ما بعد التحويلات: إشراك الشّتات ومستقبل الحوكمة المحليّة في لبنان
أصبح القول إنّ بلديّات لبنان تقف في الخطوط الأمامية لأزمات متداخلة لازمةً تكاد تكون مكرّرة. منذ العام 2019، واجه البلد انهياراً مالياً مدمّراً، وانفجار مرفأ بيروت في العام 2020، وحرباً أدّت منذ العام 2023 إلى تهجير أكثر من ربع السكّان وتدمير مئات القرى وتلويث الأراضي الزراعية والقضاء على سُبل العيش. فاقمت هذه الصدمات الضغوط الواقعة على مؤسّسات هشّة أصلاً، وعلى البلديّات التي يُناط بها توفير الخدمات في ظلّ شحّ شديد في الموارد.
على الرغم من هذه الضغوط ومحدودية الموارد المباشرة منذ ما قبل الأزمات الراهنة، ظلّت البلديّات نقطة الاتصال الأولى للكثير من المواطنين في أوقات الأزمات، وما زالت تحظى بمستويات مرتفعة نسبياً من الثقة العامة. عانت بلديّات لبنان طويلاً من وصول غير موثوق ومتقطّع إلى الموارد المالية، ومن تدخّل الدولة المركزية، وتحدّيات توفير الخدمات المستدامة، إلى جانب جملة من الإشكالات البنيوية الأخرى.
على امتداد العقد الماضي، ولا سيما بفعل أزمة اللاجئين السوريين، اكتسبت البلديّات خبرة في التعامل مع تمويل المساعدات الدولية واستقطابه، وهو ما أسند كثيراً من الخدمات الأساسية في أنحاء البلاد. غير أنّ تحوّلين منفصلين في مشهد التمويل عادا في السنوات الأخيرة لزعزعة أنماط التنمية والحوكمة المحليّة في لبنان. يتمثّل التحوّل الأول في تراجع الأحزاب السياسية التقليدية بوصفها قنوات تمويل، ويتجلّى ذلك بوضوح في بلديّات وبلدات الجنوب والبقاع، التي لم تتكبّد خسائر فادحة في خلال العامين الماضيين فحسب، بل باتت أحزابها التقليدية عاجزة عن أداء دور محوري في التنمية المحلية وإعادة الإعمار وتوفير الخدمات. ومع أنّ حدّة التحديات في هذه المناطق أكبر بلا شك، فإنّ نمط تراجع الأحزاب يظهر أيضاً في مناطق أخرى، حيث تؤدّي أحزاب مثل تيار المستقبل أو التيار الوطني الحر، التي كانت تاريخياً فعّالة في جمع الموارد وتوزيعها، دوراً أضعف في هذا المجال. أمّا التحوّل الثاني فيتمثّل في تراجع المانحين الدوليين بفعل عوامل عدّة، من بينها إرهاق المانحين وتداعيات تقليص الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إضافة إلى تصاعد الأولوية العالمية لتمويل الدفاع.
تتحوّل التحويلات من شبكات أمان أسرية إلى استثمارات على مستوى المجتمع، تُعيد تعريف معنى الحكم المحلي في لبنان اليوم
في هذا السياق، ازدادت أهمية إشراك الشّتات. فقد أسند الشّتات اللبناني البلاد تاريخياً عبر التحويلات التي دعمت استهلاك الأسر. ومع تقديرات تشير إلى أنّ حجم الشّتات لا يقلّ عن ضعفي عدد السكّان المقيمين، كانت التحويلات تمثّل ما بين 15% و20% من الناتج المحلي الإجمالي. غير أنّ الاتجاهات الحديثة تشير إلى تحوّل نوعي: فإلى جانب إعالة الأسر، بات فاعلو الشّتات يستثمرون في مبادرات جماعية تُسند مجتمعات كاملة. فمن دعم المدارس والعيادات، إلى تمويل مشاريع المياه والصرف الصحي، باتت هذه المساهمات تُشبه على نحو متزايد أشكالاً من الحوكمة المحليّة بحدّ ذاتها.
تُظهر أبحاث المجلس الدنماركي للاجئين (2024) أنّ البلديات تعتمد بصورة متزايدة على مشاريع ممولة من الشّتات لسدّ فجوات الخدمات الأساسية، وكذلك لتوسيع فرص العمل وتطوير الأعمال المحلية. لا تمثّل هذه المبادرات أعمال كرم معزولة، بل تعكس نمطاً متنامياً من الانخراط العابر للحدود يتّسم بتنظيم أكبر، ويسهم في تعزيز توفير المنافع العامة والتعافي من الأزمات. كما شهدت شبكات الشّتات تعبئة واسعة بعد انفجار مرفأ بيروت وخلال الانهيار الاقتصادي، مستفيدة من الروابط العابرة للحدود لتقديم دعم عجز المانحون الدوليون عن توفيره. وفي حالات كثيرة، أثبتت مبادرات الشّتات مرونةً واستجابةً أعلى من قنوات المساعدات الرسمية، على الرغم من استمرار الإشكالات المرتبطة بالشفافية وفعالية التوزيع، ولا سيما في حالة انفجار المرفأ، حيث فاقت الأموال المجموعة قدرة المنظمات غير الحكومية المحلية على الاستيعاب.
في هذا السياق الأوسع، يمكن حتى للتدخلات المحدودة من جانب الشّتات أن تحمل وزناً سياسياً معتبراً، ليس فقط عبر تقديم الدعم المادي، بل أيضاً من خلال التأثير في تصوّرات من يحكم، ومن يُعدّ شرعياً، وكيف تتوزّع السلطة. كما أنّ الفاعلين البلديّين ليسوا متلقّين سلبيين لهذه المبادرات العابرة للحدود؛ إذ قد يسعون إلى شراكات مع الشّتات، أو يتوسّطون للوصول إلى الشبكات المحلية، أو يعارضون ما يعتبرونه مساساً باستقلالهم. وهذه التفاعلات ذات طابع سياسي عميق، وتتشكّل في فراغ حوكمي تُعاد ضمنه صياغة التراتبيات التقليدية للسلطة الوطنية والدولية.
تُعمّق الأبحاث الحديثة عن الارتجال البلدي وإعادة الإعمار هذا التصوّر (Zoughaib, et al. 2025). إذ يُظهر القادة المحليون نمطاً من «التكيّف عبر ريادة الأعمال»، معتمدين على الارتجال والشبكات الموجّهة لتنفيذ مشاريع محدودة. وفي حالات عديدة، شملت هذه الشبكات مجتمعات الشّتات بصورة مباشرة. وقد غدت موارد الشّتات، المُفعّلة عبر روابط شخصية وسياسية، إحدى الأدوات الأساسية التي يلجأ إليها رؤساء البلديّات عندما تعجز مؤسّسات الدولة والمانحون الدوليون عن التدخّل أو يمتنعون عنه.
يبيّن ذلك أنّ إشراك الشّتات لم يعد مساراً موازياً، بل بات جزءاً تكوينياً من الاستراتيجيات الريادية التي تُدار عبرها الحَوْكَمة المحليّة في سياق الأزمات. إذ يعتمد رؤساء البلديّات وأعضاء المجالس البلدية، وحتى الفاعلون غير الرسميين، على هذه الروابط بوصفها من بين المصادر القليلة الموثوقة لتمويل البنية التحتية والخدمات. في هذه العملية، تتحوّل التحويلات من شبكات أمان أسرية إلى استثمارات على مستوى المجتمع، تُعيد تعريف معنى الحكم المحلي في لبنان اليوم.
ومن واقع خبرتي الميدانية، يقدّم مثال من بلدية صغيرة في جنوب لبنان دلالة واضحة، حيث موّل أحد المغتربين إنشاء مضخة مياه عامة وبئر. لبّى هذا المشروع حاجة بنيوية لم تكن الدولة ولا المانحون الدوليون في موقع يسمح لهم بتلبيتها، كما أعاد تشكيل التوقّعات المحلية، مُرسّخاً مساهمات الشّتات بوصفها عنصراً مركزياً في توفير الخدمات الأساسية.
ومع ذلك، كما هو الحال مع أشكال أخرى من «المحلية الريادية»، تظلّ التدخلات التي يقودها الشّتات هشّة. فهي غالباً ما تكون مدفوعة بالأشخاص، ومرهونة برؤساء بلديّات يمتلكون العلاقات المناسبة في الخارج أو بمغتربين يملكون الموارد والرغبة. قد تكون المشاريع شديدة الظهور، مثل مصدر مياه مُرمّم أو شارع مُعاد تأهيله أو سوق مُجدَّد، لكنّها نادراً ما تُدمج في تخطيط طويل الأمد أو تُدعَم بأطر مؤسّسية تضمن الاستدامة. وعلى غرار التدخلات التي يقودها المانحون، قد تنطوي المشاريع المموّلة من الشّتات على خطر تعزيز التفتّت، إذ تتنافس البلديّات على الموارد الخارجية بدل بناء أطر تعاونية.
ومع ذلك، يتميّز إشراك الشّتات بسمات تفصله عن المساعدات الدولية. فهو أقلّ تقيّداً بالأولويات الموضوعاتية أو بالإجراءات البيروقراطية، وأكثر سرعة ومرونة وأشدّ التصاقاً باحتياجات المجتمعات. غير أنّه قد يحمل أيضاً بصمات أولويات طائفية أو حزبية أو عائلية، ما يثير أسئلة عن عدالة التوزيع والمساءلة. في المقابل، قد يتعامل المسؤولون البلديّون مع عروض الشّتات بقبول أو رفض استراتيجي، تبعاً لمدى انسجامها مع توازنات السلطة المحلية.
تمويل الشّتات بوصفه سياسية تحتية
تثير هذه الديناميات أسئلة أعمق لا تتعلّق بتنفيذ المشاريع فحسب، بل بالبنى المتوسّطة والطويلة الأمد للسلطة التي تتشكّل في أعقابها. فمساهمات الشّتات، سواء من حيث الجهات التي تتولّى حشدها أو القنوات التي تتدفّق عبرها أو المقاصد التي تُوجَّه إليها، نادراً ما تكون محايدة؛ إذ تعكس التكوينات السياسية القائمة وتعزّزها، وقد تُنشئ أحياناً تكوينات جديدة.
على غرار التدخلات التي يقودها المانحون، قد تنطوي المشاريع المموّلة من الشّتات على خطر تعزيز التفتّت، إذ تتنافس البلديّات على الموارد الخارجية بدل بناء أطر تعاونية
في بعض البلديّات، تُعدّ قدرة رئيس البلدية على «اللجوء إلى الشّتات» شكلاً من رأس المال السياسي، يميّز الفاعلية في الحكم لا بقوة المؤسّسات، بل بمدى الامتداد العابر للحدود. يخلق ذلك حيّزاً جديداً للشرعية، تُكتسب فيه القيادة عبر نتائج ملموسة تُنجَز من خلال قنوات خارجية، لا عبر التخطيط الرسمي أو آليات المساءلة.
وهكذا تغدو بُنى التمويل، سواء نُظّمت عبر أذرع حزبية عابرة للحدود أو روابط بلدات المنشأ أو متبرّعين أفراد، مفتاحاً لفهم الاقتصاد السياسي المحلي. فهي تحدّد من يقود ومن يُنفّذ ومن يُنظر إليه بوصفه فاعلاً موثوقاً. وهذه ليست حلولاً مؤقّتة، بل تحمل القدرة على إعادة تشكيل المنطق التأسيسي للسلطة البلدية في لبنان.
بين المساعدات الدولية والمحسوبية: إعادة التفكير في الإطار المقارن
تُبرز المقارنة بين المساعدات الدولية وتمويل الشّتات فروقاً مهمّة في الحجم والسرعة والمرونة، لكنّ يكمن الأهم في منطقها السياسي. فمشاريع التنمية المموّلة من المانحين تعمل عادة عبر آليات رسمية بشروط واضحة وأطر مساءلة وقيود موضوعاتية، مثل التركيز على اللاجئين أو الطاقة المتجدّدة أو إدماج الجندر أو مؤشّرات الشفافية. قد تؤدّي هذه الأجندات، على الرغم من وجاهتها، إلى تشويه الأولويات المحلية أو إلى امتثال شكلي بدل إحداث تغيير مؤسّسي عميق.
في المقابل، تميل المشاريع التي يموّلها الشّتات إلى أن تكون أسرع التقاطاً للحاجات الآنية، وأقرب إلى شواغل تنبت من الداخل المحلي. قد تموّل مهندسة من الشّتات في أستراليا ترميم مدرسة في قريتها، وقد تنسّق مجموعة من المغتربين في غرب أفريقيا إيصال المياه إلى بلدتهم. مثل هذه التدخلات تتجاوز بطء البيروقراطية واشتراطات المانحين، فتفسح المجال لحلول مفصّلة على قياس المكان. لكنّها كثيراً ما تعمل خارج الإشراف الرسمي وخارج أطر التخطيط، ومن دون أنظمة توزيع شفّافة. وقد تكون قوّتها نفسها، أي طابعها الشخصي والعاطفي والسريع الحركة، موضع محدوديتها أيضاً.
إنّ تجاوز المفاضلة بين ما هو دولي، من جهة، وما هو شتاتي أو عابر للحدود من جهة أخرى، يتيح في هذه اللحظة فرصة لفهم كيفية تفاعل أشكال مختلفة من الانخراط العابر للحدود مع ديناميات الحوكمة المحليّة القائمة. فعلى سبيل المثال، كيف تتحدّى العطايا التي يقدّمها الشّتات إشكالات المساءلة القائمة، أو كيف تُفاقمها، وهي إشكالات مضمّنة بنيوياً في البنية البلدية في لبنان. ففي 80% من بلديّات لبنان، لا يقيم معظم الناخبين في البلدة التي سُجّلوا فيها ويملكون حق الاقتراع ضمنها. وهذا يطرح أصلاً مشكلة كبرى على مستوى الاستجابة المحلية، إذ لا تتحدّد المصائر الانتخابية للمجالس البلدية على يد السكّان الذين تمسّ حياتهم بصورة مباشرة أكثر من غيرهم. وعلى الرغم من أنّ المقيمين في الشّتات لا يستطيعون التصويت في الانتخابات البلدية من الخارج، فإنّ قدرتهم على التأثير في الانتخابات المحلية وفي الحوكمة المحليّة قد تتشكّل بفعل استثماراتهم داخل البلدة.
قد يؤدي ذلك أيضاً إلى تفاقم اللامساواة الإقليمية، تبعاً لكون بعض المناطق تمتلك شّتاتاً أقوى وأكثر وفرة في الموارد. ففي البلديّات التي يتمتّع رؤساؤها بروابط طائفية أو حزبية متينة في الخارج، قد تتدفّق الأموال بوفرة أكبر. وفي بلديّات أخرى، ولا سيما تلك التي لا تضم جاليات مهاجرة كبيرة أو تفتقر إلى وسطاء سياسيين ذوي شبكات قوية، قد تتعطّل المشاريع بالكامل. ومن شأن ذلك أن يرسّخ جغرافيات غير متكافئة للدعم والإقصاء، حيث تنعم بعض المجتمعات بدعم عابر للحدود فيما تبقى مجتمعات أخرى معزولة.
على الرغم من أنّ المقيمين في الشّتات لا يستطيعون التصويت في الانتخابات البلدية من الخارج، فإنّ قدرتهم على التأثير في الانتخابات المحلية وفي الحوكمة المحليّة قد تتشكّل بفعل استثماراتهم داخل البلدة
في بعض الحالات، قد تحاكي مساهمات الشّتات منطق المحسوبية، بينما تعتمد في حالات أخرى على تنظيم جماعي ومساءلة أوسع. وقد تُوجَّه المشاريع إلى أحياء بعينها أو تُعطى أولوية مقابل ولاءات انتخابية أو مكاسب رمزية، مثل حقوق التسمية أو الاعتراف العلني أو النفوذ غير الرسمي. نتيجة لذلك، قد يُكرّس تمويل الشّتات التكوينات القائمة للسلطة بدل تقويضها.
تعكس هذه الإشكالية انتقادات أوسع تطاول كلاً من المساعدات الدولية والشّتات، بوصف كل منهما قادراً على تشويه الحوكمة والمساءلة بطرقه الخاصة. غير أنّ تراجع التمويل الدولي، بفعل التحوّلات الجيوسياسية وإرهاق المانحين، يجعل من تدفّقات الشّتات عنصراً يملأ فراغاً متّسعاً، ولكن من دون الأطر المؤسّسية والتخطيطية التي يُفترض، نظرياً على الأقل، أن توفّرها الدولة أو المانحون.
تكتسب قراءة هذا المشهد المقارن أهمية خاصة. فهي تساعد على إيضاح الرهانات السياسية المترتّبة على الاعتماد على شبكات الشّتات في توفير الخدمات والحَوْكَمة المحليّة. فبدل تمجيد تمويل الشّتات بوصفه أكثر أصالة أو كفاءة، أو التعامل مع مساعدات المانحين على أنها جامدة وغير ذات صلة، ينبغي تحليل الكيفية التي يعيد بها كلٌّ منهما تشكيل بُنى السلطة المحلية، وما يرافقها من لا مساوات.
في ظلّ عدم الاستقرار العميق الذي يعيشه لبنان، تغدو هذه الأسئلة مركزية. ففاعلو الشّتات لا يملأون فجوات تركتها الدولة أو المانحون الدوليون فحسب، بل يمتلكون القدرة على إعادة تشكيل النسيج السياسي والاجتماعي للحَوْكَمة المحليّة. ويتيح فهم هذه التحوّلات نافذة على كيفية تكيّف الدول المتأثرة بالأزمات، وعلى الكيفية التي تُعيد بها الروابط العابرة للحدود تشكيل السلطة والشرعية واللامساواة داخل المجتمعات وفيما بينها.
من ملف «التفكير الاجتماعي في أزمنة التحوّلات الكبرى». أعدّ هذا الملف من قبل برنامج «مقاربات نقدية للتنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرت النسخة العربية منه في «صفر».