عين على الصندوق
صمت صندوق النقد الدولي المريب: أين الحرب؟
يقدّم صندوق النقد الدولي نفسه بوصفه حارساً للاستقرار المالي والاقتصادي العالمي ورقيباً عليه، إذ تتمحور مهامه الأساسية حول رصد المخاطر الاقتصادية والتحذير منها، استناداً إلى اتفاقيته التأسيسية، ولا سيّما المادتين الأولى والرابعة اللتين تمنحانه دوراً رقابياً على النظامين المالي والنقدي العالميين، وتُلزمانه التنبيه إلى السياسات والإجراءات التي قد تهدّد الازدهار.
في الأزمات العالمية الكبرى، من جائحة كوفيد-19 إلى الحرب الروسية على أوكرانيا، جاءت استجابة الصندوق سريعة، إذ بادر إلى إصدار بيانات عاجلة لتقييم التداعيات الاقتصادية، وسهّل آليات الدعم المالي للدول لمواجهة آثار تلك الأزمات. إلا أنّه، في سياق الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وما رافقها منذ يومها الأول—لا سيّما إغلاق مضيق هرمز وتضرّر البنى التحتية للطاقة—اختار الصمت المريب، مكتفياً ببيان مقتضب أشار فيه إلى أنه «يراقب عن كثب التطورات في الشرق الأوسط»، على أن يقدّم «تقييماً شاملاً» في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي المزمع صدوره في نيسان/أبريل المقبل.
هذا الصمت من جانب الصندوق لا يمكن قراءته إلا بوصفه تواطؤاً واضحاً، لا سيّما عند مقارنته بالصخب الذي رافق استجابته السريعة والمكثّفة للحرب في أوكرانيا
يأتي صمت صندوق النقد في وقت يرجّح فيه الكثير من الخبراء والاقتصاديين أن تكون تداعيات هذه الحرب على الاقتصاد العالمي أشدّ من آثار الجائحة، وبالتأكيد أعمق من تبعات الحرب الروسية على أوكرانيا. بل إنّ رئيس وكالة الطاقة الدولية اعتبر أنّ الحرب الجارية على إيران تمثّل أكبر تهديد للطاقة على الإطلاق، وأن استمرارها يدفع العالم تدريجياً نحو تبعات اقتصادية طويلة الأمد، قد يكون بعضها غير قابل للعكس.
إنّ هذا الصمت من جانب الصندوق لا يمكن قراءته إلا بوصفه تواطؤاً واضحاً، لا سيّما عند مقارنته بالصخب الذي رافق استجابته السريعة والمكثّفة للحرب في أوكرانيا.
وليس من قبيل المصادفة أنّ التطورات الجيوسياسية منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا تتسارع على نحو يكشف ازدواجية المعايير لدى ما يُسمّى «المجتمع الدولي»، بدءاً من الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين، مروراً بحربها على لبنان، وصولاً إلى الحرب على إيران. وتُعدّ هذه الحرب الأخيرة التعبير الأوضح عن هذه الازدواجية.
فبين حالتي أوكرانيا وإيران أوجه تشابه عديدة: قوة كبرى تشنّ حرباً على دولة أخرى تحت ذريعة الأمن القومي (مع خصوصية الحالة الإيرانية حيث تشارك إسرائيل في الهجوم)؛ ومنطقتا الصراع تحتلان موقعاً محورياً في أسواق الطاقة والغذاء عالمياً؛ كما تُستهدف في الحالتين البنى التحتية المدنية والسكان المدنيون. ويمكن التوسّع في أوجه الشبه، لكن يكفي هذا القدر للإشارة إلى الفارق الأبرز: تخضع إيران لعقوبات أميركية وأوروبية، ما يحرمها من الاستفادة من أي خدمات يمكن أن يقدّمها صندوق النقد الدولي.
اندلعت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026. وعلى الرغم من خطورة الحدث، انتظر صندوق النقد الدولي حتى اليوم الرابع ليصدر بيانه الوحيد، الذي خلا حتى من أي إشارة صريحة إلى إيران. وجاء في البيان: «نتابع عن كثب التطورات في منطقة الشرق الأوسط. وحتى هذه الآونة، لاحظنا اضطرابات في النشاط التجاري والاقتصادي، وطفرات في أسعار الطاقة، وتقلباً في الأسواق المالية. ويظل الموقف على درجة عالية من التقلب، ويزيد من حالة عدم اليقين في البيئة الاقتصادية العالمية. ولا يزال الوقت مبكراً للغاية لتقييم التأثير الاقتصادي على المنطقة والاقتصاد العالمي، إذ سيعتمد ذلك على نطاق الصراع ومدته. وسوف نقدم تقييماً شاملاً في عدد نيسان/أبريل من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي».
ولم يعبّر الصندوق حتى عن أسفه لسقوط ضحايا، مفضّلاً أن يستهل بيانه المقتضب بالحديث عن أسعار الطاقة واضطرابات الأسواق. بل أوحى بأن الوقت لا يزال «مبكراً جداً» لتقدير التداعيات، داعياً ضمنياً إلى انتظار تقرير آفاق الاقتصاد العالمي المقرر صدوره في نيسان/أبريل، بالتزامن مع اجتماعات الربيع التي تبدأ في 13 من الشهر نفسه، أي بعد نحو شهر ونصف من اندلاع الحرب. وكأن لا موجب للقلق، وفق مقاربة الصندوق.
ولم يعبّر الصندوق حتى عن أسفه لسقوط ضحايا، مفضّلاً أن يستهل بيانه المقتضب بالحديث عن أسعار الطاقة واضطرابات الأسواق. بل أوحى بأن الوقت لا يزال «مبكراً جداً» لتقدير التداعيات
وللمقارنة، اندلعت الحرب في أوكرانيا أيضاً في أواخر شباط/فبراير، وتحديداً في الرابع والعشرين منه، أي قبل فترة زمنية مماثلة من اجتماعات الربيع.
في 25 شباط/فبراير 2022، أي في اليوم التالي لاندلاع الحرب الروسية، أصدر صندوق النقد الدولي بياناً باسم المديرة التنفيذية، عبّرت فيه بدايةً عن قلق بالغ إزاء المعاناة الإنسانية الناجمة عن النزاع، مضيفةً أنّ «الصراع يخلّف آثاراً اقتصادية خطيرة ستتفاقم كلما طال أمده. وتأتي هذه الأزمة في وقت حساس، إذ يتعافى الاقتصاد العالمي من تداعيات جائحة كوفيد-19، وهي تهدد بنسف جزء من هذا التقدّم». وتابع البيان: «أبعد من أوكرانيا، تشكّل تداعيات الصراع مخاطر اقتصادية كبيرة في المنطقة وحول العالم. ونحن نقوم بتقييم الآثار المحتملة، بما في ذلك ما يتعلق بعمل النظام المالي، وأسواق السلع الأساسية، والتأثير المباشر على البلدان المرتبطة اقتصادياً بالمنطقة». واختُتم البيان بالتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم لأعضائه بحسب احتياجاتهم.
وبعد أسبوع واحد فقط من البيان الأول، أصدرت المديرة التنفيذية بياناً آخر في 1 آذار/مارس 2022، بالاشتراك مع رئيس البنك الدولي، عبّرا فيه عن «صدمة بالغة وحزن عميق إزاء الخسائر البشرية والاقتصادية المدمرة التي تخلّفها الحرب في أوكرانيا»، محذّرَين من أنّ «أسعار السلع الأولية آخذة في الارتفاع، بما يهدد بمزيد من التضخم، ويُلحق أشد الضرر بالفئات الأكثر هشاشة، فيما ستتفاقم الاضطرابات في الأسواق المالية ما دام الصراع مستمراً».
يتّضح، إذاً، أنّ الحديث عن التداعيات الاقتصادية للحرب في أوكرانيا لم يُعتبر مبكراً. بل إنّ البيان ذهب أبعد من ذلك، معلناً الاستعداد لتقديم دعم مالي لأوكرانيا، وهو خيار غير متاح لإيران نتيجة خضوعها للعقوبات، وهي نقطة لا تقل أهمية، وإن لن نتوقف عندها هنا.
وبعد عشرة أيام فقط، في 10 آذار/مارس 2022، عقدت المديرة التنفيذية للصندوق طاولة مستديرة مع وسائل الإعلام لمناقشة الحرب في أوكرانيا، مشيرةً للمرة الأولى إلى «الاجتياح الروسي»، بعدما كانت تكتفي سابقاً بتوصيفها بـ«الحرب في أوكرانيا». وشارك في هذه الطاولة، إلى جانبها، المتحدث باسم الصندوق، والنائب الأول للمديرة التنفيذية، ومدير قسم أوروبا في الصندوق (أي نظير جهاد أزعور رئيس قسم الشرق الأوسط).
وخلال اللقاء، توسّع ممثلو الصندوق في عرض التداعيات الاقتصادية للحرب، متجاوزين حدود أوكرانيا إلى مناطق القوقاز والبلطيق وآسيا الوسطى، وصولاً إلى الشرق الأوسط. ثم انتقل النقاش إلى الاقتصاد العالمي، مع التطرق إلى ارتفاع أسعار السلع، وتصاعد معدلات التضخم، وتشدد الأوضاع المالية وظروف الأعمال. وقبيل فتح باب الأسئلة للصحافيين من مختلف أنحاء العالم، ختمت المديرة التنفيذية بالقول: «لقد تجاوزنا أزمة غير مسبوقة مع الجائحة، وها نحن ندخل مرحلة أكثر صدمة. لقد حدث ما كان يُعدّ مستحيلاً: لدينا حرب في أوروبا».
يتبيّن، إذاً، أنّ قيادة الصندوق جرى حشدها، خلال عشرة أيام فقط من اندلاع الحرب، للحديث بتفصيل عن تداعياتها، على الرغم من أنّ هذه التداعيات كانت ستُناقش أيضاً في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في اجتماعات الربيع لعام 2022، كما هي الحال هذا العام.
فلماذا، إذاً، هذا الصمت المريب من الصندوق إزاء الحرب على إيران، في مقابل هذا الزخم من التصريحات والتحليلات بشأن أوكرانيا؟
يبدو الصمت سياسياً لا تقنياً، إذ يعكس خشية قيادة الصندوق من إغضاب الإدارة الأميركية، التي قد تفسّر أي تحذير من تداعيات الحرب بوصفه انتقاداً مباشراً لسياساتها
واللافت أنّ تداعيات الحرب على إيران تبدو أكثر خطورة من تلك الناجمة عن الحرب في أوكرانيا. فإغلاق مضيق هرمز—الذي يمرّ عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية—يهدّد بإحداث صدمة في أسواق الطاقة قد تفوق أزمتي 1973 و1979 مجتمعتين. وقد بدأت بالفعل دول آسيوية تشهد نقصاً في الغاز المسال وغاز الطهي والوقود، فيما تتعرض دول الخليج لضربات عسكرية واقتصادية مباشرة، ستنعكس بدورها على قدرتها الاستثمارية وعلى تمويل اقتصادات نامية تعتمد عليها، لا سيّما في المنطقة العربية وأفريقيا.
نحن، إذاً، أمام موجة تضخمية جديدة، واحتمال تفاقم أزمات الديون، وتراجع في سلاسل التوريد، وارتفاع في أسعار الغذاء والسلع الأساسية. وكل ذلك يجري في سياق اقتصاد عالمي مُنهك أصلاً بفعل أزمات متتالية منذ عام 2020. ومع ذلك، يصرّ الصندوق على الصمت.
وحتى إذا وضعنا جانباً البعد الإنساني، بما يتضمنه من معاناة ومجازر في إيران ولبنان، فضلاً عن تداعيات الردود في دول أخرى، وسلّمنا جدلاً بأن شعوب المنطقة لا تستدعي حتى بياناً، يبقى السؤال: ماذا عن النظام الاقتصادي العالمي نفسه، الذي ساهم صندوق النقد في بنائه والدفاع عنه، وفرض سياسات تقشفية قاسية باسمه؟ أليس هذا النظام جديراً، على الأقل، ببعض التحذير والتنبيه؟
صحيح أنّ العقوبات الأميركية والأوروبية على إيران تحول دون تمكّن الصندوق من تقديم دعم مالي على غرار ما حصل مع أوكرانيا، إلا أنّ ذلك لا يبرّر غياب دوره الرقابي والتحذيري. فالصندوق ليس مجرد مؤسسة إقراض، بل يفترض أن يكون جهاز إنذار مبكر للاقتصاد العالمي، ودوره لا يتوقف عند حدود الدول التي يستطيع إقراضها.
من هنا، يبدو الصمت سياسياً لا تقنياً، إذ يعكس خشية قيادة الصندوق من إغضاب الإدارة الأميركية، التي قد تفسّر أي تحذير من تداعيات الحرب بوصفه انتقاداً مباشراً لسياساتها. وهكذا، يضحّي الصندوق بدوره الأساسي، ويعيد التأكيد، مرة بعد أخرى، أن ادعاءاته بالحياد والتكنوقراطية ليست سوى أوهام، وأنه يعود في نهاية المطاف إلى وظيفته الفعلية كأداة ضمن منظومة الهيمنة القائمة.