معاينة تضخم معيشي

الصورة: Unsplash/ Michal Gadek

لبنان أمام تضخّم معيشي وانقسام سوقي لا نقصاً في الغذاء

لقياس الأثر الأولي للحرب على الأسواق وسلاسل الإمداد ومستويات الأسعار في لبنان، أجرى «برنامج الأغذية العالمي» تقييماً سريعاً بين 4 و6 آذار/مارس 2026، شمل نحو 243 متجراً موزّعين على مختلف المحافظات اللبنانية. يتضح من نتائج هذا التقييم أن لبنان يدخل مرحلة أكثر صعوبة، ليس على شكل انهيار غذائي مفاجئ أو مجاعة وشيكة، بل عبر مسار تدريجي من التدهور يتمثل في تضخم معيشي متصاعد، وتفاوت متزايد في القدرة على الوصول إلى الغذاء والمواد الأساسية.

ففي حين تبقى المخزونات متوفرة، يتشكّل واقع مزدوج: مناطق لا تزال فيها الأسواق قائمة ولكن تحت ضغط الطلب وارتفاع الكلفة، ولا سيما في المناطق التي تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين، في مقابل مناطق أخرى، خصوصاً في الجنوب، تخرج فعلياً من الدورة الاقتصادية لتتحوّل إلى فضاء يعتمد بشكل متزايد على المساعدات. ومع استمرار غياب أي تدخل من الدولة، فقد يتحوّل الوضع إلى أزمة معيشية شاملة. 

ما هي الرسائل الأساسية التي تبعثها السوق منذ الأسبوع الأول للحرب؟ وإلى أين قد تتجه الأمور؟ 

1. خروج الجنوب تدريجياً من السوق

في خلال الأسبوع الأول من التصعيد، تبدو الأسواق في المناطق الأكثر تأثراً بالنزاع، ولا سيما جنوب نهر الليطاني، وكأنها توقفت عن العمل، حيث أُغلقت معظم المتاجر أو تم إخلاؤها، كما توقفت عمليات تزويدها بالبضائع إلى حد كبير، في حين تبدو الأسواق في مناطق بيروت وجبل لبنان والشمال أقل تأثراً. 

تعكس الأرقام التي يعرضها «برنامج الأغذية العالمي» هذا الواقع بوضوح، ففي الأسبوع الأول من الحرب، لم يبقَ في محافظة النبطية سوى 15% من المتاجر تعمل بشكل كامل، بينما توقفت 70% منها عن العمل نتيجة الإخلاء. أما في محافظة الجنوب، فلم يعد يعمل سوى نحو ثلث المتاجر، في حين أُغلق 44% منها إلى أجل غير مسمى، وتم إخلاء 22%. ويرتبط هذا التراجع الحاد بعوامل أمنية ولوجستية أكثر منه بدمار مباشر بالمحال التجارية. ففي النبطية، أشار 80% من التجار إلى المخاوف الأمنية كسبب رئيسي، و70% إلى نزوح العاملين، و75% إلى أن المتاجر لا يمكن الوصول إليها، مع تسجيل أنماط مشابهة في محافظة الجنوب، حيث أصبحت 75% من الطرق المؤدية إلى المتاجر في النبطية مقطوعة بالكامل، و67% من الطرق في الجنوب، ما أدّى إلى تقييد شديد في حركة الزبائن وعمليات التسليم. 

حالياً، تُظهر سلاسل الإمداد اضطرابات حادة في هذه المناطق. فقد شهدت أوقات التسليم ارتفاعاً ملحوظاً، إذ أفاد 67% من التجار في النبطية و78% في الجنوب بأن التأخيرات تجاوزت 4 أيام، مقارنة بيوم إلى 3 أيام سابقاً. ومع هذا التباطؤ في الإمدادات، بدأ المخزون ينخفض بسرعة في المناطق الأكثر تأثراً، إذ أفاد ثلاثة أرباع التجار في النبطية بأن مخزونهم لا يكفي لأكثر من أسبوع، فيما أشار 56% من المتاجر في الجنوب إلى الوضع نفسه. 

بدورها انعكست هذه الاضطرابات مباشرة على توفر السلع. ففي النبطية، أفاد نحو 90% من التجار بانخفاض توفر الحبوب والمواد الغذائية، و85% بانخفاض توفر السلع غير الغذائية. وفي الجنوب، أبلغ نحو ثلثي المتاجر عن قيود في توفر السلع الغذائية وغير الغذائية.  

في ضوء هذه المؤشرات مجتمعة، يتضح أن هذه المناطق لم تعد تعمل وفق منطق السوق التقليدي، بل تتجه تدريجياً مع استمرار العدوان نحو نمط اقتصادي يعتمد بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية.

لبنان أمام تضخّم معيشي وانقسام سوقي لا نقصاً في الغذاء

2. المخزون موجود لكن «سرعة دورانه» ترتفع

لا تزال سلاسل الإمداد تعمل بشكل نسبي على المستوى الوطني، كما أن المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية متوفرة. مع ذلك، يتوقّع «برنامج الأغذية العالمي» أن تؤدي الاضطرابات المحلية في الإمداد، إلى جانب سلوك الشراء الاحترازي وارتفاع أسعار الوقود، إلى زيادة الضغوط على الأسواق خلال الأسابيع المقبلة، لا سيما في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين.

وبالفعل، شهد سلوك المستهلكين تغيراً سريعاً خلال الأيام الأولى من الحرب، حيث أفاد التجار بظهور أنماط شراء غير اعتيادية بدافع التخزين، إذ سعت الأسر إلى تأمين مخزون من السلع الأساسية في ظل حالة عدم اليقين. وقد كان هذا السلوك واضحاً بشكل خاص في بيروت والنبطية، حيث أشار جميع التجّار إلى ارتفاع غير طبيعي في الطلب، كما سُجّل في جبل لبنان لدى 73% من المتاجر، وفي الشمال لدى 71%، وفي بعلبك–الهرمل لدى 63%.

وقد أدى هذا الارتفاع الحاد في الطلب إلى زيادة الضغط على الأسواق المحلية، خصوصاً في بيروت وجبل لبنان، حيث تسارعت وتيرة استهلاك المخزون، ولا سيما بالنسبة إلى المواد الغذائية الأساسية والسلع المنزلية الضرورية، وترافقت هذه الدينامية مع تباطؤ عمليات إعادة التزويد في بعض المناطق، إذ برزت فجوة متزايدة بين سرعة الطلب وبطء الإمداد.

وبذلك، لم تعد المشكلة مرتبطة بحجم المخزون المتوفر بقدر ما أصبحت مرتبطة بسرعة دورانه، إذ إن تسارع استهلاك السلع، مقابل بطء إعادة تزويدها، يفتح المجال أمام اختناقات مؤقتة في بعض المنتجات، ويرفع احتمالات زيادة الأسعار خلال فترة قصيرة.

لبنان أمام تضخّم معيشي وانقسام سوقي لا نقصاً في الغذاء

3. الانتقال إلى شكل من أشكال «السوق المُقنّنة» 

تشير المعطيات إلى تحوّل تدريجي في طبيعة عمل السوق من نمط طبيعي إلى نمط أكثر تشدّداً وتقنيناً، على الرغم من استمرار توفر المخزونات الاستراتيجية على المستوى الوطني. وبحسب «برنامج الغذاء العالمي» فإن مخزون القمح يكفي لنحو شهرين من الاستهلاك، بينما يمتلك أصحاب المطاحن مخزوناً تشغيلياً يقارب 45 يوماً، ويحتفظ مستوردو المواد الغذائية بمخزونات تمتد بين 3 و4 أشهر، في حين تؤمّن متاجر السوبرماركت عادة مخزوناً يتراوح بين 3 و4 أسابيع. كذلك، تغطي مخزونات الوقود نحو 15 يوماً من الاستهلاك، فيما يكفي مخزون الأدوية لنحو 3 أشهر، مع استمرار عمل سلاسل التوريد.

غير أن هذه الصورة الظاهرية للاستقرار تخفي مؤشرات واضحة على تصاعد الضغوط داخل السوق. فقد بدأ الموزعون بتقنين الكميات الموردة إلى المتاجر، في وقت تحوّل فيه 78% من الموردين إلى فرض الدفع النقدي عند التسليم، مقارنة بـ60% قبل التصعيد. 

يعكس هذا التحول في سلوك الموردين تراجعاً في الثقة داخل السوق وانكماشاً في آليات الائتمان، ما يشير إلى انتقال تدريجي من سوق مرن يعتمد جزئياً على التمويل المؤجّل إلى سوق أكثر تشدّداً يعتمد على الدفع النقدي الفوري وتقنين الإمدادات. وفي هذا السياق، لا تعود المشكلة مرتبطة فقط بتوفر السلع، بل بطبيعة الوصول إليها وشروط تداولها. وإذا استمرت هذه الديناميات أو توسعت، فإنها قد تؤدي إلى ما يشبه الاختناق الاقتصادي، حيث تصبح القدرة على تأمين السلع مرتبطة بالسيولة النقدية الفورية، لا بمجرد توفرها في السوق.

لبنان أمام تضخّم معيشي وانقسام سوقي لا نقصاً في الغذاء

4. صدمة الوقود تقود إلى تضخّم شامل وليس غذائياً فقط

تشير معطيات «برنامج الغذاء العالمي» إلى أن أسعار الغذاء بدأت بالارتفاع فعلياً، إذ بلغت كلفة سلة الحد الأدنى للبقاء للفرد الواحد نحو 42.2 دولاراً للفرد في الأسبوع الأول من آذار/مارس 2026، أي بزيادة 3% مقارنة بمتوسط شباط/فبراير البالغ 41 دولاراً، فيما بلغت كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق الغذائي نحو 59.5 دولاراً للفرد، بزيادة 5% مقارنة بمتوسط شباط/فبراير الماضي (56.8 دولاراً). وبالتوازي، ارتفع مكوّن السلع غير الغذائية ضمن سلة الحد الأدنى للبقاء من 57.5 دولاراً في الأسبوع الأول من شباط/فبراير إلى 61.8 دولاراً في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، كما ارتفع المكوّن غير الغذائي في سلة الحد الأدنى للإنفاق من 62.6 دولاراً إلى 67.0 دولاراً خلال الفترة نفسها. 

ويؤكد التقرير أن هذا الاتجاه مرشّح للتسارع في الأسابيع المقبلة، مدفوعاً بارتفاع كلفة الوقود والنقل، وليس بسبب نقص فوري في الغذاء على المستوى الوطني.

في هذا السياق، يكتسب تطور أسعار الوقود أهمية حاسمة لفهم مسار الأسعار. كانت الأسعار قد بدأت بالارتفاع قبل التصعيد نتيجة قرار حكومي في منتصف شباط/فبراير بفرض رسم بقيمة 300 ألف ليرة على كل صفيحة بنزين بحجة تمويل زيادات رواتب القطاع العام، ثم تسارعت هذه الزيادة لاحقاً. إذ ارتفع سعر البنزين من 15.8 دولاراً لكل 20 ليتراً في بداية شباط/فبراير إلى 25.5 دولار اليوم، كما ارتفع سعر المازوت من 14.8 إلى 23.7 دولاراً خلال الفترة نفسها، في حين شهدت أسعار الغاز المنزلي أيضاً اتجاهاً تصاعدياً من 13.8 دولاراً إلى 20.1 دولاراً. 

إلا أن الأثر الأعمق لا يقتصر على هذه الزيادات المباشرة، بل يكمن في طبيعة الاقتصاد اللبناني نفسه. يشكّل الوقود كلفة أساسية لكل الأنشطة الاقتصادية، من نقل الغذاء وتشغيل المولدات إلى التبريد والتخزين والتوزيع، ما يعني أن أي ارتفاع فيه ينعكس تلقائياً على كلفة مختلف السلع والخدمات، وليس على أسعار الطاقة فقط. وهذا ما يُعرف بالتضخّم المدفوع بالتكاليف، حيث تنتقل الزيادة في الكلفة تدريجياً عبر مختلف القطاعات.

وبناءً على ذلك، يُرجّح أن تشهد أسعار الغذاء ارتفاعاً تدريجياً خلال الأسابيع المقبلة، مدفوعة بارتفاع كلفة الوقود والخدمات اللوجستية والتحديات في سلاسل الإمداد، على الرغم من استمرار توفر المخزونات. أي أن الزيادة المتوقعة لن تكون نتيجة نقص فعلي في السلع، بل نتيجة انتقال متدرّج لارتفاع التكاليف يطال مختلف الفئات الاجتماعية ويعيد تشكيلها على أسس أكثر حدّة. 

لبنان أمام تضخّم معيشي وانقسام سوقي لا نقصاً في الغذاء