معاينة الحرب على إيران

الصورة: Unsplash/Mahdi Karami

هكذا دواليك
هرمية القيم في المساحات الرقمية: لا صوت يعلو فوق صوت الـ F35

منذ ما قبل الموجة الحالية من الحرب في لبنان، وتحديداً عقب إطلاق حزب الله 6 صواريخ على إسرائيل في مطلع آذار/مارس الجاري، لم تعد المعركة محصورة في الميدان العسكري. بالتوازي معه، تشكّل ميدان آخر: المساحات الرقمية.

فمع تأخّر الحسم العسكري، بفعل تشابكه مع الحرب على إيران، وبفعل صمود إرادة القتال لدى المقاومة اللبنانية، التي يشكّل أبناء القرى عمودها الفقري، تحوّلت منصّات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة لنوع مختلف من العنف: عنف رمزي، إقصاء رقمي، وتخوين متبادل.

مع الوقت، أصبح جلياً ما يمكن وصفه بـ«هرمية للمصداقية والقيم»، جرى تطويرها وتكريسها منذ موجة العدوان السابقة في خريف 2024. تقوم هذه الهرمية على المفاضلة بين الأفراد ومشاعرهم في المساحات الرقمية، كلٌّ بحسب درجة قربه من السردية التي ينسجها الخطاب المهيمن في الإدارة الأميركية.

الرسالة واضحة ومباشرة: لا صوت يعلو فوق صوت الـ F35، ولا نقد يسمو على الحاجة إلى الانتقام. وعلى هذا الأساس، يجري اعتماد خطاب تحقيري تجاه أي رأي مختلف، يُوصم بسلسلة من الأحكام القيمية الجاهزة، من «القطيع» و«الغنم» و«الأدلجة» و«الامتداد الإيراني»، وصولاً إلى «الأغبياء المفيدين». ويجمع بين مطلقي هذه الأحكام تقاطعٌ واضح: مناصرة الحرب على إيران، والتهليل لإدارة دونالد ترامب بكل موبقاتها. وإلى جانب ذلك، تبرز قلةٌ مترقّبة لإنجاز إسرائيل مهمّتها في لبنان، بغرض توظيفها في المعادلات الداخلية.

يبدو الانضواء تحت السردية المهيمنة خياراً مغرياً، بل وقائياً، لكنه يعطّل القدرة على طرح الأسئلة. لماذا تسأل؟ لماذا تجادل؟ ولماذا تخرج عن الموضوعات المرسومة؟ هنا تتجلّى دينامية الاستلاب بأوضح صورها

وبالتالي، يمنح تكريس هذه الهرمية القيمية للبعض «شرعية» و«حق» وصف الرأي المخالف بأبشع الصفات، وممارسة شكل من «الاستعلاء القيمي». لكن، على ماذا يرتكز هذا الاستعلاء؟ ومن أين يستمد أصحابه هذه الثقة والقوّة لتصنيف الناس وترتيبهم قيمياً؟ يكمن الجواب في تموضعهم السياسي داخل السردية المهيمنة التي تشكّل البنية الدعائية المنظّرة للحرب. فمن خلال هذا التموضع، يتوهّمون بأنهم جزء «عضوي» من منظومة القيم الغربية، اليمينية الأميركية تحديداً، على الرغم من أن هذه المنظومة نفسها ليست واحدة أو متجانسة.

هكذا، يتضخّم وهم الانتماء إلى الغرب، ويُعاد إنتاج الذات بوصفها امتداداً ثقافياً لتفوّق الغرب التكنولوجي أو لقيمه الحضارية، بغض النظر عن فهمها الفعلي.

قد يُفسَّر هذا السلوك، جزئياً، بوصفه ردّ فعل على تجارب سابقة أو نتاجاً لآثار ما بعد صدمة الهيمنة والإقصاء التي مارستها قوى «الممانعة» خلال العقدين الماضيين. ربما يصحّ ذلك على المستوى الفردي. لكن الصراع في لبنان لم يكن يوماً صراع أفراد، بل صراع منظومات تمتلك أدوات الهيمنة وتتشارك ديناميات الخطاب الإقصائي. واليوم، مع شبه انهيار ما كان يُعرف بـ«المحور»، يصبح الانضواء تحت السردية الأميركية المهيمنة مدخلاً لاكتساب فائض من التفوّق القيمي، يتيح للفرد إعادة تقديم نفسه كامتداد «حداثوي» لهذه المنظومة.

الاستلاب، والاستلاب المعكوس

تترسّخ «هرمية المصداقية والقيم» في تفاصيل التفاعل الرقمي اليومي: في الإعجابات والمشاركات، في الصفحات المفتوحة والشبكات المغلقة، وفي تداول الأخبار المفبركة والترويج لمنصّات الإعلام الغربي بوصفها مصدراً للحقيقة المطلقة، بمعزل عن سياقاتها السياسية.

كما تظهر في السعي الحثيث لتكريس فكرة انعدام القدرة على المقاومة، أياً كان شكلها، عسكرية كانت أم مدنية. فالأفراد أنفسهم الذين يسخرون من عدم تكافؤ القدرات العسكرية، يسخرون أيضاً من أشكال العمل اللاعنفي، كالمقاطعة الاقتصادية والأنشطة المدنية السلمية. حتى إن مسيرة مناهضة للحرب قد تُقدّم كخطر على محيطها بحجة احتمال استهدافها، وتتحوّل إلى مادة للسخرية أو الهجوم. ولا تبقى هذه الممارسات محصورة في الفضاء الرقمي، بل تمتد إلى المقاهي، وأماكن النزوح، والفضاءات العامة.

المطلوب بسيط في ظاهره: الإطباق الكامل على أي صوت يشكّك في «سمو» القيم التي تحملها سردية الحرب، كما تروّج لها ماكينة البروباغندا الأميركية. وهكذا، ينحصر الخطاب المسموح بين ثنائية الانهيار-الاستسلام من جهة، والانبهار بالحرب-التهويل بها من جهة أخرى. وما عدا ذلك، يُدفع إلى الهامش بوصفه بلا قيمة ضمن هذه الهرمية. وبهذا المعنى، يتحوّل الميدان الرقمي إلى امتداد للميدان الحربي، لكن بصيغ لامركزية، حيث يُمارس العنف الرمزي بأقصى درجاته، بهدف حصر الاعتراض والانقضاض عليه.

عملياً، تكرّس هذه الهرمية اليوم معادلة واضحة: كل ما يختلف مع سردية إدارة ترامب يُدفع إلى «الجهة المظلمة» من الحضارة، غارقاً في الظلام. وفي هذا الإطار، يُغضّ النظر عن ضحايا مثل أطفال مدرسة ميناب الذين استهدفهم الجيش الأميركي، من قبل الأفراد أنفسهم الذين بنوا نشاطيتهم الرقمية على الدفاع عن حقوق المدنيين الإيرانيين.

وفي الوقت نفسه، تُؤخذ تقديرات ضحايا القمع في إيران بحدّها الأقصى كحقيقة مطلقة، لتوضع في مواجهة أرقام الضحايا في غزة، ضمن سردية تقارن حصيلة أسبوعين هناك بما أنتجته آلة القتل الإسرائيلية خلال عامين. هنا، تتجلّى «هرمية المصداقية» بأوضح صورها، ويجري تكريسها إعلامياً. كما تُتداول العواجل الصادرة عن منصات منخفضة المصداقية بوصفها حقائق ميدانية غير قابلة للتشكيك، فيما يُوصم أي منبر مختلف بالبروباغندا.

يتغنّى هذا الخطاب بالحريات والقيم وأخلاقيات الحكم العادل، ويدعو إلى نبذ الأدلجة، في وقت ينخرط فيه في مسار سياسي يقوده اليمين الأميركي المتطرّف، ويتقاطع محلياً مع أكثر القوى أيديولوجية. وفي السياق نفسه، يُغضّ النظر عن سرديات «إسرائيل الكبرى» التي يروّج لها بنيامين نتنياهو، وعن دعوات بتسلئيل سموتريتش إلى محو البلاد، والمتقاطعة مع خطاب ليندسي غراهام حول ضرورة تدميرها كسبيل لانتصار إسرائيل وضمان مصالحها.

كل ما يختلف مع سردية إدارة ترامب يُدفع إلى «الجهة المظلمة» من الحضارة، غارقاً في الظلام. وفي هذا الإطار، يُغضّ النظر عن ضحايا مثل أطفال مدرسة ميناب الذين استهدفهم الجيش الأميركي

كما يُرفع لواء مواجهة «الغيبية الدينية» لدى المتدينيين، وتحديداً المخالفين في التموضع السياسي، في حين يهلّل لانغماس الإدارة الأميركية نفسها في أشكال من الغيبية، وتحالفها مع أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً، بل وحتى الترويج لنماذج إسلام سياسي ماضوي في سوريا.

في المحصلة، تهدف هذه الهرمية إلى تصنيف الضحايا والآراء والأفراد والجماعات وفق مدى انصياعهم للسردية التي تدفع بها «الماكينة التكنو-عسكرية» لتحالف MAGA، بقيادة دونالد ترامب، وسلة من عتاة اليمين المتطرّف الأميركي، حيث يُدار الاختلاف من قمرة الـ F35.

في المساحات الرقمية، تُنتج هذه الهرمية دينامية استلاب شديدة، تدفع الفرد إلى نوع من الغربة عن ذاته. في كتابه «تقديم الذات في الحياة اليومية»، يصف إيرفنغ غوفمان التفاعل الاجتماعي كعرض مسرحي، تتشكّل فيه الذات عبر أداء أمام جمهور. لكن في الفضاء الرقمي، لم يعد هذا الأداء مؤقتاً، بل تحوّل إلى مسرح دائم، يختلط فيه ما هو علني (front stage) بما كان يفترض أن يبقى في الكواليس (backstage).

هكذا، لم تعد الآراء تعبيراً حراً، بل أداءً قسرياً يخضع لمعايير السرديات المهيمنة. يصبح المستخدم أسيراً لهذا المسرح الرقمي، محكوماً بقوالب جاهزة من التعبير، وأي خروج عن النص يعرّضه للنبذ والهجوم.

يبدو الانضواء تحت السردية المهيمنة خياراً مغرياً، بل وقائياً، لكنه يعطّل القدرة على طرح الأسئلة. لماذا تسأل؟ لماذا تجادل؟ ولماذا تخرج عن الموضوعات المرسومة؟ هنا تتجلّى دينامية الاستلاب بأوضح صورها: المشكلة لم تعد في مضمون الرأي المختلف، بل في مجرد وجوده. وعند هذه النقطة، يغدو إعادة إنتاج هذا الاستلاب تجاه الآخر المختلف هو السلوك التعبيري الوحيد المتاح.

هذه هي المفارقة الأعمق: الشخص الذي عانى من الاستلاب والإقصاء، وبدلاً من تطوير وعي نقدي بهذه الآليّات، يعيد إنتاجها حين تتاح له الفرصة، بل ويمارسها بقوة مضاعفة. إنه «الاستلاب المعكوس»، حين يتحوّل المقهور إلى قاهر، وتتقمّص الضحية دور الجلاد، لا عن وعي فقط، بل لأن هذا هو المسار الوحيد الذي يتيحه الخطاب المهيمن للاعتراف بها. ففي هذا السياق، يصبح قبول الفرد باستلاب ذاته والآخر المختلف شرطاً لقبوله داخل الجماعة وصيانة وجوده فيها.

هكذا تعمل هرمية القيم التي يجري تعميمها، من غرف الصحافيين في البيت الأبيض التي تُدار بمعايير الإعلام الشمولي الموجّه، وصولاً إلى عشرات المواقع والحسابات المؤسساتية التي تفرض سرديات تفتقر إلى البراهين، لكنها تُقدَّم بوصفها عقلانية ومتجذّرة في التراث الليبرالي الحرّ. ولا تقف عند حدود وسائل التواصل الاجتماعي.

مع شبه انهيار ما كان يُعرف بـ«المحور»، يصبح الانضواء تحت السردية الأميركية المهيمنة مدخلاً لاكتساب فائض من التفوّق القيمي، يتيح للفرد إعادة تقديم نفسه كامتداد «حداثوي» لهذه المنظومة

في المقابل، تقوم استراتيجية ما كان يُعرف بـ«المحور» على نمط مختلف من الاستلاب. فخطاب المقاومة والتضحية، على الرغم من انطلاقه من معاناة حقيقية، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة لإقصاء النقد الداخلي، وتجميد أي مراجعة ذاتية تحت طائلة «خيانة الدم» أو «الطعن في المقاومة». وقد دُفع ثمن ذلك غالياً، إذ شكّل إحدى أبرز نقاط الضعف سابقاً. وهنا أيضاً، يصبح الفرد أسير قالب تعبيري جامد، يُسلب فيه حقه في الاختلاف بوصفه إنساناً، لكن ضمن منظومة وخطاب مختلفين.

المساحات الرقمية: من فضاءات تواصل إلى ساحات قتال

في هذا السياق، لا يبقى أمام الأفراد من الطرف الآخر، أي شيعة لبنان المناصرين للثنائي الشيعي، ومن يتقاطع معهم من جماعات مناهضة للحرب، سوى هامش ضيّق للهروب من التنمّر والإقصاء: أن يتحوّلوا إلى ذوات مُستلبة يُرضى عنها.

هكذا، تتحوّل صرخة ثكلى، أو قهر أب مفجوع، أو امرأة فقدت بيتها، إلى مادة تُستثمر في ترسيخ السردية المهيمنة. تُفتح لهم المنصّات، وتتدفّق «اللايكات»، إلى أن ينتهي «الترند» ويُستبدل بغيره.

لم تعد هذه الفضاءات مجرّد ساحات نقاش، بل غدت ساحات قتال فعلية، يُمارس فيها عنف لفظي ورمزي غير مسبوق، يصل إلى حد «التوحّش الرقمي».

في هذا الإطار، يصبح الاعتراف بإنسانية هذا الآخر مشروطاً بقبوله استلابها، وبشكل معكوس. وهذا ما يمكن اعتباره أحد أعلى أشكال التجريد من الإنسانية (dehumanization) بحق من يختلف مع السردية المؤسسة للحرب.

والمفارقة أن هذه الممارسة تصدر عن أفراد ومؤسسات تدّعي التفوّق الأخلاقي والحرياتي والقيمي، وتحتكر خطاب «حب الحياة».

أمام هذا المشهد، يعود خيار المقاومة لاختيارنا من جديد، علماً أننا لم نختاره.