معاينة أكثر من ربع الزراعة اللبنانية تحت خطر العزل

الصورة: Unsplash/Rashid Khreiss

أكثر من ربع الزراعة اللبنانية تحت خطر العزل

أكثر من ربع الزراعة اللبنانية يقع في الجنوب، وهو مهدّد اليوم ليس فقط بسبب تراجع الإنتاج الناتج عن الحرب والنزوح، بل بسبب خطر انقطاعه الكامل مع محاولات عزل مناطق جنوب الليطاني عن باقي لبنان، وقطع هذه المنطقة عن سلاسل التوريد الداخلية وعن قنوات التجارة مع الخارج. عندها، لا تعود المسألة خسارة موسم زراعي فقط، بل تتحول إلى إعادة رسم لمسارات الإنتاج والتوزيع في البلاد.

1. الجنوب عقدة إنتاج لا يمكن تعويضها

وفق المسح الزراعي الشامل لعام 2010 الصادر عن وزارة الزراعة، تستحوذ محافظتا الجنوب والنبطية على نحو 27.9% من إجمالي المساحات المخصصة للزراعات الدائمة، و14.5% من الزراعات الموسمية. ويعكس هذا التركز بنية إنتاجية تجعل من الجنوب ركيزة أساسية في الأمن الغذائي اللبناني، ما يجعل أي اضطراب فيها صدمة مباشرة على مستوى البلاد.

تستحوذ هذه المنطقة على نحو 71% من أراضي الحمضيات، وقرابة 36% من الزيتون، فيما تُعد المنتج شبه الحصري للموز بحصة تتجاوز 90%. وتشير تقديرات أكاديمية وقطاعية إلى إنتاج سنوي يقارب 200 ألف طن من الحمضيات وأكثر من 100 ألف طن من الموز، إضافة إلى توسّع لافت في الزراعات الحديثة. ويؤكد عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة المعارف، بسّام همدر، أن أي انقطاع فيها يشكّل «خسارة اقتصادية كبيرة»، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة نظام يعتمد على جغرافيا ضيّقة لإطعام بلد كامل.

ولا يقتصر دور الجنوب على هذه المحاصيل. فقد تحوّلت المنطقة في السنوات الأخيرة إلى مركز أساسي لإنتاج الخضار، مثل البندورة والبصل والخيار والفجل، نتيجة الانتشار الواسع للبيوت البلاستيكية. وبحسب همدر، شهدت أيضاً توسعاً في الزراعات الاستوائية، مثل الأفوكادو والكيوي والليتشي والباشن فروت، إلى جانب مساهمة كبيرة في الزراعات التجميلية، إذ تنتج نحو 60% من أزهار الزينة في لبنان. هذا التنوع لا يخفّف من المخاطر، بل يعمّقها، إذ كلما توسّع الإنتاج في منطقة واحدة، ازدادت كلفة تعطّله على الاقتصاد ككل.

ويظهر هذا التمركز بوضوح أكبر في قطاع التبغ، حيث يُعد الجنوب المنتج الأساسي له. ويشير المهندس الزراعي عبد المولى المولى، مدير التبغ الورقي في «الريجي»، إلى أن الإنتاج كان قبل الأزمة المالية بحدود 5 آلاف طن، قبل أن يتراجع في السنوات الأخيرة. لكن هذا القطاع نفسه يقف اليوم على حافة التراجع. فمع النزوح وتعطّل العمل الزراعي، لا تتوفر بعد تقديرات دقيقة لأعداد العائلات المتضررة، إلا أن المولى يؤكد أن الأرقام «مرشّحة لأن تكون كبيرة»، في مؤشر إلى أن الأزمة لا تطال الإنتاج فقط، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية التي يقوم عليها.

أكثر من ربع الزراعة اللبنانية تحت خطر العزل

2. من القصف إلى العزل: كيف يُعاد تشكيل الاقتصاد

لا يحدث التحوّل الأخطر في الحقول، وإنما على الطرق. إن استهداف جسر القاسمية وشبكات النقل في الزهراني لا يعطّل الإنتاج فقط، بل يفصل الجنوب فعلياً عن الأسواق. وهنا تحديداً تتبدّل طبيعة الحرب: لم تعد تستهدف الأرض الزراعية بقدر ما تستهدف قدرتها على الوصول، أي الحلقة التي تحوّل الإنتاج إلى غذاء فعلي في السوق. 

يوضح رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين، إبراهيم ترشيشي، أن المنتجات الزراعية «ما زالت تصل، ولكن أقل من مستواها المعتاد»، مشيراً إلى أن المزارعين يقطفون محاصيلهم «على عجل وكأنهم يسرقونها». هذه ليست صورة عابرة، بل توصيف دقيق لقطاع يعمل تحت ضغط الزمن والخطر، حيث يصبح كل تأخير خسارة، وكل عملية نقل مغامرة.

انعكست هذه التحوّلات سريعاً في السوق. فقد تضاعف سعر الموز تقريباً خلال أسابيع، وارتفعت أسعار الحمضيات بنسب كبيرة، وفق تقارير وزارة الاقتصاد لعام 2026. لا تعبّر هذه الزيادات عن استغلال تجاري فحسب، بل عن صدمة عرض ناتجة عن اختناق جغرافي في الإنتاج، حيث تنخفض الكميات المتاحة وترتفع كلفة إيصالها.

يرى همدر أن الحرب تسببت بـ«صدمة في سلاسل التوريد الداخلية»، لكن هذه الصدمة لا تبدو مؤقتة بالكامل. فمع استمرار المخاطر الأمنية وارتفاع كلفة النقل، تتحول الخضار والفواكه تدريجياً من سلع يومية إلى سلع شبه كمالية، ما يضع شرائح واسعة من السكان، ولا سيما النازحين، أمام تراجع فعلي في قدرتهم على الوصول إلى الغذاء.

وقد بدأ المستهلكون يتلمّسون هذا التحوّل بوضوح. فقد شهدت الأسواق ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الخضار والفواكه خلال أسابيع قليلة، ساهم فيه أيضاً استغلال بعض التجار لتزامن موسمي الصوم المسيحي والإسلامي، بحسب همدر. ويتزامن ذلك مع ضغوط تضخمية عالمية مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، من محروقات وأسمدة، ما يضاعف أثر الصدمة المحلية.

لكن العامل الحاسم يبقى محلياً. يشير التجار إلى تأثير مباشر على المنتجات القادمة من جنوب الزهراني، حيث تتركّز الاستهدافات وأوامر التهجير. ويبرز الموز البلدي كمثال واضح: إذ ارتفع سعر الكيلوغرام إلى نحو 100 ألف ليرة في بيروت وجبل لبنان بحلول منتصف آذار/مارس، مقارنة بـ50 ألف ليرة قبل شهر واحد فقط، وفق التقرير الأسبوعي لوزارة الاقتصاد. كما ارتفعت أسعار البرتقال بنحو 79% والليمون الحامض بنحو 40%.

ولا يقتصر هذا الارتفاع على تراجع المعروض، بل يشمل أيضاً كلفة النقل، التي ارتفعت نتيجة خطورة التنقّل في المنطقة، لا سيما بعد تحذيرات طالت الشاحنات المدنية. ومع استمرار هذا الواقع، لا يعود ارتفاع الأسعار ظاهرة ظرفية، بل يتحوّل إلى مسار قد يدفع بعض المنتجات الزراعية إلى خانة السلع الكمالية، ويضعف القدرة على الحفاظ على أنماط غذائية متوازنة.

أكثر من ربع الزراعة اللبنانية تحت خطر العزل

3. من الغذاء إلى العملة: خسارة مزدوجة

لا يتوقف أثر ما يجري عند حدود السوق المحلية، بل يمتدّ أيضاً إلى العملة الأجنبية. ففي عام 2025، صدّر لبنان أكثر من 100 مليون دولار من الخضار والفواكه، إضافة إلى نحو 200 مليون دولار من منتجات الزراعات الصناعية، وفق بيانات إدارة الإحصاء المركزي وتقديرات قطاعية. هذه الأرقام، وإن بدت محدودة، تمثّل أكثر من 8% من إجمالي صادرات البلاد، في اقتصاد يعاني أصلاً من عجز مزمن في الحساب الجاري.

يرتبط جزء أساسي من هذه الصادرات مباشرة بالإنتاج الجنوبي. فقد بلغت صادرات الموز نحو 16 مليون دولار، والحمضيات نحو 5.5 مليون دولار، فيما وصلت صادرات زيت الزيتون إلى 42 مليون دولار، إضافة إلى نحو 10 ملايين دولار من التبغ الخام غير المصنّع، و1.7 مليون دولار من الأزهار وبراعم الأزهار، وفق بيانات الجمارك اللبنانية لعام 2025. هذه ليست مجرد أرقام تجارية، بل قنوات أساسية لتدفق العملة الأجنبية إلى الداخل.

عند هذا المستوى، لا يعود تعطّل الإنتاج أو نقله مسألة زراعية فقط، بل يتحوّل مباشرة إلى مشكلة نقدية. فكل شحنة لا تصل إلى المرفأ، وكل محصول لا يُصدَّر، يعني انخفاضاً إضافياً في تدفقات الدولار، وما يرافقه من ضغط على ميزان المدفوعات وسعر الصرف.

بهذا المعنى، يربط عزل الجنوب بين ثلاث حلقات مترابطة: الإنتاج، والتصدير، وتدفق العملات الأجنبية. وعندما تنكسر هذه السلسلة، لا يختفي المنتج من السوق المحلية فقط، بل يتراجع أيضاً أحد مصادر تمويل الاقتصاد. هنا تحديداً تتجاوز الأزمة بعدها الزراعي، لتتحول إلى عامل إضافي في تعميق الاختلالات الاقتصادية القائمة.

أكثر من ربع الزراعة اللبنانية تحت خطر العزل

4. أبعد من الحرب: ثلاث طبقات من التحوّل

ما يحدث في الجنوب لا يمكن اختزاله كأثر جانبي للحرب، بل يكشف عن تحوّل أعمق في بنية الاقتصاد الزراعي اللبناني، يمكن قراءته على ثلاثة مستويات مترابطة.

المستوى الأول هو كشف الهشاشة البنيوية. إن اعتماد لبنان على تمركز إنتاجي حاد في منطقة واحدة يجعل أي استهداف لهذه المنطقة صدمة مباشرة للنظام الغذائي ككل. ما يظهر اليوم ليس فقط حجم الخسارة، بل حدود نموذج زراعي قائم على تركّز جغرافي ضيّق.

المستوى الثاني هو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد. لم تعد الطرق مجرد عنصر لوجستي، بل تحوّلت إلى نقاط تحكّم بتدفق الغذاء. وعندما تُقطع، لا يتعطّل النقل فقط، بل يُعاد تعريف من يستطيع الوصول إلى السوق ومن يُستبعد منها. بهذا المعنى، لا يجري تعطيل السلسلة فحسب، بل يعاد تنظيمها بالقوة.

أما المستوى الثالث، وهو الأبعد أثراً، فيكمن في تحوّل الغذاء نفسه إلى أداة ضغط غير مباشرة. فمع تراجع العرض وارتفاع الأسعار وتزايد صعوبة الوصول، لا يعود الغذاء مسألة إنتاج واستهلاك فقط، بل يصبح جزءاً من معادلة القوة داخل المجتمع.

بهذا المعنى، لا يبدو ما يجري أزمة مؤقتة ستنتهي بانتهاء العدوان. فاستهداف الطرق والجسور في منطقة تشكّل قلب الإنتاج الزراعي، وعزلها عن الأسواق، يطرح احتمالاً مختلفاً وهو أن يكون الاقتصاد الزراعي نفسه في طور إعادة تشكيل.