معاينة iran school bombing burial site

هكذا دواليك
الذكاء الاصطناعي كسلاح قتل شامل
أطفال مدرسة الشجرة الطيبة في إيران قرابين للماكينة العسكرية الأميركية

في اليوم الأول من الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، نُفّذت سلسلة من الضربات المباشرة في مختلف أنحاء الجمهورية. ومن بين الأهداف التي طالتها الغارات كانت مدرسة «الشجرة الطيبة» للبنات، الواقعة في مدينة ميناب جنوب إيران، بالقرب من مضيق هرمز، والتي تقع بمحاذاة مواقع تابعة للحرس الثوري. هذه المواقع ذاتها التي يتباهى دونالد ترامب يومياً وبشكل متكرّر بنجاحه في تدميرها، في معرض تذكيره العالم بما يعتبره «إنجاز القضاء على البحرية الإيرانية».

استهداف المدرسة، الذي أودى بحياة 165 طفلة وفق التقديرات المحلية، لم يقع نتيجة خطأ، بل جاء — كما أوضح تقرير لمعهد «ميدل إيست آي» من واشنطن — نتيجة ضربة مزدوجة فتاكة (Double Tap) بفارق زمني بسيط. فبعد الاستهداف الأول، تبعته بعد فترة وجيزة ضربة ثانية أصابت فرق الإسعاف وبعض الأهالي الذين هرعوا لإنقاذ بناتهم، وأتمّت الفتك بمن تبقى من التلميذات. تُعد المدرسة واحدة من بين 1,000 هدف جرى استهدافها في اليوم الأول من الحرب، بحسب تقرير للواشنطن بوست، وكان لبرمجية الذكاء الاصطناعي Claude AI من شركة «آنثروبيك» دور محوري، طوال الفترة التحضيرية للحرب التي امتدت لأشهر خلت، في تحديد هذه الأهداف وتصنيفها بحسب درجات خطورتها ومن ثم أولويات استهدافها.

الذكاء الاصطناعي كسلاح قتل شامل

ترتكز عمليات الجيش الأميركي، وتحديداً القيادة المركزية الأميركية CENTCOM المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط، بشكل كبير على استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي، وClaude بشكل خاص. فقد جرى دمج هذه البرمجية، في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2024، في مشروع «مايفن» (Project Maven Smart System) الذي طوّرته شركة «بالانتير» (Palantir) — المعروفة بدورها المحوري في دعم الجيش الإسرائيلي في حربه على غزة، بالإضافة إلى دورها الأساسي في دعم عمليات وكالة ICE — عبر عقد وصلت قيمته إلى حوالي 1.3 مليار دولار.

يأتي هذا النزاع نتيجة تحفظات الشركة ومطالبتها بالحدّ من استخدامات برمجية «Claude» في مجال التجسس وتطوير أسلحة فتّاكة تقوم بشكل أساسي على مبدأ الأتمتة الكلية والشاملة

يقدم «مايفن»، الذي يمثل Claude عقله التشغيلي والذي يحلّل البيانات من 179 مصدر مختلف بوقت قياسي ومتزامن، خدماته لأكثر من 25,000 مستخدم في جميع القيادات العسكرية الأميركية، وتأتي القيادة المركزية الأميركية على رأس المستفيدين من خدمات البرنامج، بحسب تصريحات الأدميرال ليام هولين، نائب مدير العمليات فيها. وفي تموز/يونيو 2025، أطلقت شركة «آنثروبيك» برمجية Claude Gov التي تقدم خدماتها لوكالات الأمن القومي الأميركية.

يقوم برنامج «مايفن» بتحليل كم هائل من التدفق المعلوماتي متعدد المصادر (صور من المسيّرات، إشارات راديو مشفرة، بيانات الإشارات، الاتصالات، بيانات جغرافية وحيوية من الأقمار الاصطناعية، بالإضافة إلى المعلومات المتأتية من المصادر البشرية) بهدف تحديد الأهداف وترتيبها بحسب درجات الخطورة، وتقديمها في لوائح استهداف، بما يسمح بتقليص الفترة الممتدة من لحظة تحديد الهدف إلى لحظة اتخاذ قرار الاستهداف من أسابيع وأيام إلى مجرد ثوانٍ معدودة.

استخدامات كلود في الحرب على إيران

في الحرب على إيران، يمكن تحديد 3 استخدامات رئيسية لبرمجية Claude؛ أولاً: تقييم الاستخبارات، إذ تقوم البرمجية بتحليل شامل ومتقاطع للبيانات، بما يحسّن قدرة القيادة العسكرية على فهم الوضع الميداني وتقييم التهديدات، وصولاً إلى تحديد مواقع العدو التي تستهدف. ثانياً، تحديد الأهداف، فقد ساعدت نماذج الذكاء الاصطناعي في تحديد الأولويات، وتحديد مواقع الأهداف عالية القيمة مثل مجمعات القيادة الإيرانية، أو المنشآت العسكرية، أو المواقع الاستراتيجية، والتحقق منها عبر المصادر المختلفة. ثالثاً، محاكاة سيناريوهات المعارك، إذ يُستخدم Claude في وضع نماذج تحاكي النتائج المحتملة، والتدرّب على تسلسل الضربات، وتوقع المخاطر والأضرار الجانبية، ودعم التخطيط العملياتي. تؤدّي هذه البرمجية دوراً محورياً في عمليات تتبع منصات إطلاق الصواريخ المتنقلة وقصفها.

بالنظر إلى التحقيقات الاستقصائية عن استهداف المدرسة، والتي أجرتها وكالة «رويترز» و«شبكة الأخبار الكندية» وموقع «فيوتشوريزم»، نلاحظ تقاطعها حول تحديد الجيش الأميركي باعتباره الجهة المسؤولة بالدرجة الأولى، وذلك بسبب تقسيم الأدوار مع الجيش الإسرائيلي. ففي حين تكفل الجيش الإسرائيلي بمهمة استهداف المرشد الأعلى والقضاء على منصّات الصواريخ، تولى الأميركيون استهداف المنشآت العسكرية البحرية للحرس الثوري، بالإضافة إلى أهداف أخرى.

المفارقة أن ترامب كان قد اتخذ قراراً فورياً، في اليوم الذي سبق الحرب، بوقف جميع المعاملات الفيدرالية مع شركة «آنثروبيك»، وصولاً إلى إنهاء كامل العقود معها خلال 6 أشهر من تاريخه، معلّلاً قراره بالقول: «لا يمكن السماح لمجموعة من اليساريين الراديكاليين الذين يديرون الشركة ولا يفقهون كيفية إدارة العالم الحقيقي، بليّ ذراع الجيش الأميركي». بدوره، وجّه وزير الدفاع بيت هيغسيث بتصنيف الشركة على أنها «تشكل خطراً على الأمن القومي» فيما يتعلق بالعمليات المسلحة، واصفاً إياها بأنها «لا تتماشى مع القيم الأميركية»، وهو وصف نادراً ما يُوجّه لشركات أميركية. ويترتب على هذا التصنيف جملة من النتائج، على رأسها فرض شكل من أشكال العقوبات على الشركة، بما يمنع أيّاً من الشركات والمتعاقدين مع وزارة الدفاع والجيش الأميركي من إقامة أي علاقات تعاقدية أو أعمال مع «آنثروبيك».

ويأتي هذا النزاع، كما أصبح معلوماً، نتيجة تحفظات الشركة على صيغة العقد الذي قدّمته وزارة الدفاع، ومطالبتها بالحدّ من استخدامات برمجية «Claude» في مجال التجسس الموسّع على المواطنين الأميركيين في الداخل من جهة، والاستخدام المعمّم في تطوير أسلحة فتّاكة تقوم بشكل أساسي على مبدأ الأتمتة الكلية والشاملة، حيث لا تخلو سلسلة التشغيل والإطلاق من أي تدخل بشري — أو ما يمكن تسميته بـ«إزاحة العنصر البشري» (taking the human out of the loop) من سلسلة القتل التي تُشغّل هذه الأسلحة.

هل استعملت برمجية كلود في استهداف مدرسة الشجرة الطيبة؟

بالعودة إلى المدرسة، يبقى السؤال: هل كان لبرمجية Claude دور في هذه العملية؟ من المرجح أنها أتت من ضمن حزمة الـ1,000 هدف التي حدّدتها القيادة المركزية الأميركية كجزء من العمليات في اليوم الأول، وإن لم يكن هناك تأكيد بالنفي أو الإيجاب حتى اليوم، وعلى الرغم من فتح تحقيق لمعرفة حقيقة ما حصل.

المعلوم أن المبنى كان يُستخدم منذ 10 سنوات كمركز تابع للمجمع الذي يستخدمه الحرس الثوري، وقد جرى الاستغناء عنه ضمن مجموعة مباني أعيد وضعها في الاستخدام غير العسكري — كمركز الشهيد آبسالان الطبي التخصصي، والذي يعتبر جزءاً من مركز القيادة الطبي للبحرية التابع لقوات الحرس، والواقع في الموقع المستهدف.

في تحقيق نشرته شبكة الأخبار الكندية، أجمع خبراء تحليل الصور الجوية للمكان المستهدف على استحالة إصابة المدرسة عن طريق الخطأ، أو كونها تضرّرت بسبب شظايا استهداف مركز الحرس القريب. وخلص الخبراء إلى أن المدرسة قد استهدفت من الجو بذخيرة مباشرة وشديدة الدقة، كون الإصابة أتت في وسط المبنى وبشكل مباشر وعلى مرحلتين.

هل صنّفت برمجية Claude المبنى كهدف عالي المخاطر وفقاً لسجلات عقارية أو معلومات استخبارية تعود لعقد من الزمن، وجرى اعتمادها كمدخلات في تحديد أولوية الاستهداف من دون تحديثها؟ ربما

هل صنّفت برمجية Claude المبنى كهدف عالي المخاطر وفقاً لسجلات عقارية أو معلومات استخبارية تعود لعقد من الزمن، وجرى اعتمادها كمدخلات في تحديد أولوية الاستهداف من دون تحديثها؟ ربما. وهل هذا ما كانت تحاول شركة آنثروبيك تفاديه؟ على الأرجح. أنظمة الذكاء الإصطناعي مصممة لتقدم إيجابات مباشرة قدرتها على التقدير والتمييز محصورة بطبيعة المدخلات المعلوماتية التي تعالجها. 

أسئلة مفتوحة ومشهد ممتد

كثيرة هي الأسئلة التي تحتاج للتأكيد. لكن الواضح أننا أمام إدارة أميركية يعتقد رئيسها أنه يتمتع بكامل الحق في إعادة تشكيل العالم وفقاً لرؤيته الخاصة والضيّقة جداً. ويقوم وزير خارجيتها، ماركو روبيو، بتوبيخ كبار القادة الأوروبيين لـ«ضعفهم»، ويحثهم على «إحياء الإرث الاستعماري للإمبراطوريات الغربية» التي تمثل — في خطابه — «تفوقاً قيمياً وحضارياً منقطع النظير».

والمعلوم أن الشريك الأصيل لهذه الإدارة في الحرب على إيران، حكومة نتنياهو، كان السبّاق في الاعتماد على برمجيات الذكاء الاصطناعي في عمليات القتل الشامل في غزة، وبشراكة كاملة مع كبريات الشركات التكنولوجية الأميركية. والمعروف أن هذه الحرب جرى الدفع نحوها بشكل حثيث من قبل قيادات سياسية كالسيناتور ليندسي غراهام، الذي أعلن صراحة أن الأولوية هي لتحقيق مصالحهم السياسية والدفاع عن مصالح إسرائيل، مذكراً بأنهم — أي الأميركيين — قد «مسحوا اليابان وألمانيا خلال الحرب»، وأن هذه الاستراتيجية «تبقى على الطاولة» في إدارة النزاعات والحروب. إنها الإمبراطورية إذاً في تحالف قاتل ما بين إيديولوجيا اليمين المتطرف وأسطورة التفوق الأبيض مع تكنولوجيا القتل الشامل وشركات التسلح والنفط. هؤلاء، يدعون تحرير الإيرانيين اليوم وفنزويلا بالأمس وكوبا غداً. 

أما المؤكد الوحيد فهو إن عسكرة الذكاء الاصطناعي تعني أننا أمام سلاح قتل شامل متمرّد على أي إطار قانوني عالمي ينظّم استخداماته، وهو ما سيسهم — إلى حد كبير — في تسعير سباق التسلّح الشامل بالتكنولوجيا المتقدمة، والذي نشهد أحد فصوله اليوم بين الصين والولايات المتحدة الأميركية. من المسؤول عن القتل الشامل الذي يمارس بالاعتماد على برمجيات الذكاء الإصطناعي؟ الخوارزمية أم المنظومات القيادية البشرية السياسية والتشريعية التي تصممها و تعتمدها. ربما هذا من أكثر الأسئلة السهل الإجابة عليها.