تشريح ميزانية مصرف لبنان: لم تقع حرب على لبنان

تشريح ميزانية مصرف لبنان: لم تقع حرب على لبنان

تفرض الحروب عادةً على الحكومات والبنوك المركزية تعديل سياساتها المالية والنقدية بشكل جذري: توسيع الإنفاق العام، ضخ السيولة، دعم الأسواق، وتمويل الإغاثة. لكن قراءة ميزانية مصرف لبنان بين 1 آذار/مارس و15 نيسان/أبريل 2026 تقود إلى مفارقة لافتة: الأرقام لا تعكس سياسات حرب، بل استمراراً واضحاً في السياسات السابقة نفسها، مع بعض الضغوط المحدودة على الموجودات بالعملات الأجنبية. 

تعتمد هذه القراءة على البنود الثلاثة الأكثر دلالة لفهم أثر الحرب على الاقتصاد من خلال ميزانية المصرف المركزي: 

  • الموجودات بالعملات الأجنبية: هل يوجد ضغط على الدولارات التي يملكها المصرف المركزي؟
  • النقد في التداول: هل يجري ضخّ ليرات إضافية في السوق أم سحبها؟
  • ودائع القطاع العام: هل تنفق الدولة أموالها لمواجهة حاجات الحرب، أم تحتجزها داخل مصرف لبنان؟

أولاً، هل تظهر الحرب ضغطاً على احتياطي العملات الأجنبية؟

يعكس بند الموجودات بالعملات الأجنبية في ميزانية مصرف لبنان ما يمكن تسميته «الاحتياطي القابل للاستخدام»، أي ما يمكن استخدامه فعلياً من أصول أجنبية سائلة لتمويل الاستيراد ودعم سعر الصرف وتسديد المدفوعات الخارجية.

قبل الحرب، لم تكن الموجودات بالعملات الأجنبية في مسار استنزاف واضح، ولكنها لم تكن في مسار نمو. فمن نهاية 2025 حتى 28 شباط/ فبراير 2026، تذبذبت قيمة هذه الموجودات صعوداً وهبوطاً حول رقم 12 مليار دولار تقريباً. لكن مع دخول الحرب، انخفضت هذه القيمة من 11.88 مليار دولار في آخر شباط/فبراير إلى 11.53 مليار دولار في آخر آذار/مارس، أي أن مصرف لبنان خسر نحو 343 مليون دولار من دولاراته في خلال شهر واحد من الحرب، وهذا يعني أن الحرب ولّدت ضغطاً فعلياً على الموجودات الأجنبية، أو على الأقل ترافقت مع استعمال أو استنزاف أكبر لها. 

لكن في النصف الأول من نيسان/أبريل، أي في خلال الأسبوعين الأخيرين من هذه الحرب، ارتفعت هذه الموجودات إلى 11.68 مليار دولار. ما يعني أن الضغط لم يتحوّل إلى نزف متواصل، بل إلى تذبذب كما هو المسار قبل الحرب وإنما مع ضغوط أكبر لا تتعلّق بالطلب الداخلي على الدولار فحسب، بل بضغوط الأسعار العالمية وارتفاع كلفة الاستيراد أيضاً.

تشريح ميزانية مصرف لبنان: لم تقع حرب على لبنان

ثانياً، هل عدّل مصرف لبنان سياسته النقدية لمواجهة الحرب؟

إذا كان بند الموجودات الأجنبية يقول لنا شيئاً عن الضغط على الاحتياطيات، فإن بند النقد في التداول يقول لنا شيئاً عن سلوك السياسة النقدية. فالنقد المتداول هو ببساطة حجم الليرات الموجودة خارج مصرف لبنان، أي في السوق وفي أيدي الناس والشركات.

في ظروف الحرب، تفترض النظرية الاقتصادية السائدة أن يرتفع النقد: لأن الناس تحتاج إلى سيولة أكبر، ولأن الاقتصاد يواجه اضطراباً، ولأن السلطات تُنفق أموالاً إضافية لمواجهة الطوارئ.

لكن ما تقوله ميزانية مصرف لبنان هو العكس تماماً.

تشريح ميزانية مصرف لبنان: لم تقع حرب على لبنان

بقاء بند النقد في التداول على مسار التخفيض كما كان قبل الحرب هو ربما أهم إشارة في الميزانية كلها. ففي بلد يواجه حرباً ونزوحاً واضطراباً في الأسواق، كان يفترض أن نرى توسّعاً في السيولة أو على الأقل تثبيتاً لها. لكن ما يظهر هو استمرار السياسة السابقة نفسها: سحب الليرة من السوق. وهذا يعني ببساطة أن مصرف لبنان لم يتصرّف كمن يواجه طارئاً اجتماعياً واقتصادياً كبيراً، بل كمن يواصل أولوية واحدة تقريباً: ضبط الكتلة النقدية وحماية سعر الصرف.

حجّة مصرف لبنان والتيار السائد أنه في اقتصاد شديد الدولرة مثل لبنان، ستتحوّل كل زيادة في عرض الليرة إلى طلب على الدولار. لذلك، يعتمد مصرف لبنان سياسة نقدية انكماشية، عبر تقليل الليرة لتقليص هامش المضاربة على الدولار، ويعتقد أنه يقدّم أفضل خدمة لسكان لبنان في ظل الحرب، عبر تقديم الاستقرار النقدي كبديل عن أي وظيفة إغاثية أو توسعية.

في أغلب الحروب، تتوسع السياسة النقدية أو تتدخل استثنائياً. أمّا في لبنان، فالاستجابة كانت مزيداً من الانكماش.

ثالثاً، هل عدّلت الحكومة سياستها المالية لمواجهة الحرب؟

يعكس بند ودائع القطاع العام في ميزانية مصرف لبنان السياسة المالية للحكومة، فإذا كانت توسِّع إنفاقها لمواجهة الحرب، وتَدفع للإغاثة أو الإيواء أو الدعم أو الخدمات، يُفترض أن تنخفض ودائعها لدى مصرف لبنان، لأن الأموال تخرج من حسابات الدولة إلى السوق والاقتصاد والمجتمع. أمّا إذا ارتفعت هذه الودائع أو بقيت مرتفعة، فهذا يعني أن الدولة لا تضخ السيولة، بل تحتجزها وتسخّر السياسة المالية لصالح الأهداف النقدية على حساب الحاجات المهمّة الاخرى.

شهدت ودائع القطاع العام تراجعاً طفيفاً بعد منتصف آذار/ مارس، لكن المستوى العام بقي مرتفعاً جداً مقارنة ببداية السنة. وهذا يعني أن السياسة المالية لم تتحول إلى سياسة حرب. لا يوجد في هذا البند ما يوحي بضخ واسع للأموال في الاقتصاد لمواجهة آثار الحرب، لا إنفاقاً طارئاً واسعاً، ولا سياسة إغاثية كبيرة مموّلة من الخزينة، ولا إعادة ترتيب جذرية للأولويات المالية. فما يظهر هو العكس: بقيت الأموال، إلى حدّ كبير، محتجزة داخل مصرف لبنان ضمن مهمّة امتصاص السيولة، بدل أن تتحول إلى سيولة في السوق أو إلى إنفاق مباشر على المجتمع.

تشريح ميزانية مصرف لبنان: لم تقع حرب على لبنان

الخلاصة

الحرب موجودة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي، لكنها شبه غائبة في السلوك المالي والنقدي الذي تعكسه ميزانية مصرف لبنان:

  • ضغط محدود ومدار على الموجودات بالعملات الأجنبية في الشهر ونصف الشهر من الحرب.
  • استمرار الانكماش النقدي بدل ضخ السيولة.
  • بقاء ودائع القطاع العام مرتفعة لخدمة الأهداف النقدية بدل تحويلها إلى إنفاق إغاثي واسع.

السياسات لم تتبدّل على نحو يواكب اقتصاداً في حالة حرب، بل استمرت كما كانت: أولوية الاستقرار النقدي، سحب السيولة، واحتجاز الأموال العامة، كأن الحرب حدث خارجي لا يفرض إعادة ترتيب داخلية واسعة.

لذلك، لا تظهر الحرب على ميزانية مصرف لبنان.

    رندة قوّاص

    طالبة جامعية.