الاقتصاد العالمي: خمر جديد في قوارير قديمة
في أثناء انعقاد اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين في واشنطن، في نيسان/أبريل 2026، انشغل خبراء الاقتصاد الكلّي حول العالم بموضوع الاختلالات العالمية.
يربط الاقتصاد العالمي بعضه ببعض تدفّقٌ من السلع والخدمات والمال يبلغ تريليونات الدولارات. ويظلّ الأهم بوجه عام، بالنسبة إلى حجم النشاط الاقتصادي العالمي وبالنسبة إلى الشركات منفردة، هو الحجم الإجمالي للنشاط التجاري الدولي، أو ما يُعرف بالتدفقات الإجمالية. لكن خبراء الاقتصاد الكلّي يركّزون عادةً على صافي التدفقات في الواردات والصادرات، أي التدفقات الداخلة مطروحاً منها التدفقات الخارجة، نظراً إلى أثرها في التوازن العام للطلب الكلّي. فالصادرات تضيف إلى الطلب، بينما تحوّل الواردات جزءاً من الطلب المحلي إلى منتجين أجانب. وتقابل الاختلالات الصافية في الحساب الجاري عملية تراكم صافٍ، أو تفكيك للتراكم، لمطالبات مالية أو مطالبات ملكية على اقتصادات أجنبية، أو لمطالبات أجنبية على اقتصاد وطني. وقد يتحوّل هذا التدفق من الأصول والخصوم عبر الحدود إلى مصدر ضغط في حدّ ذاته.
حين نحتسب صافي التدفقات الداخلة والخارجة من السلع والخدمات، بعد قياسها نقدياً، إلى جانب مدفوعات الدخل الناتج من ملكيات في الخارج، نحصل على ميزان الحساب الجاري. ويمثّل الميزان التجاري، أي صافي ميزان السلع المتداولة عبر الحدود، المكوّن الأكثر حضوراً في الإحالة إلى هذا الميزان. فالبلد الذي يعاني عجزاً في الحساب الجاري يصبح، في المحصلة، مقترضاً خارجياً. أما البلد الذي يحقق فائضاً في الحساب الجاري، فيراكم، أراد ذلك أم لا، مطالبات على اقتصادات أجنبية في صورة عملات أو سندات حكومية أو استثمارات أخرى. وتطلق التدفقات المالية نمو الائتمان وانكماشه، بما يحرّك بدوره عمليات اقتصادية «حقيقية» عبر قناة الطلب الكلّي.
تنزع النظرية الاقتصادية السائدة إلى افتراض أن الاختلالات تصحّح نفسها ذاتياً. ففي ظل أسعار الصرف العائمة، ينبغي للفوائض التجارية أن تؤدي إلى ارتفاع قيمة العملة، وإلى تبدّل في ميزان الواردات والصادرات، والعكس صحيح. لكن قراءة العقود الأخيرة من التاريخ الاقتصادي الحديث تكشف أمراً لافتاً: فـالاختلالات لا تأتي كبيرة فحسب، بل مستمرة أيضاً. ولا تنتقل البلدان ذهاباً وإياباً عبر خط العجز والفائض. فقد بقيت الولايات المتّحدة ومجموعة من البلدان الأخرى، وفي مقدّمها بريطانيا، في حالة عجز طوال عقود. وعلى الجانب الآخر، حققت أوروبا واليابان والاقتصادات النفطية والصين فوائض كبيرة ومستمرة طوال عقود. وتبقى الأشرطة الملوّنة في الرسوم أعلاه ثابتة على نحو ملحوظ عبر الزمن.
لذلك، لا يبدو الحديث القلق عن الاختلالات العالمية جديداً أيضاً. ففي العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، بذل صندوق النقد الدولي جهوداً متفاوتة لمعالجة هذه المسألة، لكنها لم تُثمر كثيراً. وقد خفّفت صدمة عام 2008 حجم الاختلالات الإجمالية بعض الشيء، غير أن السؤال لم يختفِ. ووفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي حتى عام 2024، لا يبدو الوضع اليوم أسوأ بكثير مما بدا عليه في محطات سابقة من التاريخ الحديث. ومن هنا، يمكن للمرء أن يتساءل عن سبب هذه الضجة الشديدة في عام 2026. وكما تسأل بياتريس فيدر دي ماورو وجيرومين زيتلمير في مقدمة مجلد نشره مركز أبحاث السياسات الاقتصادية: «لماذا نهتم، ولماذا الآن، وماذا يمكن فعله؟»
تفيد هذه الأسئلة، في جملة ما تفيد، لأنها تخرج بنا من نطاق المحاسبة الاقتصادية الكلية وتحليلها إلى نطاق التاريخ. واللافت في نقاش الاختلالات في عام 2026 أن «قوارير» الحسابات الاقتصادية الكلية بقيت على حالها، فيما راحت تختلط داخلها خمرة قديمة بعناصر جديدة تماماً وأكثر قابلية للانفجار.
يتمثّل أحد الأسباب الطويلة الأمد للقلق من الاختلالات العالمية في الخشية من أن تؤدي إلى الحمائية. وكما شخّص كارل بولاني، وكان من أوائل من فعلوا ذلك، في كتابه «التحوّل الكبير» المنشور في عام 1944، فإن الجهود الناجحة في عولمة الأسواق تميل، في غياب «إدماج» سياسي واجتماعي ملائم، إلى إنتاج ردّ فعل سياسي عكسي. ومن المرجح أن تتحرك المصالح الراسخة ضد التدفقات الكبيرة من السلع أو الأموال أو العمالة الأجنبية، دفاعاً عن الوضع القائم، أو، بلغة بولاني، لتؤكد أن المسألة تتجاوز مجرد مطالبات مسلّعة بقوة العمل أو الأرض أو غيرها من الموارد. ومن منظور مديري النظام العالمي، يشكّل هذا الارتداد مصدر قلق؛ وهذا ما يمكن تسميته القلق الاحترازي من الاختلالات العالمية.
رداً على الاختلالات الراهنة، ولا سيما طفرة الصادرات الصينية، اعتمدت بلدان كثيرة حول العالم مجموعة من التدابير المضادة. لكن بعد اندفاعة ترامب غير المسبوقة إطلاقاً في السياسة التجارية في عام 2025، يصبح القلق من الاختلالات العالمية بوصفها محرّكاً محتملاً لـحمائية مستقبلية أشبه بحجة متكلّفة لإغلاق باب الإسطبل، بعدما لم يفرّ الحصان فحسب، بل حطّم جدار الإسطبل وهو يخرج.
صحيح أن اندفاعة ترامب في عام 2025 لا تنفصل عن العجز التجاري الأميركي. غير أن حملته تتحرك بفعل حجج بعيدة إلى حدّ كبير من التحليل المعقّد لميزان المدفوعات. كما لم تشهد الولايات المتّحدة، في عام 2025، ارتداداً شعبوياً قوياً يطالب بصوت عالٍ بـ«يوم التحرير». ويظهر انفصال غريب بين مطالب ترامب الجمركية وأي ضغوط ملموسة صادرة عن الاقتصاد السياسي الأميركي. ومن مفارقات التدابير التجارية التي اتخذها ترامب أن الصين خرجت في النهاية بمستوى رسوم جمركية أكثر اعتدالاً من بلدان كثيرة أخرى.
صحيح أن أميركا ترامب لا تمثّل الفاعل الحمائي الوحيد، لكن، كما يشير ريتشارد بالدوين في كتابه الأخير عن «حرب التجارة العالمية»، يملك باقي العالم أسباباً كثيرة للرد. ونظراً إلى هذيان ترامب، يمكن للمرء أن يتخيّل أن الدول التجارية الأخرى قد تصبح أقل استعداداً، في المستقبل، لإطلاق مناوشات تجارية أصغر نطاقاً. وفي هذه الأثناء، فإن مناقشة مشكلات النظام التجاري كما لو أننا ما زلنا ننتظر البرابرة بقلق، تمثّل شكلاً من الهروب من الواقع. فالبرابرة صاروا داخل البيت!
صحيح أن احتمال اندلاع صراع مستقبلي في السياسة التجارية لا يمثّل السبب الوحيد للقلق من الاختلالات العالمية. فالعجوزات التجارية المستمرة تقود إلى تراكم مطلوبات مالية ضخمة، تقابلها احتياطيات في الجهة الأخرى. وتجد الولايات المتّحدة، بوصفها بلد العجز الرئيس، نفسها تغوص أكثر فأكثر في موقع مدين صافٍ كبير تجاه العالم.
مع بلوغ صافي المطلوبات الأميركية تجاه بقية العالم مستوى يناهز 30 تريليون دولار، باتت تقترب من حجم الناتج المحلي الإجمالي الأميركي. والرقم هائل بلا شك. غير أن الحديث عن انهيار مفاجئ في نظام الدولار ينطوي على مبالغة. وكما يبيّن براد سيتسر في حلقة ممتازة من بودكاست «أود لوتس»، لا توجد مؤشرات كثيرة إلى هروب واسع من الدولار أو من الأصول الدولارية.
وكما ظلّ الحال طوال عقود، تواصل جاذبية الأصول المالية الأميركية دعم تقييم مرتفع للدولار. ولا يبدو، للوهلة الأولى، أن هناك سبباً كبيراً للقلق من المطالبات الأجنبية على القطاع الخاص الأميركي. وكما يوضح سيتسر، فإن محفظة الأسهم العالمية التقليدية، مقارنةً باحتياطيات العملة الرسمية غير الحساسة للعائد، تمنح الأسهم الأميركية وزناً زائداً بوضوح. ومهما بلغت تحفظات المستثمرين الأجانب على الحكومة الأميركية، فهم لا يريدون تفويت العوائد الاستثنائية التي تقدمها الشركات الأميركية العملاقة.
بالنسبة إلى بعضهم، يظل تراكم المطلوبات السيادية الأميركية مصدر قلق. صحيح أن الخزانة الأميركية تقترض بمعدلات أعلى من بعض الدول الغنية، لكن إن كان هذا هو موضع القلق، فلماذا نبدأ من ميزان المدفوعات؟ من يريد خفض العبء المالي المتراكم على الولايات المتّحدة، عليه أن يصدر ديوناً أقل. ففي اللحظة الراهنة، لا تصدم السياسة التجارية الأميركية وحدها. لم تشهد الولايات المتّحدة في تاريخها عجزاً في الموازنة بهذا الحجم في وقت ظلّت فيه مستويات التشغيل قريبة من العمالة الكاملة.
بالنظر إلى انخفاض البطالة، تشكّل العجوزات التي تراكمت منذ منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين شذوذاً تاريخياً. وللتوضيح، لا يكمن الخلل هنا في مستوى الإنفاق، بل في ضمور الحصيلة الضريبية الأميركية. وهذا نتيجة مأزق راسخ داخل الكونغرس، يتحمّل الجمهوريون مسؤوليته الأساسية.
طبعاً، لا تسير السببية في اتجاه واحد فقط، من العجز المالي إلى عجز الحساب الجاري. فهناك أيضاً دوائر تفاعل معقّدة على مستوى الاقتصاد الكلي تعمل في الاتجاه المعاكس، من العجز التجاري، عبر أثره في الطلب الكلي، إلى الرصيد المالي. لكن، وللتأكيد مجدّداً، إذا كان قلقك الرئيس من تصاعد الحمائية أو من مخاطر الخصوم الخارجية الأميركية، فلا ينبغي أن ينصبّ تركيزك على الاختلالات العالمية. ينبغي أن ينصبّ التركيز على التفكك الواضح في صنع القرار السياسي المتماسك في واشنطن العاصمة. فالانخراط في نقاش تقليدي عن سياسات الاقتصاد الكلّي فيما البرابرة داخل البيت يمثّل، في أفضل الأحوال، شكلاً من الهروب من الواقع. وفي أسوأ الأحوال، يقدّم للبرابرة ذرائع لتخريبهم.
غير أن الأزمة السياسية الأميركية لا تمثّل الصدمة التاريخية الوحيدة التي تعبّر عنها الاختلالات العالمية اليوم. فعلى جانب الفائض، يبدو وضع الصين وتايوان وكوريا الجنوبية شاذاً بدوره.
لا تلقى طفرة الصادرات من تايوان وكوريا الجنوبية اهتماماً كافياً. وتدفع هذه الطفرة حاجة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى الرقائق. ومن أكثر النتائج إثارة للاهتمام في الجولة الراهنة من تحليلات الاقتصاد الكلّي دراسات تبرز الأثر الدرامي لطفرة الذكاء الاصطناعي في التجارة العالمية. فقد أصبح الطلب على مراكز البيانات، المتركّز في الولايات المتّحدة، كبيراً بما يكفي لإحداث تبدّل واضح في أنماط التجارة العالمية. ويظهر هذا الأثر بأكبر قدر من الوضوح في الاقتصادات المتوسطة الحجم نسبياً التي تحتضن سامسونغ وتي إس إم سي.
تبدو فوائض الرقائق ضخمة، لكن الصين مسألة أخرى تماماً. فطفرة الصادرات الصينية أوسع قاعدةً، وتؤكد إيقاعاً متواصلاً من الشكاوى العالمية بشأن التجارة الصينية والسياسة الصناعية. والمحيّر أن الطفرة المفاجئة في صادرات الصين تظهر في بيانات ميزان المدفوعات العالمي الصادرة عن صندوق النقد الدولي بدرجة أقل مما يُفترض. فهناك ارتفاع ما، يظهر في بيانات التجارة الصينية، لكنه لا يقترب من درامية التقارير الراهنة.
يعود ذلك جزئياً إلى ما تكشفه بعض القطاعات على حدة، في مقابل ما تظهره البيانات الإجمالية. لكن يبدو أيضاً أن خللاً ما يطال البيانات الأساسية نفسها. ويتمثّل التفسير الأدنى في أن المسألة تتصل بـالمبالغة المنهجية في احتساب الصادرات والتقليل من احتساب الواردات، فضلاً عن تحولات معقّدة في طريقة التعامل مع عمليات التصنيع العابرة للحدود. وتؤدي هذه التحولات إلى احتساب الإنتاج بوصفه خدمات في الصين، وبوصفه واردات سلع في البلدان المتلقية. أما التفسير الأقوى، الذي يميل إليه براد سيتسر الصلب، فهو أن البيانات تقلّل منهجياً من مستوى الفائض التجاري الصيني.
تتمثّل الأطروحة الكامنة هنا، على طريقة مايكل بيتيس، في أن بكين حاصرت نفسها داخل فخّ سياسات صنعته بنفسها. فمن أجل تحقيق أهداف النمو على الرغم من ركود قطاع العقارات والبنية التحتية، تحتاج بكين إلى الحفاظ على الطلب الخارجي. ولتحقيق ذلك، تواصل التلاعب بتقييم الرنمينبي. ولكي تُبقي الأمر خارج دائرة الرصد، تخفي تراكم الاحتياطيات. وهكذا يجري تخفيض الإبلاغ عن الفوائض، فيما يُنقل تراكم الاحتياطيات إلى ميزانيات المصارف شبه الدولتية في الصين.
إذا أخذنا بنقد سيتسر للبيانات، وربطناه بنقد السياسة الصناعية الصينية والطاقة الإنتاجية الفائضة و«التخمة» وما إلى ذلك، نحصل على العناصر الأساسية لسردية صدمة الصين 2.0. فصندوق النقد الدولي، بوصفه هيئة متعدّدة الأطراف تتحاشى تبنّي سردية خلافية كهذه، ظلّ متمسكاً طويلاً بالعقيدة القديمة التي ترى أن السياسات القطاعية، مثل السياسة الصناعية، لا يمكن أن تغيّر التوازن الكلّي. غير أن صندوق النقد الدولي قدّم بدوره تنازلاً في تقاريره الأخيرة. لذلك، يظهر الآن ما يشبه الإجماع على أننا أمام «صدمة صينية» جديدة.
لكن، مرة أخرى، ينبغي التوقف عند الخصوصيات التاريخية.
يسهل تضخيم أثر صدمة الصين الأولى في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين على الولايات المتّحدة. وبعد 20 عاماً، لا تقع الولايات المتّحدة بالتأكيد في مرمى صدمة الصين الثانية. هذه المرة، لا تتمثّل الضحية الرئيسة لطفرة الواردات الصينية الميسورة وعالية الجودة في الولايات المتّحدة، بل في أوروبا. ويزيد الطابع الشبحي للنقاش الراهن أنه حوار عابر للأطلسي، يديره إلى حدّ كبير اقتصاديون فرنسيون وليبراليون أميركيون يحذّرون من أثر الصين في الاتحاد الأوروبي. وقد ساعد تولّي فرنسا رئاسة مجموعة السبع على وضع الاختلالات على جدول الأعمال. وبالنظر إلى جنون السياسة التجارية الأميركية ومأزق الكونغرس، لا توجد آفاق تُذكر لتحرّك بنّاء في واشنطن، فتنتقل الجبهة إلى أوروبا، حيث يمكن الدفاع، بطريقة تبدو معقولة، عن شكل من الرسوم الجمركية الحمائية أو عن اتفاق تفاوضي لـتقاسم السوق. ويمكن القول إن هذه سياسة ما بعد نيوليبرالية عقلانية بالوكالة.
يشكّل «تقرير باريس الرابع» الصادر عن مركز أبحاث السياسات الاقتصادية حالة دالّة على ذلك. ففي المقدمة المشار إليها أعلاه، يوسّع محرّرو تقرير المركز زاوية النظر، فيدرجون صدمة الصين 1.0 وصدمة الصين 2.0 في مسار أطول أمداً، ويطرحون نقطتين أساسيتين.
أولاً، ينبغي النظر إلى الضغط التنافسي في التصنيع الصناعي، بوصفه الانشغال المركزي في خطاب صدمة الصين، ضمن خلفية اتجاهات طويلة الأمد. فتراجع الوزن النسبي للعمالة الصناعية في المجتمعات الغنية لا يمثّل شذوذاً ولا ظاهرة مؤسفة.
ثانياً، يشكّل صعود الصين اتجاهاً طويل الأمد يتعيّن على الغرب التكيّف معه. وبما يتجاوز تقرير مركز أبحاث السياسات الاقتصادية، يمكن القول إن أحد أكثر جوانب أيديولوجيا التقارب في التسعينيات إثارةً للحيرة هو افتراضها أن كياناً بحجم الصين يمكن أن يُلحَق ببساطة بالعالم كما عرفه الغرب. وإذا لم ينته التاريخ فعلاً، فقد افترضت، في الأقل، وجود مسار تنموي «واحد فقط» ستنضم إليه الصين، لا أن تعيد تعريفه. وفي العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ظل ممكناً النظر إلى صدمة الصين الأولى بوصفها شكلاً من أشكال اللحاق بالركب. أما صدمة الصين الثانية فتكتسب أهمية أكبر، لأن الصين تعيد فعلياً رسم حدود الممكن في قطاعات كثيرة.
يمثّل هدوء مركز أبحاث السياسات الاقتصادية في مقاربة المسألة الصينية تصحيحاً مرحّباً به. وقد يبدو طلب المزيد ضرباً من الجحود؛ لكن الضرورة تفرضه. يصيب المركز حين يصرّ على أن تراجع العمالة الصناعية في الغرب وصعود الصين يمثّلان فعلاً اتجاهين طويلَي الأمد. لكنه لا يبلغ من الجدلية ما يكفي حين يرفض الإقرار بأن «صدمة الصين 2.0» صدمة حقيقية. فـنقلة المسار الصينية من نموذج نمو واسع القاعدة، مدفوع بالتمدّن والبنية التحتية، وهو نموذج بلغ حدّ الإفراط بحلول العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين لكنه خفّف في الأقل من فائض الحساب الجاري، إلى نموذج يركّز على السياسة الصناعية، تطلق فعلاً نوعاً جديداً من الصدمة العالمية. حاولت بلدان كثيرة إدارة تحولات بنيوية كهذه، لكن لا أحد فعل ذلك بالحجم والدينامية اللذين تفعله بهما الصين.
لا يشبه تطوّر السياسة الصناعية الصينية منذ عام 2015 أي تجربة سابقة. فالوتيرة التي يستطيع بها النظام الإنتاجي الصيني تعبئة الموارد غير مسبوقة. وقد يتألّف الفائض التجاري الصيني المذهل، البالغ 1.2 تريليون دولار، في جزء كبير منه، من تدفقات تجارية متوقعة، بل «حتمية» بمعنى من المعاني. غير أن هذا الإجمالي الهائل ينطوي أيضاً على سلسلة من القصص القطاعية التي لا نجد لها مثيلاً في ما رأيناه من قبل؛ وربما تشكّل الثورة الكهروتقنية وطفرة صادرات المركبات الآلية الصينية أهم هذه القصص وأكثرها حساسية سياسية. وبالنسبة إلى مسائل مثل الانتقال العالمي إلى الطاقة الخضراء، فإن ذلك يحمل أثراً تحويلياً بالكامل.
داخل السردية التي تبدو مألوفة عن الاختلالات العالمية، وهي خطاب يعود بشكله الراهن إلى العقد الأول من القرن 21، وفي خضم حرب خنادق مكرّرة بين منظورات متنازعة في الاقتصاد الكلّي، تتحرك أربع قوى جذرية حقاً ترسم ملامح لحظة منتصف عقد 2020:
اندفاعة ترامب في السياسة التجارية.
الانفلات الجديد والاستثنائي في السياسة المالية الأميركية.
طفرة الذكاء الاصطناعي التي اتخذت حجماً اقتصادياً عالمياً.
نقلة المسار في السياسة الاقتصادية الصينية.
نُشِر هذا المقال في 22 نيسان/أبريل 2026 على مدوّنة أدم توز، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر» بموافقة من الكاتب.