the 2011 Egyptian Revolution’, Journal of Palestine Studies 41(2), pp. 6–26.
- 29
كان المماليك طبقة عسكرية نافذة ومستقلة من الجنود، أغلبهم من أصول تركمانية وشركسية، وقد استولوا على السلطة وأسسوا السلطنة المملوكية التي حكمت مصر والمشرق والحجاز من 1250 إلى 1517. عاش المماليك بالأساس في الحصون والقلاع، مثل قلعة صلاح الدين في القاهرة.
- 30
من أغاني فرقة «أولاد الأرض».