هكذا دواليك
خوارزميات «الترحيل الكبير»
مدخل إلى بنية منظومة التعقّب والمراقبة الالكترونية لـ ICE
حين نشاهد الفيديوهات المتداولة لعمليات الاعتقال الميدانية التي ينفّذها عناصر دائرة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في مدن مختلفة، يلفت الانتباه منذ اللحظة الأولى مستوى الجهوزية اللوجستية العالية: معدات متطوّرة، وسترات ودروع كثيفة. غير أنّ أكثر ما يطبع المشهد في الذاكرة هو الأقنعة التي تخفي وجوه العناصر، خوفاً من كشف هوياتهم، وربّما درءاً لأي مساءلات قانونية مستقبلية أو تعقيدها.
لكن هذا الصور، بكمل ما تحمله من رهبة، ليست سوى رأس جبل الجليد. إذ تمتدّ خلفها بنية تحتية لوجستية هائلة تجعل من تلك المشاهد كابوساً يومياً يخيّم على حياة ملايين المقيمين في الولايات المتّحدة.
تصنّف الحالات تلقائياً وفق خوارزميات تقييم مخاطر تحدّد درجة «التهديد» المفترضة لكلّ شخص، ويزوِّد النظام عناصر الوكالة باقتراحات تشغيلية للتعقب والاعتقال
لقد تطلّب مشروع «الترحيل الكبير»، الذي وضعته إدارة ترامب في صدارة أولوياتها، عشرات مليارات الدولارات. فقد أقرّ قانون موازنة ضخم في العام الماضي لتأمين التمويل اللازم لبناء عشرات مراكز الاحتجاز، وكان أحدث فصوله تخصيص 38 مليار دولار لتحويل مستودعات مهجورة كبرى إلى مراكز احتجاز مركزية.
وعلى المستوى التشريعي، تولّى الرئيس شخصياً، عبر سلسلة من الأوامر التنفيذية، توفير الغطاء القانوني الذي أطلق يد الوكالة لتعمل بما يشبه شرطة رئاسية خاصة، محصناً عناصرها إلى حدّ بعيد من المساءلة.
فـ«أعداء الداخل»، أي المهاجرون غير النظاميين المستهدفون، والذين قُدّر عددهم بنحو 14 مليون شخص بحلول عام 2023، يتوزّعون على حوالي 6.3 مليون أسرة، أي ما يقارب 5% من إجمالي الأسر الأميركية، ويعيش ضمن هذه الأسر نحو 22 مليون فرد. وتُظهر البيانات أنّ أكثر من 80% منهم يقيمون في البلاد منذ ما قبل عام 2010، ما يعكس درجة عالية من الاندماج الاجتماعي والاقتصادي. ففي عام 2022، شكّلوا نحو 4.8% من إجمالي القوة العاملة الأميركية، وهي نسبة أدنى ممّا كانت عليه عام 2007 (5.4%).
يقتضي هذا الواقع الديموغرافي والاقتصادي، من منظور سياسات «الترحيل الكبير»، بناء منظومة رصد وتعقّب ومراقبة شديدة التعقيد، تمزج بين عشرات البرمجيات التي تطوّرها شركات خاصة، عبر عقود بلغت قيمتها نحو 353 مليون دولار في عام 2025، بحسب تقرير لصحيفة فاينانيشل تايمز، بزيادة تقارب 27% عن إنفاق عام 2024، وبين القدرات الميدانية للوكالة وشبكات التعاون مع مؤسسات فدرالية أخرى جرى إخضاعها بالكامل لتوجّهات إدارة ترامب.
خوارزميات الترحيل
تدير وكالة ICE واحدة من أضخم شبكات التعقّب والمراقبة الإلكترونية وأكثرها تشعُّباً وتعقيداً في العالم. وهي تقوم على ثلاث طبقات مترابطة من الرصد، تتكامل فيما بينها لبناء قواعد بيانات تفصيلية عن ملايين المقيمين في الولايات المتحدة، مع تصنيفهم وفق درجات الخطورة تمهيداً لاستهدافهم بالاعتقال.
في قلب هذه المنظومة ما يشبه قاعدة بيانات مركزية عملاقة، تضمّ مجمل المعلومات المتعلّقة بالمهاجرين غير النظاميين، إلى جانب بيانات عن مواطنين أميركيين يُصنَّفون باعتبارهم عناصر «معطّلة» أو «مخربة» لعمل الوكالة.
وتتمّ عمليات التعقّب والاعتقال عبر تقاطع وتحليل البيانات التي تُجمَع من ثلاث طبقات أساسية: تبدأ بالمراقبة الرقمية عبر الهواتف المحمولة، مروراً بجمع وتحليل البيانات المتاحة من المصادر المفتوحة على الإنترنت، ولا سيما منصّات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى التعقّب الميداني المباشر في شوارع المدن الأميركية وأحيائها.
في عام 2025، أُبرم عقد بقيمة 30 مليون دولار مع شركة Palantir Technologies، وهي الشركة التي ورد ذكرها في المحادثة الهاتفية المسجّلة بين جيفري إبستين وإيهود باراك، لتطوير ما يُعرف بـ «نظام تشغيل بيانات الهجرة» (Immigration Operating System). وتعدّ الشركة من أبرز المتعاقدين مع الأجهزة الأمنية الأميركية في مجال تحليل البيانات الضخمة وبناء منصّات الدمج الاستخباراتي، كما يُشار إلى أن ستيفن ميلر، أحد أكثر الشخصيات تشدّداً في ملف الهجرة داخل إدارة ترامب، يملك حصصاً في الشركة.
إدارة ترامب تعمل، بتمويل من المال العام، على بناء واحد من أوسع الأنظمة الإلكترونية وأكثرها تشعّباً على مستوى العالم، وأكثر تعقيداً وخطورة حتى من البرامج التي كشف عنها إدوارد سنودن قبل أكثر من عقد
يقوم النظام الجاري تطويره على معالجة البيانات المجمّعة من مصادر متعدّدة وربطها ضمن منصّة موحّدة، بحيث ينتج ملفاً تفصيلياً لكلّ فرد مستهدف، يتضمّن أنماط تحرّكاته ويربطها بموقعه الجغرافي وسجّلاته الرقمية المختلفة. وبناءً على هذه المعالجة، تُصنّف الحالات تلقائياً وفق خوارزميات تقييم مخاطر تحدّد درجة «التهديد» المفترضة لكلّ شخص. كما يزوِّد النظام عناصر الوكالة باقتراحات تشغيلية للتعقب والاعتقال استناداً إلى معايير محدَّدة مسبقاً ضنت بنيته البرمجية.
وفي السياق نفسه، توفّر كلّ من Amazon وMicrosoft خدمات الحوسبة السحابية عبر منصاتهما المختلفة، ما يعزّز القدرة التخزينية والتحليلية للشبكة، ويُحسّن من فعالية عمليات التعقب التي تديرها ICE على المستوى الوطني.
يتكامل «نظام تشغيل بيانات الهجرة» مع نظام أوسع لمراقبة الهواتف المحمولة، يعدّ إحدى الركائز في بنية التعقّب. ويشمل هذا النظام جملة من الممارسات التقنية، أبرزها استخدام برمجيات متخصّصة لفكّ شيفرات الدخول إلى الأجهزة التي تضع الوكالة اليد عليها، سواء في خلال حملات التفتيش الداخلية أو عند المعابر الحدودية.
ولهذا الغرض، تعاقدت الوكالة مع شركة Cellebrite الإسرائيلية، التي توفّر أدوات رقمية تمكّن من استخراج كامل البيانات المخزّنة على الهواتف، وتشمل هذه البيانات أرشيف المحادثات، والسجّلات الجغرافية، والرسائل النصّية، فضلاً عن محتوى التطبيقات المشفّرة على «واتساب» و«سيغنال».
وقد أتاح ذلك للوكالة بحسب المعطيات المتداولة، نسخ بيانات نحو 15 ألف هاتف في عام 2025 وحده، وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة التعاقدية بين الجانبين تعود إلى عام 2008، ما يعكس بعداً طويل الأمد في إدماج أدوات الاستخراج الرقمي ضمن البنية التشغيلية لعمليات التعقّب والتحقيق.
في موازاة ذلك، جرى التعاقد مع شركة إسرائيلية أخرى هي Paragon Solutions، التي توفّر خدمات اختراق الهواتف عبر برمجية تعرف باسم «غرافايت» (Graphite). وتندرج هذه الأداة ضمن فئة البرمجيات التي لا تتطلّب أي تفاعل من المستهدف (zero-click)، إذ يمكنها الولوج إلى الجهاز بمجرّد إرسال رسالة إليه من دون الحاجة إلى النقر على رابط أو تحميل ملف.
وقد استُخدمت هذه البرمجية سابقاً من الحكومة الإيطالية في عمليات مراقبة طالت ناشطين مدنيين، ما أثار انتقادات واسعة بشأن انتهاك الخصوصية والحرّيات العامة. وكانت إدارة جو بايدن قد فرضت قيوداً على التعامل مع الشركة، نظراً لما ينطوي عليه برنامجها التجسّسي من مخاطر على الحقوق المدنية. غير أنّ إدارة ترامب رفعت مؤخراً هذه القيود بما أتاح فتح الباب أمام التعاقد مع شركات التكنولوجيا المطوّرة لبرمجيات التجسس، مثل Paragon، ضمن الإطار الأوسع لتعزيز القدرات التقنية لمنظومة التعقّب.
أما المستوى الثاني من الرقابة، فيرتكز بصورة أساسية على تحليل نشاط الأفراد عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى مجمل البيانات الرقمية المتاحة عنهم عبر شبكة الإنترنت. ويجري ذلك من خلال التعاقد مع شركات متخصّصة من بينها PinLink، التي توفّر أدوات مثل برمجية «تانغلز» (Tangles) لربط السلوك الرقمي للشخص المستهدف: تعليقاته، ومشاركاته، وإعجاباته، وصوره، وتفاعلاته المختلفة على شبكات التواصل، برقم هاتفه وعنوانه السكني.
كما تدمج هذه المعطيات مع أرشيف تحرّكاته الجغرافية عبر برمجية «ويبلوك» (Weblock) بما يسمح ببناء ملف رقمي متكامل يجمع بين الهوية الاجتماعية والرقمية والمكانية للفرد.
واللافت أن شراء هذه الخدمات يتيح للوكالة الحصول على البيانات عبر طرف ثالث، بدل جمعها مباشرة، ما يجنّبها - في كثير من الحالات - الحاجة إلى استصدار مذكرات قضائية تقليدية. ويطرح هذا الأسلوب إشكاليات قانونية وأخلاقية، إذ يبدو كأنه التفاف مؤسّساتي على القيود المفروضة على جمع البيانات المباشرة من الجهات الحكومية.
كما ترتبط الوكالة بعقود إضافية مع شركة FivaCast، التي تزوِّدها عبر برمجية «أونيكس» (Onyx) بإمكانية بناء ما يشبه «البصمة الإلكترونية» الكاملة لمستخدمي الإنترنت. ويتمّ ذلك من خلال تحليل نشاطهم على محرّكات البحث مثل غوغل، وعلى المواقع الإخبارية، وصولاً إلى تتبّع أنماط الحضور في ما يُعرف بالإنترنت العميق (Dark Web).
ولا تقتصر وظيفة Onyx على التعقّب والرصد، بل تتعدّاها إلى تصنيف الأفراد المستهدفين وترتيبهم وفق درجات مخاطر مُحدّدة خوارزمياً، بما يتيح تحديد أولويات التدخل الميداني. وضمن هذا الإطار، تتضمّن خطة الوكالة استثمار ما بين 20 مليون و50 مليون دولار لتعزيز قدراتها الذاتية، وتشكيل فرق متخصّصة في المراقبة الإلكترونية على مدار الساعة.
ولا تقف حدود منظومة الرصد الإلكترونية عند هذه الأدوات. إذ ترتبط ICE بعقود تجارية مباشرة مع عدد من «وسطاء البيانات» (Data Brokers). من بينهم شركة متخصّصة في بيانات المسافرين تملك معلومات تفصيلية عن نحو 54% من الأفراد الذين يسافرون حول العالم. كما أبرمت الوكالة عقوداً مع شركات إعلانات تعمل داخل تطبيقات الألعاب الإلكترونية على الهواتف المحمولة، وتجمع بيانات المستخدمين فور دخولهم إلى اللعبة.
تمتد الذراع الرقابية التي تديرها ICE إلى شوارع المدن وأحيائها عبر شبكة متداخلة من العقود التجارية واتفاقات تبادل المعلومات، ومن أبرز هذه العقود الاتفاق مع شركة Thomson Reuters بقيمة تقارب 6 ملايين دولار، والذي يتيح للوكالة الوصول إلى قواعد بيانات واسعة تتضمّن معلومات عن لوحات السيّارات المنتشرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، بما يمكّنها من تتبّع تحرّكات الأشخاص المستهدفين.
كما ترتبط روتيرز، عبر أحد فروعها المتخصّصة في حلول البيانات، بعلاقات تعاقدية قديمة مع الوكالة، وتوفّر إمكانية الحصول إلى برمجية CLEAR، التي تجمع بيانات الأفراد من مصادر رقمية متعدّدة - من السجلات العامة إلى قواعد بيانات تجارية، لبناء ملفات تعريفية تفصيلية.
إذا كانت تلك المنصّات تدير علاقة العمل، فإن «الآلغوبتيكون» يدير علاقة الدولة بالسكان، جامعاً بين أدوات السوق وأدوات السيادة في بنية مراقبة واحدة
إلى جانب ذلك، تعتمد الوكالة على اتفاقات تعاون مع أجهزة الشرطة المحلية في عدد كبير من الولايات والمدن الأميركية، ما يتيح لها النفاذ إلى شبكات قراءة لوحات السيارات الآلية، وفي مقدّمتها شبكة FLOCK Safety، التي تعدّ من أوسع الشبكات انتشاراً في الولايات المتحدة، وتضم بيانات ملايين لوحات السيارات المرتبطة بهويات أصحابها ومسارات تحرّكهم.
كما جرى توقيع ترتيبات لتبادل المعلومات المتعلّقة بالمهاجرين مع وكالة الضرائب الأميركية (Internal Revenue Service)، ما يعزّز قدرة الوكالة على الربط بين البيانات الضريبية والسجّلات السكانية وسائر مصادر المعلومات المتاحة.
وتستثمر الوكالة بكثافة كذلك في التعاقد مع شركات تُطور برمجيات التعرف إلى الوجوه عبر تحليل الصور. ويظهر ذلك جلياً في الكثير من المقاطع المصوّرة التي توثّق قيام عناصرها بتصوير أشخاص يعترضون عملياتها أو يتابعونها ميدانياً، ليجري لاحقاً رفع الصور إلى أنظمة تحليل متخصّصة مثل «Fortify»، وتعمل هذه البرمجيات على مطابقة الصور المتلقطة مع قواعد بيانات ضخمة يُقال إنها تضمّ نحو 200 مليون صورة شخصية لمقيمين في الولايات المتحدة، سواء كانوا مواطنين أم مهاجرين.
وتندرج «Fortify» ضمن مجموعة أوسع من البرمجيات المتخصّصة في جمع البيانات البيومترية وتصنيفها، من بصمات الوجه إلى أنماط الحركة، في إطار عقود تقدَّر قيمتها بملايين الدولارات.
وبهذا تُستكمل حلقة المراقبة، حيث يتكامل الرصد الرقمي والميداني مع التحليل البيومتري، لتشكّل جميعها بنية تعقّب شاملة متعددة المستويات.
سياسة للتحكّم بالأجساد
لا يمكن اختزال القوّة الكامنة في النظام الرقمي الذي تبنيه ICE في بُعده التكنولوجي البحث، كما لا يصحّ النظر إليه بوصفه أداة وظيفية محصورة بهدف إنجاح مشروع «الترحيل الكبير» فحسب.
والحقيقة الأكثر المباشرة هي أن إدارة ترامب تعمل، بتمويل من المال العام، على بناء واحد من أوسع الأنظمة الإلكترونية وأكثرها تشعّباً على مستوى العالم، وأكثر تعقيداً وخطورة حتى من البرامج التي كشف عنها إدوارد سنودن قبل أكثر من عقد، وسلّطت الضوء آنذاك على نطاق المراقبة الذي تمارسه أجهزة الاستخبارات الأميركية.
عمليًا، يجسّد هذا النظام متعدّد الوظائف - والذي يجمع بين موارد بشرية واسعة، وتدفّق مستمرّ للأموال الفدرالية، وغطاء سياسي مباشر، وبنية مراقبة إلكترونية محصّنة إلى حدّ بعيد من المساءلة القضائية - شكلاً متقدّماً من أنماط الضبط الاجتماعي المعاصرة.
ويمكن النظر إليه بوصفه تجسيداً موسَّعاً لما أطلقتُ عليه عام 2020 مصطلح «الآلغوبتيكون» (Algopticon)، وهو صيغة متطوّرة من أنظمة المراقبة والعقاب البانوبتيكونية لكن قائمة هذه المرّة على الخوارزميات والدمج الفوري للبيانات والتصنيف الآلي واتخاذ القرار شبه التلقائي.
فالـ«بانوبتيكون» كما نظّر له ميشال فوكو في تحليله لميكانيزمات المراقبة والعقاب، كان يقوم على فكرة الرؤية الدائمة بوصفها أداة للضبط والانضباط. أما «الآلغوبتيكون» فيتجاوز منطق الرؤية إلى منطق المعالجة، إذ لا يكتفي بمراقبة الأفراد بل يحوّلهم إلى مجموعة بيانات تُصنّف وتُرتّب وتُمنح درجات مخاطر، تمهيداً لاتخاذ قرارات تنفيذية بحقّهم.
وهنا يتقاطع هذا النظام مع ما نراه في الإدارة الخوارزمية لعلاقات العمل في تطبيقات مثل أوبر، حيث تتحكّم الخوارزميات في توزيع المهام، وتقييم الأداء، وفرض العقوبات أو الإقصاء. غير أنّ الفارق الجوهري يكمن في نطاق التطبيق: فإذا كانت تلك المنصات تدير علاقة العمل، فإن «الآلغوبتيكون» الذي نصفه هنا يدير علاقة الدولة بالسكان، جامعاً بين أدوات السوق وأدوات السيادة في بنية مراقبة واحدة.
في حالة ICE، يتجسّد «الآلغوبتيكون» بوصفه نظاماً هجيناً يجمع بين الفضاء السيبراني - شبكة الإنترنت والتطبيقات وقواعد البيانات - وبين الحيز المادي لشوارع المدن وأحيائها حيث تنفْذ العمليات فعلياً.
يرتكز هذا النموذج على تكامل ثلاث طبقات أساسية: أولاً مكوّنات مادية تشمل الهواتف المحمولة، والمجسات، وكاميرات المراقبة وأجهزة قراءة لوحات السيارات، وثانياً، مكوّنات تقنية تتمثّل في الخوارزميات وأنظمة تحليل البيانات والكودات المشفرة التي تدمج المعلومات وتنتج تصنيفات وتوصيات تشغيلية، وثالثاً العامل البشري الميداني، أي عناصر الوكالة وتجهيزاتهم العسكرية. الذين يشكّلون الذراع التنفيذية للنظام.
وفي هذا السياق، يجري التعاقد أيضاً مع محققين خاصين للاستفادة من مختلف أشكال التكنولوجيا المتاحة بهدف تحديد عناوين نحو مليون ونصف مليون اسم مدرج على قوائم الترحيل. غير أن الهدف لا يقتصر على الضبط والمراقبة فحسب، فالمنظومة كما تُعرض، تتجاوز منطق السيطرة إلى منطق الإقصاء المباشر عبر ترحيل المهاجرين غير النظاميين، والتحييد الكامل للمواطنين المعارضين الذين يُصنَّفون كعناصر مخربة.
الهدف لا يقتصر على الضبط والمراقبة، فالمنظومة كما تُعرض، تتجاوز منطق السيطرة إلى منطق الإقصاء المباشر عبر ترحيل المهاجرين غير النظاميين، والتحييد الكامل للمواطنين المعارضين
علينا أن نفهم عمل هذا النظام بوصفه نظاماً رقمياً متكاملاً ومتعدد الطبقات، لا يقتصر على جمع البيانات بل يقوم بوظيفة أشمل تتمثّل في تحديد الأفراد وتصنيفهم وإعادة ترتيبهم ضمن سلّم «الخطورة»، بما يتناسب مع الرؤية المتطرفة لإدارة ترامب، التي ترتكز بشكل أساسي على مانيفستو «مشروع 2025» الذي صاغته أوساط يمينية محافظة ويتضمّن مقترحات لإعادة هيكلة مؤسّسات الدولة الفدرالية وتعزيز صلاحيات السلطة التنفيذية.
ما يجري في هذا التصوّر يتجاوز كونه سياسة هجرة متشدّدة. إنه أقرب إلى مختبر ميداني لتطوير أنماط التحكّم الخوارزمي بأجساد البشر، بحيث تتحوّل الخوارزميات إلى إحدى الأدوات المركزية في إنفاذ القانون، ويغدو عناصر ICE الذراع التنفيذية لنظام أوسع منهم بكثير. فالترحيل الكبير ليس مجرد إجراء إداري متطرّف، وإنّما نموذجاً أولياً لتحالف ثلاثي يجمع بين تكنولوجيا متقدمة متفلتة من الضبط القانوني والأخلاقي، وعقل حكومي نيوليبرالي بنسخته اليمينية المتطرفة، وتدفق استثماري عام غير مسبوق يضخّ الموارد في بناء هذه البنية التحتية.
وفي هذا السياق، قد يكون المهاجرون غير النظاميين اليوم بمثابة «حالات اختبار رقمية» يجرّب عليها نموذج حكم جديد قائم على التصنيف الخوارزمي والإقصاء الممنهج. غير أن منطق النظام، إذا ترسّخ وتوسّع، لا يظل محصوراً بفئة بعينها؛ إذ يمكن أن يمتد إلى مواطنين عاديين، في أي بلد، وتحت ذرائع متعددة تتبدّل بتبدّل السياقات السياسية.
يبقى سؤال «ما العمل؟» مفتوحاً بطبيعته، وتظهر بعض ملامح الإجابة في أشكال المقاومة المتعدّدة، في الحركات الميدانية لسكان الأحياء التي تستهدفها حملات ICE، وفي مبادرات المتخصّصين التقنيين الذين يعملون على التمكين الرقمي في مواجهة هذا «الآلغوبتيكون» الذي تبنيه ICE وتطوره. ويظهر كذلك في جهود مجموعات الحماية القانونية التي تخوض معارك يومية لمقاومة الاستهداف الممنهج للبنية التحتية القانونية التي تحمي حقوق المواطنة والحريات في الولايات المتحدة، في مواجهة سياسات الإدارة الحالية.
مرّة جديدة، يبدو أنّ خيار المقاومة يختارنا ولا نختاره.