HERO

الذكاء الاصطناعي والحرب الحديثة

هل يوشك الذكاء الاصطناعي على أتمتة الحرب؟ يصعب لوم من يعتقد ذلك، مع تواتر التنبؤات شبه الأسبوعية بزوال دور المقاتل البشري، وهي تنبؤات سبق أن صدرت عن شخصيات بارزة من هنري كيسنجر إلى ستيفن هوكينغ. ويحمل هذا التحول المحتمل تبعات هائلة، إذ يطرح أمام الجيوش أسئلة استراتيجية عن سبل كسب حروب المستقبل أو خسارتها، ويثير في الوقت نفسه أسئلة أخلاقية بشأن إسناد قرارات الحياة والموت إلى الآلات. وقد دفعت هذه المخاوف الأخلاقية أصواتاً بارزة في أوساط أبحاث الذكاء الاصطناعي إلى الدعوة لحظر منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل.

يرى أنتوني كينغ، في كتابه «الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحرب: صعود المجمّع العسكري–التكنولوجي»، أن مشكلة هذه التصورات عن الحرب المؤتمتة بالكامل تكمن في إضفائها طابعاً صنمياً على الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية قائمة بذاتها (ص. 20) وفي إغفال أبعاده التنظيمية. ويقترح بدلاً من ذلك مقاربة سوسيولوجية لاستخدامه في الحرب، تضع في صلب الاهتمام «منظومة» (ص. ix) ممارسات العمل الجديدة وغير المألوفة اللازمة لجعله تقنية قابلة للاستخدام في السياقات العسكرية وما يتطلبه استيعاب هذه الممارسات من تحولات مؤسسية داخل القوات المسلحة ووزارات الدفاع.

المجمّع العسكري–التكنولوجي

يرى كينغ أن أبرز هذه التحولات يتمثل في «التحالف غير المتوقع بين شركات التكنولوجيا ووزارات الدفاع وبين العسكريين المحترفين والخبراء المدنيين» (ص. viii). فنقص رأس المال والخبرات الداخلية يدفع المؤسسات العسكرية، ولا سيما في الدول الغربية، إلى الاعتماد المتزايد على الجهات التجارية لتوفير خدمات البيانات، بما فيها الذكاء الاصطناعي. وخلافاً لنموذج التعاقد التقليدي مع المتعهّد الرئيس، حيث تحدد الدول متطلباتها عبر إجراءات شراء رسمية، ينشأ ما يسميه كينغ «المجمّع العسكري–التكنولوجي» من علاقات غير رسمية تتشكل من القاعدة إلى القمة. ويقتضي هذا المجمّع إدماج كوادر مدنية داخل القوات المسلحة لدعم التحسين المستمر للذكاء الاصطناعي والتطبيقات البرمجية المرتبطة به.

يأمل كينغ أن يقنع الكتاب «بعض الباحثين بالتركيز بدرجة أقل على الأتمتة والتكنولوجيا وبدرجة أكبر على التنظيم والخبرة» (ص. ix). ووفق هذا المعيار، ينجح الكتاب في تقديم حجة مقنعة مفادها أن الجاذبية الحقيقية للذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الجيوش تكمن في دعمه أصحاب القرار من البشر في مهام معقدة، مثل تخطيط المهام والاستهداف، أكثر مما تكمن في أتمتة الحرب نفسها. وتلفت الانتباه خصوصاً أدبيات السياسات التي يستند إليها كينغ، إذ تُظهر أن الجيوش قللت من شأن الدور المستقبلي للذكاء الاصطناعي في الأتمتة، وباتت تنظر إليه أساساً كأداة لفهم الكم الهائل من البيانات المجمعةع في ساحة المعركة الحديثة ودعم اتخاذ القرار.

وادي السيليكون بات أكثر استعداداً للعمل مع الجيوش وأن المشتريات العسكرية ستتغير بدورها بما يتلاءم مع دورات تطوير المنتجات في قطاع التكنولوجيا

مع ذلك،لا يتضح تماماً أيّ الباحثين يسعى الكتاب إلى إقناعهم. صحيح أن النقاش في التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي ركز في بداياته بشدة على الأتمتة، ولم يتجه إلا حديثاً إلى استخدامه في دعم اتخاذ القرار، وهو اهتمام جاء متأخراً، لكن الدراسات الجادة تناولت منذ زمن أثر الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي في الدور البشري عند استخدام القوة. وينطلق هذا الاهتمام من إدراك أن ما يستطيع العسكريون فعله بالذكاء الاصطناعي يتوقف على ما سبق أن أنجزته جهات أخرى بما فيها مهندسو البرمجيات العاملون في الشركات التجارية.

يشكل هذا الإدراك أساساً لأجندة بحثية نشطة تمتد عبر تخصصات عدة، وتبحث في هوية هذه الجهات وكيفية التعويل عليها، والمسؤوليات التي تتحملها والالتزامات المترتبة عليها. غير أن كينغ لا يتناول هذه الأبحاث إلا عرضاً في مستهل الكتاب، حين يصوغ النقاش القائم بوصفه ثنائية بين المتفائلين بالأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي، الذين يرون أن المقاتلين البشر أصبحوا من الماضي، والمشككين الذين يعتبرون أن قيوده التقنية ستجعله غير ملائم للاستخدام في الحرب. ويغفل هذا التأطير سؤالاً أساسياً: ما إذا كان الباحثون في الذكاء الاصطناعي العسكري قد تبنوا بالفعل مقاربة سوسيولوجية للموضوع، وما الذي تضيفه مقاربة كينغ.

التوجهات السياسية لوادي السيليكون

تستمد المقاربة السوسيولوجية قيمتها من قدرتها على إضاءة التبعات السياسية للمجمّع العسكري–التكنولوجي الناشئ. فكما يؤكد كينغ لا يمكن «فصل التقنيات أبداً عن مصالح مبتكريها وفهمهم وغاياتهم» (ص. 60). لذلك، ينبغي لأي عرض متبصر للترتيبات المؤسسية الناشئة اللازمة لدعم الذكاء الاصطناعي أن يتناول أيضاً قيم الخبراء المدنيين المشاركين فيها ومعتقداتهم. ويحتل وادي السيليكون موقعاً بارزاً في هذا السياق، إذ يرصد كينغ التحول الأخير في توجهاته السياسية من «أيديولوجيا تحررية راديكالية ذات توجه عولمي» إلى موقف قومي تكنولوجي تحركه اعتبارات «المنافسة مع الصين وأمن الولايات المتحدة وازدهارها» (ص. 71–72).

يعني هذا التحول، على المديين القصير والمتوسط، أن وادي السيليكون بات أكثر استعداداً للعمل مع الجيوش وأن المشتريات العسكرية ستتغير بدورها بما يتلاءم مع دورات تطوير المنتجات في قطاع التكنولوجيا. أما التبعات بعيدة المدى، فلا يستكشفها الكتاب. يتجنب كينغ التكهن، ويدافع عن مقاربة قائمة على الأدلة الميدانية تركز على كيفية استخدام الجيوش للذكاء الاصطناعي وتطبيقه في الحاضر والمستقبل القريب (ص. 18). لكنه لا يبحث في كيفية تجسد «مصالح وادي السيليكون وفهمه وغاياته» في تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها، ولا في كيفية التفاوض على هذه القيم داخل المجال الدفاعي. ويبدو هذا الإغفال أكثر أهمية بالنسبة إلى المهتمين بالشؤون الدفاعية الأوروبية، حيث بات التعامل مع التحول السياسي الأخير لوادي السيليكون مسألة بارزة في ظل اتساع التصدعات داخل التحالف عبر الأطلسي.

شركات وادي السيليكون تظل جهات فاعلة استراتيجية لها مصالح تجارية، فيما تتطلب أبحاث الذكاء الاصطناعي وتطويره استثمارات هائلة، وتجعل قيود الموازنة الرخوة وغموض مقاييس النجاح قطاع الدفاع عميلاً شديد الجاذبية لشركات التكنولوجيا

يثير الموضوع أيضاً أسئلة منهجية صعبة بشأن ما إذا كانت الجهات التجارية المزودة للتكنولوجيا تتبنى هذه القيم عن قناعة، وما القيم التي تؤمن بها فعلاً. فقول كينغ إن التحول السياسي لوادي السيليكون نابع من الحرص على أمن الولايات المتحدة وازدهارها لا يفسر ما رافقه من عناصر مناهضة للديمقراطية والليبرالية، كما يقلل من شأن الدافع الاقتصادي المباشر. فشركات وادي السيليكون تظل جهات فاعلة استراتيجية لها مصالح تجارية، فيما تتطلب أبحاث الذكاء الاصطناعي وتطويره استثمارات هائلة، وتجعل قيود الموازنة الرخوة وغموض مقاييس النجاح قطاع الدفاع عميلاً شديد الجاذبية لشركات التكنولوجيا. لذلك، يبدو توضيح دوافع هذه الجهات ضرورياً لفهم التبعات بعيدة المدى للمجمّع العسكري–التكنولوجي، ولا سيما مع تزايد اعتماد طرفه العسكري على طرفه التكنولوجي.

الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي وآفاقها المستقبلية

ينجح كتاب «الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحرب» في توضيح كيف تنظر القوات المسلحة إلى فائدة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في دعم اتخاذ القرار المستند إلى البيانات، لكنه أقل نجاحاً في بيان الفائدة الفعلية لهذه الاستخدامات. ويتضح ذلك خصوصاً في تناوله استخدام الجيش الإسرائيلي الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد أهداف لمهاجمتها في غزة، تشمل أشخاصاً ومركبات ومباني. فقد أفضت المراقبة الجماعية للفلسطينيين إلى جمع كميات من البيانات تفوق قدرة البشر والمؤسسات على استيعابها، ما دفع الجيش إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليف هذه البيانات والإشارة إلى أهداف محتملة يراجعها محللو الاستخبارات البشر، كما في حال منظومتي «غوسبل» و«لافندر» اللتين ذاع صيتهما السيئ. وبهذه الطريقة، يكتب كينغ، «سهّل الذكاء الاصطناعي الاستهداف الديناميكي الذي كان أيضاً أكثر دقة مما كان عليه الاستهداف في الماضي» (ص. 127). غير أن معنى «الدقة» ليس بالوضوح الذي توحي به هذه العبارة، إذ لا يوجد مقياس واحد لها في خوارزميات التصنيف. ومع ذلك، تؤدي الكلمة دوراً مركزياً في حجج الكتاب من دون أن يُقرّ بهذا الدور صراحة. وما ينقص هنا هو ما يتيح للقارئ تمحيص ادعاءات من هذا النوع، التي كثيراً ما تكون محل خلاف، بدلاً من التسليم بإجابات عن أسئلة بهذه الأهمية، من قبيل ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يحسّن النتائج فعلاً.

يقدم الكتاب تصحيحاً للتصورات المستقبلية القائمة على التكهن، التي تطبع جانباً كبيراً من التعليقات العامة على الذكاء الاصطناعي والحرب. كما يقدم كينغ معالجة مقنعة لعملية الدمج المعقدة بين الجهات التجارية والعسكريين وتقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الدفاعية. لكن يقصر في جانبين مهمين: فعلى الرغم من طموحه، لا يوضح بدقة ما الذي يجعل هذه التحولات بالغة الأهمية للمؤسسات الدفاعية تحديداً، كما أن وصف كيفية استخدام الجيوش للذكاء الاصطناعي وتبريرها لهذا الاستخدام لا يعادل تقييم ما إذا كان هذا الاستخدام مبرراً بالفعل.

يمكن للأبحاث المقبلة في هذا المجال أن تتناول الأفكار والتصورات التي ترافق هذه التحولات السوسيولوجية. فما نعرفه اليوم عن أداء منظومات الذكاء الاصطناعي خارج نطاق الاختبارات  لا يزال محدوداً جداً. وقد تساعد دراسة الكيفية التي يصوغ بها قطاع التكنولوجيا مقاييس الأداء على فهم كيف تتغير التصورات طويلة الأمد للنجاح في تبنّي هذه المنظومات في السياقات العسكرية، وعلى تحديد المصالح التي تخدمها هذه التصورات تحديداً.

نُشِر هذا المقال في 13 تموز/يوليو 2026 في LSE بموجب رخصة المشاع الإبداعي.

    ألكسندر بلانشارد

    باحث أول في برنامج حوكمة الذكاء الاصطناعي في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). 

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة