شريان الحياة الأخير للبنان في خطر

شريان الحياة الأخير للبنان في خطر

عبَرَ لبنان جانباً من انهياره الاقتصادي لأن أبناءه في الاغتراب أصرّوا على ألّا يتركوه ينهار. لكن لهذا الصمود حدوداً. وإذا قطعت الحرب تدفّق تحويلات المغتربين من الخليج، فلن يجد لبنان نفسه أمام أزمة جديدة وحسب، وإنما أمام احتمال فقدان آخر ما يحفظ اقتصاده من التفكك.

فيما تعيد الحرب تشكيل الشرق الأوسط، انصبّ الاهتمام، على نحو مبرَّر، على التداعيات الأمنية والإنسانية. لكن ثمة صدمة اقتصادية أقل ظهوراً آخذة في التشكّل، وقد ثبت أنها لا تقلّ فداحة بالنسبة إلى لبنان، وهي اضطراب تدفّق تحويلات المغتربين من الخليج.

على مدى عقود، شكّلت تحويلات المغتربين شرياناً مالياً حيوياً للبنان. وفي عام 2023، قُدّرت التدفقات بنحو 6–7 مليارات دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو 30–35% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يضع لبنان بين أكثر اقتصادات العالم اعتماداً على تحويلات المغتربين. باتت هذه التدفقات، الآتية أساساً من العمال اللبنانيين في السعودية والإمارات والكويت وقطر، تفوق اليوم الاستثمار الأجنبي المباشر والصادرات والمساعدات الرسمية مجتمعة.

وفي بلد شهد انهياراً فعلياً في القطاع المصرفي، وفقدت عملته أكثر من 95% من قيمتها منذ عام 2019، وارتفعت فيه معدلات الفقر إلى أكثر من 70% من السكان، لا يمكن التعامل مع تحويلات المغتربين بوصفها مجرد تدفّق رأسمالي إضافي، فهي تمثل الاقتصاد نفسه.

تغطي هذه التحويلات كلفة الغذاء والوقود والإيجارات والتعليم. كما تؤمّن السيولة بالدولار في نظام يقوم إلى حدّ بعيد على التعامل النقدي. وتدعم أيضاً ما تبقّى من الطلب المحلي. ومن دونها، لكان الانكماش الاقتصادي في لبنان، الذي تجاوز أساساً 40% من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2018، أكثر حدّة.

لكن هذا الشريان الحيوي بات مهدداً.

صدمة من الخليج

كثيراً ما تُوصَف تحويلات المغتربين بأنها تدفقات مضادّة للدورة الاقتصادية، إذ ترتفع حين تتعرض البلدان الأصلية للأزمات. وقد ظلّ ذلك ينطبق، إلى حدّ كبير، على لبنان في خلال انهياره المالي. لكن الأزمة الراهنة تختلف، لأن الصدمة هذه المرة إقليمية.

يفتقر لبنان اليوم إلى القدرة المؤسسية والحيز المالي والدينامية الاقتصادية اللازمة لاستيعاب العائدين. وقد يفضي ذلك إلى تركيبة خطرة قوامها بطالة متصاعدة ودخول متراجعة وتوترات اجتماعية أشد

تواجه اقتصادات الخليج، التي تستضيف مئات آلاف العمال اللبنانيين، هي أيضاً مخاطر جيوسياسية متصاعدة. وحتى من دون انتقال مباشر لتداعيات النزاع، بدأ ارتفاع منسوب عدم اليقين يؤثر في الاستثمار والسياحة ونشاط القطاع الخاص. وتشير الخبرة التاريخية إلى أن تباطؤ نمو اقتصادات الخليج بمقدار نقطة مئوية واحدة، يرتبط بتراجع ملموس في تدفقات تحويلات المغتربين إلى البلدان المصدّرة لليد العاملة.

تزداد هشاشة العمال اللبنانيين لأنهم يتركزون في قطاعات دورية، مثل البناء والعقارات والضيافة والخدمات، وعادةً ما تكون هذه القطاعات أول من ينكمش في فترات الاضطراب. وحتى في الحالات التي تُحفَظ فيها الوظائف، يميل جمود الأجور والسلوك الادخاري التحوّطي إلى تقليص تدفقات تحويلات المغتربين.

تبعث المؤشرات الأولية على القلق. فقد أفاد مشغّلو تحويل الأموال بزيادة التقلّب في التدفقات الشهرية، فيما توحي المعطيات المتداولة بأن المهاجرين صاروا يحتفظون بحصة أكبر من دخولهم في الخارج. وفي نظام هشّ مثل لبنان، يكفي تراجع تحويلات المغتربين بنسبة 10–15%، أي ما يعادل 600 مليون إلى 1 مليار دولار، لإطلاق آثار متسلسلة في أنحاء الاقتصاد.

النتائج على الاقتصاد الكلي: من الدولارات إلى الخبز اليومي

تتسم قنوات الانتقال على مستوى الاقتصاد الكلي بقدر كبير من الوضوح.

أولاً، تمثل تحويلات المغتربين المصدر الأساسي لتدفّقات النقد الأجنبي إلى لبنان. ومن شأن أي تراجع فيها أن يزيد الضغط على سعر الصرف الهشّ أصلاً، بما يرفع كلفة الواردات أكثر في بلد يستورد ما يزيد على 80% من الغذاء والوقود.

ثانياً، تؤدي تحويلات المغتربين دوراً محورياً في دعم استهلاك الأسر، الذي يستحوذ على الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي. ولذلك، ينعكس أي انخفاض في هذه التدفقات مباشرةً في تقليص الإنفاق، وهو ما يعمّق الضغوط الركودية ويدفع مزيداً من الأسر إلى ما دون خط الفقر.

تزداد هشاشة العمال اللبنانيين لأنهم يتركزون في قطاعات دورية، مثل البناء والعقارات والضيافة والخدمات، وعادةً ما تكون هذه القطاعات أول من ينكمش في فترات الاضطراب

ثالثاً، توفّر تحويلات المغتربين دعماً مالياً ضمنياً للدولة. فهي لا تخضع لضرائب مباشرة، لكنها تموّل استهلاكاً يدرّ إيرادات من ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية، وهما من بين قنوات الإيرادات القليلة التي ما زالت تعمل لمصلحة الدولة اللبنانية. لذلك، فإن أي تراجع فيها يزيد من حدّة الأزمة المالية الحادّة أصلاً.

أخيراً، تؤدي التحويلات دور البديل عن نظام مالي معطّل. فمع فرض المصارف قيوداً صارمة على السحوبات وتبدّد الثقة، صار جزء كبير من الاقتصاد اللبناني يدور على الدولارات النقدية الآتية من الخارج. وأي تراجع مستمر في هذه التدفقات سيؤدي إلى مزيد من تآكل السيولة، بما يقيّد كل شيء، من عمل المؤسسات الصغيرة إلى المعاملات الأساسية.

مخاطر الهجرة العكسية

ثمة أيضاً خطر أطول أمداً يتمثل في الهجرة العكسية.

فإذا قاد النزاع إلى تباطؤ ممتد في أسواق العمل الخليجية، قد يواجه العمال اللبنانيون تسريحات من العمل أو مشكلات في الإقامة. ومن شأن عودة عدد كبير من المغتربين أن تحرم لبنان من مصدر أساسي للدخل الخارجي، في وقت تضيف فيه مزيداً من الضغط على سوق عمل محلية تعاني أصلاً من معدلات بطالة تُقدَّر بأكثر من 25%.

وخلافاً لمراحل سابقة، يفتقر لبنان اليوم إلى القدرة المؤسسية والحيز المالي والدينامية الاقتصادية اللازمة لاستيعاب العائدين. وقد يفضي ذلك إلى تركيبة خطرة قوامها بطالة متصاعدة ودخول متراجعة وتوترات اجتماعية أشد.

مشكلة عالمية تختبئ على مرأى من الجميع

تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من لبنان.

فقد اعتمدت الاقتصادات الأكثر ارتباطاً بتحويلات المغتربين، تاريخياً، على هذه التدفقات بوصفها آلية لامتصاص الصدمات في أثناء الأزمات. لكن هذه الوظيفة تضعف عندما تتعرض منطقتا الإرسال والاستقبال معاً للاهتزاز، كما يحدث على نحو متزايد في اقتصاد عالمي متشظٍ وأكثر ميلاً إلى النزاعات.

في نظام هشّ مثل لبنان، يكفي تراجع تحويلات المغتربين بنسبة 10–15%، أي ما يعادل 600 مليون إلى 1 مليار دولار، لإطلاق آثار متسلسلة في أنحاء الاقتصاد

يمثل لبنان حالة متطرفة، لكنه لا يشكل استثناءً. إذ ينطوي تآكل استقرار تحويلات المغتربين على خطر مضاعفة الهشاشة في عدد من بلدان الشرق الأوسط وخارجه.

ما الذي ينبغي فعله؟

تتطلّب الاستجابة سياسات عاجلة وبراغماتية.

أولاً، ينبغي لدول الخليج أن تعطي أولوية لاستقرار أسواق العمل بالنسبة إلى العمال المهاجرين، بما يشمل اللبنانيين. فحتى الحماية الجزئية للوظائف قد تساعد في الحفاظ على تدفّق تحويلات المغتربين وتمنع الهجرة العكسية المربكة. كما يشكّل ذلك سياسة ذكية، لأنه يضع دول الخليج في موقع يتيح لها استئناف كامل نشاطها الاقتصادي فور توقف الأعمال العدائية.

ثانياً، على الجهات الدولية أن تتعامل مع تحويلات المغتربين بوصفها تدفقات مالية ذات أهمية نظامية بالنسبة إلى لبنان. وينبغي لحزم الدعم، من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أن تحتسب صراحةً أي نقص محتمل في تحويلات المغتربين ضمن تقديرات ميزان المدفوعات وبرامج التمويل.

ثالثاً، من شأن خفض كلفة إرسال تحويلات المغتربين، التي لا يزال متوسطها العالمي يتراوح بين 5% و7%، أن يمنح التدفقات الصافية دفعة فورية. ويمكن لقنوات التحويل الرقمية والتنسيق التنظيمي أن يؤديا دوراً أساسياً هنا.

أخيراً، يجب توسيع برامج الحماية الاجتماعية والإغاثة في لبنان بسرعة. فمع تعرّض تحويلات المغتربين للتهديد، قد تفقد الأسر الأشد هشاشة في البلد وسيلتها الأساسية للتكيّف.

    رالف شامي

    مدير مساعد في صندوق النقد الدولي، متخصّص في شؤون الدول الهشّة والدول المنخفضة والمتوسّطة الدخل، صدر له كتاب بعنوان "سياسة الاقتصاد الكلّي في الدول الهشّة" عن دار نشر جامعة أكسفورد.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة