خطة مصرف لبنان لإنقاذ المصارف
التراتبية المقلوبة
في مسعى لتثبيت موقع تفاوضي مسبق قبل الجولة المقبلة من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، أخرج حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إلى العلن «ورقة موقف» بشأن قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع، المعروف باسم «قانون الفجوة المالية»، يقترح فيها «توليفة»، بحسب تعبيره، تؤمّن 3 شروط أساسية: شرط صندوق النقد الدولي باعتماد تراتبية لتوزيع الخسائر تبدأ من رساميل أصحاب المصارف، وشرط اعتراف الدولة بدين لصالح مصرف لبنان بقيمة تتجاوز 24 مليار دولار بالعملة الصعبة، فضلاً عن شرط إنقاذ ما يمكن إنقاذه من رساميل أصحاب المصارف. لكن الورقة، التي أُنجزت منذ بداية صيف 2026، تتضمّن موقفاً لمصرف لبنان تصفه بـ«الراسخ»، يقلب هذه التراتبية عملياً، ويعيد تصنيف جزء من الودائع بوصفها «غير نظامية» ويشترط شطب جزء كبير منها قبل اعتماد التراتبية التي يريدها صندوق النقد. وهكذا، تضع الورقة أصحاب الودائع في مقدمة التراتبية وأول من يتحمّل الخسائر قبل المساهمين، ما يسمح ببقاء جزء من رساميل 31 مصرفاً، وفق ما جاء في الورقة، بدلاً من استنزاف رساميل 41 مصرفاً في حال تطبيق التراتبية كما يطلبها الصندوق.
تعرّف ورقة مصرف لبنان «الودائع غير النظامية» على أنها الودائع التي حوّلت من الليرة إلى الدولار بعد توقف المصارف عن الدفع في خريف 2029، والودائع التي نشأت بفعل تراكم الفوائد المرتفعة في حسابات المصارف منذ عام 2016، وهذه الودائع باعتراف الورقة تضمّ حسابات مصرفية كبيرة أو صغيرة، وبالتالي لا تراعي أصحاب الادخارات الصغيرة الذين اعتقدوا أنهم يحمون قيمة ادخاراتهم بالليرة عبر تحويلها إلى الدولار بعد الإنهيار، ومن بين هؤلاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وبعض صناديق النقابات المهنية، بالإضافة إلى تعويضات الكثير من العمّال والموظفين. إلا أن الورقة لا تحصر خسائر أصحاب الودائع بهذه الفئة، بل تحمّي فقط حتى 100 ألف دولار من كل وديعة مصنّفة «نظامية»، ما عدا ذلك يتم تحويله إلى أسهم من دون حقوق تصويتية، أو يتم بيعه للمصرف بجزء بسيط من قيمته الاسمية، أو يحوّل إلى السندات تستحق بعد 20 إلى 30 سنة، عند سعر 16.8 سنتاً لكل دولار.
أيضاً، ستتحمّل الدولة خسائر المصارف إلى جانب أصحاب الودائع، إذ تضع ورقة مصرف لبنان «هندسة مالية» تُفضي إلى تحويل ما لا يقل عن 600 مليون دولار سنوياً من الخزينة العامّة إلى المصرف المركزي، كشرط من شروط نجاح «التوليفة».
ما هي الخسارة أصلاً؟
لدى الجهاز المصرفي موجودات، أي أموال وحقوق يتوقع تحصيلها. وفي المقابل، عليه مطلوبات، أي ودائع وديون ورساميل مستحقة للمودعين والمساهمين وسائر الدائنين. حين تصبح الموجودات القابلة فعلياً للتحصيل أقل من المطلوبات، يظهر الفرق كخسارة. وهذه الخسارة لا تُدفع من صندوق موجود سلفاً، بل تُمتصّ عبر تخفيض حقوق كانت مسجّلة على الورق: قد يُشطب رأسمال المساهم، أو يُخفّض حق دائن، أو يُقتطع جزء من وديعة.
وظيفة تراتبية المطالبات هي تحديد أي حقّ يُخفّض أولاً، وإلى أي حدّ، إلى أن تتوازن قيمة المطلوبات المتبقية مع ما يمكن فعلياً تحصيله من الموجودات المتبقية. لذلك لا تطرح الورقة مجرّد آليات تقنية لتوزيع الخسائر، بل تحدّد مسبقاً من يخرج رابحاً ومن يدفع الثمن.
وفي الحصيلة، يحتفظ المساهمون الحاليون بجزء من رساميلهم وبالسيطرة على مصارفهم، ويستعيد مصرف لبنان ميزانيته، فيما يتوزّع الثمن على المودعين، ولا سيما الكبار منهم ومن صُنّفت ودائعهم «غير نظامية»، وعلى الدولة التي يُطلب منها التزام دائم تجاه المصرف المركزي، أي على المجتمع كلّه في نهاية المطاف.
لا خلاف على أن لبنان يحتاج إلى قطاع مصرفي يعمل من جديد. فبعد أكثر من 6 سنوات من انهيار الوساطة المالية والائتمان، باتت إعادة هيكلة المصارف شرطاً لإعادة تشغيل الاقتصاد. الخلاف، ومنذ البداية، موجود في مكان آخر: من يدفع كلفة إعادة تشغيل هذه المصارف، وكم من ملكيتها القديمة يبقى قائماً بعد توزيع الخسائر؟ والجواب يتضح إذا تتبّعنا ما تطرحه الورقة لكل طرف على حدة.
كيف يُنقذ المساهم قبل أن يبدأ الترتيب على السلّم؟
تعلن ورقة مصرف لبنان التزامها بمبدأ تراتبية المطالبات. ويعني ذلك أن يتحمّل أصحاب المصارف الخسائر أولاً عبر شطب رساميلهم، ثم تأتي الأدوات الرأسمالية والديون الأدنى مرتبة، ولا تصل الخسارة إلى المودعين إلا بعد استنفاد ما قبلهم. وهذه هي أيضاً القاعدة التي أعاد صندوق النقد التشديد عليها في 18 أيلول/سبتمبر 2026، حين طالب باحترام تراتبية المطالبات وألا يتحمّل أي مودع خسارة قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة.
الخلاف لا يدور فقط حول أي طرف يأتي أولاً في توزيع خسارة ثابتة، بل حول حجم المطالبات التي تدخل أصلاً إلى هذا التوزيع
لكن الورقة تضيف خطوة تغيّر الترتيب على هذا السلم. فهي لا تتعامل مع جميع الودائع بالدولار بالطريقة نفسها، بل تقسّمها إلى ودائع «نظامية» وأخرى «غير نظامية». وتشمل الثانية بصورة أساسية ودائع تضخّمت بفوائد مرتفعة منذ عام 2016، وأموالاً حُوّلت من الليرة إلى الدولار على سعر 1,507.5 ليرات من دون أن يقابلها دخول فعلي للعملة الأجنبية. والورقة لا تعتبر هذه الودائع باطلة أو غير قانونية؛ بل تعترف بأنها التزامات قائمة، لكنها تطالب بخفض مرتبتها وتعريضها لخسارة أكبر من الودائع «النظامية».
في السيناريو الذي يطبّق تراتبية المطالبات كما تعرضها الورقة، تبدأ الخسائر فعلاً بحقوق الملكية وتؤدّي في النهاية إلى استنزاف رساميل نحو 41 مصرفاً تضم 98.8% من مجمل الودائع. لكن موقف مصرف لبنان الذي تصفه الورقة بأنه «راسخ» يذهب إلى خطوة مختلفة: عزل «الودائع غير النظامية والمطالبات الشاذة» وإزالتها أولاً، ثم تطبيق التراتبية على الميزانيات التي تبقى بعد ذلك. وتقول الورقة إن هذه العملية يمكن أن تخفّض إجمالي المطلوبات إلى نحو 57 مليار دولار، وأن تسمح ببقاء جزء من حقوق الملكية في 31 مصرفاً، بينها 6 مصارف كبيرة تمثل نحو 30% من ودائع القطاع.
هذه هي الحركة الأساسية في هندسة الخسائر المقترحة. فالخلاف لا يدور فقط حول أي طرف يأتي أولاً في توزيع خسارة ثابتة، بل حول حجم المطالبات التي تدخل أصلاً إلى هذا التوزيع. فإذا خُفّضت مطالبات فئة من المودعين قبل تشغيل التراتبية، تصبح الخسارة التي يتعيّن على حقوق الملكية امتصاصها أصغر.
الحجّة القانونية لتوفير أوسع حماية ممكنة للمصارف
تتذرّع ورقة مصرف لبنان بتفادي النزاعات القضائية، باعتبار أن شطب رساميل المساهمين بالكامل سيفتح الباب أمام دعاوى تعطّل التنفيذ. لكن هذه الحجّة تنقلب على نفسها، إذ إن خفض مرتبة ودائع تعترف الورقة بأنها التزامات قانونية قائمة لن يلغي النزاع القضائي، بل سينقله من المساهمين إلى المودعين.
حماية المساهمين الحاليين لا تنحصر فقط في الإبقاء على جزء من رساميلهم، وإنقاذ مصارفهم وتحمّل بعض خسائرهم، بل تمتد إلى الإبقاء على سيطرتهم على المصارف
لا تقول الورقة علانية إن حماية المساهمين هدف قائم بذاته. حجتها لتوفير هذه الحماية أن تصفير رساميل المصارف قد يدفع مالكيها الحاليين إلى الامتناع عن ضخّ أموال جديدة، فيما لا يوجد ضمان بأن يدخل مستثمرون جدد مكانهم. ولكن الورقة تقر سلفاً أنها لن تستطيع إنقاذ جميع الرساميل في جميع المصارف، وتضع ما يشبه الخطة: إذا شُطبت حقوق الملكية ورفض المساهمون الحاليون إعادة الرسملة، سيتم إخضاعه للحلّ أو دمجه. وإذا تبيّن أنه قابل للحياة، يمكن لمصرف لبنان أن يتدخّل برأسمال جديد، ويعيّن إدارة جديدة، ثم يسعى إلى إدخال مستثمرين جدد لاحقاً. وإذا تبين أنه غير قابل للإنقاذ يمكن تصفيته.
إذاً، حماية المساهمين الحاليين لا تنحصر فقط في الإبقاء على جزء من رساميلهم، وإنقاذ مصارفهم وتحمّل بعض خسائرهم، بل تمتد إلى الإبقاء على سيطرتهم على المصارف. فالودائع التي تدخل في عملية الإنقاذ الداخلي (Bail-in)، سيتم تحويلها إلى أسهم، وأصحابها لا يحصلون، في مقابل ما يُقتطع من ودائعهم، على أسهم عادية بحقوق تصويت كما يُفترض حين يتحوّل الدائن إلى مالك، بل على أسهم تفضيلية من دون حقوق التصويت، ولا يُسمح لهم بتحويلها إلى أسهم عادية إلا إذا سجّل المصرف خسائر على مدى 3 سنوات متتالية، وبعد موافقة جميع المالكين على إمكانية تحويلها. وهكذا، سيموّل المودع إعادة رسملة المصرف، فيما يبقى القرار بيد المساهمين الحاليين أنفسهم الذين أداروه حتى الانهيار.
لماذا «توليفة» مصرف لبنان لا تعيد الثقة بالنظام المصرفي؟
يشرح الخبير المالي مايك عازار أن الثقة لا تقوم على حجم رأس المال وحده، بل أيضاً على معرفة كل طرف مسبقاً موقعه إذا فشل المصرف. عادةً، يحصل المساهم على الأرباح لأنه يتحمّل الخطر الأعلى والأول في حال فشل المصرف، فيما يدخل المودع بوصفه دائناً أعلى مرتبة من رأس المال، في مقابل فوائد غالباً ما تكون أدنى من تلك الأرباح.
عندما يجري إعادة توصيف مطالبة مودع وخفض مرتبتها بما يسمح بالإبقاء على جزء من حقوق الملكية، يصبح عدم اليقين متعلّقاً بالقواعد نفسها، لا برأسمال المصرف وحده.
هذا لا يعني أن الفوائد الاستثنائية أو الأرباح غير المبرّرة أو العمليات المشبوهة يجب تحصينها باسم «قدسية الودائع»، كما درج الخطاب في لبنان منذ وقوع الأزمة في خريف 2019. ففي نظام مفلس، قد تصل الخسارة في النهاية إلى بعض الدائنين والمودعين. لكن السؤال الذي تحسمه تراتبية المطالبات هو من يتحمّلها أولاً. وهناك فارق بين استرداد منفعة غير مشروعة أو فرض ضريبة عليها أو التحقيق في مصدرها، وبين إعادة ترتيب حق دائن بعد وقوع الانهيار بطريقة تقلّل الخسارة التي تقع على رأس المال.
حجم خسارة المودعين وأشكالها المتعدّدة
لا تعطي ورقة مصرف لبنان رقماً واحداً لخسارة المودعين، لأن الخسارة تظهر فيها بأشكال مختلفة، ولا تنشر البيانات الكاملة للسيناريو الذي يريد حاكم المصرف فرضه، وإلا ينفض يده وينسحب من أي مفاوضات. لذلك لا تظهر قيمة الودائع التي ستُشطب أو تُخفّض، وإنما تظهر النتيجة التي تريد الوصول إليها: تخفيض المطلوبات الإجمالية الى 57 مليار دولار، وبقاء جزء من حقوق الملكية في 31 مصرفاً. لكن الرقم المقابل عن كمّ من مطالبات المودعين يجب أن يختفي للوصول إلى هذه النتيجة فهو غير معلن، ويمكن تقديره عبر قراءة أشكال الخسارة التي تتحدّث عنها الورقة.
أولاً، ستمتصّ الودائع المصنفة «غير نظامية» 15.5 مليار دولار من الخسائر بعد استنفاد ما يسبقها في سلم المطالبات. وهذا شطب مباشر لمطالبات المودعين.
ثانياً، ستدخل 7.1 مليارات دولار إضافية من الودائع في عملية إنقاذ داخلي، من بينها 5.2 مليارات من الودائع غير نظامية و1.99 مليار من الودائع النظامية. وفي مقابل كل دولار يدخل في هذه العملية، يحصل صاحبه على أداة رأسمالية بقيمة اسمية تساوي 0.1676 دولار، فيما يُشطب 0.8324 دولار، أي أن الحسم الاسمي يبلغ 83.24%. وبالاستناد إلى الرقم الإجمالي المنشور للأداة، البالغ نحو 1.21 مليار دولار، يبلغ الجزء المشطوب من الـ7.1 مليارات نحو 5.9 مليارات دولار. أما الجزء المتبقي فلا يعود نقداً، بل كأسهم تفضيلية من دون حقوق تصويت لأجل يصل إلى 20 سنة ومن دون فائدة. وفي هذا السيناريو يمكن تحديد نحو 21.4 مليار دولار من الخسائر الاسمية المباشرة على الودائع عبر هاتين الآليتين.
عملياً، ينتهي المودع الذي لا تشمله الشرائح المحمية، أيّاً كان المسار الذي يسلكه، إلى قصة شعر عند 16.8 سنتاً للدولار. وهذا الرقم لا تعلنه الورقة، لكن آلياتها كلّها تقود إليه
ثالثاً، كل عجز متبقٍ بعد ذلك يمكن التعامل معه عبر إعادة شراء ودائع كبيرة على سعر 15 ألف ليرة للدولار، من دون تحديد الحجم الذي سيخضع لهذه الآلية. وبالمقارنة مع سعر 89,500 ليرة للدولار المعتمد لدى مصرف لبنان، تساوي الـ15 ألف ليرة نحو 16.76% من سعر الدولار.
أما الأجزاء التي تُسترد عبر أدوات مدعومة بأصول (ABS) فتمتد آجالها، وفق الورقة، إلى 20 و25 و30 سنة. ولا تقدّم الوثيقة جدولاً يسمح بتحديد أي شريحة من كل وديعة تذهب إلى أي إصدار وبأي عائد، لكنها تقول في موضع آخر إن سعر 15 ألف ليرة للدولار «يتوافق بصورة عامة» مع القيمة الحالية لهيكل الأدوات المدعومة بالأصول المقترح. وهذا ليس شطباً اسمياً بالضرورة، فالمودع قد يحمل الأداة حتى استحقاقها، لكنه يبيّن الفارق بين قيمة المطالبة على الورق وقيمتها الاقتصادية اليوم.
لا تتوقف الخسائر عند الشطب المباشر. فهناك ما لا يظهر كشطب في القيمة الاسمية، وإنما كخسارة زمن وقيمة حالية. تقول الورقة إن المودعين حتى 60 ألف دولار، وهم 87% من عدد المودعين وفق تقديرها، يستردون كامل هذا المبلغ خلال 4 سنوات، وإن الرصيد المتبقي حتى 100 ألف دولار يُسدّد تدريجياً خلال 7 سنوات. هنا لا تسجّل الورقة شطباً اسمياً، فمن لديه 60 ألفاً يفترض أن يستعيد 60 ألفاً. لكن الدولار المسترد بعد سنوات لا يساوي اقتصادياً دولاراً متاحاً اليوم، لعوامل عدّة أبرزها تآكل قيمته بفعل التضخّم، ولا تنشر الورقة جدول دفعات وفائدة يسمح بحساب هذه الخسارة بدقة.
في الواقع، لا توجد «خسارة المودع» في رقم واحد: هناك مطالبة قد تُشطب مباشرة، ووديعة قد تتحوّل إلى أسهم بلا حقوق تصويت، ووديعة كبيرة قد تُشترى بالليرة، وأدوات يمتد استحقاقها إلى عقود، ومبالغ تُسترد كاملة ولكن بعد 4 أو 7 سنوات. مع ذلك، تلتقي هذه الآليات، على اختلافها، عند سعر واحد تقريباً: معدّل التحويل في عملية الإنقاذ الداخلي يبلغ 0.1676 دولار لكل دولار، وسعر إعادة الشراء على 15 ألف ليرة يساوي 0.1676 دولار أيضاً، فيما تربط الورقة نفسها هذا السعر بالقيمة الحالية للأدوات المدعومة بالأصول. عملياً، ينتهي المودع الذي لا تشمله الشرائح المحمية، أيّاً كان المسار الذي يسلكه، إلى قصة شعر عند 16.8 سنتاً للدولار. وهذا الرقم لا تعلنه الورقة، لكن آلياتها كلّها تقود إليه.
الخسارة لا تختفي بل تنتقل إلى المال العام
إذا كانت معالجة الودائع تخفّف جانباً من المطلوبات وتعيد توزيع الخسارة داخل المصارف، تدخل الدولة من جهة أخرى عبر إعادة بناء ميزانية مصرف لبنان وتوفير التدفقات التي يحتاج إليها لتنفيذ خطة السداد.
تقدّر الورقة صافي خسائر مصرف لبنان بنحو 31.1 مليار دولار. وفي المقابل، يطالب المصرف بتثبيت مطالبة على الدولة بقيمة اسمية تبلغ 24.9 مليار دولار: 16.5 ملياراً يعتبرها تمويلاً حكومياً متراكماً، و8.4 مليارات مرتبطة باستخدام الاحتياطات لتمويل برنامج الدعم بعد الأزمة.
لا تعني هذه المطالبة أن الدولة ستدفع 24.9 مليار دولار نقداً للمودعين. ما يريده مصرف لبنان هو تحويل هذه المطالبة في ميزانيته إلى أصل سيادي دائم (دين أبدي على الدولة)، بفائدة ثابتة تتراوح بين 2.5% و4%، على أن تؤمّن له تدفقاً سنوياً لا يقل عن 600 مليون دولار من إيرادات الموازنة العامة، أي من الضرائب والرسوم وغيرها. كما يقترح تخصيص نحو 25% من عائدات الخصخصة المستقبلية لتسديد أجزاء من أصل هذا الدين.
وظيفة هذه الهندسة واضحة. الورقة نفسها تقول إن إصلاح ميزانية مصرف لبنان واسترداد الودائع عمليتان «مرتبطتان ميكانيكياً»: يحتاج المصرف المركزي إلى أصل يثبته في ميزانيته وإلى تدفقات نقدية تمكّنه من الوفاء بحصته من عمليات سداد الودائع المحمية وإصدار الأدوات المطلوبة. فالمصارف ليست ملزمة سوى بتمويل 40% من السداد النقدي للمودعين و20% فقط من الأدوات، ما يعني أن مصرف لبنان سيتحمّل العبء الأكبر بموجب هذه الورقة.
لكن تسجيل مطالبة على الدولة لا يلغي الخسارة، بل يساهم بتقوية ميزانية مصرف لبنان عبر إنشاء التزام في جهة أخرى. وحين تلتزم الدولة بتحويل 600 مليون دولار سنوياً إلى مصرف لبنان، سيأتي المال في النهاية من إيرادات عامة، أو من حصة كانت قابلة للإنفاق على غرض آخر، أو من الاقتراض، أو من بيع أصول عامة. وإذا أضيفت عائدات الخصخصة إلى هذه الهندسة، تصبح أصول الدولة المستقبلية نفسها جزءاً من تمويل إعادة بناء النظام المصرفي.
وتذكّر الورقة بالمادة 113 من قانون النقد والتسليف، التي تنصّ على أن تغطّي الخزينة خسائر المصرف المركزي السنوية إذا لم يكفِ احتياطه العام. بالتالي، لا يدور السؤال حول ما إذا كانت الدولة ستساهم في تحمّل خسائر النظام المالي، بل حول حجم مساهمتها وشكلها، والموارد التي ستُقتطع منها وتأثير ذلك على استدامة المالية العامة.
ما يطالب به مصرف لبنان لا ينافس بنود الموازنة العامّة فحسب، بل ينافس الاقتصاد كلّه على الدولار الشحيح نفسه
يطلب مصرف لبنان من الدولة التزاماً اسمياً كبيراً وتدفقاً دائماً، وفي الوقت نفسه يعتبر إن مساهمتها يجب ألا تقوّض استدامة الدين. والسؤال الذي يبقى بلا جواب ليس ما إذا كانت الـ 600 مليون تساعد ميزانية مصرف لبنان، بل ما إذا كان توفيرها سنوياً يضغط على قدرة الدولة على تمويل التزاماتها الأخرى، لا سيما أن هذه القيمة تساوي تقريباً نحو 8.8% من مجمل نفقات مشروع الموازنة العامة لعام 2027، التي لا تتضمّن أي كلفة مترتبة على الدولة جراء إعادة هيكلة الدين العام، أو دفع المتأخّرات المتوجبة عليها لصالح الضمان الاجتماعي والمستشفيات والمقاولين والمؤسسات العامة، كما لا تشمل أكلاف أي مشروع لتطوير البنية التحتية أو إعادة الإعمار أو خدمات أساسية عامة يفترض بها تأمينها.
ويزيد من ثقل هذا الالتزام أن الاقتصاد اللبناني يعتمد على تدفّقات محدودة بالعملات الأجنبية، من تحويلات المغتربين إلى بعض الصادرات والسياحة. وكلّ دولار يُخصّص لتسديد الدين، هو دولار يُقتطع من تمويل الاستيراد أو الاستثمار أو الخدمات العامّة. أي أن ما يطالب به مصرف لبنان لا ينافس بنود الموازنة العامّة فحسب، بل ينافس الاقتصاد كلّه على الدولار الشحيح نفسه، ولا سيما في ظل التوقعات باستمرار عدم الثقة بالمصارف اللبنانية لفترة طويلة، التي تقلل احتمالات دوران الأقساط المقبوضة من شريحة الودائع المحمية.
عفو عام عن الجرائم الحقيقية
تأتي ورقة مصرف لبنان في لحظة فاصلة. فمن جهة، يستعد لبنان لجولة جديدة من النقاشات مع صندوق النقد الدولي الذي سبق أن حدّد شروطه لمعالجة الخسائر، ومن جهة أخرى يتزايد الضغط الخارجي للحدّ من الاقتصاد النقدي وإعادة جزء أكبر من التدفقات إلى قطاع مصرفي رسمي يمكن مراقبة حركة الأموال عبره، ولا سيما في ظل التركيز الأميركي على قنوات تمويل حزب الله.
يرتبط نشرها الآن باقتراب هذه الاستحقاقات وحاجة مصرف لبنان إلى التموضع مع المصالح المصرفية مسبقاً. وهو ما تعكسه الورقة نفسها حين تهدّد: إمّا قبول «التوليفة» كما هي وإمّا يعلن مصرف لبنان عدم التعاون والانسحاب من المفاوضات.
يقرأ المحامي كريم ضاهر ما يجري باعتباره جزءاً من «توليفة» أوسع، تقتضي تحريك بعض الملفات للإيحاء بوجود محاسبة واستعادة مبالغ مرتبطة ببعض التحويلات والعمليات، وشطب رساميل بعض المصارف وتغيير إداراتها، في مقابل إقفال جزء أوسع من ملف المسؤوليات وعدم العودة إلى الهندسات المالية والأرباح والعمولات وتوزيعات الأرباح والقرارات التي راكمت الأزمة قبل 2019.
لا تبدو ورقة مصرف لبنان مجرد خطة تقنية لإعادة هيكلة المصارف، بل محاولة لتثبيت شروط التسوية المقبلة. تحاول الورقة التوفيق بين ثلاثة أهداف: احترام تراتبية المطالبات التي يطالب بها صندوق النقد، والحدّ من استخدام المال العام، وإنقاذ ما أمكن من المصارف. لكن حين تتعارض هذه الأهداف، يُحسم الأمر لصالح الهدف الثالث. في الحصيلة، هي خطة لإنقاذ المصارف ومساهميها، لا المودعين ولا الاقتصاد، ويدفع ثمنها المودعون والدولة، أي المجتمع كلّه.