الإمبريالية: مستشرية اليوم كما في الأمس
- مراجعة لكتاب سمير صول «الإمبريالية: مستشرية اليوم كما في الماضي»، يتتبّع هذا العمل تحوّلات الإمبريالية عبر تاريخ طويل، من الحرب والجباية والاستعمار المباشر إلى الهيمنة المالية وإمبريالية الديون، بوصفها صيغة متبدّلة للسيطرة واستخلاص الموارد والقيمة. وتنبع أهمية الكتاب من قدرته على وصل الجدل النظري بالمسار التاريخي، بما يكشف كيف بدّلت الإمبريالية أدواتها من دون أن تغيّر وظيفتها الأساسية في تنظيم الهيمنة على نطاق عالمي.
يُعَدّ كتاب سمير صول من أبرز المراجع الحديثة التي تناولت مفهوم الإمبريالية معالجةً شاملة ودقيقة. يقدّم صول، من العصور القديمة إلى العصر الراهن، تحليلاً منهجياً لطبيعة الإمبريالية وتشكّلها وتطوّرها داخل الغرب وخارجه. ويقوم الكتاب في جوهره على قراءة نقدية للبحوث القديمة والحديثة حول الإمبريالية، بالتوازي مع عرض متماسك للنظريات السائدة وشرح واضح للمسار التاريخي الذي تطوّر عبره النظام الإمبريالي.
يفتتح صول كتابه بعرض السياسات الإمبريالية التي سبقت نشوء الرأسمالية الحديثة، ويُوجّه من خلالها نقداً مباشراً إلى القراءات الأكاديمية التي تختزل الإمبريالية في مجرد أداة تابعة لهذا النظام. ويقترح، في المقابل، قراءةً تاريخية ممتدة تُظهر الإمبريالية بوصفها بنيةً لتنظيم السلطة ارتبطت بمراحل تاريخية وأنظمة اقتصادية وبنى اجتماعية متباينة. ويركّز تحليله على التمييز بين الهيمنة والسلطة السياسية، وبين الاستغلال الاقتصادي والقوة الاقتصادية، ليؤكد أن التحكّم السياسي يسبق دائماً المكاسب الاقتصادية. ويبيّن أن الإمبريالية القديمة استندت، أساساً، إلى جباية الضرائب والوصول إلى الموارد واستخراج الريع، لا إلى منطق السوق. وفي هذا السياق، يبرز دور الحرب بوصفها أداةً تأسيسيةً في الإمبريالية السابقة على الرأسمالية. ومن هنا، تتكرّس علاقة المركز بالأطراف بما يضمن السيطرة القسرية على بعض المناطق واستخراج مواردها، لا بهدف التراكم، بل لتعزيز قوة الإمبراطورية وتوسّعها المستمر.
منذ البداية، يحدّد المؤلف إحدى النقاط الأساسية لفهم الإمبريالية: فهي نظام اقتصادي عالمي يقوم على وسائل غير اقتصادية. وبهذا المعنى، تظهر الإمبريالية فئةً عامةً تُستخدَم أداةَ إكراه شاملة، تتيح الهيمنة والغزو وتوسّعهما، سواء اتخذت أشكالاً رسمية أو غير رسمية، عبر العمل العسكري المباشر الهادف إلى الاستحواذ الإقليمي، أو عبر التحكّم المحلي في السوق بما يفرض هيمنةً تنحصر في المجالين الاقتصادي والمالي. لكنّ الإمبريالية تتخذ أشكالاً أكثر تنوّعاً حين ترتبط بنمط الإنتاج الرأسمالي، إذ تتداخل عندئذٍ مع ما يُعرَف بقانون الحركة الرأسمالية، أي الدوافع والميول الصادرة عن منطق التراكم اللامتناهي. وعند هذا المستوى، تبرز الإمبريالية مقولةً تاريخيةً محددةً ترتبط بمجموعة من النظريات الاقتصادية، وخصوصاً تلك المستوحاة من الفكر الماركسي أو المتأثرة به، والتي تُدرج الإمبريالية في أطرها النظرية لشرح آليات عمل الرأسمالية من الداخل.
ظلّت الإمبريالية، من المركنتيلية إلى الرأسمالية المالية الليبرالية والنيوليبرالية، مرتبطةً جوهرياً بسياسات توسّع رأس المال وبعمليات استخراج القيمة عبر وسائل اقتصادية وفوق اقتصادية. لكنّ الباحثين، من الناحية التاريخية، لم يدرسوا الإمبريالية موضوعاً محدداً للبحث والتحليل إلا منذ أواخر القرن التاسع عشر. وجاء ذلك مع تنامي قوة نظام الإنتاج الرأسمالي حتى اكتسب طابعاً شاملاً، ومع ما خلّفه من آثار واضحة على المستويين الوطني والعالمي. وبمعنى آخر، سعت دراسة الإمبريالية إلى تحديد تحوّلات الرأسمالية السوقية وشرحها على نحو منهجي، وخصوصاً بعد أزمة التجارة الحرة في عام 1873. وسرعان ما نظر الباحثون إلى الإمبريالية بوصفها الذراع التنفيذية لتوسّع الرأسمالية نحو أسواق تُعَدّ مربحةً محتملةً للنفوذ الإقليمي الرأسمالي وللنخب الاقتصادية. ويظلّ جوزيف شومبيتر الاقتصادي البارز الوحيد الذي عالج مفهوم الإمبريالية بجدية من دون أن ينطلق من نقد للرأسمالية، وذلك في عمله الشهير «سوسيولوجيا الإمبرياليات» في عام 1919.
يرسم صول، في تسلسل زمني واضح، ملامح مراحل عدّة من التوسّع الإمبريالي. يبدأ بالإمبريالية المركنتيلية، التي أفسحت المجال في القرن التاسع عشر لإمبريالية التجارة الحرة، ثم للإمبريالية النيومركنتيلية التي انحسر حضورها بعد الحرب العالمية الثانية. ويتوقّف مطولاً عند ما يُعرَف بـ«العصر الكلاسيكي للإمبريالية»، الذي امتدّ تقريباً بين عامي 1870 و1914. وقد أسهم في ترسيخ هذا الاهتمام كتاب لينين الشهير «الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية»، إلى جانب أعمال روزا لوكسمبورغ، ورودولف هيلفردينغ، وكارل كاوتسكي، وجون هوبسون.
سعت دراسة الإمبريالية إلى تحديد تحوّلات الرأسمالية السوقية وشرحها على نحو منهجي، وخصوصاً بعد أزمة التجارة الحرة في عام 1873
حظيت الإمبريالية النيومركنتيلية باهتمام خاص لعدة أسباب، في مقدّمتها استخدامها الواسع للقوة المباشرة وغير المباشرة من أجل غزو المجتمعات غير الأوروبية وإخضاعها والتأثير فيها. وسمح هذا المسار ببقاء معدّل الربح عند مستويات مرتفعة، مع تفادي أزمات فرط الإنتاج التي مهّدت لأزمة التجارة الحرة في عام 1873 وللكساد الطويل في أواخر القرن التاسع عشر، ولو أن في هذا التوصيف قدراً من المبالغة.
في صلب هذه المرحلة التوسّعية، قدّم لينين تفسيراً لعدم تحقّق انهيار النظام الرأسمالي في أوروبا كما تنبّأ كارل ماركس، إذ أدّت المستعمرات والإمبريالية دور آليات تضمن استمرارية الربحية. ولم يجرِ التوسّع الرأسمالي عبر الإمبريالية من خلال تصدير السلع وحده، بل اتخذ، على نحو متزايد، شكل تصدير رأس المال المالي. وفي هذه المرحلة التاريخية، التي انتهت مع الحرب العالمية الثانية، تزامن الشكل التقليدي من الإمبريالية الاستعمارية مع أشكال أكثر تجريداً من الرأسمالية النيومركنتيلية، من دون أن تكون أقل قسراً.
تظهر إحدى نقاط القوة في كتاب سمير صول في تحليله المفصّل لكبار منظّري الإمبريالية. ويتتبّع المؤلف تطوّر نظريات الإمبريالية بدقّة تاريخية، من دون أن يسقط في الحتمية. ويعرض ما كُتب حول الإمبريالية بأكبر قدر ممكن من التجرّد الإيديولوجي، من غير أن يُخضع النظرية لأطروحة مسبقة.
سعت بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتّحدة إلى فتح مجالات جديدة لتصدير رأس المال والبحث عن فرص جديدة للربح. وكما أشار هوبسون في عام 1902، جاء ذلك على حساب توزيع أكثر عدالة للدخل داخل الحدود الوطنية، فظهرت الإمبريالية الاقتصادية بوصفها ضرورة لحماية مدّخرات الطبقات الثرية. فارتفاع الأجور داخل الدولة الرأسمالية يعني انكماش هذه المدّخرات، بما يقوّض منطق تصدير رأس المال والإمبريالية المالية.
في المقابل، ساعد تصدير رأس المال على تفادي تشبّع السوق المحلية، والحدّ من الضغوط التي قد تخفّض معدّل الربح الداخلي وحجم المدّخرات، مع الحفاظ داخلياً على شروط ملائمة للانضباط الاجتماعي وهوامش ربح مقبولة.
شكّل النموذج البريطاني مثالاً واضحاً. فقد لاحظ شومبيتر، وهو من قلائل غير الماركسيين الذين تناولوا مفهوم الإمبريالية، أن الإمبريالية البريطانية اقترنت بحاجة دزرائيلي السياسية، بعد قانون الإصلاح في عام 1867، إلى كسب أصوات الطبقة العاملة عبر استثمار الفخر الوطني وسيلةً لنزع فتيل الصراع الطبقي الداخلي. وهكذا بدت هذه السياسة كأنها تصدير لمشكلة داخلية. وبالمثل، ظهرت الإمبريالية الفابية محاولةً لاستغلال موارد الإمبراطورية في تمويل برامج التوظيف الكامل والتقاعد، بما دعم شكلاً أولياً من السياسات الاجتماعية.
وساعدت عوائد رأس المال المالي أيضاً على تحقيق هذا الهدف. فمنذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأت عوائد القروض الخارجية تتجاوز أرباح الصادرات الصناعية، وخصوصاً بعد أن فقدت الصناعة البريطانية قدرتها التنافسية أمام نظيرتيها الألمانية والأميركية. ومن هنا أدّت الإمبريالية دوراً خارجياً في مواجهة مشكلة داخلية نابعة من بنية المجتمع الصناعي البريطاني، كما ظهرت أداةً دوريةً مضادّة تخفّف من حدّة الأزمات الاقتصادية المحلية. ويخصّص المؤلف لهذه المرحلة الكلاسيكية من الإمبريالية فصلين من الكتاب: الفصل الحادي عشر بطابع تجريبي، والفصل الثاني عشر بطابع نظري، بما يساعد القارئ على فهم تطوّر النظرية الكلاسيكية من الزاويتين النظرية والتحليلية.
يجمع كتاب صول بين تحليل صارم لنظريات الإمبريالية الكلاسيكية والحديثة، وربطها بالأحداث التاريخية ضمن أفق تاريخي ممتد. وبعد عام 1945، أخذت الإمبريالية أشكالاً جديدة. ومع انطلاق مسار إزالة الاستعمار، لم يعد الاستحواذ العسكري على أراضٍ جديدة خياراً مقبولاً أخلاقياً أو سياسياً أو قانونياً أو اقتصادياً.
وتراجعت أشكال التحكّم المباشر تدريجياً لمصلحة أشكال غير مباشرة، فُرضت على الدول التي لم تلتزم بقواعد رأس المال والتوجيهات السياسية التي كرّستها هيمنة الولايات المتّحدة. ويحدّد المؤلف بدقة تحوّلات السبعينيات المرتبطة بما وصفه باران وسويزي بالرأسمالية الاحتكارية، وصعود النيوليبرالية بوصفه مرحلةً مفصليةً في تبدّل السياسات الإمبريالية.
ومع نزع التصنيع في الولايات المتّحدة، أخذ التوسّع المالي يتقدّم ليغدو الأداة الرئيسة في بسط نفوذ القوة الأميركية داخلياً وخارجياً. وصار الربح المالي المحرّك الأساسي للتوسّع واستخراج القيمة، سواء عبر تعميق السيطرة على المؤسسات فوق القومية، كما يظهر في تحوّل دور صندوق النقد الدولي منذ سبعينيات القرن الماضي، أو عبر التوسّع القسري لظاهرة الدولرة على المستوى العالمي، وهو ما سهّله نمو أسواق اليورودولار وتراكم البترودولارات منذ السبعينيات.
تراجعت أشكال التحكّم المباشر تدريجياً لمصلحة أشكال غير مباشرة، فُرضت على الدول التي لم تلتزم بقواعد رأس المال والتوجيهات السياسية التي كرّستها هيمنة الولايات المتّحدة
ومع بروز تعددية الأقطاب، أخذ التقسيم التقليدي بين الدول «المتقدّمة» و«المتخلّفة» يتقلّص تباعاً. وأعادت هيمنة القطاع المالي تشكيل أولويات الولايات المتّحدة الجيوسياسية والجيواقتصادية. وألحقت الممارسات الساعية إلى الربح واستخراج القيمة أضراراً واسعة ببلدان عديدة، ولا سيما ببلدان شبه طرفية في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، التي تكبّدت النصيب الأكبر من التوسّع المالي الأميركي. ويكفي النظر إلى بنود المشروطية المرفقة بقروض صندوق النقد الدولي للمملكة المتّحدة في عام 1976، وإيطاليا في عامَي 1974 و1977، ومقارنتها بتلك المفروضة على ما يُسمّى «الدول النامية» بعد أزمات الديون السيادية عقب عام 1979. ثم انقلب رأس المال المالي أيضاً على تلك الدول الأوروبية نفسها التي اجتاحتها أزمة 2007–2008 الكارثية.
وبعد الأزمة المالية في عام 2008، منحت المؤسسات الأوروبية وصندوق النقد الدولي قروضاً إلى اليونان، ما أفضى إلى أول تطبيق فعلي لأشدّ الممارسات القسرية التي ترتّبت على الإمبريالية المالية النيوليبرالية في دولة تُعَدّ «متقدّمة». ومنذ ذلك الحين، أخذت تلك الجهات تتجاهل، على نحو متزايد، الوزن السياسي لبعض الدول مقارنة بغيرها.
أسهم انتهاء الحرب الباردة في تقليص الأهمية السياسية لدول أوروبية كاليونان بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين البارزين، مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، وهو ما أطلق يد رأس المال في انتهاج سياسة تعظيم استخراج القيمة. وبعد عام 2008، دخل العالم بالكامل في مرحلة بدأت بالتشكّل منذ الثمانينيات: الانتقال من اقتصاد قائم على الاستهلاك إلى اقتصاد قائم على الديون، حيث تجاوزت المالية ورأس المال الريعي القطاع الصناعي–الإنتاجي من حيث المكانة والمركزية.
وكلما توسّع اقتصاد الديون، كلما تخلّت الإمبريالية عن مبرّراتها السياسية لتتحوّل إلى أداة صافية لاستخلاص القيمة من أي فرد، أو دولة، أو شكل حياة يخضع لمنطق الدَين والائتمان.
وعلى الرغم من أن العوامل الجيوسياسية ما زالت تؤثر في تحديد درجة استخراج القيمة من دولة لأخرى، تعمل إمبريالية الديون ضمن ديناميات استخلاص معممّة تهدف إلى تعظيم العائدات لمصلحة الدولة المهيمنة والنخب المالكة لرأس المال.
كلما توسّع اقتصاد الديون، كلما تخلّت الإمبريالية عن مبرّراتها السياسية لتتحوّل إلى أداة صافية لاستخلاص القيمة من أي فرد، أو دولة، أو شكل حياة يخضع لمنطق الدَين والائتمان
كما يُبيّن سمير صول بشكل مقنع، فإن الإمبريالية تخدم قوى مختلفة بحسب الحقبة التاريخية والمصالح السائدة والنظام الإنتاجي الذي تنتمي إليه، سواء كان سياسياً–عسكرياً أو صناعياً أو مالياً. وقد شكّلت الإمبريالية دائماً جزءاً من محاولة الهيمنة التي سعت إليها المجتمعات البشرية منذ العصور القديمة.
نجح كتاب صول في تحقيق توازن دقيق بين التحليل النظري والتحليل التجريبي، ما يجعله أداة لا غنى عنها لكل من يهتم بالإمبريالية كظاهرة منهجية وليس كجانب منفصل.
لم يسبق أن أصبح فهم طبيعة الإمبريالية بهذا القدر من الأهمية لفهم تطوّر النظام الجيوسياسي والجيواقتصادي العالمي بكل ما يحمله من تعقيد.
لمن يسعى إلى الإحاطة بالحاضر عبر منظور تاريخي في جوهره، يغدو عمل سول قراءةً لا غنى عنها.
نُشِر هذا المقال على موقع «Marx & Philosophy Review of Books» في 1 شباط/فبراير 2026، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموجب رخصة المشاع الإبداعي.